عبدالجبار الرفاعي
3.67K subscribers
728 photos
59 videos
284 files
1.26K links
مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضۚ
Download Telegram
الإبداع النقدي في كتاب: "هكذا قرأت عبد الجبار الرفاعي: لمحات حول المشروع الفكري"

علي المحمد علي

تعود قراءاتي للمفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي يوم كنت طالبا في المرحلة الجامعية. وبعد مرور أكثر من ثلاثين عاما على تلك القراءة الفاحصة، نقرأ اليوم إصدارًا جديدًا لكاتبة من بلادنا تجدد مشروع القراءة لكتب الرفاعي، هذا المفكر الملهم الذي شغل الساحة الفكرية بكتاباته الفلسفية والفكرية والتجديدية في علم الكلام الجديد. فقد وجدت في كتاب «هكذا قرأت عبدالجبار الرفاعي» للكاتبة رجاء البوعلي مادة مفيدة وقراءة فاحصة تحكي قصة مفكر عاش في أروقة الحوزات العلمية الدينية والجامعات والمعاهد الإسلامية على مدى نصف قرن تقريبا، هو أستاذ ملهم عاش تجارب فكرية متنوعة، وهذا الكتاب يتحدث عن تجربته في رحلة الفكر والفلسفة وعلم الكلام الجديد، فكيف يعيش المفكر ويطرح الفيلسوف الأسئلة الوجودية، وكيف يستثمر عقله في الإجابة عنها بعمق وأصالة وتحرر من قيود الذات، وهذا ما حدا القراءة في فكر الرفاعي -مشروعًا بحد ذاته- بالكاتبة المبدعة رجاء لتُصدر هذا العمل كمشروع حي وناهض للتعريف بعطاءات مفكرًا أبدع في تقديم مشروعا معمقا لبناء حضارة إنسانية وعطاء متحرر لبقاء هذا الإنسان الذي يكافح من أجل وجوده على هذه الأرض الفسيحة.
قبل البدء في الحديث عن الكتاب، لفتتني الفرحة الكبيرة التي أعرب عنها المفكر الرفاعي على موقعه الإلكتروني، إبان صدور هذا الكتاب رغم كثرة ما كتب عنه من رسائل ماجستير ودكتوراه في أكثر من بلد عربي،حيث تُقدر هذه الإصدارات والأطروحات بالعشرات حسب اطلاعي القاصر. فيما جاء كتاب الأديبة رجاء كقراءة جادة انطلقت بها لتحرير أوراق عن أطروحاته حول تحرير الذات الفردية وبناء الفكر الإنساني في سياق علاقة إيمانية متينة تمتد من أعماق الروح الباطنية لتصل ظاهر الممارسات والسلوك للإنسان في مختلف ميادين حياته، وهذا ما استشفته الكاتبة من صفحات كتبه التي عكفت على سبرها، كما نرى من خلال عرضها المقتضب في هذا الكتاب، فقد جاء كتاب الأديبة رجاء في وقت مهم للأجيال الواعدة للتعرف على فكر رجل عملاق يقدم مشروعا إنسانيا هادفا وحضاريا للبشرية جمعاء، ويحدد مسيرة الإنسان على هذه الأرض الفسيحة بأسلوب أدبي حاذق وبليغ، حيث حاولت الكاتبة توظيف عنصرالأدب- بعد أن تخصصت في دراسة الأدب الانجليزي - حيث قرأت العشرات من كتب الأدب العالمي وحاولت بذكاء أن توظف هذا الأدب الخلاق في هذا الكتاب، فجاء مستوعبًا لحياة المفكر العربي العراقي عبدالجبار الرفاعي.
وهنا أعتقد أن عمق القراءة الجادة والتحليل الذكي لمنطلقات الكاتبة هي التي جعلت من الدراسة التي كتبتها مزيجا من الإبداع النقدي والترتب المنهجي، وهذا في مجال البحوث والدراسات يتطلب من القارئ الحصيف ذهنية وقادة وتتبع لمعرفة كل أبعاد النصوص التي يتعرف من خلالها على أطروحات الكاتب والمفكر، ومدى نجاحه في عرض الفكرة نقدا وطرحا والوصول إلى مفهوم الذات من خلال ما يعرضه للقارئ. ومما استوقفني في هذا الكتاب قراءة عبدالجبار الإنسان والمفكر على حد سواء، والتطرق لسيرته الحياتية المبكرة منذ طفولته الواعدة إلى أن أصبح أستاذًا وواحدا من كبار المفكرين المجددين في العالم الإسلامي والعربي، وقد أشارت الكاتبة للطريق الذي أودى بها لتتعرف على فكر عبدالجبار، عبر كتبه المنشورة في أرجاء المعمورة مثل الدين والظمأ الانطولوجي، والدين الكرامة الإنسانية، والدين والنزعة الإنسانية، وغيرها من الكتب التي يصدرها سنويا. ختامًا أقول: لقد قرأت الكتاب وتعرفت على فكر الرفاعي من خلال قلم الكاتبة الأديبة، وبالرغم أني قارئٌ لنتاجه قديمًا وحديثًا، وهنا أُشير إلى كثافة الكتابات وتعدد الدراسات حول مشروع الرفاعي الفكري على مستوى البحث العلمي والأوراق الفكرية النقدية والثقافية التجديدية، في حين يأتي هذا الكتاب كإضافة للمكتبة العربية والفكرية، وكمشاركة ناهضة تعيد للفكر الإنساني حضوره الباعث لبناء حضارة روحية وإيمانية واقعية واعدة. وهنا نفتخر بصدور دراسة كتبتها أديبة من بلادنا بقلم مشرق وسيال، ولغة مفهومة بعيدة عن التكلف، ومقاربة موضوعية جادة، ومحاولة تؤكد أن القراءة الجادة العميقة هي التي صنعت هذا الكتاب. فجميل أن يقرأ الإنسان ويتابع كل إصدار، ولكن الأجمل أن يقرأ المشروع بنقد وتحليل وتعريف للقارئ وهذا ما قدمته الكاتبة رجاء، ويبقى أملي وطيدا بأن تكتب دراسات أخرى لمفكرين ومبدعين آخرين من العالم العربي.

https://www.almothaqaf.com/readings-2/984085
اليوم كلمتني المشرفة على تحرير ونشر أعمالي في مؤسسة هنداوي بالقاهرة، فقالت: "نشرة مؤلفاتك الإلكترونية هي الأكثر تحمليلا في مؤسسة هنداوي منذ نشرها".
https://www.hindawi.org/contributors/81287234/
يصدر قريبًا عن دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، كتاب: الهوية في شِراك الأيديولوجيا، د. عبدالجبار الرفاعي
‏ ‏هذه المحاضرات ترسم لك خارطة رؤيتي للتجديد، وانطلاقه من علم الكلام الجديد بوضوح في مفهومي للتجديد.
المحاضرة الأولى في ندوة بعنوان: "الدين أمام مستجدات العلوم الإنسانية"، تكلم فيها الدكتور عبد الجبار الرفاعي لمدة خمس ساعات في كرسي قنواتي بالقاهرة يوم 17-5-2024، بمعهد الدراسات الشرقية للآباء الدومنيكان بالقاهرة، وحضرها نحو 50 طالبة وطالب دكتوراه في الجامعات المصرية.

https://youtu.be/beZMnpNYyqg?si=1nFtAZd10LzvQfjb
أنين الأرض من استباحة مواردها
أنين الأرض من استباحة مواردها
د. عبد الجبار الرفاعي
استباح الإنسان الأرض وانتهكها حين استنزف مواردها بحماقة بلهاء، فأباد كثيرًا من غطائها الأخضر، وأرهق مواردها الوفيرة في عبث لا يعرف مسؤوليةً إنسانية ولا ضميرًا أخلاقيًا. أغراه وهمُ الاستحواذ والاستغلال والسيطرة، حتى فقد الشعور بحدود طاقته والواجب الإنساني المفروض عليه تجاه الأرض.
لم يكتف الإنسان بما تمنحه الأرض بسخائها، فتجاوز حدودها إلى النهب، إذ اقتلع غاباتها، ولوّث أنهارها بفضلات الصرف الحي، وملأ سماءها بدخان المصانع وغازاتها السامة، وأغرق محيطاتها بالنفايات. صار الإنسان يتعامل مع الأرض لا بوصفها بيتًا يحتضنه، بل مستودعًا مفتوحًا لجشعه الذي لا يعرف الحدود، وفضلاته، فاستنزف خيراتها لتلبية حاجات مصطنعة تبتكرها الرأسمالية المتوحشة، وتختلق نزعات استهلاك بلا حاجة فعلية سوى تكديس المزيد من المال. امتلأت الأسواق بسلع زائدة، وأشياء تفتعل متطلبات لا تمت بصلة إلى حاجات الحياة، فيما نضبت منابع الأرض التي كانت تنبض بالعطاء. تحول العالم إلى ورشة إنتاج لا تتوقف، تعمل بلا روح، وتستهلك كل ما في طريقها بلا تمييز بين ما يحيي وما يميت، حتى بدت الأرض كأنها تساق إلى حتفها بيد الإنسان الذي وجد ليعمرها لا ليدمرها.
لم يعد التوازن الذي كان يجمع الكائنات قائمًا، إذ اختلت دورة الحياة، وتبدلت مواقيت الفصول، وانهارت مواسم المطر، وذابت الثلوج القديمة التي كانت تحرس التوازن المناخي، وتحمي ذاكرة الكوكب. اتسعت رقعة الصحراء في الأرض، فغدت موحشة تثير فزع القلوب. تتألم الأرض في صمت موجع، وتئن كما يئن الإنسان الجريح الذي خذله أحباؤه. أنينها وإن لم يسمع وسط ضجيج البشر، يتجلى في الرياح الساخنة التي تحرق النباتات، وفي الفيضانات التي تغمر الحقول، وفي الأعاصير التي تعصف بالمدن وتبتلع العمارات والبيوت، وفي الحرائق التي تمحو الغابات. كل زلزال صرخة في وجه الجحود، وكل إعصار نداء استغاثة، وكل جفاف دمعة عيون أرهقها عقوق أبنائها، فيما تمضي الأرض شاكية وجعها إلى من لا يسمع صداها.
كل ذلك يحكي بكاء الأرض التي تشبه الأم في عطائها، تمنح الإنسان الحياة والدفء والماء والثمار، غير أنه جحود يرهقها باستنزافها الدائم وانتهاكها المتواصل. تبكي الأرض اليوم لأنها تختنق من فرط ما عانته من عبث أبنائها، ولم تعد قادرة على التنفس أو إنتاج ما يكفي من الأوكسجين لمواطنيها من الإنسان والحيوان والنبات وسائر الكائنات الحية التي تشاركها الوجود. تبكي الأرض لأن أنهارها الملوثة فقدت عذوبتها، وغاباتها تحولت إلى رماد، وبحارها صارت مقابر للكائنات التي كانت تنبض بالحياة. تبكي لأن الإنسان الذي خرج من رحمها لم يعد يسمع استغاثاتها، تبكي حين ترى أبناءها يحطمونها وهم يظنون أنهم يشيدون مجدهم على أنقاضها. أنينها العميق لا يحتاج إلى كلمات، يكفي أن يصغي إليه القلب ليشعر بحزنها الدفين.
الأرض التي كانت أمًا حنونًا تمنح الإنسان دفء العيش وطمأنينة المسكن، تحولت إلى جثة تنزف في صمت موجع، كأنها تشكو بصبر طويل قسوة أبنائها. أطعمت الإنسان من خيراتها، وسقته من عيونها، وأظلّته بسماء تحنّ عليه كقلب أمّ، غير أنه قابل عطاءها بالجحود، وأغرقها بالعنف والدمار. كانت الأرض كأمّ تغذي طفلها بالحليب، تمنحه من جسدها ما يُبقيه حيًا، غير أن هذا الطفل الذي كبُر على ثدييها راح ينهش صدرها بوحشية، يجرحها ويتركها تنزف بلا رحمة، ينسى أنّها وجوده لم يتحقق إلا بوجودها، وأنّ أنفاسه تخرج من رحمها الذي يختنق الآن بجناياته عليها. الأرض لا تطلب شيئًا، لكنها تكتب وصاياها في صمتها، وتبكي من دون صوت. الأرض رحيمة، لكنها لن تصبر إلى الأبد على من يؤذيها ويعتدي عليها وينتهكها، إنها فجأة تعاقب الإنسان عقابًا أليمًا. ينسى الإنسان أن كل ما يفعله بالأرض يفعله بنفسه، وأن كل جرح فيها جرح في روحه، فيصير نزفها نزفًا لضميره. الأرض أمّ تمنح أبناءها الحياة، لكنها ليست أمًّا ضعيفة. تصبر حين ترهقها الجنايات، لكنها لا تنسى. تختنق بصمت، فلا تصرخ، بل تغيّر وجهها لتعلن حزنها بفيض من الجفاف أو الطوفان أو الحرائق والكوارث المريعة. تُهمل، فلا تعاتب، بل تنسحب من دفئها شيئًا فشيئًا حتى يغدو الإنسان غريبًا في بيتها. تُهان، فلا تنتقم، بل تتركه يتيه في برد صنعه بيديه، يبحث عن دفء سرقه من صدرها، وينادي أمّه التي لم تعد تجيب.
بكاء الأرض نداء تستغيث فيه بما تبقى من إنسانية في الإنسان، لتوقظه من سكرته الاستهلاكية، وتذكره أنه جزء منها لا سيد عليها. في أنينها تختبر ضمائر البشر، وفي صمتها الموجع يقاس مقدار اغترابهم عن الرحم الذي منه ولدوا. وإن لم يصغ الإنسان إلى صرختها اليوم، فسيبكي معها غدًا حين يكتشف أنه أضاع الأم التي كانت تحمله وتحنو عليه وتمنحه الحياة، وهدم البيت الذي كان يأويه، وأغلق بيديه أبواب العطاء التي كانت تفيض عليه بلا انقطاع.
كي نفهم أسباب بكاء الأرض، يلزم أن نتأمل ما تكشفه التقارير الحديثة عن الغابات بوصفها الرئة التي تتنفس بها الكائنات الحية. تشير هذه التقارير إلى أن الغابات تغطي نحو أربعة مليارات ومئة وأربعة عشر مليون هكتار من مساحة اليابسة، أي ما يقارب ثلث سطح الكوكب. ورغم أن وتيرة إزالة الغابات تراجعت في العقد الأخير، فإن تدمير الغطاء الأخضر ما زالت تنذر بالخطر، إذ تفقد الأرض كل عام ما يقارب عشرة ملايين هكتار من غاباتها. وقد تجاوز الفقد في عام 2024 وحده ثمانية ملايين هكتار، وهو ما يزيد على المسار المطلوب لوقف الإزالة بحلول عام 2030، بنسبة تصل إلى ثلاثة وستين في المئة إذا التزمت الحكومات بتعهداتها. تسهم الغابات سنويًا في امتصاص ما يقارب ثلاثة مليارات ونصف المليار طن من ثاني أكسيد الكربون، غير أن استمرار تجريفها واحتراقها يهدد التوازن المناخي الدقيق، ويحيل الغابات من رئة للكوكب إلى مصدر لانبعاث الكربون، فتختنق الأرض بأنفاسها الثقيلة وهي تكابد نزيفها، بعد احتراقها أو تجريفها.
تكشف الدراسات أن نحو ثلث الغطاء الأخضر الذي فقده الكوكب منذ عام 2001 ناتج عن تغيّر دائم في استخدام الأرض، ما يعني أن تلك المساحات لن تستعيد غاباتها تلقائيًا. وتعد الغابات المدارية، وفي مقدمتها الأمازون، أكثر المناطق تعرضًا للتدهور، إذ ترتبط إزالة الغابات فيها بانخفاض هطول الأمطار في مواسم الجفاف بنسبة تصل إلى أربعة وسبعين في المئة، وبارتفاع درجات الحرارة بنحو ستة عشر في المئة، الأمر الذي يهدد بفقدان قدرتها على مقاومة التحولات المناخية، والوصول إلى ما يسميه العلماء نقطة اللاعودة. وسط هذه الوقائع المقلقة، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش العالم قائلًا: "عصر الاحترار العالمي انتهى، لقد حلّ عصر الغليان العالمي"، مشيرًا إلى أن الكوكب لم يعد يعيش مجرد ارتفاع تدريجي في الحرارة، وإنما دخل طورًا جديدًا تتتابع فيه موجات الجفاف والفيضانات والحرائق والاضطرابات المناخية على نحو غير مسبوق. هذا الغليان لا يقتصر على المناخ وحده، إنما يتسرب إلى وعي الإنسان ذاته، فيفقد توازنه، ويعجز عن الإنصات لصوت الطبيعة، ويغدو غريبًا عن الأرض التي أنجبته وأودعت فيه سر الحياة.
مع كل حريق يلتهم غابة، وكل نهر يجف، وكل موجة حر ترهق المدن، يتسع الشرخ بين الإنسان وعالمه، وتغترب الروح عن الطبيعة، وتخمد قدرتها على الإصغاء إلى نداء الوجود. إن إزالة الغابات ليست كارثة بيئية فحسب، إنها مأساة أخلاقية تكشف هشاشة الضمير الإنساني، وتراجع الإحساس بالانتماء إلى الكائنات التي تشاركه العيش على هذا الكوكب. حين تأكل النار الغابات، يخسر مناخ الأرض الأوكسجين، وتضعف ضمانات الحياة والأمان والسلام في هذا العالم، وتغدو الطبيعة التي كانت أمًا حانية كائنًا جريحًا يختنق بصمته العميق، ويستغيث من وجعه الذي لا يسمعه إلا الخبير صاحب الضمير اليقظ.
في هذا الواقع يغدو إنقاذ الغابات مهمة أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون شأنًا بيئيًا، فحماية الأرض هي في جوهرها حماية للإنسان من شرور نفسه، وصون للمعنى الذي تستمر به الحياة. نحن اليوم نعيش لحظة اختبار وجودي لا يجدي فيها الندم، وإنما تقتضي استعادة الصلة الأخلاقية بالأرض، والعودة إلى الإنسانية الإيمانية، التي يتجلى فيها الإيمان بوصفه رحمةً ومحبةً ورفقًا وشفقةً ورعايةً، لا استغلالًا ولا هيمنةً ولا استنزافًا جشعًا للموارد. حين نتحرر من النظر إلى الغابات كغنيمة قابلة للنهب، ونراها كائنًا حيًا نتنفس من خلاله الأوكسجين، ونحيا على عطائه، نخطو الخطوة الأولى في طريق الخلاص من عصر الغليان الذي أشعلناه بأيدينا، ونستعيد بذلك شيئًا من توازن الأرض وسكينة الروح التي تآلفت معها منذ فجر الوعي الإنساني.
تشير تقارير الأمم المتحدة الصادرة عام 2024 إلى أن الكوكب يواجه أزمة وجودية غير مسبوقة في تاريخ التنوع الحيوي. فقد أعلنت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية، بدعم من برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ومشاركة أكثر من مئة وثلاثين حكومة، أن نحو مليون نوع من الكائنات الحية مهدد بالانقراض خلال العقود المقبلة، وهي نسبة تمثل ثمن الأنواع النباتية والحيوانية المعروفة على الأرض. هذا الرقم الصادم يعكس تسارعًا خطيرًا في وتيرة الانقراض، إذ صار المعدل الحالي أعلى بعشرات إلى مئات المرات من المعدل الطبيعي الذي استمر طوال العشرة ملايين عام الماضية.
وذلك يشير إلى أن العالم يعيش اليوم سادس موجة انقراض جماعي منذ نشوء الحياة المعقدة على الأرض. كما تشرح بيانات الهيئة أن متوسط وفرة الأنواع الأصلية في النظم البيئية البرية والبحرية انخفض بما لا يقل عن عشرين في المئة منذ مطلع القرن العشرين، وأن مساحات واسعة من المواطن الطبيعية لهذه الأنواع، التي كانت تزخر بالتنوع والخصوبة، أُبيدت أو تدهورت. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من أربعين في المئة من البرمائيات تواجه خطر الانقراض، وأن ما يقارب ثلث الشعاب المرجانية المكونة للمرجان قد انهار أو يوشك على الانهيار، وأن أكثر من ثلث الثدييات البحرية مهدد بالاختفاء، فيما تتراجع أعداد الطيور والأسماك والحشرات في معظم القارات على نحو حاد، لتغدو الأرض أفقر في ألوانها وأصواتها ومظاهر حياتها التي كانت تزدان بها منذ فجر الخليقة.
أظهر مؤشر القائمة الحمراء للأنواع المهددة، الذي تعتمده الأمم المتحدة لقياس مستوى الخطر على الحياة البرية، تدهورًا متراكمًا تجاوز اثني عشر في المئة بين عامي 1993 و2024، ما يشير إلى أن احتمالات الانقراض تتسع عامًا بعد عام. أما الأنواع المهاجرة كالطيور وغيرها، فيكشف تقرير صدر في العام نفسه أن أربعة وأربعين في المئة منها تشهد تراجعًا واضحًا في أعدادها، وأن أكثر من اثنين وعشرين في المئة تواجه خطر الانقراض الفعلي، وهو ما يعبر عن انهيار سلاسل الحياة التي تصل بين النظم البيئية في القارات المختلفة. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن معدل انقراض الأنواع اليوم يتراوح بين عشرة إلى مئة ضعف المعدل الطبيعي التاريخي، نتيجة تداخل عوامل بشرية متعددة، منها فقدان المواطن الطبيعية بسبب الزراعة والصناعة والتوسع العمراني، والصيد الجائر، والتلوث، والاحتباس الحراري، وانتشار الأنواع الغازية التي تطيح بتوازن النظم الإيكولوجية.
وهكذا انتهى انتشار الأنواع الغازية إلى تسلل كائنات حيّة إلى بيئات لم تكن موطنها الأصلي، فتستولي على موارد كائنات متوطنة لآلاف السنين، وتزيح الأنواع المحلية التي كانت تحفظ توازنها، فينهار النظام الإيكولوجي الذي استقر عبر آلاف السنين. إنها كائنات جُلبت من قارات بعيدة أو انتقلت بفعل تدخل الإنسان، فتكاثرت في غير موضعها، وبدأت تدمّر الانسجام والتناغم الطبيعي بين المخلوقات. وحين تطيح هذه الأنواع بالتوازن البيئي، تكشف عمق الخلل في علاقة الإنسان بالطبيعة، إذ يتحول التهافت على الامتلاك والاستهلاك إلى قوة عمياء تفتح أبواب الفوضى، التي تنهش جسد الكوكب الحي. إن هذا التدهور المتسارع في تنوع الحياة على الأرض ليس مجرد ظاهرة بيئية، إنه جرح كوني عميق يهدد وحدة الكائنات في الطبيعة، ويكشف مدى القسوة التي صارت تطبع صلة الإنسان بالعالم الذي وهبه الوجود.
هذا التدهور البيئي المتسارع لا يهدد الأرض وحدها، إنما يزلزل الأسس التي تقوم عليها الحياة البشرية ذاتها. فالنظم البيئية تمنح الإنسان الهواء النقي والماء والغذاء وتوازن المناخ، وأي خلل يصيبها يرتد مباشرة على استمرار بقاء الإنسان، وجودة حياته على هذا الكوكب. من أجل ذلك تنادي الأمم المتحدة منذ سنوات بتحول جذري في أنماط العيش والإنتاج والاستهلاك لوقف هذا الاستنزاف المريع، غير أن النداء يضيع في شبكات المصالح المتضادة. تؤكد التقارير الدولية أن الإصلاحات الجزئية لم تعد مجدية، وأن العالم بحاجة إلى تغيير شامل يعيد بناء العلاقة بين الإنسان والطبيعة على أسس جديدة من المسؤولية والرعاية. إن حماية التنوع الحيوي لم تعد شأنًا بيئيًا محدودًا، إنها قضية أخلاقية وإنسانية وروحية وجمالية تمس جوهر معنى الوجود الإنساني، وتمثل شرطًا لاستمرار الحياة، وضمانة لبقاء الأجيال القادمة للعيش الجيد في الأرض.
الأخلاق والحياة الروحية والجمالية تشكل منظومة واحدة، تعيد للإنسان وعيه العميق بوحدة الكائنات الحيّة وتناغم وجودها معًا، ومسؤوليته تجاه الأرض. حين يغيب هذا الوعي، تتحول علاقة الإنسان بالطبيعة إلى علاقة استغلال وهيمنة، ويغدو الكون مجرد مورد يستنزف بلا اكتراث، فيختل التوازن وتفقد الحياة ايقاعها المتناغم. الأخلاق الحيّة توقظ الضمير وتردع الجشع، لأنها تذكّر الإنسان بأن حماية الأرض ليست ترفًا ولا خيارًا، بل واجب وجودي يضمن بقاءه. أما الحياة الروحية فتفتح القلب على حضور الله في كل كائن، وتمنح النظر إلى الطبيعة بعدًا روحيًا يجعل رعايتها ضربًا من العبادة وشكرًا على عطائها. والجمال بدوره يصقل الإحساس بالرحمة، ويوقظ في الإنسان محبة الخلق، فيراه بعين الرحمة والعطف لا بعين التملك. حين تتحد الأخلاق والروح والجمال، يتحول الوعي الإنساني من نزعة السيطرة إلى وعي الرعاية، ويغدو الإنسان حارسًا للأرض لا جلادًا لها، فيتنفس الكوكب أنفاسه من جديد، وتستعيد الحياة معناها في ظلال الرحمة والمحبة والعيش المشترك للأحياء والكائنات معًا.
‏أمضيت في إعداد وتحرير: "موسوعة فلسفة الدين" ربع قرن تقريبًا. وهي أول موسوعة عربية في هذا الحقل البالغ الأهمية اليوم في الدراسات الفلسفية والدينية. أكثر موضوعات هذه الموسوعة مترجمة من اللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية والفارسية. وقد انفق مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد أموالًا ليست قليلة على مكافآت الترجمات. كل جزء منها يتضمن مقدمة للمحرر، مع مجموعة أبحاث لفلاسفة دين وباحثين خبراء، تتناول الموضوع الخاص بهذا الجزء.
‏تقع الموسوعة في 8 أجزاء، كل جزء يختص بموضوع أساسي من الموضوعات المحورية لفلسفة الدين. هذه الموسوعة ترسم أفقا مضيئا للدراسات الدينية، عسى ان تتحرر من الشعارات المكررة، والآفاق المسدودة.
تصدر قريبًا عن: مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ودار الرافدين في بيروت.

https://www.facebook.com/100001524003286/posts/pfbid02si2iDwUMyzoDzqJwwNRWhQqvJt28fkmJKC6hcb6LqkYM2PZoUotEmhrirL56cmHil/
موسوعة فلسفة الدين التي يصدرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي اليوم في ثمانية أجزاء، تمثل ثمرة جهدٍ فرديٍّ استثنائي لا تقوم بمثله مؤسسات كبرى تحظى بدعمٍ سخيّ من الدول أو من رؤوس الأموال. إنها شاهدٌ على طاقةٍ نادرة من الصبر والمثابرة والعزم والإخلاص في العمل.

فعلى المستوى الشخصي، تعكس هذه الموسوعة روح الرفاعي العملية المنذورة للمعرفة، ومثابرته التي لا تعرف الكلل.
وعلى المستوى الفكري، تمثل مشروعًا لإعادة هندسة المعرفة الدينية من جذورها، إذ تُحدث قطيعةً واعية مع أنماط التفكير السائدة في العلوم التقليدية كأصول الفقه والفقه والكلام، لتفتح أفقًا جديدًا لفهم الدين ضمن مناهج الفلسفة والعلوم الإنسانية المعاصرة.

أعرف جيدًا أن الرفاعي، رغم ما أنجزه، غير راضٍ تمامًا عن عمله، فهو طموح إلى ما هو أوسع وأكمل، غير أن طموحه الكبير يظل يستنهض من يأتي بعده من أجل إكمال المشوار.

وأرجّح أن هذه الموسوعة ستحتاج في المستقبل إلى جزأين إضافيين لم يُتح له الوقت لإعدادهما:

الأول، يتناول العلاقة بين المقدس والتاريخ.

والثاني، يدرس موقع الدين في حقل العلوم الإنسانية، وأقصد بالتحديد: نظريات علم النفس والاجتماع والدراسات العصبية للدين.

مبارك لنا جميعا هذا العمل الاستثنائي الفاخر
وأطال الله في عمر أستاذنا الرفاعي وأدامه علما للعلم والتنوير والتدين الرحماني
الصمت مرآة قوة الإرادة
الصمت مرآة لقوة الإرادة
د. عبد الجبار الرفاعي
إرادة الصمت تتطلب من الإنسان أن يروض ذاته، ويعيد تفريغ انفعالاته في مسارات لا تؤذيه ولا تؤذي غيره. كلما امتلك الإنسان قدرة أوسع على التحكم بانفعالاته، امتلك قدرة أعمق على التحكم بكلامه، وعلى إيقاظ الصمت الذي يكرس الحضور الواعي والامتناع المدروس. التحكم بالانفعالات يدل على ترويض متواصل للشخصية، وعلى ذكاء في تصريف الطاقات المكبوتة نحو منافذ آمنة، لا تترك جروحًا في النفس للإنسان أو لغيره. الصمت الذي ينبع من هذا الترويض لا يولد من ضعف، بل ينبع من قوة داخلية تنمو وتتجذر في لحظات التأمل، وتتحكم باللسان في لحظات التوتر، وتتجلى في المواقف التي تتطلب وعيًا لا ينفعل، وحكمة تحمي الإنسان من الطيش والنزق، وقرارًا لا يُملى من الخارج. مَن يجيد الصمت لا ينسحب من الحياة، بل يعيد بناء كيفية حضوره فيها، ويعيد تشكيل نمط وجوده في العالم، ويمنح ذاته فرصة لوعي أعمق، وتفاعل أنضج، واتخاذ مواقف لا يندم عليها.
الصمت غالبًا أصدق من الكلام، وأقرب إلى جوهر الإنسان الذي ينشد سلام الباطن. الإنصات موقف ذكي، يعكس حضورًا كاملًا، ويقظة لا تشتتها الرغبة في الرد أو الاستعراض أو الانتصار. حين ينصت الإنسان بهدوء يمنح للآخر فرصة في أن يكون، ويعطيه فرصة ليكشف عن ذاته، ويتيح للمعنى أن يتوالد في فضاء مشترك لا يهيمن عليه أحد. الإنصات فضيلة وجودية تعيد ترتيب صلة الذات بالعالم، وتعلّم الإنسان كيف ينصت إلى ذاته وصوته الداخلي، وما يعتمل في أعماقه من أسئلة مؤجلة، وأشواق لا تجد لغتها. في الإنصات يتعلّم الإنسان أن المعنى لا يُصاغ دائمًا بالكلمات، وأن الحقائق لا تدرك إلا حين يتوقف الضجيج، ويستطيع الإنسان أن يصغى إلى ما يتردد في صمت الكائنات، وفي ارتجاف القلب حين يتذوق المعاني التي لا تتسع لها الكلمات.
الصمت استراحة الذهن من الغرق بضوضاء الخارج، وعودة الإنسان إلى سبر أغوار ذاته، حيث تستيقظ منابع الإلهام والفاعلية التي طالما غمرها الضجيج. لا يقتصر الصمت على التوقف عن الكلام، بل يتجلى في فعل إرادي يتطلب عزيمة لا تقهر. إرادة الصمت أصعب من إرادة الكلام، وأعمق من مجرد ضبط اللسان، الإنسان حين يتكلم ينفعل وحين يصمت يتأمل ويشعر بالتواصل الوجودي مع ما حوله. الصمت يعكس قدرة الإنسان على التحكم بانفعالاته، وتحكيم العقل في لحظات التوتر. الصمت لا يعني انسحابًا وهروبًا، بل يعني انتصارًا داخليًا على الضجيج. الصمت ليس ضعفًا ولا انكفاء، وإنما هو تعبير عن يقظة تضيء الوعي. إنه عبور إلى ما وراء الظاهر، إلى حيث تتكلم الأشياء من دون صوت، وتضيء المعاني من غير ألفاظ. لا يتوقف الصمت عند حدود الامتناع عن النطق، إنما يتجسد في فعل إرادي يعكس عزيمة لا تنكسر، وإرادة لا تقهر. يستند الصمت إلى وعي يتجاوز الحاجة للكلام، وحاجة للتوغل في أعماق الذات. إرادة الصمت تنبع من يقظة العقل، وتغلب الإرادة لحظة الغضب، وقدرة على تحكم الإنسان بذاته حين يكون في مواجهتها، لا في مواجهة غيره.
بالصمت يتذوق الإنسان سكينة الروح، التي تجعله يرى الوجود بعيون مضيئة، ويشعر أن المعنى لا يُقتنص من كثرة الكلام، وإنما يولد من لحظة إنصات يلتقي فيها الفكر بالشعور، فيصير الصمت مرآة تعكس ما غاب عن البصر من أنوار البصيرة. هكذا يتحول الصمت إلى فعل إنساني يحرر الوعي من أسر العادة والتكرار، ويعيد للإنسان قدرته على رؤية ما وراء المألوف. بالصمت يكتشف الإنسان أن ضجيج الخارج صدى لاضطراب الداخل، وأن سلام العالم يبدأ من سلامة القلب، فيغدو الصمت طريقًا للسلام، وشجاعة تمكّن الإنسان من مواجهة ذاته.
حين يختار الإنسان الصمت، لا يهرب من العالم، بل يتهيأ للإنصات لما لا يسمع في صخب الكلام، ويمنح نفسه فرصة للعودة إلى ذاته، وايقاظ ما أهمله في أعماقه. الصمت لا يعني الخواء بل الامتلاء، إنه امتلاء بالمعنى، واستعداد لاستقبال ما لا يُدرك إلا في هدوء السكينة. في الصمت تتسع المسافة بين الفكرة ورد الفعل، إذ يجد الإنسان فسحة للتأمل، ومجالًا لإعادة النظر، وفرصة لتصفية الداخل من ردود أفعال التسرع والانفعال. الصمت الحكيم يولد في فضاء الصلة العميقة بالوجود، ويترسخ حين يتعلم الإنسان ألا يقول كل ما يعرف، ولا يرد على كل ما يسمع، ولا ينفعل بكل ما يثير انفعاله. في هذه الحالة يغدو الصمت موقفًا يعكس الحكمة، ومظهرًا من مظاهر السلام، وتجليًا لوعي لا يحتاج إلى الصخب كي يثبت حضوره، ولا إلى الجدل كي يبرر وجوده. الصمت الذي ينبع من وعي الإنسان بذاته، ومن إدراكه لحدود الكلام، هو صمت يحرره من الحاجة إلى الانتصار في كل حوار، ويمنحه طمأنينة لا يتلقاها من كثير من الكلمات.
مَن ينتصر حتى في المعارك، ليس من يصرخ أعلى أو يضرب أسرع، بل مَن يملك القدرة على تهدئة عواصفه الداخلية، وقراءة اللحظة الحرجة بوعي، سواء كانت لحظة حرب أو لحظة سلام. ومَن يدرك ما يتطلبه الواقع الذي يعيش فيه، ويبرع في حسابات الأرباح والخسائر، ويحسن إدارة التسويات حين لا يكون الانتصار ممكنًا، لئلا يخسر كل شيء. الانتصار الحقيقي يتحقق بالقدرة على التماسك في لحظة الانفلات، واتخاذ القرار الذي يحفظ الكرامة ويقلل الخسائر، ويمنح الإنسان فرصة جديدة للبدء من دون أن ينهار كل شيء. مَن يملك وعي اللحظة، ويقرأ ما وراء ظاهرها، يستطيع أن يختار متى يتقدم ومتى يتراجع، ومتى يصمت ومتى يتكلم، ومتى يربح بالصبر ما لا يربحه بالعنف. في هذا المقام، لا يكون الانتصار مجرد غلبة، بل يكون حكمة في إدارة انفعالات الذات، وبصيرة في التعامل مع الواقع، وحنكة في صون ما تبقى، حين لا يعود النصر ممكنًا.
الصمت يدل على موقف حيال الواقع، يمكّن الإنسان من أن يكون فاعلًا لا منفعلًا، حكيمًا لا متهورًا، حاضرًا بكامل طاقته الذهنية والنفسية، لا غارقًا في ردود الأفعال والغضب. حين يختار الإنسان الصمت فإنه لا ينسحب من الواقع، بل يعيد تنظيم حضوره فيه، ويتهيّأ لرؤية العالم في العمق لا في السطح، ويتعامل مع ذاته كما يتعامل مع خصم نبيل: بذكاء، ويقظة. في هذا المقام، يغدو الصمت فعلًا من أفعال الوعي، ومظهرًا من مظاهر النضج، وتجليًا لقدرة الإنسان على أن يوازن بين ما يشعر به وما يعبّر عنه، وبين ما يراه وما يقوله، وبين ما يختلج في داخله وما يختار أن يظهره.
الصمت لا يعني الغياب عن الحياة، بل يدل على حضور مختلف فيها، حضور لا يحتاج الإنسان إلى ضجيج ليؤكد ذاته، ولا إلى ردود حادةكي يبرر موقفه، بل يكفيه أن يصغي إلى المعاني التي لا تنطق بها الألسنة، ويتأمل الإشارات التي لا تبثها الكلمات، ويتلقّى ما لا يصل عبر قنوات التواصل المألوفة. في لحظات التوتر ينتصر مَن يصمت ليدرك الموقف المطلوب، ويصوغ الموقف في ضوء ما يفرضه الوعي والواقع. الصمت بهذا المعنى لا يعكس ضعفًا، بل يكشف عن قوة داخلية لا يمتلكها إلا مَن تمرّن على الإنصات، وتدرب على التجلي بلا صخب، وتعلّم كيف يحضر من دون أن يطغى، ويؤثّر في غيره من دون أن يكرهه على فعل معين. https://alzawraapaper.com/content.php?id=381349
الهوية في شراك الأيديولوجيا غلاف
مقدمة كتاب الهوية في شِراك الأيديولوجيا
د. عبد الجبار الرفاعي
منذ عودتي إلى وطني العراق قبل عشرين عامًا، بعد سنوات طويلة عشتها في المنفى، متنقلًا بين أكثر من بلد، صدمتني اضطرابات الهوية السياسية لدى عدد كبير من المواطنين. تلاشت الهوية الوطنية أو ضعف حضورها، وحلت محلها هويات طائفية وعرقية، استحوذت على المشهد السياسي والاجتماعي والديني وحتى الثقافي، وفرضت خطابها في الحياة العامة. عندما كنت أتابع أحاديث الزعماء السياسيين في الفضائيات، قليلًا ما كنت أسمع مَن يذكر العراق بوصفه الوطن الجامع. كان كثير من حديثهم يتمحور حول استعادة حقوق تاريخية مهدورة لجماعتهم، ويطالب بتسويتها اليوم، من غير اهتمام بما يهدد كيان الدولة، ويفكك رابطة العيش المشترك في المجتمع الواحد.
في الأحاديث اليومية للمواطنين، قلما كنت أسمع اسم "العراق" يتردد، وكأن الوطن غائب عن الوعي العام. أسماء المواليد من الإناث والذكور لم تكن تعبّر عن انتماء لحضارات وادي الرافدين، ولا تشير إلى رموزها وأعلامها ومعالمها وميراثها الحضاري والثقافي الثمين. بدا حضور العراق في الصحافة والإعلام ووسائل التواصل والفضائيات والإذاعات باهتًا، لا يعكس ما يفترض أن يمثله من رمز للهوية والانتماء. في الشعر القديم والحديث، وفي الأمثال والشعر الشعبي، لا يحضر العراق بما يكفي بوصفه الوطن الذي تلتقي فيه مصالح الجميع، وتتوحد فيه مصائرهم، ويتجاوز حدود الطائفة والقومية. عشت في بلدان يعتز أهلها كثيرًا بهويتهم الوطنية، أتأمل كيف صارت هويات أوطانهم أوعية ينصهر فيها تنوع الديانات والمذاهب والثقافات المحلية والعالمية، وكيف تغلبت تلك الهويات على الانغلاق، وتشكلت من تراكم الذاكرة المشتركة، وخبرات العيش معًا، والاعتزاز برموز الوطن وميراثه.
في وطننا، أضحت الكتابة والحديث باسم العراق، والمناداة بضرورة تجذير الهوية الوطنية وترسيخها في ضمير المواطن أمرًا غير مألوف لدى كثيرين، بعد أن جرى نسيان الوطن، وانشغل أغلب المواطنين بهوياتهم الطائفية والقومية. ربما ينظر بعضهم إلى الكاتب المهموم بترسيخ مفهوم الوطن والمواطنة، ويكتب عن الهوية الوطنية، بأنه يمارس نوعًا من رفاهية الكتابة، لأنها كتابة لا حاجة لها هذا اليوم، وعديمة الجدوى في نظره. ويشكك بعض آخر في دوافع هذا الكاتب، ويحسب أن الكاتب المهموم بالهوية الوطنية والمواطنة يرمي إلى صرف أنظار الناس عن هموم طائفتهم وقوميتهم.
ما تعانيه الهوية الوطنية من ضمور وتراجع وتهميش، يمثل إحدى أخطر أزماتنا السياسية والاجتماعية والثقافية. أتمنى أن يتناول هذه الظاهرة باحثون متخصصون، ويكرس طلاب الدراسات العليا اطروحاتهم ورسائلهم الدكتوراه والماجستير، لدراسة العوامل التاريخية السياسية والاجتماعية والثقافية والطائفية، التي أسهمت في تآكل الهوية الوطنية، وتفتيت بنيتها الرمزية، وأعاقت تشكل نسيجها التاريخي. لا أعلم على وجه الدقة إن كانت دراسات أكاديمية كافية قد تناولت هذه المسألة، لكنني أرى أن دراستها اليوم ضرورة قصوى، ينبغي أن تتعدد فيها المقاربات، من منظورات اجتماعية وأنثروبولوجية ونفسية وسياسية ولسانية، ومن غيرها من العلوم الإنسانية، بوصفها مسألة مصيرية لا يمكن تأجيلها أو التنكر لها.
نحن بحاجة ماسة إلى غرس الهوية الوطنية في الضمير السياسي، وتغذية حضورها النفسي والعاطفي والثقافي للأبناء وتنميتها، وتمكينهم من عبور مضايق هويات الآباء، التي ما زالت تلهيهم بهويات أيديولوجية مستعارة من الأمس، أو بهويات طائفية وعرقية لا تكترث بالهوية الوطنية، التي تفجرت عقدها المكبوتة عبر عقود طويلة، خدمةً لمصالح جماعات وزعامات تتصارع على السلطة والثروة، أو لتحقيق مكاسب لبلدان أخرى ترى في تآكل هوية العراق وتناحر مكوناته، ضمانًا لهشاشة الدولة، واستمرار التبعية.
الانتماء إلى العراق شرف وطني، العراق وطن جدير بنا جميعًا، وكل واحد من أبنائه ينبغي أن يعتز بالانتماء إليه. مَن يقرأ مكاسب الحضارات التي ولدت على أرض الرافدين، سواء في العصور القديمة أو العصر الإسلامي، يقف أمام ميراث زاخر بالمنجزات الاستثنائية التي انفردت بها هذه الأرض. على العراقي أن يفتخر بميراث إسلامي عريق، امتدت جذوره قرونًا طويلة في الكوفة والبصرة وبغداد، وما زالت بعض عناصر هذا الميراث حية، ننصت لصداها في المجتمعات الإسلامية، في علوم الدين، واللغة، والشعر والأدب، والفنون، والفلسفة، والتصوف. لولا ذلك الميراث، لما تراكمت في حضارة الإسلام كنوز معارفها وعلومها وآدابها وفنونها وقيمها، التي ازدهرت في القرن الرابع الهجري، وخلدت مكاسب هذه الحضارة في مواطن مجتمعات عالم الإسلام المتنوعة. وقبل حضارة الإسلام، أنجبت أرض الرافدين سلسلة حضارات عظيمة في سومر وأكد وبابل وآشور، وأورثت للبشرية منجزات رائدة، ما زال العالم بأسره مدينًا لها، مثل اكتشاف الكتابة، واختراع العجلة، وتدوين القانون، وتنظيم الري، والتخطيط الحضري، وفن العمارة، والرياضيات، والفلك، والقيثارة، والشعر، والملحمة، وسواها من اكتشافات واختراعات وإبداعات شكلت منعطفات حاسمة في مسار التطور الحضاري على الكرة الأرضية. أرض الرافدين تتميز بحيوية وخصوبة حضارية مدهشة، فعلى الرغم من تعاقب الاحتلالات الجائرة عليها، غير أنها كانت وما زالت تعاند سحقها والفتك بها، وتقاوم استنزاف إنسانها، وتعاند تدمير ميراثها.
لا يعني هذا الكلام التنكر للهويات الفرعية في المجتمع، تعدد الهويات وتنوعها منبع غزير للثراء والحيوية المجتمعية الخلاقة. أشرت في موارد متعددة من هذا الكتاب إلى أن بعض الهويات والانتماءات تبدأ تتوالد بعد ولادة الإنسان مباشرة، مثل وراثته لديانة آبائه ومجتمعه ومذهبهم ولغتهم وثقافتهم، وهذه الهويات تنمو وتترسخ في البيئة التي ينشأ فيها. في دولة المواطنة الحديثة يعد التنوع الهوياتي مصدر قوة لا ضعف، لكن ذلك يتطلب معادلة تبتني على جعل الهوية الوطنية إطارًا جامعًا، تتفرع منه الهويات القومية والدينية والمذهبية، من دون أن تطغى عليه. انقلاب هذه المعادلة، بتقديم المذهب أو الديانة أو القومية على الوطن، يجهض الوحدة المجتمعية، ولا يرسي أساسًا متينًا للعيش المشترك، ويعيق إقامة دولة حديثة. الهوية الوطنية أساس سياسي رحب يتسع للتنوع ويعترف بحق المواطن في أن يكون مختلفًا، فيصبح المجتمع نسقًا متكاملًا يحول التنوع إلى مصدر غنى وقوة.
لا يتحقق معنى الوطن والمواطنة إلا إذا تحقق معنى المواطن، الذي له الحقوق ذاتها الممنوحة لكل مواطن، كما عليه المسؤوليات ذاتها المفروضة على كل مواطن. أما لو فرضت عليه تلك المسؤوليات، ولم يمتلك الحقوق الممنوحة لبعض فئات المواطنين، وجرى انتزاع حقوقه التي تمنح له بوصفه مواطنًا، وحرمانه منها، لأنه ينتمي إلى دين، أو معتقد، أو مذهب، أو قومية، أو طبقة، ينظر إلى مقامها على أنها أدنى من غيرها من الشركاء في الوطن، فلا يتحقق معنى المواطن، ولا معنى المواطنة، ولا معنى الوطن.
حين يكون النصاب هو الهوية الوطنية، تصبح هذه الهوية ضامنًا للعيش المشترك، وشرطًا للتعايش السلمي، لأن الوطن هو المشترك الذي يحتضن الجميع، وتلتقي فيه مصالحهم، وتتعانق مصائرهم، وتتحقق فيه المساواة من دون امتياز ديني أو مذهبي أو عرقي. أما إذا كان النصاب عرقيًا أو مذهبيًا أو دينيًا، فإن ذلك يفضي إلى تمزق النسيج الاجتماعي، ويشعل التنازع على المصالح والمواقع، ويغدو بابًا لانتهاك حقوق مَن لا يشارك الجماعة الغالبة في مذهبها أو دينها أو قوميتها. آنذاك، لا يكون الوطن وطنًا للجميع، بل يتحول إلى غنيمة يتقاسمها المنتصرون، ويستبعد منها غيرهم من أبنائه.
ما كنت أفكر بتأليف هذا الكتاب قبل سنوات، لولا شعوري العميق بمتاهة الهوية الوطنية، التي لبث فيها جيلنا وجيل آبائنا عشرات السنين، مسجونًا في أيديولوجيات تغويه بالولاء لبلدان أخرى، وتنسيه وطنه. رهاني اليوم على الجيل الجديد، الذي أقرأ في ضوء عيونه الشغف بالتحرر من الانتماء لغير أرض العراق. أتطلع إلى أن يتحرر الأبناء من شِراك الهويات الأيديولوجية، ويتجذر الانتماء للوطن في وعيهم السياسي، ويتضامن معهم الآباء، على مبايعة الوطن تحت شعار: الولاء للعراق أولًا، قبل الولاء لأي انتماء آخر، كما تفعل كل المجتمعات التي تعتز بانتمائها لأوطانها، وترى فيه الحصن الأول لكرامتها، وسلامها، ومستقبل أبنائها. الدولة الوطنية هي النصاب الجامع الذي يحمي المواطنين بهوياتهم الفرعية المختلفة، ويكفل حقوقهم وحرياتهم. المواطنة تفرض على الجميع الولاء لهذه الدولة دون سواها، المواطنة هي الضامن لحقوقهم وحرياتهم، على أن تمارس هذه الحقوق والحريات في إطار القانون والعدالة والمساواة، وبما يحفظ الكرامة الإنسانية للجميع.
أوصي الأبناء من الجيل الجديد: افتخروا بوطنكم العراق، فهو بلد جريح لكنه حي، مثقل بالمآسي لكنه لا ينكسر، تتعثر خطاه لكنه لا يتخلى عن أحلامه. العراق ليس مجرد أرض نعيش فوقها، بل كيان يسكن فينا كما نسكنه. إنه ذاكرة حية لبداية التاريخ المدون للبشر، ومهد لحضارات كانت منطلقًا لصناعة أعياد التاريخ البشري. الانتماء إلى العراق لا ينبغي أن يكون شعارًا، بل شعورًا يتغلغل في الضمير، ويبعث في النفس العزم على الوفاء له، مهما اشتدت العواصف وتوالت المحن.
فككوا بين العراق الوطن، والأنظمة والحكام الذين تعاقبوا على حكمه، لا تخلطوا في وعيكم بين الانتماء للعراق بوصفه وطنًا لن يموت، وبين ما مارسته الأنظمة السياسية من استبداد وفساد، منذ تأسيس الدولة الحديثة سنة 1921. الأنظمة متغيرة عابرة، والحكام يتبدلون، لا أحد منهم يختزل العراق، أو يلغي هويته، أو يجسد عمق تاريخه، أو يمثل حضارته الضاربة في القدم. العراق أسبق من كل نظام، وأبقى من كل حاكم، وأرسخ من كل سلطة لا تصدر عن إرادة العراقيين، ولا تتجذر في شعورهم الوطني.
جيلكم هو أمل هذه البلاد، أنتم مَن يعول عليه العراق لينهض مجددًا، وتعاد له مكانته التي يستحقها في العالم. افتخروا بأنكم تنتمون إلى أرض ولدت فيها الكتابة، وصيغت فيها أول مدونة قانونية، وانبثقت فيها أحلام الإنسان بالعدل والحق والسلام، وتأسست فيها دولة المدينة، ثم الدولة، والامبراطورية الأكدية، وأنجز إنسان هذه الأرض أول ملحمة دونت أسئلته الكبرى حول معنى الحياة والوجود وحقيقة الخلود، وكان العراق منطلقًا للحضارة الإسلامية، ومركزًا لإشعاعها العلمي والفلسفي والأدبي والديني قرونًا عديدة.

https://alsabaah.iq/123260-.html