أمضيت في إعداد وتحرير: "موسوعة فلسفة الدين" ربع قرن تقريبًا. وهي أول موسوعة عربية في هذا الحقل البالغ الأهمية اليوم في الدراسات الفلسفية والدينية. أكثر موضوعات هذه الموسوعة مترجمة من اللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية والفارسية. وقد انفق مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد أموالًا ليست قليلة على مكافآت الترجمات. كل جزء منها يتضمن مقدمة للمحرر، مع مجموعة أبحاث لفلاسفة دين وباحثين خبراء، تتناول الموضوع الخاص بهذا الجزء.
تقع الموسوعة في 8 أجزاء، كل جزء يختص بموضوع أساسي من الموضوعات المحورية لفلسفة الدين. هذه الموسوعة ترسم أفقا مضيئا للدراسات الدينية، عسى ان تتحرر من الشعارات المكررة، والآفاق المسدودة.
تصدر قريبًا عن: مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ودار الرافدين في بيروت.
https://www.facebook.com/100001524003286/posts/pfbid02si2iDwUMyzoDzqJwwNRWhQqvJt28fkmJKC6hcb6LqkYM2PZoUotEmhrirL56cmHil/
تقع الموسوعة في 8 أجزاء، كل جزء يختص بموضوع أساسي من الموضوعات المحورية لفلسفة الدين. هذه الموسوعة ترسم أفقا مضيئا للدراسات الدينية، عسى ان تتحرر من الشعارات المكررة، والآفاق المسدودة.
تصدر قريبًا عن: مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ودار الرافدين في بيروت.
https://www.facebook.com/100001524003286/posts/pfbid02si2iDwUMyzoDzqJwwNRWhQqvJt28fkmJKC6hcb6LqkYM2PZoUotEmhrirL56cmHil/
Forwarded from علي المَدَن | Ali Almadan
موسوعة فلسفة الدين التي يصدرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي اليوم في ثمانية أجزاء، تمثل ثمرة جهدٍ فرديٍّ استثنائي لا تقوم بمثله مؤسسات كبرى تحظى بدعمٍ سخيّ من الدول أو من رؤوس الأموال. إنها شاهدٌ على طاقةٍ نادرة من الصبر والمثابرة والعزم والإخلاص في العمل.
فعلى المستوى الشخصي، تعكس هذه الموسوعة روح الرفاعي العملية المنذورة للمعرفة، ومثابرته التي لا تعرف الكلل.
وعلى المستوى الفكري، تمثل مشروعًا لإعادة هندسة المعرفة الدينية من جذورها، إذ تُحدث قطيعةً واعية مع أنماط التفكير السائدة في العلوم التقليدية كأصول الفقه والفقه والكلام، لتفتح أفقًا جديدًا لفهم الدين ضمن مناهج الفلسفة والعلوم الإنسانية المعاصرة.
أعرف جيدًا أن الرفاعي، رغم ما أنجزه، غير راضٍ تمامًا عن عمله، فهو طموح إلى ما هو أوسع وأكمل، غير أن طموحه الكبير يظل يستنهض من يأتي بعده من أجل إكمال المشوار.
وأرجّح أن هذه الموسوعة ستحتاج في المستقبل إلى جزأين إضافيين لم يُتح له الوقت لإعدادهما:
الأول، يتناول العلاقة بين المقدس والتاريخ.
والثاني، يدرس موقع الدين في حقل العلوم الإنسانية، وأقصد بالتحديد: نظريات علم النفس والاجتماع والدراسات العصبية للدين.
مبارك لنا جميعا هذا العمل الاستثنائي الفاخر
وأطال الله في عمر أستاذنا الرفاعي وأدامه علما للعلم والتنوير والتدين الرحماني
فعلى المستوى الشخصي، تعكس هذه الموسوعة روح الرفاعي العملية المنذورة للمعرفة، ومثابرته التي لا تعرف الكلل.
وعلى المستوى الفكري، تمثل مشروعًا لإعادة هندسة المعرفة الدينية من جذورها، إذ تُحدث قطيعةً واعية مع أنماط التفكير السائدة في العلوم التقليدية كأصول الفقه والفقه والكلام، لتفتح أفقًا جديدًا لفهم الدين ضمن مناهج الفلسفة والعلوم الإنسانية المعاصرة.
أعرف جيدًا أن الرفاعي، رغم ما أنجزه، غير راضٍ تمامًا عن عمله، فهو طموح إلى ما هو أوسع وأكمل، غير أن طموحه الكبير يظل يستنهض من يأتي بعده من أجل إكمال المشوار.
وأرجّح أن هذه الموسوعة ستحتاج في المستقبل إلى جزأين إضافيين لم يُتح له الوقت لإعدادهما:
الأول، يتناول العلاقة بين المقدس والتاريخ.
والثاني، يدرس موقع الدين في حقل العلوم الإنسانية، وأقصد بالتحديد: نظريات علم النفس والاجتماع والدراسات العصبية للدين.
مبارك لنا جميعا هذا العمل الاستثنائي الفاخر
وأطال الله في عمر أستاذنا الرفاعي وأدامه علما للعلم والتنوير والتدين الرحماني
الصمت مرآة لقوة الإرادة
د. عبد الجبار الرفاعي
إرادة الصمت تتطلب من الإنسان أن يروض ذاته، ويعيد تفريغ انفعالاته في مسارات لا تؤذيه ولا تؤذي غيره. كلما امتلك الإنسان قدرة أوسع على التحكم بانفعالاته، امتلك قدرة أعمق على التحكم بكلامه، وعلى إيقاظ الصمت الذي يكرس الحضور الواعي والامتناع المدروس. التحكم بالانفعالات يدل على ترويض متواصل للشخصية، وعلى ذكاء في تصريف الطاقات المكبوتة نحو منافذ آمنة، لا تترك جروحًا في النفس للإنسان أو لغيره. الصمت الذي ينبع من هذا الترويض لا يولد من ضعف، بل ينبع من قوة داخلية تنمو وتتجذر في لحظات التأمل، وتتحكم باللسان في لحظات التوتر، وتتجلى في المواقف التي تتطلب وعيًا لا ينفعل، وحكمة تحمي الإنسان من الطيش والنزق، وقرارًا لا يُملى من الخارج. مَن يجيد الصمت لا ينسحب من الحياة، بل يعيد بناء كيفية حضوره فيها، ويعيد تشكيل نمط وجوده في العالم، ويمنح ذاته فرصة لوعي أعمق، وتفاعل أنضج، واتخاذ مواقف لا يندم عليها.
الصمت غالبًا أصدق من الكلام، وأقرب إلى جوهر الإنسان الذي ينشد سلام الباطن. الإنصات موقف ذكي، يعكس حضورًا كاملًا، ويقظة لا تشتتها الرغبة في الرد أو الاستعراض أو الانتصار. حين ينصت الإنسان بهدوء يمنح للآخر فرصة في أن يكون، ويعطيه فرصة ليكشف عن ذاته، ويتيح للمعنى أن يتوالد في فضاء مشترك لا يهيمن عليه أحد. الإنصات فضيلة وجودية تعيد ترتيب صلة الذات بالعالم، وتعلّم الإنسان كيف ينصت إلى ذاته وصوته الداخلي، وما يعتمل في أعماقه من أسئلة مؤجلة، وأشواق لا تجد لغتها. في الإنصات يتعلّم الإنسان أن المعنى لا يُصاغ دائمًا بالكلمات، وأن الحقائق لا تدرك إلا حين يتوقف الضجيج، ويستطيع الإنسان أن يصغى إلى ما يتردد في صمت الكائنات، وفي ارتجاف القلب حين يتذوق المعاني التي لا تتسع لها الكلمات.
الصمت استراحة الذهن من الغرق بضوضاء الخارج، وعودة الإنسان إلى سبر أغوار ذاته، حيث تستيقظ منابع الإلهام والفاعلية التي طالما غمرها الضجيج. لا يقتصر الصمت على التوقف عن الكلام، بل يتجلى في فعل إرادي يتطلب عزيمة لا تقهر. إرادة الصمت أصعب من إرادة الكلام، وأعمق من مجرد ضبط اللسان، الإنسان حين يتكلم ينفعل وحين يصمت يتأمل ويشعر بالتواصل الوجودي مع ما حوله. الصمت يعكس قدرة الإنسان على التحكم بانفعالاته، وتحكيم العقل في لحظات التوتر. الصمت لا يعني انسحابًا وهروبًا، بل يعني انتصارًا داخليًا على الضجيج. الصمت ليس ضعفًا ولا انكفاء، وإنما هو تعبير عن يقظة تضيء الوعي. إنه عبور إلى ما وراء الظاهر، إلى حيث تتكلم الأشياء من دون صوت، وتضيء المعاني من غير ألفاظ. لا يتوقف الصمت عند حدود الامتناع عن النطق، إنما يتجسد في فعل إرادي يعكس عزيمة لا تنكسر، وإرادة لا تقهر. يستند الصمت إلى وعي يتجاوز الحاجة للكلام، وحاجة للتوغل في أعماق الذات. إرادة الصمت تنبع من يقظة العقل، وتغلب الإرادة لحظة الغضب، وقدرة على تحكم الإنسان بذاته حين يكون في مواجهتها، لا في مواجهة غيره.
بالصمت يتذوق الإنسان سكينة الروح، التي تجعله يرى الوجود بعيون مضيئة، ويشعر أن المعنى لا يُقتنص من كثرة الكلام، وإنما يولد من لحظة إنصات يلتقي فيها الفكر بالشعور، فيصير الصمت مرآة تعكس ما غاب عن البصر من أنوار البصيرة. هكذا يتحول الصمت إلى فعل إنساني يحرر الوعي من أسر العادة والتكرار، ويعيد للإنسان قدرته على رؤية ما وراء المألوف. بالصمت يكتشف الإنسان أن ضجيج الخارج صدى لاضطراب الداخل، وأن سلام العالم يبدأ من سلامة القلب، فيغدو الصمت طريقًا للسلام، وشجاعة تمكّن الإنسان من مواجهة ذاته.
حين يختار الإنسان الصمت، لا يهرب من العالم، بل يتهيأ للإنصات لما لا يسمع في صخب الكلام، ويمنح نفسه فرصة للعودة إلى ذاته، وايقاظ ما أهمله في أعماقه. الصمت لا يعني الخواء بل الامتلاء، إنه امتلاء بالمعنى، واستعداد لاستقبال ما لا يُدرك إلا في هدوء السكينة. في الصمت تتسع المسافة بين الفكرة ورد الفعل، إذ يجد الإنسان فسحة للتأمل، ومجالًا لإعادة النظر، وفرصة لتصفية الداخل من ردود أفعال التسرع والانفعال. الصمت الحكيم يولد في فضاء الصلة العميقة بالوجود، ويترسخ حين يتعلم الإنسان ألا يقول كل ما يعرف، ولا يرد على كل ما يسمع، ولا ينفعل بكل ما يثير انفعاله. في هذه الحالة يغدو الصمت موقفًا يعكس الحكمة، ومظهرًا من مظاهر السلام، وتجليًا لوعي لا يحتاج إلى الصخب كي يثبت حضوره، ولا إلى الجدل كي يبرر وجوده. الصمت الذي ينبع من وعي الإنسان بذاته، ومن إدراكه لحدود الكلام، هو صمت يحرره من الحاجة إلى الانتصار في كل حوار، ويمنحه طمأنينة لا يتلقاها من كثير من الكلمات.
د. عبد الجبار الرفاعي
إرادة الصمت تتطلب من الإنسان أن يروض ذاته، ويعيد تفريغ انفعالاته في مسارات لا تؤذيه ولا تؤذي غيره. كلما امتلك الإنسان قدرة أوسع على التحكم بانفعالاته، امتلك قدرة أعمق على التحكم بكلامه، وعلى إيقاظ الصمت الذي يكرس الحضور الواعي والامتناع المدروس. التحكم بالانفعالات يدل على ترويض متواصل للشخصية، وعلى ذكاء في تصريف الطاقات المكبوتة نحو منافذ آمنة، لا تترك جروحًا في النفس للإنسان أو لغيره. الصمت الذي ينبع من هذا الترويض لا يولد من ضعف، بل ينبع من قوة داخلية تنمو وتتجذر في لحظات التأمل، وتتحكم باللسان في لحظات التوتر، وتتجلى في المواقف التي تتطلب وعيًا لا ينفعل، وحكمة تحمي الإنسان من الطيش والنزق، وقرارًا لا يُملى من الخارج. مَن يجيد الصمت لا ينسحب من الحياة، بل يعيد بناء كيفية حضوره فيها، ويعيد تشكيل نمط وجوده في العالم، ويمنح ذاته فرصة لوعي أعمق، وتفاعل أنضج، واتخاذ مواقف لا يندم عليها.
الصمت غالبًا أصدق من الكلام، وأقرب إلى جوهر الإنسان الذي ينشد سلام الباطن. الإنصات موقف ذكي، يعكس حضورًا كاملًا، ويقظة لا تشتتها الرغبة في الرد أو الاستعراض أو الانتصار. حين ينصت الإنسان بهدوء يمنح للآخر فرصة في أن يكون، ويعطيه فرصة ليكشف عن ذاته، ويتيح للمعنى أن يتوالد في فضاء مشترك لا يهيمن عليه أحد. الإنصات فضيلة وجودية تعيد ترتيب صلة الذات بالعالم، وتعلّم الإنسان كيف ينصت إلى ذاته وصوته الداخلي، وما يعتمل في أعماقه من أسئلة مؤجلة، وأشواق لا تجد لغتها. في الإنصات يتعلّم الإنسان أن المعنى لا يُصاغ دائمًا بالكلمات، وأن الحقائق لا تدرك إلا حين يتوقف الضجيج، ويستطيع الإنسان أن يصغى إلى ما يتردد في صمت الكائنات، وفي ارتجاف القلب حين يتذوق المعاني التي لا تتسع لها الكلمات.
الصمت استراحة الذهن من الغرق بضوضاء الخارج، وعودة الإنسان إلى سبر أغوار ذاته، حيث تستيقظ منابع الإلهام والفاعلية التي طالما غمرها الضجيج. لا يقتصر الصمت على التوقف عن الكلام، بل يتجلى في فعل إرادي يتطلب عزيمة لا تقهر. إرادة الصمت أصعب من إرادة الكلام، وأعمق من مجرد ضبط اللسان، الإنسان حين يتكلم ينفعل وحين يصمت يتأمل ويشعر بالتواصل الوجودي مع ما حوله. الصمت يعكس قدرة الإنسان على التحكم بانفعالاته، وتحكيم العقل في لحظات التوتر. الصمت لا يعني انسحابًا وهروبًا، بل يعني انتصارًا داخليًا على الضجيج. الصمت ليس ضعفًا ولا انكفاء، وإنما هو تعبير عن يقظة تضيء الوعي. إنه عبور إلى ما وراء الظاهر، إلى حيث تتكلم الأشياء من دون صوت، وتضيء المعاني من غير ألفاظ. لا يتوقف الصمت عند حدود الامتناع عن النطق، إنما يتجسد في فعل إرادي يعكس عزيمة لا تنكسر، وإرادة لا تقهر. يستند الصمت إلى وعي يتجاوز الحاجة للكلام، وحاجة للتوغل في أعماق الذات. إرادة الصمت تنبع من يقظة العقل، وتغلب الإرادة لحظة الغضب، وقدرة على تحكم الإنسان بذاته حين يكون في مواجهتها، لا في مواجهة غيره.
بالصمت يتذوق الإنسان سكينة الروح، التي تجعله يرى الوجود بعيون مضيئة، ويشعر أن المعنى لا يُقتنص من كثرة الكلام، وإنما يولد من لحظة إنصات يلتقي فيها الفكر بالشعور، فيصير الصمت مرآة تعكس ما غاب عن البصر من أنوار البصيرة. هكذا يتحول الصمت إلى فعل إنساني يحرر الوعي من أسر العادة والتكرار، ويعيد للإنسان قدرته على رؤية ما وراء المألوف. بالصمت يكتشف الإنسان أن ضجيج الخارج صدى لاضطراب الداخل، وأن سلام العالم يبدأ من سلامة القلب، فيغدو الصمت طريقًا للسلام، وشجاعة تمكّن الإنسان من مواجهة ذاته.
حين يختار الإنسان الصمت، لا يهرب من العالم، بل يتهيأ للإنصات لما لا يسمع في صخب الكلام، ويمنح نفسه فرصة للعودة إلى ذاته، وايقاظ ما أهمله في أعماقه. الصمت لا يعني الخواء بل الامتلاء، إنه امتلاء بالمعنى، واستعداد لاستقبال ما لا يُدرك إلا في هدوء السكينة. في الصمت تتسع المسافة بين الفكرة ورد الفعل، إذ يجد الإنسان فسحة للتأمل، ومجالًا لإعادة النظر، وفرصة لتصفية الداخل من ردود أفعال التسرع والانفعال. الصمت الحكيم يولد في فضاء الصلة العميقة بالوجود، ويترسخ حين يتعلم الإنسان ألا يقول كل ما يعرف، ولا يرد على كل ما يسمع، ولا ينفعل بكل ما يثير انفعاله. في هذه الحالة يغدو الصمت موقفًا يعكس الحكمة، ومظهرًا من مظاهر السلام، وتجليًا لوعي لا يحتاج إلى الصخب كي يثبت حضوره، ولا إلى الجدل كي يبرر وجوده. الصمت الذي ينبع من وعي الإنسان بذاته، ومن إدراكه لحدود الكلام، هو صمت يحرره من الحاجة إلى الانتصار في كل حوار، ويمنحه طمأنينة لا يتلقاها من كثير من الكلمات.
مَن ينتصر حتى في المعارك، ليس من يصرخ أعلى أو يضرب أسرع، بل مَن يملك القدرة على تهدئة عواصفه الداخلية، وقراءة اللحظة الحرجة بوعي، سواء كانت لحظة حرب أو لحظة سلام. ومَن يدرك ما يتطلبه الواقع الذي يعيش فيه، ويبرع في حسابات الأرباح والخسائر، ويحسن إدارة التسويات حين لا يكون الانتصار ممكنًا، لئلا يخسر كل شيء. الانتصار الحقيقي يتحقق بالقدرة على التماسك في لحظة الانفلات، واتخاذ القرار الذي يحفظ الكرامة ويقلل الخسائر، ويمنح الإنسان فرصة جديدة للبدء من دون أن ينهار كل شيء. مَن يملك وعي اللحظة، ويقرأ ما وراء ظاهرها، يستطيع أن يختار متى يتقدم ومتى يتراجع، ومتى يصمت ومتى يتكلم، ومتى يربح بالصبر ما لا يربحه بالعنف. في هذا المقام، لا يكون الانتصار مجرد غلبة، بل يكون حكمة في إدارة انفعالات الذات، وبصيرة في التعامل مع الواقع، وحنكة في صون ما تبقى، حين لا يعود النصر ممكنًا.
الصمت يدل على موقف حيال الواقع، يمكّن الإنسان من أن يكون فاعلًا لا منفعلًا، حكيمًا لا متهورًا، حاضرًا بكامل طاقته الذهنية والنفسية، لا غارقًا في ردود الأفعال والغضب. حين يختار الإنسان الصمت فإنه لا ينسحب من الواقع، بل يعيد تنظيم حضوره فيه، ويتهيّأ لرؤية العالم في العمق لا في السطح، ويتعامل مع ذاته كما يتعامل مع خصم نبيل: بذكاء، ويقظة. في هذا المقام، يغدو الصمت فعلًا من أفعال الوعي، ومظهرًا من مظاهر النضج، وتجليًا لقدرة الإنسان على أن يوازن بين ما يشعر به وما يعبّر عنه، وبين ما يراه وما يقوله، وبين ما يختلج في داخله وما يختار أن يظهره.
الصمت لا يعني الغياب عن الحياة، بل يدل على حضور مختلف فيها، حضور لا يحتاج الإنسان إلى ضجيج ليؤكد ذاته، ولا إلى ردود حادةكي يبرر موقفه، بل يكفيه أن يصغي إلى المعاني التي لا تنطق بها الألسنة، ويتأمل الإشارات التي لا تبثها الكلمات، ويتلقّى ما لا يصل عبر قنوات التواصل المألوفة. في لحظات التوتر ينتصر مَن يصمت ليدرك الموقف المطلوب، ويصوغ الموقف في ضوء ما يفرضه الوعي والواقع. الصمت بهذا المعنى لا يعكس ضعفًا، بل يكشف عن قوة داخلية لا يمتلكها إلا مَن تمرّن على الإنصات، وتدرب على التجلي بلا صخب، وتعلّم كيف يحضر من دون أن يطغى، ويؤثّر في غيره من دون أن يكرهه على فعل معين. https://alzawraapaper.com/content.php?id=381349
الصمت يدل على موقف حيال الواقع، يمكّن الإنسان من أن يكون فاعلًا لا منفعلًا، حكيمًا لا متهورًا، حاضرًا بكامل طاقته الذهنية والنفسية، لا غارقًا في ردود الأفعال والغضب. حين يختار الإنسان الصمت فإنه لا ينسحب من الواقع، بل يعيد تنظيم حضوره فيه، ويتهيّأ لرؤية العالم في العمق لا في السطح، ويتعامل مع ذاته كما يتعامل مع خصم نبيل: بذكاء، ويقظة. في هذا المقام، يغدو الصمت فعلًا من أفعال الوعي، ومظهرًا من مظاهر النضج، وتجليًا لقدرة الإنسان على أن يوازن بين ما يشعر به وما يعبّر عنه، وبين ما يراه وما يقوله، وبين ما يختلج في داخله وما يختار أن يظهره.
الصمت لا يعني الغياب عن الحياة، بل يدل على حضور مختلف فيها، حضور لا يحتاج الإنسان إلى ضجيج ليؤكد ذاته، ولا إلى ردود حادةكي يبرر موقفه، بل يكفيه أن يصغي إلى المعاني التي لا تنطق بها الألسنة، ويتأمل الإشارات التي لا تبثها الكلمات، ويتلقّى ما لا يصل عبر قنوات التواصل المألوفة. في لحظات التوتر ينتصر مَن يصمت ليدرك الموقف المطلوب، ويصوغ الموقف في ضوء ما يفرضه الوعي والواقع. الصمت بهذا المعنى لا يعكس ضعفًا، بل يكشف عن قوة داخلية لا يمتلكها إلا مَن تمرّن على الإنصات، وتدرب على التجلي بلا صخب، وتعلّم كيف يحضر من دون أن يطغى، ويؤثّر في غيره من دون أن يكرهه على فعل معين. https://alzawraapaper.com/content.php?id=381349
جريدة الزوراء العراقية
الصمت مرآة لقوة الإرادة
إرادة الصمت تتطلب من الإنسان أن يروض ذاته، ويعيد تفريغ انفعالاته في مسارات لا تؤذيه ولا تؤذي غيره. كلما امتلك الإنسان قدرة أوسع على التحكم بانفعالاته، امتلك قدرة أعمق على التحكم بكلامه، وعلى إيقاظ الصمت الذي يكرس
ندوة "لغة الدين: رؤية في آفاق فلسفة الدين" للدكتور عبد الجبار الرفاعي، في: "المنتدى العالمي للغة العربية"، مساء الجمعة 31 أكتوبر 2025. استغرقت الندوة مع المناقشات نحو 3 ساعات.
https://www.youtube.com/watch?v=CZDVi1CZRBE
https://www.youtube.com/watch?v=CZDVi1CZRBE
YouTube
ندوة "لغة الدين: رؤية في آفاق فلسفة الدين" للأستاذ الدكتور عبد الجبار الرفاعي، الجمعة 31 أكتوبر 2025
ندوة المنتدى العالمي للغة العربية يوم الجمعة 31 تشرين الثاني/ أكتوبر 2025:
"لغة الدين: رؤية في آفاق فلسفة الدين"
تقديم: الأستاذ الدكتور عبد الجبار الرفاعي
إدارة الندوة: أ.د. أحمد الكلابي
إدارة المنصة: أ. يعرب أكرم
"لغة الدين: رؤية في آفاق فلسفة الدين"
تقديم: الأستاذ الدكتور عبد الجبار الرفاعي
إدارة الندوة: أ.د. أحمد الكلابي
إدارة المنصة: أ. يعرب أكرم
مقدمة كتاب الهوية في شِراك الأيديولوجيا
د. عبد الجبار الرفاعي
منذ عودتي إلى وطني العراق قبل عشرين عامًا، بعد سنوات طويلة عشتها في المنفى، متنقلًا بين أكثر من بلد، صدمتني اضطرابات الهوية السياسية لدى عدد كبير من المواطنين. تلاشت الهوية الوطنية أو ضعف حضورها، وحلت محلها هويات طائفية وعرقية، استحوذت على المشهد السياسي والاجتماعي والديني وحتى الثقافي، وفرضت خطابها في الحياة العامة. عندما كنت أتابع أحاديث الزعماء السياسيين في الفضائيات، قليلًا ما كنت أسمع مَن يذكر العراق بوصفه الوطن الجامع. كان كثير من حديثهم يتمحور حول استعادة حقوق تاريخية مهدورة لجماعتهم، ويطالب بتسويتها اليوم، من غير اهتمام بما يهدد كيان الدولة، ويفكك رابطة العيش المشترك في المجتمع الواحد.
في الأحاديث اليومية للمواطنين، قلما كنت أسمع اسم "العراق" يتردد، وكأن الوطن غائب عن الوعي العام. أسماء المواليد من الإناث والذكور لم تكن تعبّر عن انتماء لحضارات وادي الرافدين، ولا تشير إلى رموزها وأعلامها ومعالمها وميراثها الحضاري والثقافي الثمين. بدا حضور العراق في الصحافة والإعلام ووسائل التواصل والفضائيات والإذاعات باهتًا، لا يعكس ما يفترض أن يمثله من رمز للهوية والانتماء. في الشعر القديم والحديث، وفي الأمثال والشعر الشعبي، لا يحضر العراق بما يكفي بوصفه الوطن الذي تلتقي فيه مصالح الجميع، وتتوحد فيه مصائرهم، ويتجاوز حدود الطائفة والقومية. عشت في بلدان يعتز أهلها كثيرًا بهويتهم الوطنية، أتأمل كيف صارت هويات أوطانهم أوعية ينصهر فيها تنوع الديانات والمذاهب والثقافات المحلية والعالمية، وكيف تغلبت تلك الهويات على الانغلاق، وتشكلت من تراكم الذاكرة المشتركة، وخبرات العيش معًا، والاعتزاز برموز الوطن وميراثه.
في وطننا، أضحت الكتابة والحديث باسم العراق، والمناداة بضرورة تجذير الهوية الوطنية وترسيخها في ضمير المواطن أمرًا غير مألوف لدى كثيرين، بعد أن جرى نسيان الوطن، وانشغل أغلب المواطنين بهوياتهم الطائفية والقومية. ربما ينظر بعضهم إلى الكاتب المهموم بترسيخ مفهوم الوطن والمواطنة، ويكتب عن الهوية الوطنية، بأنه يمارس نوعًا من رفاهية الكتابة، لأنها كتابة لا حاجة لها هذا اليوم، وعديمة الجدوى في نظره. ويشكك بعض آخر في دوافع هذا الكاتب، ويحسب أن الكاتب المهموم بالهوية الوطنية والمواطنة يرمي إلى صرف أنظار الناس عن هموم طائفتهم وقوميتهم.
ما تعانيه الهوية الوطنية من ضمور وتراجع وتهميش، يمثل إحدى أخطر أزماتنا السياسية والاجتماعية والثقافية. أتمنى أن يتناول هذه الظاهرة باحثون متخصصون، ويكرس طلاب الدراسات العليا اطروحاتهم ورسائلهم الدكتوراه والماجستير، لدراسة العوامل التاريخية السياسية والاجتماعية والثقافية والطائفية، التي أسهمت في تآكل الهوية الوطنية، وتفتيت بنيتها الرمزية، وأعاقت تشكل نسيجها التاريخي. لا أعلم على وجه الدقة إن كانت دراسات أكاديمية كافية قد تناولت هذه المسألة، لكنني أرى أن دراستها اليوم ضرورة قصوى، ينبغي أن تتعدد فيها المقاربات، من منظورات اجتماعية وأنثروبولوجية ونفسية وسياسية ولسانية، ومن غيرها من العلوم الإنسانية، بوصفها مسألة مصيرية لا يمكن تأجيلها أو التنكر لها.
نحن بحاجة ماسة إلى غرس الهوية الوطنية في الضمير السياسي، وتغذية حضورها النفسي والعاطفي والثقافي للأبناء وتنميتها، وتمكينهم من عبور مضايق هويات الآباء، التي ما زالت تلهيهم بهويات أيديولوجية مستعارة من الأمس، أو بهويات طائفية وعرقية لا تكترث بالهوية الوطنية، التي تفجرت عقدها المكبوتة عبر عقود طويلة، خدمةً لمصالح جماعات وزعامات تتصارع على السلطة والثروة، أو لتحقيق مكاسب لبلدان أخرى ترى في تآكل هوية العراق وتناحر مكوناته، ضمانًا لهشاشة الدولة، واستمرار التبعية.
د. عبد الجبار الرفاعي
منذ عودتي إلى وطني العراق قبل عشرين عامًا، بعد سنوات طويلة عشتها في المنفى، متنقلًا بين أكثر من بلد، صدمتني اضطرابات الهوية السياسية لدى عدد كبير من المواطنين. تلاشت الهوية الوطنية أو ضعف حضورها، وحلت محلها هويات طائفية وعرقية، استحوذت على المشهد السياسي والاجتماعي والديني وحتى الثقافي، وفرضت خطابها في الحياة العامة. عندما كنت أتابع أحاديث الزعماء السياسيين في الفضائيات، قليلًا ما كنت أسمع مَن يذكر العراق بوصفه الوطن الجامع. كان كثير من حديثهم يتمحور حول استعادة حقوق تاريخية مهدورة لجماعتهم، ويطالب بتسويتها اليوم، من غير اهتمام بما يهدد كيان الدولة، ويفكك رابطة العيش المشترك في المجتمع الواحد.
في الأحاديث اليومية للمواطنين، قلما كنت أسمع اسم "العراق" يتردد، وكأن الوطن غائب عن الوعي العام. أسماء المواليد من الإناث والذكور لم تكن تعبّر عن انتماء لحضارات وادي الرافدين، ولا تشير إلى رموزها وأعلامها ومعالمها وميراثها الحضاري والثقافي الثمين. بدا حضور العراق في الصحافة والإعلام ووسائل التواصل والفضائيات والإذاعات باهتًا، لا يعكس ما يفترض أن يمثله من رمز للهوية والانتماء. في الشعر القديم والحديث، وفي الأمثال والشعر الشعبي، لا يحضر العراق بما يكفي بوصفه الوطن الذي تلتقي فيه مصالح الجميع، وتتوحد فيه مصائرهم، ويتجاوز حدود الطائفة والقومية. عشت في بلدان يعتز أهلها كثيرًا بهويتهم الوطنية، أتأمل كيف صارت هويات أوطانهم أوعية ينصهر فيها تنوع الديانات والمذاهب والثقافات المحلية والعالمية، وكيف تغلبت تلك الهويات على الانغلاق، وتشكلت من تراكم الذاكرة المشتركة، وخبرات العيش معًا، والاعتزاز برموز الوطن وميراثه.
في وطننا، أضحت الكتابة والحديث باسم العراق، والمناداة بضرورة تجذير الهوية الوطنية وترسيخها في ضمير المواطن أمرًا غير مألوف لدى كثيرين، بعد أن جرى نسيان الوطن، وانشغل أغلب المواطنين بهوياتهم الطائفية والقومية. ربما ينظر بعضهم إلى الكاتب المهموم بترسيخ مفهوم الوطن والمواطنة، ويكتب عن الهوية الوطنية، بأنه يمارس نوعًا من رفاهية الكتابة، لأنها كتابة لا حاجة لها هذا اليوم، وعديمة الجدوى في نظره. ويشكك بعض آخر في دوافع هذا الكاتب، ويحسب أن الكاتب المهموم بالهوية الوطنية والمواطنة يرمي إلى صرف أنظار الناس عن هموم طائفتهم وقوميتهم.
ما تعانيه الهوية الوطنية من ضمور وتراجع وتهميش، يمثل إحدى أخطر أزماتنا السياسية والاجتماعية والثقافية. أتمنى أن يتناول هذه الظاهرة باحثون متخصصون، ويكرس طلاب الدراسات العليا اطروحاتهم ورسائلهم الدكتوراه والماجستير، لدراسة العوامل التاريخية السياسية والاجتماعية والثقافية والطائفية، التي أسهمت في تآكل الهوية الوطنية، وتفتيت بنيتها الرمزية، وأعاقت تشكل نسيجها التاريخي. لا أعلم على وجه الدقة إن كانت دراسات أكاديمية كافية قد تناولت هذه المسألة، لكنني أرى أن دراستها اليوم ضرورة قصوى، ينبغي أن تتعدد فيها المقاربات، من منظورات اجتماعية وأنثروبولوجية ونفسية وسياسية ولسانية، ومن غيرها من العلوم الإنسانية، بوصفها مسألة مصيرية لا يمكن تأجيلها أو التنكر لها.
نحن بحاجة ماسة إلى غرس الهوية الوطنية في الضمير السياسي، وتغذية حضورها النفسي والعاطفي والثقافي للأبناء وتنميتها، وتمكينهم من عبور مضايق هويات الآباء، التي ما زالت تلهيهم بهويات أيديولوجية مستعارة من الأمس، أو بهويات طائفية وعرقية لا تكترث بالهوية الوطنية، التي تفجرت عقدها المكبوتة عبر عقود طويلة، خدمةً لمصالح جماعات وزعامات تتصارع على السلطة والثروة، أو لتحقيق مكاسب لبلدان أخرى ترى في تآكل هوية العراق وتناحر مكوناته، ضمانًا لهشاشة الدولة، واستمرار التبعية.
الانتماء إلى العراق شرف وطني، العراق وطن جدير بنا جميعًا، وكل واحد من أبنائه ينبغي أن يعتز بالانتماء إليه. مَن يقرأ مكاسب الحضارات التي ولدت على أرض الرافدين، سواء في العصور القديمة أو العصر الإسلامي، يقف أمام ميراث زاخر بالمنجزات الاستثنائية التي انفردت بها هذه الأرض. على العراقي أن يفتخر بميراث إسلامي عريق، امتدت جذوره قرونًا طويلة في الكوفة والبصرة وبغداد، وما زالت بعض عناصر هذا الميراث حية، ننصت لصداها في المجتمعات الإسلامية، في علوم الدين، واللغة، والشعر والأدب، والفنون، والفلسفة، والتصوف. لولا ذلك الميراث، لما تراكمت في حضارة الإسلام كنوز معارفها وعلومها وآدابها وفنونها وقيمها، التي ازدهرت في القرن الرابع الهجري، وخلدت مكاسب هذه الحضارة في مواطن مجتمعات عالم الإسلام المتنوعة. وقبل حضارة الإسلام، أنجبت أرض الرافدين سلسلة حضارات عظيمة في سومر وأكد وبابل وآشور، وأورثت للبشرية منجزات رائدة، ما زال العالم بأسره مدينًا لها، مثل اكتشاف الكتابة، واختراع العجلة، وتدوين القانون، وتنظيم الري، والتخطيط الحضري، وفن العمارة، والرياضيات، والفلك، والقيثارة، والشعر، والملحمة، وسواها من اكتشافات واختراعات وإبداعات شكلت منعطفات حاسمة في مسار التطور الحضاري على الكرة الأرضية. أرض الرافدين تتميز بحيوية وخصوبة حضارية مدهشة، فعلى الرغم من تعاقب الاحتلالات الجائرة عليها، غير أنها كانت وما زالت تعاند سحقها والفتك بها، وتقاوم استنزاف إنسانها، وتعاند تدمير ميراثها.
لا يعني هذا الكلام التنكر للهويات الفرعية في المجتمع، تعدد الهويات وتنوعها منبع غزير للثراء والحيوية المجتمعية الخلاقة. أشرت في موارد متعددة من هذا الكتاب إلى أن بعض الهويات والانتماءات تبدأ تتوالد بعد ولادة الإنسان مباشرة، مثل وراثته لديانة آبائه ومجتمعه ومذهبهم ولغتهم وثقافتهم، وهذه الهويات تنمو وتترسخ في البيئة التي ينشأ فيها. في دولة المواطنة الحديثة يعد التنوع الهوياتي مصدر قوة لا ضعف، لكن ذلك يتطلب معادلة تبتني على جعل الهوية الوطنية إطارًا جامعًا، تتفرع منه الهويات القومية والدينية والمذهبية، من دون أن تطغى عليه. انقلاب هذه المعادلة، بتقديم المذهب أو الديانة أو القومية على الوطن، يجهض الوحدة المجتمعية، ولا يرسي أساسًا متينًا للعيش المشترك، ويعيق إقامة دولة حديثة. الهوية الوطنية أساس سياسي رحب يتسع للتنوع ويعترف بحق المواطن في أن يكون مختلفًا، فيصبح المجتمع نسقًا متكاملًا يحول التنوع إلى مصدر غنى وقوة.
لا يتحقق معنى الوطن والمواطنة إلا إذا تحقق معنى المواطن، الذي له الحقوق ذاتها الممنوحة لكل مواطن، كما عليه المسؤوليات ذاتها المفروضة على كل مواطن. أما لو فرضت عليه تلك المسؤوليات، ولم يمتلك الحقوق الممنوحة لبعض فئات المواطنين، وجرى انتزاع حقوقه التي تمنح له بوصفه مواطنًا، وحرمانه منها، لأنه ينتمي إلى دين، أو معتقد، أو مذهب، أو قومية، أو طبقة، ينظر إلى مقامها على أنها أدنى من غيرها من الشركاء في الوطن، فلا يتحقق معنى المواطن، ولا معنى المواطنة، ولا معنى الوطن.
حين يكون النصاب هو الهوية الوطنية، تصبح هذه الهوية ضامنًا للعيش المشترك، وشرطًا للتعايش السلمي، لأن الوطن هو المشترك الذي يحتضن الجميع، وتلتقي فيه مصالحهم، وتتعانق مصائرهم، وتتحقق فيه المساواة من دون امتياز ديني أو مذهبي أو عرقي. أما إذا كان النصاب عرقيًا أو مذهبيًا أو دينيًا، فإن ذلك يفضي إلى تمزق النسيج الاجتماعي، ويشعل التنازع على المصالح والمواقع، ويغدو بابًا لانتهاك حقوق مَن لا يشارك الجماعة الغالبة في مذهبها أو دينها أو قوميتها. آنذاك، لا يكون الوطن وطنًا للجميع، بل يتحول إلى غنيمة يتقاسمها المنتصرون، ويستبعد منها غيرهم من أبنائه.
ما كنت أفكر بتأليف هذا الكتاب قبل سنوات، لولا شعوري العميق بمتاهة الهوية الوطنية، التي لبث فيها جيلنا وجيل آبائنا عشرات السنين، مسجونًا في أيديولوجيات تغويه بالولاء لبلدان أخرى، وتنسيه وطنه. رهاني اليوم على الجيل الجديد، الذي أقرأ في ضوء عيونه الشغف بالتحرر من الانتماء لغير أرض العراق. أتطلع إلى أن يتحرر الأبناء من شِراك الهويات الأيديولوجية، ويتجذر الانتماء للوطن في وعيهم السياسي، ويتضامن معهم الآباء، على مبايعة الوطن تحت شعار: الولاء للعراق أولًا، قبل الولاء لأي انتماء آخر، كما تفعل كل المجتمعات التي تعتز بانتمائها لأوطانها، وترى فيه الحصن الأول لكرامتها، وسلامها، ومستقبل أبنائها. الدولة الوطنية هي النصاب الجامع الذي يحمي المواطنين بهوياتهم الفرعية المختلفة، ويكفل حقوقهم وحرياتهم. المواطنة تفرض على الجميع الولاء لهذه الدولة دون سواها، المواطنة هي الضامن لحقوقهم وحرياتهم، على أن تمارس هذه الحقوق والحريات في إطار القانون والعدالة والمساواة، وبما يحفظ الكرامة الإنسانية للجميع.
لا يعني هذا الكلام التنكر للهويات الفرعية في المجتمع، تعدد الهويات وتنوعها منبع غزير للثراء والحيوية المجتمعية الخلاقة. أشرت في موارد متعددة من هذا الكتاب إلى أن بعض الهويات والانتماءات تبدأ تتوالد بعد ولادة الإنسان مباشرة، مثل وراثته لديانة آبائه ومجتمعه ومذهبهم ولغتهم وثقافتهم، وهذه الهويات تنمو وتترسخ في البيئة التي ينشأ فيها. في دولة المواطنة الحديثة يعد التنوع الهوياتي مصدر قوة لا ضعف، لكن ذلك يتطلب معادلة تبتني على جعل الهوية الوطنية إطارًا جامعًا، تتفرع منه الهويات القومية والدينية والمذهبية، من دون أن تطغى عليه. انقلاب هذه المعادلة، بتقديم المذهب أو الديانة أو القومية على الوطن، يجهض الوحدة المجتمعية، ولا يرسي أساسًا متينًا للعيش المشترك، ويعيق إقامة دولة حديثة. الهوية الوطنية أساس سياسي رحب يتسع للتنوع ويعترف بحق المواطن في أن يكون مختلفًا، فيصبح المجتمع نسقًا متكاملًا يحول التنوع إلى مصدر غنى وقوة.
لا يتحقق معنى الوطن والمواطنة إلا إذا تحقق معنى المواطن، الذي له الحقوق ذاتها الممنوحة لكل مواطن، كما عليه المسؤوليات ذاتها المفروضة على كل مواطن. أما لو فرضت عليه تلك المسؤوليات، ولم يمتلك الحقوق الممنوحة لبعض فئات المواطنين، وجرى انتزاع حقوقه التي تمنح له بوصفه مواطنًا، وحرمانه منها، لأنه ينتمي إلى دين، أو معتقد، أو مذهب، أو قومية، أو طبقة، ينظر إلى مقامها على أنها أدنى من غيرها من الشركاء في الوطن، فلا يتحقق معنى المواطن، ولا معنى المواطنة، ولا معنى الوطن.
حين يكون النصاب هو الهوية الوطنية، تصبح هذه الهوية ضامنًا للعيش المشترك، وشرطًا للتعايش السلمي، لأن الوطن هو المشترك الذي يحتضن الجميع، وتلتقي فيه مصالحهم، وتتعانق مصائرهم، وتتحقق فيه المساواة من دون امتياز ديني أو مذهبي أو عرقي. أما إذا كان النصاب عرقيًا أو مذهبيًا أو دينيًا، فإن ذلك يفضي إلى تمزق النسيج الاجتماعي، ويشعل التنازع على المصالح والمواقع، ويغدو بابًا لانتهاك حقوق مَن لا يشارك الجماعة الغالبة في مذهبها أو دينها أو قوميتها. آنذاك، لا يكون الوطن وطنًا للجميع، بل يتحول إلى غنيمة يتقاسمها المنتصرون، ويستبعد منها غيرهم من أبنائه.
ما كنت أفكر بتأليف هذا الكتاب قبل سنوات، لولا شعوري العميق بمتاهة الهوية الوطنية، التي لبث فيها جيلنا وجيل آبائنا عشرات السنين، مسجونًا في أيديولوجيات تغويه بالولاء لبلدان أخرى، وتنسيه وطنه. رهاني اليوم على الجيل الجديد، الذي أقرأ في ضوء عيونه الشغف بالتحرر من الانتماء لغير أرض العراق. أتطلع إلى أن يتحرر الأبناء من شِراك الهويات الأيديولوجية، ويتجذر الانتماء للوطن في وعيهم السياسي، ويتضامن معهم الآباء، على مبايعة الوطن تحت شعار: الولاء للعراق أولًا، قبل الولاء لأي انتماء آخر، كما تفعل كل المجتمعات التي تعتز بانتمائها لأوطانها، وترى فيه الحصن الأول لكرامتها، وسلامها، ومستقبل أبنائها. الدولة الوطنية هي النصاب الجامع الذي يحمي المواطنين بهوياتهم الفرعية المختلفة، ويكفل حقوقهم وحرياتهم. المواطنة تفرض على الجميع الولاء لهذه الدولة دون سواها، المواطنة هي الضامن لحقوقهم وحرياتهم، على أن تمارس هذه الحقوق والحريات في إطار القانون والعدالة والمساواة، وبما يحفظ الكرامة الإنسانية للجميع.
أوصي الأبناء من الجيل الجديد: افتخروا بوطنكم العراق، فهو بلد جريح لكنه حي، مثقل بالمآسي لكنه لا ينكسر، تتعثر خطاه لكنه لا يتخلى عن أحلامه. العراق ليس مجرد أرض نعيش فوقها، بل كيان يسكن فينا كما نسكنه. إنه ذاكرة حية لبداية التاريخ المدون للبشر، ومهد لحضارات كانت منطلقًا لصناعة أعياد التاريخ البشري. الانتماء إلى العراق لا ينبغي أن يكون شعارًا، بل شعورًا يتغلغل في الضمير، ويبعث في النفس العزم على الوفاء له، مهما اشتدت العواصف وتوالت المحن.
فككوا بين العراق الوطن، والأنظمة والحكام الذين تعاقبوا على حكمه، لا تخلطوا في وعيكم بين الانتماء للعراق بوصفه وطنًا لن يموت، وبين ما مارسته الأنظمة السياسية من استبداد وفساد، منذ تأسيس الدولة الحديثة سنة 1921. الأنظمة متغيرة عابرة، والحكام يتبدلون، لا أحد منهم يختزل العراق، أو يلغي هويته، أو يجسد عمق تاريخه، أو يمثل حضارته الضاربة في القدم. العراق أسبق من كل نظام، وأبقى من كل حاكم، وأرسخ من كل سلطة لا تصدر عن إرادة العراقيين، ولا تتجذر في شعورهم الوطني.
جيلكم هو أمل هذه البلاد، أنتم مَن يعول عليه العراق لينهض مجددًا، وتعاد له مكانته التي يستحقها في العالم. افتخروا بأنكم تنتمون إلى أرض ولدت فيها الكتابة، وصيغت فيها أول مدونة قانونية، وانبثقت فيها أحلام الإنسان بالعدل والحق والسلام، وتأسست فيها دولة المدينة، ثم الدولة، والامبراطورية الأكدية، وأنجز إنسان هذه الأرض أول ملحمة دونت أسئلته الكبرى حول معنى الحياة والوجود وحقيقة الخلود، وكان العراق منطلقًا للحضارة الإسلامية، ومركزًا لإشعاعها العلمي والفلسفي والأدبي والديني قرونًا عديدة.
https://alsabaah.iq/123260-.html
فككوا بين العراق الوطن، والأنظمة والحكام الذين تعاقبوا على حكمه، لا تخلطوا في وعيكم بين الانتماء للعراق بوصفه وطنًا لن يموت، وبين ما مارسته الأنظمة السياسية من استبداد وفساد، منذ تأسيس الدولة الحديثة سنة 1921. الأنظمة متغيرة عابرة، والحكام يتبدلون، لا أحد منهم يختزل العراق، أو يلغي هويته، أو يجسد عمق تاريخه، أو يمثل حضارته الضاربة في القدم. العراق أسبق من كل نظام، وأبقى من كل حاكم، وأرسخ من كل سلطة لا تصدر عن إرادة العراقيين، ولا تتجذر في شعورهم الوطني.
جيلكم هو أمل هذه البلاد، أنتم مَن يعول عليه العراق لينهض مجددًا، وتعاد له مكانته التي يستحقها في العالم. افتخروا بأنكم تنتمون إلى أرض ولدت فيها الكتابة، وصيغت فيها أول مدونة قانونية، وانبثقت فيها أحلام الإنسان بالعدل والحق والسلام، وتأسست فيها دولة المدينة، ثم الدولة، والامبراطورية الأكدية، وأنجز إنسان هذه الأرض أول ملحمة دونت أسئلته الكبرى حول معنى الحياة والوجود وحقيقة الخلود، وكان العراق منطلقًا للحضارة الإسلامية، ومركزًا لإشعاعها العلمي والفلسفي والأدبي والديني قرونًا عديدة.
https://alsabaah.iq/123260-.html
جريدة الصباح
الهوية في شِراك الأيديولوجيا » جريدة الصباح
د. عبد الجبار الرفاعي منذ عودتي إلى وطني العراق قبل عشرين عاما، بعد سنوات طويلة عشتها في المنفى، متنقلا بين أكثر من بلد، صدمتني اضطرابات الهوية السياسية لدى عدد كبير من المواطنين. تلاشت الهوية الوطنية أو ضعف حضورها، وحلت محلها هويات طائفية وعرقية، استحوذت…
الهوية والمواطنة
د. عبد السلام فاروق
لا يفتأ الجدل حول الهوية يشتد في عالمنا العربي، حتى ليخيل إلينا أننا أمام معضلة وجودية تهدد كياناتنا الوطنية الناشئة. وفي كتابه "الهوية في شِراك الأيديولوجيا"، الصادر مؤخرا، يقدم الدكتور عبد الجبار الرفاعي رؤية نقدية عميقة لهذه الإشكالية، منطلقاً من واقع العراق بوصفه نموذجاً لحالة مجتمعية زاخرة بالتنوع والتحديات.
يبدأ الرفاعي من مسلمة أساسية: الانتماء إلى العراق شرف وطني. لكنه لا يقتصر على هذه العبارة الإنشائية، إنما يغوص في أعماق التاريخ ليستخرج جذور هذه الهوية المتشابكة. إنه يذكرنا بأن أرض الرافدين لم تكن فقط مهداً للحضارات السومرية والبابلية والآشورية، بل كانت أيضاً منارة للحضارة الإسلامية في عصورها الزاهية. وهذا التراكم الحضاري ليس تراثاً من الماضي فحسب، إنه كائن حي ينبض في حاضرنا. وهنا تكمن عبقرية الرفاعي في تجاوزه للرؤية الأحادية للهوية. فهو لا ينكر الهويات الفرعية، لكنه يراها منبعاً للثراء والحيوية المجتمعية. فالهويات المتعددة – الدينية والمذهبية واللغوية - تبدأ بالتكون مع ولادة الإنسان، وتنمو في البيئة التي ينشأ فيها. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الهويات من عناصر إثراء إلى أدوات صراع.
معادلة المواطنة
يطرح الرفاعي معادلة دقيقة: الهوية الوطنية يجب أن تكون الإطار الجامع، تتفرع منه الهويات القومية والدينية والمذهبية، دون أن تطغى عليه. وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال محوري: كيف نوفق بين الانتماءات المتعددة دون أن نفقد الإحساس بالانتماء الوطني الجامع؟
إن انقلاب هذه المعادلة - بتقديم المذهب أو الديانة أو القومية على الوطن - هو الذي يجهض الوحدة المجتمعية، ويمنع إقامة الدولة الحديثة. فالدولة الوطنية هي فضاء سياسي وقانوني وأخلاقي يتسع للتنوع ويعترف بحق المواطن في أن يكون مختلفاً.
يذهب الرفاعي إلى جوهر المشكلة حين يؤكد أن معنى المواطنة لا يتحقق إلا بتحقيق معنى المواطن. والمواطن الحقيقي هو الذي يتمتع بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها غيره، ويطالب بالمسئوليات ذاتها. أما عندما تفرض عليه المسئوليات دون أن يمنح الحقوق الكاملة، لأن انتماءه الديني أو المذهبي أو القومي يعتبر "أدنى" من غيره، فإن معنى المواطنة ينهار.
هنا نجد أنفسنا أمام مفارقة خطيرة: كيف يمكن بناء دولة المواطنة في مجتمعات تتنازعها هويات متصارعة؟ الجواب يكمن في أن الهوية الوطنية يجب أن تكون هي النصاب، لا الهوية العرقية أو المذهبية أو الدينية. فحين تكون الهوية الوطنية هي الأساس، تصبح ضامناً للعيش المشترك وشرطاً للتعايش السلمي.
يقدم الرفاعي تحليلاً دقيقاً لواقع العراق عندما يحذر من تحول الوطن إلى "غنيمة يتقاسمها المنتصرون". هذه العبارة تختزل مأساة العديد من المجتمعات العربية، حيث تتحول الدولة إلى غنيمة للجماعة الغالبة، ويستبعد منها من لا يشاركها انتماءها.
إن تحويل الوطن من غنيمة إلى ملك مشترك يتطلب ثورة في التفكير والوعي. فالدولة الحديثة ليست ملكاً للغالبية، هي بيت للجميع. والمواطنة لا تعني الانصهار في بوتقة واحدة، بل الاعتراف بالتنوع واحترام الاختلاف.
إن تحديات بناء الهوية الوطنية في مجتمعاتنا العربية لا تحل بالإنكار أو بالقمع، بل بالاعتراف الواعي بالتنوع، وبناء مؤسسات تضمن المساواة الكاملة بين المواطنين. كما يقول الرفاعي، فتنوع الهويات مصدر قوة لا ضعف، لكن هذه القوة لا تتحقق إلا في ظل دولة المواطنة التي تحترم حقوق الإنسان وتضمن المساواة بين جميع أبنائها.
الهوية الوطنية كائن حي يتطور ويتجدد. وهي ليست نقيضاً للهويات الأخرى، إنها الإطار الذي يحتضنها جميعاً. وبناء هذه الهوية يتطلب جهداً فكرياً وأخلاقياً وسياسياً، يبدأ بالاعتراف بإنسانيتنا المشتركة، وينتهي ببناء وطن للجميع. فهل نستطيع أن نتحول من ثقافة الغنيمة إلى ثقافة الوطن المشترك؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه مجتمعاتنا العربية في راهنها ومستقبلها.
الأيديولوجيا وسياسات الهيمنة
تمثل الهوية في عالمنا العربي حقل ألغام، لا تكمن خطورته فقط في تناقضاتها الداخلية، إنما في كيفية توظيفها سياسيًا وأيديولوجيًا. فالهوية لم تعد مجرد انتماء طبيعي، فقد باتت أداة في صراع القوى وتنافس النخب. في هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته "صناعة الهوية" - وهي عملية تحويل الانتماءات العفوية إلى مشاريع سياسية. فالنخب الحاكمة تارة، والمعارضة تارة أخرى، تستخدم ورقة الهوية كأداة للاستقطاب والحشد. وهنا تتحول الهوية من كونها تعبيرًا عن الذات إلى أداة للهيمنة.
المواطنة المشروطة
أحد أخطر إشكالياتنا العربية هي تحول المواطنة من حق مكفول إلى امتياز مشروط. ففي العديد من مجتمعاتنا، تمنح المواطنة الكاملة فقط لمن ينتمون للجماعة المسيطرة - سواء كانت عرقية أو مذهبية أو قبلية. أما الآخرون، فيتحولون إلى مواطنين من الدرجة الثانية، يحملون كل الواجبات ولا يتمتعون بكل الحقوق.
د. عبد السلام فاروق
لا يفتأ الجدل حول الهوية يشتد في عالمنا العربي، حتى ليخيل إلينا أننا أمام معضلة وجودية تهدد كياناتنا الوطنية الناشئة. وفي كتابه "الهوية في شِراك الأيديولوجيا"، الصادر مؤخرا، يقدم الدكتور عبد الجبار الرفاعي رؤية نقدية عميقة لهذه الإشكالية، منطلقاً من واقع العراق بوصفه نموذجاً لحالة مجتمعية زاخرة بالتنوع والتحديات.
يبدأ الرفاعي من مسلمة أساسية: الانتماء إلى العراق شرف وطني. لكنه لا يقتصر على هذه العبارة الإنشائية، إنما يغوص في أعماق التاريخ ليستخرج جذور هذه الهوية المتشابكة. إنه يذكرنا بأن أرض الرافدين لم تكن فقط مهداً للحضارات السومرية والبابلية والآشورية، بل كانت أيضاً منارة للحضارة الإسلامية في عصورها الزاهية. وهذا التراكم الحضاري ليس تراثاً من الماضي فحسب، إنه كائن حي ينبض في حاضرنا. وهنا تكمن عبقرية الرفاعي في تجاوزه للرؤية الأحادية للهوية. فهو لا ينكر الهويات الفرعية، لكنه يراها منبعاً للثراء والحيوية المجتمعية. فالهويات المتعددة – الدينية والمذهبية واللغوية - تبدأ بالتكون مع ولادة الإنسان، وتنمو في البيئة التي ينشأ فيها. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الهويات من عناصر إثراء إلى أدوات صراع.
معادلة المواطنة
يطرح الرفاعي معادلة دقيقة: الهوية الوطنية يجب أن تكون الإطار الجامع، تتفرع منه الهويات القومية والدينية والمذهبية، دون أن تطغى عليه. وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال محوري: كيف نوفق بين الانتماءات المتعددة دون أن نفقد الإحساس بالانتماء الوطني الجامع؟
إن انقلاب هذه المعادلة - بتقديم المذهب أو الديانة أو القومية على الوطن - هو الذي يجهض الوحدة المجتمعية، ويمنع إقامة الدولة الحديثة. فالدولة الوطنية هي فضاء سياسي وقانوني وأخلاقي يتسع للتنوع ويعترف بحق المواطن في أن يكون مختلفاً.
يذهب الرفاعي إلى جوهر المشكلة حين يؤكد أن معنى المواطنة لا يتحقق إلا بتحقيق معنى المواطن. والمواطن الحقيقي هو الذي يتمتع بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها غيره، ويطالب بالمسئوليات ذاتها. أما عندما تفرض عليه المسئوليات دون أن يمنح الحقوق الكاملة، لأن انتماءه الديني أو المذهبي أو القومي يعتبر "أدنى" من غيره، فإن معنى المواطنة ينهار.
هنا نجد أنفسنا أمام مفارقة خطيرة: كيف يمكن بناء دولة المواطنة في مجتمعات تتنازعها هويات متصارعة؟ الجواب يكمن في أن الهوية الوطنية يجب أن تكون هي النصاب، لا الهوية العرقية أو المذهبية أو الدينية. فحين تكون الهوية الوطنية هي الأساس، تصبح ضامناً للعيش المشترك وشرطاً للتعايش السلمي.
يقدم الرفاعي تحليلاً دقيقاً لواقع العراق عندما يحذر من تحول الوطن إلى "غنيمة يتقاسمها المنتصرون". هذه العبارة تختزل مأساة العديد من المجتمعات العربية، حيث تتحول الدولة إلى غنيمة للجماعة الغالبة، ويستبعد منها من لا يشاركها انتماءها.
إن تحويل الوطن من غنيمة إلى ملك مشترك يتطلب ثورة في التفكير والوعي. فالدولة الحديثة ليست ملكاً للغالبية، هي بيت للجميع. والمواطنة لا تعني الانصهار في بوتقة واحدة، بل الاعتراف بالتنوع واحترام الاختلاف.
إن تحديات بناء الهوية الوطنية في مجتمعاتنا العربية لا تحل بالإنكار أو بالقمع، بل بالاعتراف الواعي بالتنوع، وبناء مؤسسات تضمن المساواة الكاملة بين المواطنين. كما يقول الرفاعي، فتنوع الهويات مصدر قوة لا ضعف، لكن هذه القوة لا تتحقق إلا في ظل دولة المواطنة التي تحترم حقوق الإنسان وتضمن المساواة بين جميع أبنائها.
الهوية الوطنية كائن حي يتطور ويتجدد. وهي ليست نقيضاً للهويات الأخرى، إنها الإطار الذي يحتضنها جميعاً. وبناء هذه الهوية يتطلب جهداً فكرياً وأخلاقياً وسياسياً، يبدأ بالاعتراف بإنسانيتنا المشتركة، وينتهي ببناء وطن للجميع. فهل نستطيع أن نتحول من ثقافة الغنيمة إلى ثقافة الوطن المشترك؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه مجتمعاتنا العربية في راهنها ومستقبلها.
الأيديولوجيا وسياسات الهيمنة
تمثل الهوية في عالمنا العربي حقل ألغام، لا تكمن خطورته فقط في تناقضاتها الداخلية، إنما في كيفية توظيفها سياسيًا وأيديولوجيًا. فالهوية لم تعد مجرد انتماء طبيعي، فقد باتت أداة في صراع القوى وتنافس النخب. في هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته "صناعة الهوية" - وهي عملية تحويل الانتماءات العفوية إلى مشاريع سياسية. فالنخب الحاكمة تارة، والمعارضة تارة أخرى، تستخدم ورقة الهوية كأداة للاستقطاب والحشد. وهنا تتحول الهوية من كونها تعبيرًا عن الذات إلى أداة للهيمنة.
المواطنة المشروطة
أحد أخطر إشكالياتنا العربية هي تحول المواطنة من حق مكفول إلى امتياز مشروط. ففي العديد من مجتمعاتنا، تمنح المواطنة الكاملة فقط لمن ينتمون للجماعة المسيطرة - سواء كانت عرقية أو مذهبية أو قبلية. أما الآخرون، فيتحولون إلى مواطنين من الدرجة الثانية، يحملون كل الواجبات ولا يتمتعون بكل الحقوق.
هذه "المواطنة المشروطة" تخلق نظامًا طبقياً سياسياً، حيث يتحدد مركز الفرد في الدولة ليس بناء على كفاءته أو إنسانيته، بل بناء على انتمائه العرقي. وهذا بدوره يخلق دوامة من الاستياء والاحتقان، تنتظر فقط شرارة صغيرة لتنفجر.
الدولة الوطنية بين الماضي والمستقبل
تواجه الدولة الوطنية العربية تحدياً وجودياً من اتجاهين: من فوقها بواسطة العولمة والتدخلات الخارجية، ومن تحتها بواسطة الهويات ما دون الوطنية. وفي مواجهة هذه التحديات، تظهر استجابات مختلفة:
- نموذج القمع: محاولة كبت الهويات الفرعية بالقوة
- نموذج الاستيعاب: محاولة إذابة الهويات الفرعية في بوتقة واحدة
- نموذج التعددية: الاعتراف بالتنوع في إطار المواطنة المتساوية
والتجربة التاريخية تثبت أن النموذجين الأولين طريق للفشل، بينما النموذج الثالث - رغم صعوبته – هو الوحيد القادر على بناء سلام اجتماعي دائم.
الثنائية المنسية
قلما يناقش العلاقة بين إشكالية الهوية ومشاريع التنمية. فالمجتمعات المنقسمة عرقيا لا تنجح في بناء اقتصاد قوي. والسبب بسيط: الطاقة التي يجب أن توجه للبناء والإنتاج، تستهلك في الصراع وتنافس الهويات. كما أن غياب المساواة يخلق بيئة طاردة للكفاءات، ومعيقة للإبداع، ومضيعة للطاقات. فكيف يمكن لمجتمع أن ينهض، وهو يستثني أجزاء مهمة من طاقاته البشرية فقط بسبب انتماءاتها؟
من منطق الغنيمة إلى منطق الشراكة
إن تحول الوطن من "غنيمة" للجماعة الغالبة إلى "شركة" بين جميع مواطنيه، هو التحدي الأكبر الذي نواجهه. وهذا التحول يتطلب ثورة في الوعي، وإصلاحاً في المؤسسات، وتجديداً في الخطاب. فالهوية هي خيار نصنعه يومياً. وبناء وطن للجميع ليس حلماً، إنه ضرورة وجودية لمستقبل أفضل. والسؤال الذي يظل معلقاً: هل نملك الشجاعة الكافية لاختيار المستقبل على الماضي، والوطن على القبيلة، والإنسان على الانتماء الضيق؟ https://almothaqaf.com/readings-2/984331-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%81%D8%A7%D8%B1%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B7%D9%86%D8%A9
الدولة الوطنية بين الماضي والمستقبل
تواجه الدولة الوطنية العربية تحدياً وجودياً من اتجاهين: من فوقها بواسطة العولمة والتدخلات الخارجية، ومن تحتها بواسطة الهويات ما دون الوطنية. وفي مواجهة هذه التحديات، تظهر استجابات مختلفة:
- نموذج القمع: محاولة كبت الهويات الفرعية بالقوة
- نموذج الاستيعاب: محاولة إذابة الهويات الفرعية في بوتقة واحدة
- نموذج التعددية: الاعتراف بالتنوع في إطار المواطنة المتساوية
والتجربة التاريخية تثبت أن النموذجين الأولين طريق للفشل، بينما النموذج الثالث - رغم صعوبته – هو الوحيد القادر على بناء سلام اجتماعي دائم.
الثنائية المنسية
قلما يناقش العلاقة بين إشكالية الهوية ومشاريع التنمية. فالمجتمعات المنقسمة عرقيا لا تنجح في بناء اقتصاد قوي. والسبب بسيط: الطاقة التي يجب أن توجه للبناء والإنتاج، تستهلك في الصراع وتنافس الهويات. كما أن غياب المساواة يخلق بيئة طاردة للكفاءات، ومعيقة للإبداع، ومضيعة للطاقات. فكيف يمكن لمجتمع أن ينهض، وهو يستثني أجزاء مهمة من طاقاته البشرية فقط بسبب انتماءاتها؟
من منطق الغنيمة إلى منطق الشراكة
إن تحول الوطن من "غنيمة" للجماعة الغالبة إلى "شركة" بين جميع مواطنيه، هو التحدي الأكبر الذي نواجهه. وهذا التحول يتطلب ثورة في الوعي، وإصلاحاً في المؤسسات، وتجديداً في الخطاب. فالهوية هي خيار نصنعه يومياً. وبناء وطن للجميع ليس حلماً، إنه ضرورة وجودية لمستقبل أفضل. والسؤال الذي يظل معلقاً: هل نملك الشجاعة الكافية لاختيار المستقبل على الماضي، والوطن على القبيلة، والإنسان على الانتماء الضيق؟ https://almothaqaf.com/readings-2/984331-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%81%D8%A7%D8%B1%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B7%D9%86%D8%A9
صحيفة المثقف
عبد السلام فاروق: الهوية والمواطنة
لا يفتأ الجدل حول الهوية يشتد في عالمنا العربي، حتى ليخيل إلينا أننا أمام معضلة وجودية تهدد كياناتنا الوطنية الناشئة. وفي كتابه "الهوية في شِراك الأيديولوجيا"،
من العقيدة إلى التجربة.. قراءة في أنسنة الدين
عبدالإله عبدالله الطويان
يقدّم عبد الجبار الرفاعي في مشروعه الفلسفي تصورًا للدين لا يقتصر على العقائد والطقوس، بل يتجاوزه، ليصبح تجربة وجودية تمنح الحياة معنًى روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا. فالدين، في رؤيته، ليس مجرد منظومة مغلقة أو مجموعة من الأحكام الفقهية، بل هو «حياة في أفق المعنى تفرضها الحاجة الوجودية لمعنى روحي وأخلاقي وجمالي في حياة الإنسان الفردية والمجتمعية»، كما يوضح في كتابه «الدين والظمأ الأنطولوجي».
هذه الرؤية تجعل الدين حالة حية يعيشها الإنسان بكامل كيانه، بما يشمل العقل والوجدان والروح، بحيث يكون وسيلة تمنحه الطمأنينة، وتساعده على تجاوز القلق الوجودي الذي لازم الفلاسفة من كيركغارد إلى كامو، فالرفاعي يرى أن الإنسان كائن متعطش للمعنى، وغير قادر على تحمل العبث والفراغ الروحي، مما يجعل الدين ضرورة وجودية لا ترفًا فكريًا.
وفي سياق إعادة تعريفه للدين، يرفض الرفاعي الرؤية الاختزالية التي تحصر الدين في منظومة اعتقادية أو نصوص جامدة، ويفتحه على أفق أوسع، حيث تصبح التجربة الروحية جوهر الدين، حيث يقول في «مقدمة في علم الكلام الجديد»: «الدين ليس خطابًا جامدًا أو نصوصًا معزولة عن سياقاتها، بل هو حياة تُعاش في أفق المعنى، إذ يشكّل وعي الإنسان بذاته، ويوجّهه نحو التسامي الروحي والتكامل الأخلاقي». من هذا المنطلق، يصبح الدين، وفقًا للرفاعي، تجربة تمنح الإنسان السكينة وسط صخب الحياة، وتساعده على مواجهة الاغتراب الوجودي، وهو ما جعله يشدد على أن الدين لا ينبغي أن يكون مجرد إطار نظري، بل حالة شعورية وجدانية تتجلى في حياة الفرد اليومية. إذا كان الدين، عند الرفاعي، يمنح الإنسان أفقًا روحيًا، فإن هذا الأفق لا يبقى مجرد إحساس داخلي، بل ينعكس في السلوك الأخلاقي. الأخلاق، في رؤيته، ليست مجرد التزام اجتماعي أو قانوني، بل هي امتداد طبيعي للحالة الروحية التي يعيشها الإنسان. في «الدين والظمأ الأنطولوجي»، يؤكد الرفاعي: «الأخلاق الحقيقية لا تنبع من الخوف ومن العقاب، ولا من الرغبة في المكافأة، بل من إحساس داخلي بالمسؤولية تجاه الذات والآخر». هذه الرؤية تتجاوز التصورات التقليدية التي تفصل بين الإيمان والممارسة، حيث يرى الرفاعي أن الفضيلة ليست طاعة ميكانيكية لأوامر خارجية، بل ثمرة لنضج روحي يجعل الإنسان ينحاز إلى الخير بإرادته. وفي فلسفة الرفاعي، الدين ليس فقط تجربة عقلية أو سلوكية، بل هو أيضًا تجربة جمالية، حيث يُدرك الإنسان المعنى الروحي والأخلاقي من خلال الجمال، حيث يقول في: «إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين»: «الدين في جوهره تجربة جمالية تُثير الدهشة وتحرّك أعماق الإنسان، وتفتح له أفقًا من التأمل في الجلال والجمال الكامن في الكون». الجمال هنا لا يقتصر على الفن أو الطبيعة، بل يمتد إلى القيم الإنسانية والعلاقات الاجتماعية، مما يجعل الإيمان أكثر حيوية وتأثيرًا. وهذا التفاعل بين الروحانية والجمال يعزز الأخلاق، حيث تصبح الفضيلة ممارسة تنبع من وعي جمالي بالحياة، وليس مجرد التزام جاف بالواجب. ينطلق مشروع الرفاعي في إسلامية المعرفة من رفض القراءات الاختزالية للدين التي تقتصر على البُعد الفقهي أو الأيديولوجي، داعيًا إلى إعادة تأصيل الدراسات الإسلامية بما يجعلها أكثر ارتباطًا بتجربة الإنسان المعاصر. ففي كتابه «أنسنة الدين»، يوضح رؤيته قائلًا: «إن الإسلاميات الكلاسيكية، في كثير من الأحيان، انشغلت بالجدل العقائدي والتفريع الفقهي على حساب المعنى العميق للدين، مما أدى إلى تجريد الدين من أبعاده الروحية والإنسانية».
من هنا، تأتي دعوته إلى «أنسنة الإسلاميات»، أي تحرير الدراسات الإسلامية من الجمود والانغلاق، وإعادة ربطها بأسئلة الإنسان وهمومه الروحية والأخلاقية والجمالية. ويرى الرفاعي أن الدين يمكنه مواكبة الحداثة إذا تم التركيز على جوهره الروحي والأخلاقي والجمالي بدلًا من الانشغال بالقضايا الشكلية والفقهية وحدها، حيث يقول في «مقدمة في علم الكلام الجديد»: «لكي يكون الدين فاعلًا في عصر الحداثة، يجب أن يستعيد روحه الحيّة بدلًا من أن يتحوّل إلى مؤسسات سلطوية تحاول فرض وصايتها على العقل». بهذا المعنى، لا يرى الرفاعي أن الحداثة تفرض القطيعة مع الدين، بل تدعو إلى قراءة جديدة للدين تجعله أكثر انسجامًا مع تحولات العصر دون أن يفقد جوهره الروحي.
وفقًا لهذه الرؤية، يصبح الدين نسيجًا حيًا من التفاعل بين ثلاثة أبعاد مترابطة:
• البعد الروحي: يمنح الإنسان إحساسًا بالمعنى والطمأنينة.
• البعد الأخلاقي: يجعل الأخلاق نابعة من تجربة داخلية لا من إملاءات خارجية.
• البعد الجمالي: يحوّل الدين إلى تجربة حية، مليئة بالإحساس والدهشة، بدلًا من أن يكون منظومة جافة من الأحكام.
عبدالإله عبدالله الطويان
يقدّم عبد الجبار الرفاعي في مشروعه الفلسفي تصورًا للدين لا يقتصر على العقائد والطقوس، بل يتجاوزه، ليصبح تجربة وجودية تمنح الحياة معنًى روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا. فالدين، في رؤيته، ليس مجرد منظومة مغلقة أو مجموعة من الأحكام الفقهية، بل هو «حياة في أفق المعنى تفرضها الحاجة الوجودية لمعنى روحي وأخلاقي وجمالي في حياة الإنسان الفردية والمجتمعية»، كما يوضح في كتابه «الدين والظمأ الأنطولوجي».
هذه الرؤية تجعل الدين حالة حية يعيشها الإنسان بكامل كيانه، بما يشمل العقل والوجدان والروح، بحيث يكون وسيلة تمنحه الطمأنينة، وتساعده على تجاوز القلق الوجودي الذي لازم الفلاسفة من كيركغارد إلى كامو، فالرفاعي يرى أن الإنسان كائن متعطش للمعنى، وغير قادر على تحمل العبث والفراغ الروحي، مما يجعل الدين ضرورة وجودية لا ترفًا فكريًا.
وفي سياق إعادة تعريفه للدين، يرفض الرفاعي الرؤية الاختزالية التي تحصر الدين في منظومة اعتقادية أو نصوص جامدة، ويفتحه على أفق أوسع، حيث تصبح التجربة الروحية جوهر الدين، حيث يقول في «مقدمة في علم الكلام الجديد»: «الدين ليس خطابًا جامدًا أو نصوصًا معزولة عن سياقاتها، بل هو حياة تُعاش في أفق المعنى، إذ يشكّل وعي الإنسان بذاته، ويوجّهه نحو التسامي الروحي والتكامل الأخلاقي». من هذا المنطلق، يصبح الدين، وفقًا للرفاعي، تجربة تمنح الإنسان السكينة وسط صخب الحياة، وتساعده على مواجهة الاغتراب الوجودي، وهو ما جعله يشدد على أن الدين لا ينبغي أن يكون مجرد إطار نظري، بل حالة شعورية وجدانية تتجلى في حياة الفرد اليومية. إذا كان الدين، عند الرفاعي، يمنح الإنسان أفقًا روحيًا، فإن هذا الأفق لا يبقى مجرد إحساس داخلي، بل ينعكس في السلوك الأخلاقي. الأخلاق، في رؤيته، ليست مجرد التزام اجتماعي أو قانوني، بل هي امتداد طبيعي للحالة الروحية التي يعيشها الإنسان. في «الدين والظمأ الأنطولوجي»، يؤكد الرفاعي: «الأخلاق الحقيقية لا تنبع من الخوف ومن العقاب، ولا من الرغبة في المكافأة، بل من إحساس داخلي بالمسؤولية تجاه الذات والآخر». هذه الرؤية تتجاوز التصورات التقليدية التي تفصل بين الإيمان والممارسة، حيث يرى الرفاعي أن الفضيلة ليست طاعة ميكانيكية لأوامر خارجية، بل ثمرة لنضج روحي يجعل الإنسان ينحاز إلى الخير بإرادته. وفي فلسفة الرفاعي، الدين ليس فقط تجربة عقلية أو سلوكية، بل هو أيضًا تجربة جمالية، حيث يُدرك الإنسان المعنى الروحي والأخلاقي من خلال الجمال، حيث يقول في: «إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين»: «الدين في جوهره تجربة جمالية تُثير الدهشة وتحرّك أعماق الإنسان، وتفتح له أفقًا من التأمل في الجلال والجمال الكامن في الكون». الجمال هنا لا يقتصر على الفن أو الطبيعة، بل يمتد إلى القيم الإنسانية والعلاقات الاجتماعية، مما يجعل الإيمان أكثر حيوية وتأثيرًا. وهذا التفاعل بين الروحانية والجمال يعزز الأخلاق، حيث تصبح الفضيلة ممارسة تنبع من وعي جمالي بالحياة، وليس مجرد التزام جاف بالواجب. ينطلق مشروع الرفاعي في إسلامية المعرفة من رفض القراءات الاختزالية للدين التي تقتصر على البُعد الفقهي أو الأيديولوجي، داعيًا إلى إعادة تأصيل الدراسات الإسلامية بما يجعلها أكثر ارتباطًا بتجربة الإنسان المعاصر. ففي كتابه «أنسنة الدين»، يوضح رؤيته قائلًا: «إن الإسلاميات الكلاسيكية، في كثير من الأحيان، انشغلت بالجدل العقائدي والتفريع الفقهي على حساب المعنى العميق للدين، مما أدى إلى تجريد الدين من أبعاده الروحية والإنسانية».
من هنا، تأتي دعوته إلى «أنسنة الإسلاميات»، أي تحرير الدراسات الإسلامية من الجمود والانغلاق، وإعادة ربطها بأسئلة الإنسان وهمومه الروحية والأخلاقية والجمالية. ويرى الرفاعي أن الدين يمكنه مواكبة الحداثة إذا تم التركيز على جوهره الروحي والأخلاقي والجمالي بدلًا من الانشغال بالقضايا الشكلية والفقهية وحدها، حيث يقول في «مقدمة في علم الكلام الجديد»: «لكي يكون الدين فاعلًا في عصر الحداثة، يجب أن يستعيد روحه الحيّة بدلًا من أن يتحوّل إلى مؤسسات سلطوية تحاول فرض وصايتها على العقل». بهذا المعنى، لا يرى الرفاعي أن الحداثة تفرض القطيعة مع الدين، بل تدعو إلى قراءة جديدة للدين تجعله أكثر انسجامًا مع تحولات العصر دون أن يفقد جوهره الروحي.
وفقًا لهذه الرؤية، يصبح الدين نسيجًا حيًا من التفاعل بين ثلاثة أبعاد مترابطة:
• البعد الروحي: يمنح الإنسان إحساسًا بالمعنى والطمأنينة.
• البعد الأخلاقي: يجعل الأخلاق نابعة من تجربة داخلية لا من إملاءات خارجية.
• البعد الجمالي: يحوّل الدين إلى تجربة حية، مليئة بالإحساس والدهشة، بدلًا من أن يكون منظومة جافة من الأحكام.
وبالنتيجة نجد أن الرفاعي قدم تصورًا متكاملًا للدين، لا يختزله في التشريع أو العقيدة، بل يجعله تجربة إنسانية شاملة، تستجيب لحاجة الإنسان إلى المعنى، وتسهم في بناء عالم أكثر رحمة وإنسانية.
يمكننا استحضار رؤية الفيلسوف اللاهوتي بول تيليش في هذا السياق، إذ يرى أن الدين ليس مجرد منظومة من المعتقدات الجامدة، بل هو تعبير عن «الاهتمام المطلق» للإنسان، أي بحثه الدائم عن المعنى العميق لوجوده، حيث يقول تيليش في كتابه «ديناميكية الإيمان»: «الإيمان ليس مجرد تصديق عقلي، بل هو حالة من الانخراط الكامل في تجربة المعنى، حيث يجد الإنسان طمأنينته وغاية وجوده».
هذا التصور الكامل، الذي قدّمه عبد الجبار الرفاعي على مدى أكثر من أربعة عقود، يحثّنا على مواصلة التنقيب خلف فيلسوف المعرفة الدينية، الذي يرى الدين تجربة وجودية ممتدة لا تقتصر على الطقوس والتشريعات، بل تعكس توق الإنسان العميق إلى الروحانية والأخلاق والجمال كعناصر متكاملة في حياته.
عبدالإله عبدالله الطويان، كاتب سعودي.
https://www.alwatan.com.sa/article/1162444?utm_source=chatgpt.com
يمكننا استحضار رؤية الفيلسوف اللاهوتي بول تيليش في هذا السياق، إذ يرى أن الدين ليس مجرد منظومة من المعتقدات الجامدة، بل هو تعبير عن «الاهتمام المطلق» للإنسان، أي بحثه الدائم عن المعنى العميق لوجوده، حيث يقول تيليش في كتابه «ديناميكية الإيمان»: «الإيمان ليس مجرد تصديق عقلي، بل هو حالة من الانخراط الكامل في تجربة المعنى، حيث يجد الإنسان طمأنينته وغاية وجوده».
هذا التصور الكامل، الذي قدّمه عبد الجبار الرفاعي على مدى أكثر من أربعة عقود، يحثّنا على مواصلة التنقيب خلف فيلسوف المعرفة الدينية، الذي يرى الدين تجربة وجودية ممتدة لا تقتصر على الطقوس والتشريعات، بل تعكس توق الإنسان العميق إلى الروحانية والأخلاق والجمال كعناصر متكاملة في حياته.
عبدالإله عبدالله الطويان، كاتب سعودي.
https://www.alwatan.com.sa/article/1162444?utm_source=chatgpt.com
Watanksa
من العقيدة إلى التجربة.. قراءة في أنسنة الدين
يقدّم عبد الجبار الرفاعي في مشروعه الفلسفي تصورًا للدين لا يقتصر على العقائد والطقوس، بل يتجاوزه، ليصبح تجربة وجودية تمنح الحياة معنًى روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا. فالدين، في رؤيته، ليس...
DOC-20250520-WA0003..pdf
567.4 KB
"إنقاذ النزعة الإنسانية في الخطاب الكلامي الجديد: قراءة في صورة الإنسانية الإيمانية والأخلاقية في فكر عبد الجبار الرفاعي"، إعداد: دكتور احمد لقمان فهمي "إندونيسي"، ودكتورة صافية مناد "جزائرية"، البحث منشور في مجلة Institut Agama Islam Negeri (IAIN) Manado في مدينة مانادو، إندونيسيا.