عبدالجبار الرفاعي
3.67K subscribers
726 photos
59 videos
284 files
1.25K links
مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضۚ
Download Telegram
في التديّن الشكلي طالما عجزَ الإنسانُ عن البوح والاعتراف، لذلك نجد بعضَ الأشخاص يمارس مراوغةً مبتذلة في التعبير عمّا يريده، ويظهرُ العجزُ عن البوح والاعتراف في المذكرات الشخصية بوضوح، إذ قلّما نطالع في مذكرات من يكتب في مجتمعاتنا اعترافات، خلافًا للغربيين الذين نقرأ في مذكراتِهم الشخصية كثيرًا من البوح والحديث المكشوف. إنها اعترافاتٌ شجاعة تبوحُ بطبيعتهم البشرية التي تختزن ضعفَهم وهشاشتَهم وقلقَهم وعبثَهم وأخطاءَهم وتناقضاتهم.
لم يكن هذا الشكلُ من التديّن في يوم ما حلًا لمشكلة، بل كان وما زال، هو المشكلةُ في عالَم الإسلام، فمن الآثارِ الخطيرةِ للتديّن الشكلي أن لادينيةَ أكثرِ الشباب اليوم هي احتجاجٌ على هذا النمط من التديّن، إنها احتجاجٌ على نمطِ تديّنٍ يغيبُ فيه الضميرُ الأخلاقي، تديّنٍ يُفقِر الحياةَ الروحية، تديّنٍ يعجز عن تذوق جماليات الوجود، تديّنٍ ضد الفنون، تديّنٍ ضد الفرح، تديّنٍ حزين، تديّنٍ كأنه اكتئاب.
وأودُ الاشارةَ إلى أن هذا التصنيفِ الذي اقترحتُهُ للتديّنِ جاء محصلةَ خبرةٍ في الحياة الدينية، وعيشٍ داخل جماعات متدينة، وكنت اهتمّ منذ وقت مبكر برصد تمثلاتِ الدين وتعبيراتِه في سلوك الفرد والجماعة، وما ينبغي أن ينتجه من آثارٍ عمليةٍ، يفترضُ أن تجدَ تعبيرها الأخلاقي في سلوك المتديّن.
في هذا التصنيفِ لم أجد الحدودَ صارمةً بين كلِّ واحدٍ من هذه الأنماطِ والآخر، بل وجدتُ التديّنَ الشكلي مثلًا يتداخلُ مع تعبيراتِ التديّنِ الشعبوي، كما يتداخلُ مع شيءٍ من تعبيراتٍ لأنماطِ تديّنٍ أخرى. وقد تنبهت لذلك منذ أكثر من ثلاثين عامًا، كما أشرتُ لبعض هذه الأنماط منذ أكثر من عشر سنوات في بعض كتاباتي، وبعد ذلك كتبتُ مُخطّطًا أوليًا لهذا التصنيف في مقالةٍ نشرتها قبل ست سنوات، أدرجتُ فيها هذه الأنماطَ وشرحتُها بإيجازٍ شديد.
#التديّنُ_الشكلي
لاحظت أن انهيار التدين لدى بعض الشباب يرتد الى غياب المثال المُجسَّد للتدين الانساني الروحي الأخلاقي .. ناقشت بعضهم ساعات طويلة، لماذا يمضي الى مديات قصية في مواقفه السلبية من الدين، لم يعلن أحد منهم أمامي إلحاده بالله، ولم يحاجّني ببراهين المتكلمين على وجوده تعالى، وانما اتفقوا جميعاً على انهم يقرؤون عن حياة روحية، ويسمعون حديثاً مكرراً عن مفاهيم أخلاقية، ومواقف انسانية، غير انهم يفتقدونها فيمن ينادون بها، ولا يرون ملامح صورتها في سلوكهم، ولم يعثروا على من يهتدون بسيرته العملية في المحيط الذي يدرسون ويعيشون فيه. تنبهت الى أن البواعث العميقة للتدين ترتبط عضوياً بحساسيات ومشاعر الانسان وعواطفه، وان الانسان بطبيعته لا يهتدي ايمانياً إلاّ بالقدوة العملية الملهمة، تلك القدوة التي تسقيه الارتواء الروحي، وتمنحه السلام النفسي، وتغمره بالرأفة والشفقة، كي تخلصه من الاغتراب، وتشعره بالحماية والأمن في الحياة.
الناس كي يؤمنوا؛ يفتشون دائماً عن نموذج بشري مُجسَّد للايمان المتواشج عضوياً بالحب والرحمة، والحب والرحمة المتواشجة بالايمان. ويحتاجون إلى من يشعرهم بوجود الله عملياً في حياتهم، لا من يثبت لهم وجوده كفكرة مجردة، لا صلة لها بحياتهم، مثلما يفعل المتكلمون واللاهوتيون. يحتاجون إلى من يوقظ أرواحهم، ويوصلهم عضوياً بالله، بوصفه المنبع الحقيقي للطاقة الحيوية الايجابية الفاعلة، التي يتغلبون بها على ذلك الوجع الأسود المتفشي في العالم، والذي لا تطيقه قدرة عامة البشر.
عبد الجبّار الرفاعي وتفكيك الفهم المغلق للنصوص
أحمد رمضان الديباوي
"الاستسلام للتراث، واستدعائه بكافة عناصره في حاضرنا"، هكذا يلخّص الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بإيجازٍ غيرِ مُخلٍّ، سببًا رئيسًا من أسباب تفشّي نزعات التعصُّب وكراهية ونفْي الآخَـر، والتشهير الدائم به، وما ينجُم عن ذلك من احتراب، وعنف، وإرهاب، وصراعات دينية وعِرقية وطائفية، تأكل في طريقها الأخضر واليابس، وتُغذّي رُوح الانتقام والتشفّي، حتى لتبدو صورة الآخر، المخالف في الدين والعقيدة والمذهب، في المخيال الإسلامي مشوَّهة، مشيْطَنة، تحت وطأة الوقوع في أسْرِ نرجسية دينية زائفة غير واقعية، ومنطق عقائدي أُحادي، وإيمان تقليدي حصري لا يعرف طريقًا إلى النقد أو العقل أو الحُبّ!
في كتابه "الدين والنزعة الإنسانية"، الصادر هذا العام، عن دار التنوير، في طبعته الثالثة المعدَّلَة والمزيدة، يُبحر بنا عبد الجبار الرفاعي في مبحث (من أين تشتق الكراهية مفاهيمها؟)، كما لو كان رُبَّانَ سفينةٍ ماهرًا يعرف تمامًا كيف يدير دفّة القيادة بانسيابية ودِقّة حتى تصلَ بحمولتها إلى برّ الأمان، فيستدعي في أول كلامه أُسّ المشكلة، ومنبع الداء، وهو "هاجس التراث"، ذلك الهاجس الذي تفوق المجتمعات الإسلامية أي مجتمعات بشرية أخرى في الاستسلام والإذعان له، بل تقديسه والتعاطي معه باعتباره شيئا لا تاريخيًا ومطلَقًا ونهائيا وكاملا، كأنهم يطبّقون قول العربي القديم الكسول: "ما ترك الأول للآخِر شيئا"، على الرغم من أنّ عربيًا آخرَ مبرّزًا، هو عثمان بن بحر الجاحظ، قال: "إذا سمعت الرجلَ يقول ما ترك الأول للآخر شيئًا فاعلم أنه ما يريد أن يفلح"، لكنه التقديس والتكاسُل العقلي في آنٍ، حتى أضحى التراثُ قيدًا يكبّل حاضرنا، فيحكم عليه بالفشل، لأننا نرضى بأن يحكمنا الأموات وهم قبورهم، "بل يغدو الأموات هم مصدر الإلهام للكثير من المعاني في حياتنا، وتعلي مجتمعاتنا من مقاماتهم عندما تنصبهم حُكاما على الأحياء، وتعود إليهم في ما تواجهه من تحديات، وتستعير آراءهم في أكثر القضايا والمستجدّات، فيصير مستقبلنا هو ماضينا"، كما يقول الرفاعي.
هذا هو موطن الداء، فعندما نعيش تحت وطأة التراث، ونقبله ككُتلة واحدة، ونسيج واحد دون أن ندركَ أن لذلك التراث سياقات زمانية ومكانية خاصة أنتجته، وأبعادًا سوسيولوجية وأنثروبولوجية وسيميائية وسيكولوجية، تشكل معانيه ومفرداته وخطاباته وأنساقه، دون أن ندركَ ذلك كله فإننا لن نستطيع الإفلات من أسْره وطغيانه على نفوسنا وعقولنا ومشاعرنا، وسنظل نتعامل معه بصيغة تبجيلية ربما تصل إلى حدّ التقديس والعبادة!
يرى الرفاعي أن التراث بمعنى مجموعة الممارسات الدينية والعقائد والمفاهيم السائدة في حقبة معينة من حياة المسلمين، فهو مفهوم ثقافي أنثروبولوجي، كما يرى أن المجال مفتوح لنقد هذا التراث وتفكيكه، "إذ بوسعهم غربلة ونقد المسلمات والمسبقات والميول، والمسلّمات المعرفية لفهم الكتاب والسنة، والتطلعات الدينية الموروثة من عصور سالفة"، وتأتي اللغة – في نظره – متهمة هي الأخرى؛ فهي وسيلة التواصل والاتصال وحمل المعاني، وما دمنا نروم مواكبة إيقاع الحياة، وقبول الآخر، وإلغاء المنطق العقائدي الأحادي، والتخلص مما سمّاه الرفاعي "التعبئة الأيديولوجية"، إذن ينبغي علينا أن نهجر ونستبعد من قاموس حياتنا كل الكلمات والمصطلحات الدينية الموروثة، المشبعة بالكراهية والعنف، منذ أن اشتجر الخلاف واستعر الصراع العنيف بين الفِرَق المختلفة، وهي تلك الكلمات والمصطلحات التي نهجو من خلالها الآخر، ونحطّ من شأنه، ونحتكر بواسطتها مفهوم النجاة!
إن اللغة – إذن – ليست بريئة من تفشي الكراهية، ونشر أفكار التشدد والتعصب، عبر الأساليب والجُمَل ذات الحمولة السلبية، التي تفرّق ولا تجمع، لذلك ينادي الرفاعي بأن تُطهَّر المقررات والمناهج الدراسية في سائر مراحل التعليم من كل مفردات ومصطلحات العنف والقدح والتشهير بالآخر، فذلك ضرورة يفرضها الواقع المعيش الذي يغصّ بالعنف والإرهاب والكراهية، ولا يتوقف الأمر عند حدّ تطهير لغة المقررات الدراسية فحسب، بل لا بد من تأهيل المعلمين والمربين تأهيلا لغويًا يطهر اللغة من الكلمات المسمومة، إلى جانب تأهيلهم التربوي المعتاد، وكذا تأهيل الصحفيين والإعلاميين، بحيث يعرفون خطورة الكلمات والأساليب اللغوية ذات الحمولة السلبية، "وما يمكن أن ينجم عنها من تشويه لصورة الشركاء معنا في الإنسانية، فضلا عن شركائنا في المواطنة".
ويجعل الرفاعي من اللغة مدخلًا مهمًا وحاسمًا لفهم طبيعة القراءة السلفية التبسيطية أو الحرفية للنصوص؛ إذ إن قراءة النص بتلك الطريقة يعمل على تحجيمه، ويلبسه معنى واحدًا، ورؤية واحدة، دون أن يسبر أغواره، ويدرك مراميه، ويعرف تأويله، وما يحمله بداخله من عناصر روحية وأخلاقية وعقلانية، وهذا من نتائج القراءة المختزلة البسيطة، ويلاحظ الدكتور الرفاعي أن تلك القراءة، تحديدًا، هي السائدة في خطابات وفتاوى الجماعات الأصولية، التي "تنشد تدينًا مجوفًا، يفتقر إلى استيعاب المضمون التنزيهي المفعَم بالمعنى للتدين"، وهو تدين لا يعرف معاني الانفتاح والتعددية والثراء الجمالي والروحي، التي ترسّخ النزعة الأخلاقية والإنسانية قبل أن ترسخ الإيمان. وقد أجاد الرفاعي حقا في تشريح وتفكيك النظرة السلفية التقليدية إلى النصوص والحياة عمومًا، وهي نظرة لا عقلانية، تنبع من اللاتسامح، وتحض على العنف والكراهية، وتفرغ الدين من معانيه السامية ومحتواه الروحي والأخلاقي والعقلاني. والحال ان استحضار هذا المحتوى والتركيز عليه كفيل بالقضاء على كل مظاهر الكراهية وبُغض الآخر، لكن هيهات؛ فالسلفيون لا يرون الإسلام إلا دينًا مغلقًا على نفسه، وتراثه لا نهائيًا في التاريخ، ويستدعون بحماس منقطع النظير مفردات وتقاليد وثقافات البيئة البدوية القاسية التي نزل فيها الإسلام، دون اعتبار للتطور ودينامية الاجتماع البشري!
وبذكاء الباحث وتمكنه من أدواته، يغوص عبد الجبار الرفاعي في عُمق المشكلة، فيربط بين قساوة البيئة التي شهدت ارتباط الإسلام في نزوله بها، وطبيعة نمط التمدن الحاكم آنذاك، وبين تصورات المسلمين المتوارثة عن مفهوم الإلهيات، إذ "ترتكز الإلهيات الموروثة على بنية تستعبد الآخر، وتكرّس مركزية مطلقة، تجد مثالها الأرضي في الخليفة أو السلطان، وحكومته الشمولية المستبدة"، فصورة الإله التي تتجلّى في مخيالهم وأذهانهم هي صورة الإله المستبد، الأمر الذي جعلهم يلجؤون إلى تفسير النص الديني تفسيرًا قمعيَا أُحادي النظرة، يضج بالكراهية ممن يخالفهم في فقههم ومصطلحاتهم ولغة الخطاب الذي يتبنونه، فيحتكرون رحمة الله، ويحسبون أنفسهم أوصياء على المجتمع، كونهم يمتلكون وحدهم الحقيقة المطلقة، في الوقت الذي لا يكادون يذكرون فيه أي نصوص تتحدث عن الرحمة والعفو والغفران والرفق، ولا يعرفون سنة الله في التعارف وخلق الناس مخلفين: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ) [هود:118-119]، أي أن أولئك السلف يتبنون أفكارًا لا تمت إلى روح الدين وجوهره ومقاصده بصلة أو وشيجة، الأمر الذي يجعل من أفكارهم مباءة خصبة لأي فكر متطرف إرهابي، يتعاطى مع المخالفين بالقتل والإبادة.
ويشير الرفاعي في معرض تفسيرهه للآية: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" [البقرة:256]، إلى حقيقة لطالما تغافل عنها السلفيون، ممن يصرون على أن تلك الآية منسوخة بما سموه آية السيف، رغم أن القرآن كله لم ترد فيه، قط، لفظة (السيف)، هذه الحقيقة هي أن المعتقَد ما لم ينبثق الإيمان به من قناعة وجدانية، وإرادة قلبية، لا يمكن أن يلامس شغاف القلب، لأن النفاق لا ينشئ إيمانًا أو اعتقادًا، ذلك أن المعتقد ليس بمثابة الثوب الذي يُلبس ويخلع بسهولة، على حد تعبير الرفاعي، الذي أخذ في ذكر الآية الكريمة التي يتحدث فيها القرآن عن المشيئة الإلهية التكوينية الحتمية، التي بموجبها يمكن أن يجعل الله جميع من في الأرض مؤمنين قسرا وإكراها، لكن الله لم يفعل ذلك؛ قال تعالى: " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" [يونس: 99].
ثم يُنهي الرفاعي هذا الفصل بذكر طائفة متتالية من الآيات البينات، التي تحدد نمط دعوة الرسول الكريم الآخرين إلى الدين، فيصفه تعالى بأنه: مذكِّر، مبشر، منذر، شاهد، سراج منير، رحمة للعالمين، مبلِّغ، ليس على الناس بمسيطر أو بجبار... وما ذلك كله إلا لأن الله تعالى يمنح الإنسان حرية الاختيار، وطبيعي أن لا يكون ثمة حساب في الآخرة ومسؤولية مع سلب الاختيار في الدنيا.
ويختم الرفاعي هذا المبحث بسؤالين إنكاريين لعلّ الغافلين الجامدين يفهمون مغزاهما، وهما: إذا كان النبي، وهو صاحب الرسالة، لم يفوَّض في إجبار الناس وإكراههم، فكيف يفوَّض غيره بذلك؟! وإن كان ذلك ليس من وظائف النبي، فكيف يسوغ لمن يدّعون أنهم من أتباعه سلب حرية الناس ومصادرة حقهم في اختيار المعتقد؟!
إن الإجابة عن هذين السؤالين المهمين كفيل بأن نفهم من أين تأتي الكراهية؟ ومن أين تشتق مفرداتها في محيطنا المعرفي؟ إنها تأتي ممن يفرضون وصايتهم على غيرهم، ويشنّعون عليهم، اعتقادا منهم بأنهم يحتكرون حصريا مفهوم النجاة، ويهجسون بهاجس التراث، دون النظر إلى كونه إنتاجا بشريا، وفهما للدين وليس هو الدين نفسه، لذلك ما على المصلحين والباحثين عن الحقيقة سوى الإعلان عن المهمّش والمسكوت عنه، وفضح السائد والمتغلب في التراث، على حد تعبير الدكتور الرفاعي.
وفي الفصل الأول من كتابه: (الدين والاغتراب الميتافيزيقي) يرى الرفاعي أن (الرحمةَ مفتاحُ فهمِ المنطق الداخلي للقرآن). وكل ما جاء في القرآن معارضًا لذلك يعبر عن ظروف تاريخية خاصة فرضتها الظروف القاسية التي عاشتها الدعوة في مجتمع البعثة النبوية الشريفة. ويخلص د. الرفاعي إلى أن: ( السِّلْمَ وليس الحرب هو الهدفُ المركزي الذي يرمي إليه القرآن. القاعدةُ التي أسّسها القرآنُ هي السِّلْم كما تتحدّث عنه كثيرٌ من الآيات، ومنها هذه الآية: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً" [البقرة، 208]. إذ ورد "السِّلْمُ" والكلمات ذات الصلة به في القرآن بحدود 140 مرة).

أحمد رمضان الديباوي، كاتب مصري
كل كتاب مقدس يتسع لما هو محلي ظرفي خاص بمجتمع عصر التأسيس، وقيم كونية كلية عابرة للزمان والمكان... مشكلة الأديان تكمن في عدم التمييز بين المحلي الظرفي الخاص والقيم الكونية الكلية.
تتعدد قراءات النص القرآني تبعًا لتعدد و اختلاف سياقات تلقيه... إنسان اليوم غير إنسان الأمس، وأبدية النص المقدس تعني أنه نص ذو كثافة دلالية، إذ تتعدد دلالاته تبعًا لتنوع ظروف حياة الإنسان وأنماط عيشه، و تبعًا لتنوع وتعدد سياقات التلقي في العصور المختلفة باختلاف درجة تطور الوعي البشري... إن الخلط بين سياقات عصر البعثة وعصرنا يُخرِج القرآن من حياتنا، ذلك أن سياقات تنزيله جاءت لتلبية احتياجات إنسان الأمس في عصر البعثة، وهي تختلف عن سياقات تطبيقه أو تنزيله مجددًا على الحياة، لتلبية احتياجات إنسان اليوم للمعنى الديني.
Forwarded from عبدالجبار الرفاعي
AHMAD FRDEED.pdf
237.3 KB
التديّن الشعبي والتديّن الشعبوي

عبدالجبار الرفاعي

https://aafaqcenter.co/index.php/post/2400
التديّن الشعبي والتديّن الشعبوي
عبدالجبار الرفاعي
التديّن الشعبي تديّنٌ عفويّ برئ، يتوارثه الناسُ جيلًا بعد جيل منذ عصر الرسالة. وهذا التديّنُ متصالحٌ مع طرائقِ عيشهم وطبيعةِ حياتهم، ولا يجدون تناشزًا فيه مع فنونِهم الشعبية وفلكلورِهم، ولا يشكّل عبئًا على علاقاتهم بمحيطهم، ولا يفرض عليهم سلوكًا متشدّدًا في علاقاتهم الاجتماعية بالمُختلِف في الدين أو المذهب أو الهوية أو الثقافة. لا تحضر في التديّن الشعبي التدقيقاتُ الفقهيةُ التفصيلية، وفتاوى الاحتياط بالجمع بين الحكم الترخيصي والأصلي، مثل الجمع بين القصر والتمام والصوم والقضاء في السفر. إنه تديّنٌ لا يعرف التشدّدَ والمبالغةَ في الاحتياط، يؤدي المتديّنُ فيه الصلاةَ والصومَ والفرائضَ المتفاعلةَ مع الثقافة المحلية. حدودُ التسامحِ، في هذا النمطِ من التديّن، ليست ضيقةً في التعامل مع المُختلِف في الدين والمعتقد والمذهب.
لكن التديّنَ الشعبيّ طالما وقع ضحيةً للجهل، وافترسته الخرافة، لأن الأميةَ والفقرَ والمرضَ لا تغادر مواطنَ الجماعاتِ الشعبية في القرى والأرياف والأحياء الفقيرة وأحزمة البؤس في المدن، وهذه العوامل تمثّل بيئةً خصبةً لظهور الخرافات والمعتقدات الغرائبية. وعلى الرغم من نفحاتِ الروح الرحيمة في هذا التديّن وحضورِ الأخلاقيات، لكن يلتبس أحيانًا في هذا التديّن ما هو أخلاقيّ بما هو شكليّ، ويصعب على الناس التمييزُ بين الدينيّ والدنيويّ والمقدّس وغيرِه، لذلك تتسع دائرةُ المقدّس باستمرار، لتستوعبَ غيرَ المقدّس وتدمجه في فضائها.
وتمثّل هذه الجماعاتُ بيئةً ملائمةً لولادةِ شكلٍ آخر من التديّن وتغلغلِه في مجالات حياتها المختلفة، وهو ما نعبّر عنه بـ "التديّن الشعبويّ"، والذي هو نمطُ تديّنٍ شكلي ذرائعيّ، يظهرُ في مختلفِ الأديان، لكنه ينشط كلّما تبلّد العقلُ أكثر، واشتدَّ تزييفُ الوعي، بعد أن يحدث انزياحٌ للتديّن عن مجاله، وترحيلٌ لوظيفتِه، فبدلًا من توظيف الدين في بناءِ الحياة الروحية، وإيقاظِ الضمير الأخلاقي، تصبح الشعائرُ المُفتعَلةُ، لأغراضٍ لا صلةَ لها بوظيفة الدين الروحية والأخلاقية، هي محورُ التديّن، ويحدث تطابقٌ بين مفهومِ التديّن ومصاديقِ هذا النوع من الشعائر المُفتعَلةُ، ويفتقدُ هذا التديّنُ الحسَّ الأخلاقي، وتنضبُ فيه الطاقةُ الروحية. وعادة ما يتحوّل التديّنُ الشعبوي إلى سلعةٍ يتداولها الأفرادُ لامتلاكِ رصيدٍ يُعلي من مكانةِ ودورِ الفرد في الجماعة، وترسّخ بواسطته المؤسّساتُ حضورَها المجتمعي، لذلك يدخل سوقَ مزايدات مبتذلة أحيانًا. التديّنُ بهذا النمط يعني أن الشخصَ الذي يبحث عن دورٍ ومكانةٍ في الجماعة لابدّ أن ينخرطَ في مهرجانات الشعائر، فكلّما كان حضورُه فيها أكثرَ صار أكثرَ تديّنًا، على وفق معايير السوق الدينية لهذا التديّنِ، واكتسب بذلك مكانةً استثنائيةً عند الجمهور، ووجاهةً اجتماعيةً مرموقة، ومقامًا دينيًا رفيعًا.
تبرعُ أكثرُ السلطات السياسية وبعضُ المؤسّسات الدينية في تكريسِ التديّن الشعبويّ، واستغلالِه لأغراضٍ على الضدِّ من وظيفة الدين الحقيقية، فيُتخَذُ التديّنُ وسيلةً للاستحواذ على السلطة والثروة. إنه ضربٌ من تنويم العقل وتفشي الجهل الذي يتخذ من الدين غطاء، لذلك تتشوّه فيه براءةُ الروح، ولا تتجلّى فيه عفويةُ وطهارةُ النمط العفوي للتديّن الشعبيّ. وعادةً لا يخلو التديّنُ الشعبويّ من افتعالٍ يتولاه دجالون يضلّلون الناسَ لغايات غيرِ سامية، يمتلكون وسائلَ بارعة في تجييشِ مشاعر الناس، وإذكاءِ انفعالاتهم النفسية، والإفراطِ في استغلالِ المقدّس لتغذيةِ هذه الانفعالات وتفجيرِها متى شاؤوا. يسرف من يضلّلون الناسَ لغايات غيرِ سامية في إنتاجِ شعائر لم ترد في النصوص الدينية المعروفة، ولم يعرفها الناس من قبل، ويوظفون لترويجها مختلفَ وسائل التأثير على الرأي العام، ويختلقون من أجل زجِّ الناس فيها شائعاتٍ تثير الرغبةَ والشغفَ للانخراط فيها، تتناغم وأذواقَ عامة الناس، وتوقد مشاعرَهم، وتثير حساسياتِهم النفسية، وتفجّر ذاكرتَهم الطائفيةَ الجريحة.
في هذا النمط من التديّن يلتبس مفهومُ المقدّس، فيجري تقديسُ غيرِ المقدّس، ويُنسى المقدّسُ. إنه تديّنٌ تفترسه الوثنيةُ والخرافة، وهو أشبه بالشعوذة منه بالتديّن. ويستهلك في هذا النمط من التديّن ما هو شكليّ كلَّ ما هو أخلاقي، وتنضب منابعُ إلهام الروح فيه. في هذا التديّن يزحف المقدّسُ على ما هو دنيويّ فتتقدّس أشياءُ وأيامُ وأماكنُ غيرُ مقدّسةٍ بمرور الزمان، وتتفشّى ظاهرةُ تقديس أشخاصٍ لا يمتلكون الحدَّ الأدنى من طهارةِ الروح وسلامةِ القلب وصحوةِ الضميرِ الأخلاقي. ويجهض هذا النوعُ من التديّن محاولاتِ إحياء الحياة الروحية، والتربيةَ على القيم الأصيلة، وبناءَ التفكير العقلاني. التديّنُ الشعبويّ يصيّر العقلَ رميمًا، ولا يضع المقدّسَ في حدوده إلّا العقلُ. إذا لم يضع العقلُ حدودًا للمقدّس يمسي كثيرٌ من الأشياء غيرِ المقدّسة أوثانًا، بل يمسي المقدّس وثنًا. وكلّما اتسع تقديسُ غير المقدّس انحطت مكانةُ الإنسان، وأُهدرت كرامتُه، وانطفأ ضميرُه الأخلاقي، وتشوهّت حياتُه الروحية، وتبلّدت حاستُه الجمالية، ودخلَ عقلُه حالةَ سبات.
وهناك نمطٌ آخر من التديّن وهو التديّن السياسي، ظهر منذ تأسيس الأخوان المسلمين سنة 1928، وتعزّز حضورُه لدى الجماعات الدينية التي نشأت بعد ذلك، وهو تديّنٌ مسكونٌ بالسياسة، لذلك يقترنُ بالسعي للاستحواذِ على الدولة والسلطة والثروة. وهو ضربٌ من التديّنِ استبدت الغايةُ السياسيةُ للدينِ في أدبياتِاته وثقافته وما تنشده أحلامُه، فحجبت المنخرطين فيه عن تبصّرِ أيّ أفق روحي وأخلاقي وجمالي للمعنى الديني خارجَ هذه الغاية. لذلك لا يعبأ هذا التديّن كثيرًا بالقيم والحياة الروحية، ويحرص على الشكل، ولا يهتمُّ بمضمونِ الشريعة ومقاصدِها.
لقد تفشّى هذا الشكلُ من التديّن لدى الجماعاتِ الدينيةِ في نصفِ القرن الأخير، بعد أن غادروا المرحلةَ السريّةَ في عهد الأنظمةِ القمعيةِ، وتخلّصوا من بطش الحكّام المستبدّين، وتفاقمَ بشكل مخيف بعد وصول هذه الجماعات للسلطة. وينكشف ما هو مُضمَرٌ في هذا التديّن لحظةَ تستحوذُ هذه الجماعاتُ على السلطة، إذ يفتقرُ تديّنُ بعض رجال السلطة من أتباعها إلى الأخلاق، ويتراجع حضورُ الحسِّ الدينيّ لدى أكثر من يحتل موقعًا في السلطة، بالشكل الذي يمنعه من تجاوز الحدود التي يسمح بها القانونُ والأخلاقُ والشريعةُ.
وبغيةَ الاحتفاظ برصيده الديني في الجماعة التي ينتمي إليها يحرص رجلُ السلطةِ على تبرير سلوكه ومواقفه من خلال اللجوء إلى الحيلِ الفقهية، وفتاوى "مجهول المالك"، وكلِّ ما يسوّغ له الاستحواذَ على المال العام، فيتخذها قناعًا يختفي سلوكُه اللامشروعُ خلفَه.
تحرص الجماعاتُ الدينيةُ في تربية أفرادها على التمسّك الحرفيّ بالأحكام الفقهية، لأنها لا ترى حدودًا للإسلام خارجَ المدونة الفقهية، وتشدّد في أدبياتها على ما يخصّ الفكر السياسي، والتكييفَ الفقهي للسياسة والإدارة والاقتصاد والمصارف والمؤسسات المتنوعة في الدولة.
وينتج عن اقترانِ التربية في هذا التديّن بالتخويف، حالاتُ حذرٍ وتوجّسٍ وسوءِ ظن بالآخر، لذلك تضمحلّ فيه منابعُ محبةِ الناس والعفو والغفران والرحمةِ في التعامل معهم، بل يتحول أحيانًا إلى بيئةٍ لنموّ نزعاتِ الكراهية.
حدودُ التسامحِ ضيقةٌ في هذا النمطِ من التديّن، فهو غالبًا لا يعرف حقَّ الإنسان في الخطأ، ولم يتكرّس في تقاليد التربية في هذا التديّن الحقُّ في الاختلاف، لذلك لا يستطيع أغلب الأشخاص الذين يتمسكون بهذا النوع من التديّن تحمّلَ أصحاب المعتقدات الأخرى، ويتعذّر على كثيرٍ منهم العملُ مع من يختلف معه في رؤيته للعالم، ويصعب عليهم قبولُ التفكير الذي لا يتطابق مع تفكيرهم، لذلك نجدهم عندما يتحدثون عن المُختلِف يسود لغتَهم تخويفٌ منه، وتحذيرٌ من دسائسه ومكائده ومؤمراته. يعيشُ الشبابُ المنخرطون في هذا التديّن حالةَ توجسٍ من المختلف، بنحوٍ يصابُ فيه بعضُهم بالشلل النفسي في إدارة علاقاته خارج جماعته. وأحيانًا تصلُ الحالةُ عند بعض أفراده إلى أن يتحولَ هجاءُ المُختلِف واتهامُه إلى مهنته الأبدية، بل ربما يشعرُ أن استمرارَ حضوره في العالَم يقترنُ بهجاءِ المُختلِف والانشغالِ به، من دون أن ينشغلَ هو بنفسِه وإصلاحِ أحواله. وتشيع بين أفراده كتاباتٌ تضع المسلمَ في مواجهة أبدية مع العالم ، ونتيجةً لانتشارِ هذه الكتابات وتأثيرِها الشديد يولد موقفٌ عدائيّ من كلِّ ما ينتمي للغرب الحديث، ويمتدّ ليشمل مختلفَ العلوم والفنون والآداب وكلَّ ما يمثّل معارفَ الحداثة وقيمَها ومكاسبَها. ومن الطريف أن بعضَ أشدِّ الكتاب مناهضةً لقيم الحداثة ومعارفها يقيمون في الغرب، ويحملون جنسياتِه منذ سنوات طويلة، ويتشبّثون بكلِّ الحقوق والحريات التي منحتها لهم الحداثةُ السياسيةُ والأنظمةُ الديمقراطية في الدول الغربية.
في تقاليد هذا التديّن يعجزُ أكثرُ الأفراد عن بناء الذات، لأنهم يستهلكون كلَّ طاقتهم بمعارك أكثرُها مُفتعَلٌ مع المُختلِف، وتبعًا لذلك يعجزون عن بناءِ العقول والأرواح والضمائر والأوطان.
وهناك نمطٌ آخر للتديّن يتمحور حول الفتاوى الواردةِ في المدونة الفقهية، ويهتمُّ بتطبيق الفتاوى حرفيًا على كلِّ واقعة في الحياة الشخصية والاجتماعية، تُختزَل في هذا التديّن الشريعةُ بالفقه، ولا يكترثُ كثيرًا بتربية الروحِ، وترسيخ الضميرِ الأخلاقي، وتنميةِ الذوقِ الفنيّ، وإلهامِ الحسِّ الجمالي، مادام المتديّنُ مُلتزِمًا بتطبيق الفتوى على الواقعة الحياتية. نجد أحيانًا في هذا النمطِ من التديّن ما هو أخلاقي، لكن طالما صار هذا التديّنُ غطاءً للتديّن الشكلي.
لا يشدّدُ هذا التصنيفُ للتديّن على أن كلَّ نمطٍ من أنماطه المذكورة مستقلٌ بذاته ولا يلتبسُ بغيره، فالتديّن الشعبي يتداخل أحيانًا بما هو شعبوي، والتديّنُ الشعبوي أوضحُ مثال للتديّنِ الشكلي، وأحيانًا يكونُ التديّنُ السياسي مثالًا للتديّن الشكلي.
كما يشير تصنيفُنا لأنماط التديّن إلى أن الدينَ يتخذُ شكلَ المحيط المجتمعي الذي يحلُّ فيه، ويصطبغُ بنوع الشخصية البشرية وطبيعةِ العمران ومختلف الظروف التي يعيشها الناس. الدينُ مثلما يؤثّرُ في حياة الناس يتأثرُ بثقافاتِهم وتقاليدِهم وطرائقِ عيشهم. وهذا يعني أن حضورَ الدين بالشكل الذي يكون معه فاعلًا إيجابيًا في البناء والتنمية يتوقفُ على نمطِ تديّنٍ مُلهِمٍ للروح والضمير الأخلاقي والحسّ الجمالي، ويرتبطُ ذلك عضويًا بإعادةِ بناءِ أنظمة التربية والتعليم في ضوء مكاسب العلوم والمعارف الحديثة، والاهتمامِ بالقيم الكونية المشتركة بين البشر، وخلقِ وعي جديدٍ مواكبٍ للتحولات الكبرى في العالم.
لا يصنعُ الإنسانُ حاجتَه للدين بل يصنعُ أنماطَ تديّنهِ... في كتاب الدين والاغتراب الميتافيزيقي

د. عبدالجبار الرفاعي
تأتي أفكارُ كتاب (الدين والاغتراب الميتافيزيقي) في سياق ما جاء في كتابي السابق: (الدين والظمأ الأنطولوجي)، من ضرورة دراسة الدين في مجاله الأنطولوجي الخاص، إذ تحيل موضوعاتُ هذا الكتاب إلى رؤيةٍ تتبنّى فهمًا للدين لا يكرّر كثيرًا ما هو متداوَل في الكتابات المختلفة عن الدين، فهي لا تقول بأن: الدينَ وهمٌ، أو الدينَ مخدِّرٌ، أو الدينَ تراثٌ، أو الدينَ مرحلةٌ من مراحل تطور الوعي البشري، بل تُعلِن بوضوح: إن الدينَ حاجةٌ وجوديةٌ لكينونة الإنسان بوصفه إنسانًا، وأن الإنسانَ لا يصنع حاجتَه للدين، بل يصنعُ أنماطَ تديّنهِ وتعبيراتِه وتمثّلاتِه المتنوعةَ والمختلفةَ للدين، على وفق اختلاف أحوال البشر وبيئاتهم وثقافاتهم. ولا تختفي هذه الحاجةُ العميقةُ مع تطور الوعي البشري، وما ينجزه الإنسانُ من مكاسب كبيرة في المعارف والعلوم والتكنولوجيا، وحتى لو غاب أكثرُ أشكال تعبيراتها في المجتمعات الحديثة فإنها لا تغيب كلّيًّا، بل تعلن عن حضورها أحيانًا على شكل ظواهر لا عقلانية وممارسات غرائبية تنبعث بصورة لا واعية في معتقدات بعض الناس وسلوكهم، ويمكننا أن نعثر على محاولات تعويضٍ عن الدين بخرافات يعتنقها أفرادٌ في مجتمع متحضر.
يحاول هذا الكتابُ أن يعيدَ تصنيفَ حاجاتِ الإنسان، ويرسمَ خارطةً لمراتبها، ويتعرّفَ على طرائق استيفائها، بالشكل الذي يكشف لنا عن أن الحاجةَ الوجوديةَ للدين تقع في مرتبةٍ خاصةٍ لا يمكن الاستغناءُ عنها، أو تعويضُها بغيرها، أو إشباعُها بتوفير حاجة بديلة. فكلُّ إنسان يولدُ في الأرض تولدُ معه سلسلةُ حاجاتٍ مادية، مثل الحاجة: للهواء، والماء، والغذاء، والنوم، واللباس، والسكن... وغيرها. وبموازاتها يولدُ معه صنفٌ ثانٍ من حاجات ليست مادية، مثل الحاجة إلى: الأمن، والمعنى، والانتماء، والحب، والجمال، والصلة بالناس، والتقدير، والثقة... وغيرها. وبموازاتهما أيضًا يولد مع الإنسان صنفٌ ثالث من الحاجة، هي حاجتُه للدين التي يفرضها وجودُه من حيث هو كائنٌ بشري يتميز عن غيره من الكائنات في الأرض بهذه الحاجة، لأن الحيوانات مثلًا تشترك مع الإنسان في عدد من حاجات الصنفين الأول والثاني، لكن الهويةَ الوجوديةَ للإنسان هي التي تنفرد بالصنف الثالث، وهو الحاجة إلى الدين.
الحاجةُ الوجوديةُ تعني أن الإنسانَ هو الكائنُ الوحيدُ الذي لا يكتفي بوجوده الخاص، لذلك يظلّ يعمل كلَّ حياته على تكثيف وتوسيع هذا الوجود كيفيًا وكميًا، أو رأسيًا وأفقيًا، لأن ذاتَه في حاجة تظلّ تلازمه كلَّ حياته، وتتمثّل في «فقره الوجودي»، لذلك يطلب وجودُهُ الاستغناءَ والخلاصَ من هذا الفقر، ولا يقف توقُه لإغناء وجوده عند حدّ، بل يطلب أن يتفوّق على الكائنات كيفيًّا، كما يسعى أيضًا للامتداد بوجوده كمّيًّا، لذلك لا تغيب في حياته مطامحُ الاستحواذ على كلِّ شيء مادي أو غير مادي، ولا يكفُّ سعيُه لامتلاك كلِّ ما يمكن أن تطالَه قدراتُه.
الدينُ منبع إشباع هذه الحاجة الوجودية، وعندما يفشل الكائنُ البشري في استيفاء هذه الحاجة يتعرّض للظمأ الوجودي «الأنطولوجي». ومن هذه الحاجة الأبدية يتوالد الظمأُ الوجودي المزمن، المضمَرُ تارةً والمعلَنُ تارةً أخرى، والذي يحاول الإنسانُ إرواءَه بوسائل عدة. وعندما يفشل في إرواءِ هذا الظمأ يعيشُ غربةً وجودية، أي يسقط في اغتراب عن الوجود المطلق، واغترابُه هذا ينتج غربتَه عن وجوده الشخصي، وهذا الاغتراب اصطلحنا عليه بـ«الاغتراب الميتافيزيقي»، الذي هو اغترابٌ يتفجّر أحيانًا بأقسى أنواع القلق وهو القلق الوجودي. وهذا ضربٌ من الاغتراب يختلف عن أنواع أخرى تحدّث عنها فلاسفةُ وعلماءُ اجتماع. وقد شرحنا هذا الضربَ من الاغتراب في أكثر من مورد في هذا الكتاب، وأوضحنا كيف تؤسّس الرؤيةُ التوحيديةُ لصلةٍ وجودية عضوية بالوجود المطلق.
خارطةُ حاجات الإنسان في هذا الكتاب ليست ثنائية، بل تشكّل مثلثًا ذا ثلاثة أضلاع ليست متطابقةً ولا متساوية، ويقود عدمُ الوعي بها أو عدمُ تأمين أي ضلع منها بالشكل المناسب لكيفية تلك الحاجة إلى حالةِ اختلال في حضور الإنسان في العالَم، ومتاعب في طريقة عيشه. كلُّ صنف في هذا التصنيف الثلاثي للحاجات يستطيع الإنسان استيفاءَه بما يشاكله من وسائل، فالحاجاتُ المادية يشبعها ماديًا، والمعنويةُ يشبعها معنويًا، والوجوديةُ يشبعها وجوديًا. لكن ذلك لا يعني أن كلَّ حاجة من هذه الحاجات مستقلةٌ عن الأخرى استقلالًا تامًا، بل إن هذه الأصناف الثلاثة للحاجات مترابطةٌ ومتداخلةٌ ومتفاعلةٌ في ما بينها، فكلٌّ منها يؤثّر في الآخر ويتأثّر به. لذلك لا يتحقّق للإنسان ما تتطلّبه حياتُهُ من أمان وسلام وسكينة باطنية مالم يشبعها كلَّها بشكل متوازن. إشباعُ أيّ منها لا يكون بديلًا عن غيره، فلو وفّر الإنسانُ كلَّ حاجاته المادية فإن ذلك لا يغنيه عن الصنفين الآخرين، وهكذا لو أشبع صنفين منهما فإنه لا يستغني عن الثالث. تأمينُ مثلث الحاجات هذا هو ما يوفّر للإنسان حياةً تنخفض فيها وتيرةُ الألم، ويتخلّص فيها من وحشة القلق الوجودي، وتصيرُ حياتُهُ أشدَّ مناعةً في مقاومة كلِّ أشكال التحدّيات، وأكثرَ قدرةً في التغلب على مشكلات الحياة التي تتوالد باستمرار.كما أن تجاوزَ واحدةٍ من الحاجات لحدودِها وزحفَها على حقل الحاجتين الأخريين يُحدِثُ خللًا بنيويًا في حضور الإنسان في العالَم، ويُعكّر طريقةَ عيشه. ففي المجتمعات التي ينام فيها العقلُ ويتفشّى فيها الجهلُ تتضخم في مخيلة الناس الحاجةُ الوجودية، ويجري تعويضُ الحاجات فيها بنحو تُختَزَل فيه كلُّ الحاجاتِ بالحاجة الوجودية، ويتوهمُ الناسُ أن كلَّ حاجة في حياتهم لا ضرورةَ لها، وليس لها من أهمية إلّا بحدود ما تُمكِّن الكائنَ البشري من تأمين الحاجة الوجودية من خلال الدين. وبسبب هذا التوهم تُهدَر حاجاتٌ أساسية يفضي إهدارُها إلى إصابةِ الوعي البشري بالشلل، وتوقفِ تطور العلوم والمعارف، وتعطيلِ بناء الحياة وتنميتها، فإن نسيانَ الإنسان حاجاتِه المادية وغيرَ المادية الحقيقية يفضي إلى تبديدِ طاقات أساسية في شخصيته، وضمورِ مواهبه في الإبداع.
ويختلفُ هذا التصنيفُ للحاجات عن تصنيفات تعتمدُ الحاجات البيولوجية والذهنية والسيكولوجية للإنسان، إذ تحيلُ الحاجاتُ المادية في تلك التصنيفات إلى ما هو بيولوجي، والحاجاتُ غير المادية إلى ما هو ذهني وسيكولوجي. فقد أضفنا في تصنيفنا بموازاة الحاجات البيولوجية والذهنية والسيكولوجية، حاجةً أخرى وجودية «أنطولوجية»، تتمثّل في حاجة الإنسان إلى الدين، وهي ليست حاجةً بيولوجيةً أو ذهنيةً أو سيكولوجية. ومفهومُ الوجود المستعمل في عبارة «الحاجة الوجودية» هو الوجود بالمعنى الفلسفي، أي ما ينطبق على وجود الإنسان بوصفه موجودًا يشترك مع كلّ موجود في الوجود.
يتجلّى الأثرُ المباشر للدين في حياة الإنسان في تكامل شخصية الفرد بتأمين حاجته الوجودية، كما يظهر أثرُه غيرُ المباشر في حياة الفرد والجماعة، لأن تأمينَ الحاجةِ الوجودية للكائن البشري يكفلُ بناءَ حياته الروحية والأخلاقية، ويخفض قلقَه الوجودي، ويجعله أكثرَ قدرةً على تأمين أساليب مناسبة لإشباعٍ متوازنٍ للحاجات من الصنفين الأولين.
على وفق هذه الرؤية يتأسّس موقفُنا في وضعِ كلِّ حاجة في نصابها، واكتشافِ خارطة ترسم المجالَ الخاصَّ لكلٍّ من: الديني والدنيوي، والعلم والدين، والدين والخرافة، والدين والدولة، وامتلاكِ بوصلة تضيء لنا حدودَ كلّ مجال منها. ولا يمكننا ذلك من دون اعتماد العقل وتوظيف العلوم والمعارف والخبرة البشرية، فالحاجاتُ من الصنفين الأولين يكفل العلمُ والمعرفةُ والخبرةُ البشريةُ الكشفَ عنها بدقة، وابتكارَ أفضل أساليب تأمينها، أما الحاجةُ من الصنف الثالث فلا يمكن أن يبتكرَ العقلُ والعلمُ والمعرفةُ ما يشبع الحاجةَ الوجوديةَ بشيء ليس من جنس الدين، أو يبتكرَ بديلًا عن الدين لا يتوكأ على مُسلَّمة مضمَرةٍ تحيل إلى كون الدين حاجةً وجودية. العلمُ والمعرفةُ وتراكمُ الخبرة تمكِّننا من فهم الدين بشكل أجلى، وتمنحنا أدواتٍ تتيح لنا تفسيرَه بشكل يجعله يستجيب لما نحن عليه، ويتناغم إيقاعُه مع إيقاع واقعنا.
وسائلُ التواصل والنشر الإلكتروني خلقتْ عالمها الخاص، عالَما يتفوّقُ في حضوره على الواقع الذي نعيش فيه. في هذا العالَم الجديد يُعادُ بناءُ صلة الإنسانِ بالإنسان، والأشياءِ، والمعرفةِ، والحقيقةِ، والذاكرةِ، والزمانِ والمكانِ، والماضي والحاضرِ والمستقبل، على نحو يتبدّل فيه تعريفُ مفاهيم ظلت راسخةً في الثقافات البشرية لزمن طويل، وتحدث ولاداتٌ جديدةٌ لمصاديق العدالة والحرية والأمن والسلام وغيرِها من القيم الكونية، فالأمنُ المعلوماتي اليوم مثلًا هو مصداقٌ جديدٌ للأمن. كذلك يتبدّل تعريفُ مفاهيم اجتماعية واقتصادية وثقافية على وفق منطق العالم الرقمي، فالملكيةُ مثلًا تنتقل من امتلاك الأشياء المادية في نمط الإنتاج الماضي إلى امتلاك الأفكار في نمط إنتاج المعرفة، ويتبدّل تعريفُ رأس المال، فينتقل من رأسِ المال المادي المتمثلِ في أصول ثابتة إلى رأسِ مالٍ معرفي يتمثل في؛ تعليم، ومعلومات، وأفكار، ومهارات، وبرامج، وابتكار، وذكاء صناعي.
إعادةُ بناء صلات الإنسان بما حوله تنتهي إلى إعادةِ إنتاج نمطِ وجودِه في العالَم. نمطُ الوجود هذا يدعونا إلى أن نعرفَ الديناميكيةَ التي يتغيّرُ على وفقها العالَمُ، وكيف أن تحولاتِ الواقع لم تعدْ محكومةً بما كنا نعرفه من معادلات وعوامل تقليدية يتغيّر العالَمُ تبعًا لها.
ويأتي هذا الكتابُ رديفًا لشقيقيه السابقين: "الدين والظمأ الأنطولوجي"، و"الدين والنزعة الإنسانية"، وهو يتوخى غايةَ الكتابين نفسَها، وما تنشده موضوعاتُهما من إعادةِ قراءة النصوص الدينية في سياق الواقع اليوم، واكتشافِ متطلبات الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية للمتدين، في عالَم يتسارع إيقاعُ التحوّل فيه. اللغةُ المشتركة التي تتحدّثها هذه الثلاثية هي "لاهوت الرحمة"، من أجل تخفيفِ وطأة "لاهوت السيف" الذي اشتدت قبضتُه على ماضينا أمس، ومازالت آثارُه فاعلةً في حياتنا حتى اليوم.
لقد كانت الفروسيةُ أعظمَ القيم وأشدَّها رسوخًا في حياة الفرد والقبيلة في الجزيرة العربية. لذلك تسيّدَ منطقُ الحرب عصرَ الفتوحات بعد البعثة الشريفة، وتشبّعت به القيمُ الدينية والحياةُ الاجتماعية والثقافية، ووقع التفكيرُ الديني في الإسلام في أسره، فتغلّب "لاهوتُ السيف" على "لاهوت الرحمة"، على الرغم من الحضورِ المهيمنِ للرحمةِ الإلهية في القرآن الكريم، وضرورة اعتمادها إطارًا مرجعيًا لتفسيره، إذ نرى بوضوحٍ أن معانيَ القرآن تنشد الرحمة، لكن أهملها معظمُ المفسّرين، فتغلّبتْ في تاريخِ الإسلام لغةُ العنف على لغةِ الرحمة، وأهدر كثيرٌ من مفسري القرآنِ والفقهاءِ كلَّ هذا الرصيدِ الدلالي المكثَّف للرحمة، وصارت فاعليةُ دلالةِ آيةِ السيف في القرآن هي الحاكمة. وآيةُ السيف هي الآية الخامسة من سورة التوبة "فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ". ومع أن كلمةَ السيف لم ترد في القرآن، لكنّ المفسّرين سمّوا هذه الآيةَ بهذا الاسم. والغريب أن أكثرَ المفسّرين المشهورين ادعى أنها ناسخةٌ لكثيرٍ من الآيات التي تدعو للسلم والعفو والصفح والغفران والرحمة.
هذا الكتابُ يهدف إلى إيقاظِ الضمير الديني وتنبيهِه الى كثافةِ حضور الرحمة في القرآن، وقوةِ دلالتها بشكل لافت، وهو ما يلتقيه القارئُ في فصله الأول، الذي جاء بعنوان: "الرحمةُ الإلهية مفتاحُ فهمِ القرآن".