عبدالجبار الرفاعي
3.67K subscribers
726 photos
59 videos
284 files
1.25K links
مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضۚ
Download Telegram
com/news/18593-⁩الكتابة-ضد-الكتابة
منشأ الاختلاف في ثبوت الهلال

د. عبدالجبار الرفاعي
نشر صديقي وتلميذي الشيخ مهند الساعدي مقالة سابقة لي عن الهلال مشكورًا في إحدى مجموعات الواتس اب، فأورد بعض أعضاء المجموعة ملاحظات على الأمثلة التوضيحية التي ذكرتها في المقال، فأرسل لي الأخ مهند ذلك، وكتبتُ له هذا الجواب:
لقد وسّعتُ هذا النصَّ كثيرًا، فصار الفصل السابع من كتابي الأخير: "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، وجاء في طبعته الثانية بعنوان: "الاستملاك الرمزي للهلال".
الملاحظات المذكورة تنبهتْ للأمثلة التوضيحية، ولم تلتقط ما ترمي اليه فكرةُ المقال المحورية. وقد تعلّمنا من التراث: "ألا مناقشة في المثال، فهو بالقدر الذي يقرّب من جهة، يبعد من جهة او جهات اخرى".
هذا المقالُ يفكر داخلَ نظام معرفي مشتق من فلسفة العلم وعلوم التأويل والمعارف الحديثة، أما نحن فاعتدنا في دراساتنا الدينية أن نفكر في التراث بنظام معرفي تراثي، فالذي يفكر على وفق مكاسب الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع اليوم لا تتطابق طريقةُ تفكيره مع من يفكر داخل التراث...أظن أن أولَ فقيهٍ في الحوزة تنبّه لضرورة دراسة "فلسفة الفقه" هو السيد محمد باقر الصدر، عندما تكلّم في مقدمة الجزء الثاني من اقتصادنا عن "عملية الاجتهاد والذاتية"، وأظن أن الشيخ مرتضى المطهري من بعده أشار إلى: "أن فتوى ابن القرية يشم منها رائحة القرية، وفتوى ابن المدينة يشم منها رائحة المدينة"... لكن أولَ من اقترح تأسيسَ هذا العلم، وأطلق تسميةَ "فلسفة الفقه" هو الشيخُ محمد مجتهد شبستري.
هذا المقالُ مثالٌ صغيرٌ على تطبيق "فلسفة الفقه" في تحليلِ مدونةِ الفقه والكشف عن المرجعياتِ التي يحيل اليها التفكيرُ الفقهي، وهو منهجٌ لا يكرّر ما تعلمناه في أصول الفقه وغيرِه في الحوزة... يذهب المقالُ الى ضرورةِ الخروج من الأسوارِ المنيعةِ للدراسات الدينية التقليدية، والسعي للتخلص من رؤيةِ الحاضر بعين الماضي، وتحريرِ العقل من استبداد علوم الأوائل وإكراهاتها للتفكيرِ الديني، تلك العلوم التي نسخت العلومُ والمعارفُ الحديثةُ كثيرًا منها، والعملِ على إعادةِ النظر في البنيةِ التحتية التي ابتنى عليها هيكلُ المعارف الدينية، وعدمِ سلوك المساراتِ القديمةَ ذاتِها، واستئنافِ النظر في ما صار بمثابة البداهات في هذه المعارف، وأعادتْ مساءلتَه وتشريحَه، بغية اكتشافِ الآفاق التاريخية التي تشكّل فيها والخروجِ منها إلى أفقنا الراهن.
في حقلِ الفقه يتكرّر القولُ في المسائل ذاتها، ويغرق الدارسُ في تفاصيل مدوّنته التي تضخّمتْ بالتدريج، وانحسرتْ تبعًا لتضخّمها معظمُ مجالات التفكير الديني الأخرى، وفرضتْ حضورَها الصارم على كلِّ ما يتّصل بأقوالِ وأفعالِ المسلم، وأخضعتْ كلَّ حياتِه لمعاييرها، بلا استحضار للقيم والمقاصد الكلية المعبرة عنها.
وذلك يفرض تدشينَ علمٍ قادرٍ على إجراءِ حفرياتٍ عميقةٍ في المدوّنة الفقهية، من خلالِ تفكيكِ الأنساقِ المولّدة للمعرفةِ الفقهية، والكشفِ عن العناصرِ المختبئةِ في عملية الاستنباط، وأثرِها البالغِ في توالدِ هذه المعرفة وتشعّبها ونموِّها وتطوّرِها. وهذه مهمةٌ يتكفّلها علمُ "فلسفة الفقه"، وهو علمٌ لا يعتمد العدّةَ المنهجيةَ والمفاهيميةَ المعروفةَ في "أصول الفقه" أو"الفقه"، بل ينفتح على فلسفةِ العلم وعلومِ التأويل والعلومِ الإنسانية والاجتماعية المختلفة، ويتوكأ على مناهجِها ومفاهيمِها، بغيةَ تحليلِ البنية العميقة للمعرفة الفقهية، وكيفيةِ إنتاجِها، والكشفِ عن العناصرِ المضمَرةِ في ذهنِ الفقيه، وأثرِها اللاواعي في توليد المواقف والآراء والفتاوى، والصلةِ العضوية بين الفقهِ والسياقاتِ التاريخيةِ المختلفةِ التي تشكّل فيها، والعلاقةِ بين المعرفةِ الفقهية وشبكاتِ السلطات الروحية والزمنية.
فلسفةُ الفقه علمٌ يُنقّب عمّا هو غاطسٌ في عملية الاستدلال الفقهي، ويعمل على عبور عناصر هذا الاستدلال المعروفة، ليصل إلى تشريح الخلفيات غير المرئية في استنباط الأحكام الشرعية، ويسعى للتعرّف على العناصر البشرية المختلفة الخفيّة المؤثّرة في إنتاج الفتوى.
فلسفةُ الفقه لا تتوقف عند السطح، بل تنشغل بالنظر إلى الأعماق، في محاولةٍ للكشف عن البنية التحتية للتفكير الفقهي، أي إن هذا العلمَ يحاول أن يتوغل بعيدًا ليكتشف الأحكامَ المسبقةَ للفقيه، وتأثيرَ رؤيته للعالم، وما هو مترسب في لاوعيه من مؤثّرات متنوّعة، توجّه تفكيرَه على وفق بوصلتها.
كلُّ خبير يدرس الفقهَ في ضوء المناهج الحديثة يكتشف أنه مدونةٌ تشريعيةٌ، ومرآةٌ ترتسمُ فيها ألوانُ تفكير فقهاء الإسلام في العصور المختلفة، وتحمل بصمةَ شخصياتهم، وتحكي كيفيةَ حياتهم، وأنماطَ العيش المتنوّعة في بيئاتهم، التي تنعكس كلُّها على طريقة تفكيرهم وما يفضي إليه من نتائج.
كذلك يعرف الخبيرُ أن قراءاتِ الفقهاء لما جاء في القرآن والسنّة من نصوص، مضافًا إلى أنها وُلدت في إطار ما فرضته شخصياتُهم وأحكامُهم المسبقةُ وآفاقُ انتظارهم وما تحفل به بيئاتُهم من جهة، وُلدت من جهة أخرى في إطار ما فرضته قواعدُ ومعاييرُ قراءة النصوص الدينية، تلك القواعدُ والمعاييرُ التي تمّت صناعتُها في عصر متأخّر عن عصر البعثة الشريفة بمدة طويلة نسبيًا، والذي بدأ في النصف الثاني من القرن الهجري الثاني، وهذه القواعدُ تمثل اجتهادات بشرية أنتجها مجتهدون كالشافعي"150-204هـ" وغيره، ثم صارت هذه القواعدُ تتجذّر وتتوسّع عموديًا وأفقيًا بمرور الزمان، حتى تسلّطت على عملية الفهم، ففرضتْ طريقةَ فهمٍ تهيمن على عمليات تلقي النصوص الدينية في الأزمنة المختلفة، بنحو تسيّدتْ فيه وتأبّدت وأضحتْ مسلماتٍ نهائية، لا مشروعيةَ لقراءةِ أيّ نصٍّ دينيّ أو ممارسةٍ لتفكيرٍ فقهي خارج أسوارها.
حاولنا أن ندرس الخلافَ حول الهلال في ضوء علم "فلسفة الفقه". والهلالُ مثالٌ تطبيقي لهذا العلم، ينشد إضاءةَ ما هو مستورٌ في النزاع على الهلال، فخلصنا إلى أن الخلافَ على الهلال يعود لمحاولة استملاكِه الرمزي واحتكارِه، بغية إثراء رأس المال المقدّس، وتبيّن لنا أن الخلافَ هو على هلالين وليس على هلال واحد، فهلالُ أكثر الفقهاء غيرُ هلال الفلكيين، هلالُهم مؤطّر بمعنى ديني، في حين أن هلالَ الفلكيين هلالٌ ماديٌّ، مجردٌ من المضمون الرمزي الديني، بوصفه ظاهرةً كونية، يكتشفها ويحدّد كلَّ شيء فيها العلمُ، وهو ظاهرةٌ محايدةٌ حيال المعنى الديني، وليست مؤطرةً بشيء ينتمي للمقدّس.
المقدّس يمثّل موقفًا حيالَ العالم، ويحدّد طريقةً خاصّة للتعامل معه، بشكل لا يتطابق دائمًا مع الدنيوي، والتعرّفُ على ذلك يتطلب دراساتٍ متنوعة، لا تكرّر ما هو موروث، بل تنفتح على المناهجِ الحديثة في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع وتطبيقِها على فهم الدين وقراءةِ نصوصه، لتنكشف كيفيةَ توالد المقدّس، وأنماطَ صيروته وتمثّلاته وتمدده في حياة الإنسان، والصلةَ العضوية بين اتساع المقدس وتمدد واتساع السلطة الروحية ومديات نفوذها في الحياة البشرية.
ومن يرغب في تفاصيل هذا الموضوع يمكنه العودة إلى مباحث فلسفة الفقه في كتاباتي، فهناك مجموعة فصول في كتبي لها صلة مباشرة بفلسفة الفقه، منها:
1- فلسفة الفقه، فصل 3 من كتابي: مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد، طبعة 2
2- المرجعيات الكلامية للفقيه وأثرها في عملية الاستباط، فصل 5 من كتابي: الدين والنزعة الانسانية، طبعة 3
3- الاستملاك الرمزي للهلال، فصل 7 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2
4- تناغم القيم والقانون في الدولة الحديثة، فصل 2 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2
5- التدين الأخلاقي، فصل 5 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2
6- عندما يتجاوز الدين حدوده، فصل 5 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2
7- للدين حقيقته الخاصة في الهرمنيوطيقا، فصل 10 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2
8- أية دولة بلا حياة روحية وقيم اخلاقية، فصل 5 من كتابي: الدين والظمأ الانطولوجي، طبعة 3
9- الأخلاق والتفكير الفقهي، مقالة ستنشر لاحقًا.
10- دعوة الشيخ أمين الخولي للتجديد، رابط النشر:
https://afkaar.center/wp-content/uploads/2019/04/%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D9%86%D9%87%D8%A7%D8%A6%D9%8A-1.pdf
11- محاضرات في أصول الفقه، في مجلدين، مطبوع 10 طبعات.

https://al-aalem.com/article/47805-%D9%85%D9%86%D8%B4%D8%A3-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81-%D9%81%D9%8A-%D8%AB%D8%A8%D9%88%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%84%D8%A7%D9%84
الخوفُ ليس مصدرًا للأخلاق

د. عبدالجبار الرفاعي
تقترن التربيةُ في التديّن الشكلي بالخوف؛ لذلك يشدّد هذا التديّن على قيمة العنف في الحياة الدنيا،كما يستحضر على الدوام صورَ العذاب الأخروي، والمشاهدَ التي تثير الهلعَ في الحياة الآخرة. ويسود اعتقادٌ لدى أكثر المتدينين بهذا النوع من التديّن أن الأخلاقَ لا تولد إلّا من الخوف، ولا يمكن بناءُ الفرد والمجتمع من دون خوف.
الخوفُ ليس مصدرًا للأخلاق، فربما تجد من يخاف حدَّ الهلع لكنه ليس أخلاقيًا، وربما تجد من كان يبدو أخلاقيًا قبل امتلاكه السلطة والثروة، غير أنه لحظةَ يمتلكهما تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية. الخوفُ لا يصنع أخلاقًا، ولا يخلق إنسانًا أخلاقيًا، الخوفُ يغطي لاأخلاقيةَ بعض الناس، لذلك يُفتضح الوجهُ الحقيقي لهؤلاء عندما يتخلصون من الخوف، كما نرى بعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيا في الظاهر حين يكون فقيرًا، غير أنه لو استغنى ينزعُ الغطاءَ الأخلاقي الزائف، وبعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيًا إن كان ضعيفًا لا يمتلك سلطةً أو نفوذًا، لكنه لو امتلك أيَّ شكل للسلطة تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية فيستبدّ ويطغى.
يستفيق الضميرُ الأخلاقي بالتربيةِ الصالحة والبناءِ السليم للمجتمع. بناءُ الأخلاق على الخوف لا يؤسّس أخلاقًا أصيلة، ولا يبني مجتمعًا أخلاقيًا، وكثيرًا ما ينتهي إلى ازدواجيةٍ ونفاقٍ سلوكي.
للأخلاقِ قيمةٌ بذاتها، ذلك أن الحَسَنَ حَسَنٌ بذاته، والقبيحَ قبيحٌ بذاته. ويستمدّ الفعلُ الأخلاقي قيمتَه من كونه فعلاً أخلاقياً لا غير، وذلك ما يجعل أثرَه يظهر مباشرةً على حياةِ وسلوكِ فاعله قبل غيره. جوهرُ الفعل الأخلاقي أنه واجبٌ لذاته بغضّ النظر عن نتائجه، فلو حاول شخصٌ إنقاذَ غريقٍ فإنه قام بفعل أخلاقي، سواء أفلح بذلك أم لم يفلح. للوجودِ ذاكرةٌ أخلاقيةٌ لا يُمحى فيها أثرُ أيّ فعل أخلاقي، لذلك يُعلِن الفعلُ الأخلاقي باستمرار عن نفسه ويتحدّث عن فاعله، ويفرض احترامَه على كلّ إنسان.
أساسُ #الأخلاق أحكامُ العقل العملي. وهذا العقلُ هو الذي يحكم بقبحِ الكذب وحسنِ الصدق، وقبحِ الخيانة وحسنِ الأمانة، وقبحِ الظلم وحسنِ العدل. وهو المرجعيةُ في كلّ ما هو حسن أو قبيح، وفي ما نجده من قيم أخلاقية كلية في البنية العميقة للمجتمعات البشرية التي لم تتعرّف على الوحي الإلهي، فلو لم تكن هناك نواميسُ كونيةٌ للقيم والأخلاق، وكان كلُّ حُسن يحيل إلى ما يُحسّنه الوحي، وكلُّ قُبح يُحيل إلى ما يقبحّه الوحي، فسيفضي ذلك إلى تفريغِ الأخلاق من مضمونِها، وغيابِ أيِّ فعل أو سلوكٍ أخلاقي في المجتمعات البشرية التي لم تعرف الوحي. وعلى الرغم من أن تلك المجتمعات لم تعرف الأديانَ الابراهيمية، ولم تصل اليها تشريعاتُ الوحي، فإن تاريخَها يبرهن على أن هناك حضورٌ للكلمات والأفعال الأخلاقية في حياة وسلوك الفرد والجماعة، وأنها تدرك أن للكلمات والأفعال الأخلاقية الأصيلة بصمةً في ضمير العالم.
التديّنُ الشكلي

د. عبدالجبار الرفاعي

أعني بالتديّنِ الشكلي ذلك النمطَ السطحي المجوّف من التديّن، المفرّغَ من نبضِ الحياة الروحية، ووهجِ الضمير الأخلاقي، الذي يضع معاييرَ ظاهريةً شكليةً تُقاس درجةُ التديّن بمدى الالتزام بها، بغضّ النظرِ عن بناءِ الكيان الداخلي للمتديّن. وكثيرًا ما ينتهي التديّنُ الشكليّ إلى تديّنٍ زائفٍ يمحق روحَ الدين، بعد أن تنطفيءَ فيه جذوةُ الإيمان، وتتهشم القيم، وتتحوّل المفاهيمُ المولّدةُ للطاقة الروحية إلى مفاهيم محنطة، وطالما تحوّل هذا التديّنُ إلى نوعٍ من الفلكلور المبتذل، لذلك كان سببًا أساسيًا لنفور الناس من الدين.
ويتداخل هذا التديّنُ مع بعض الأنماط الأخرى، فالتديّنُ الشعبويّ أظهرُ أمثلة التديّن الشكلي، ويظهر التديّنُ الشكلي أيضًا بوضوحٍ في بعض حالات التديّن السياسي. وقد انتهى النموذجُ الذي صنعه التديّنُ الشكلي الى المبالغةِ في التشديد على السلوك الظاهري للمتديّن، وأسرف كثيرًا بالاهتمام بالشعائر والاحتفالات الجماعية، وانشغلَ بشكلِ اللباس، ولغةِ الجسد، وتعبيراتِ الوجه، ونوعِ الحركة والمشي، ونبرةِ الصوت، ما دعا أكثرَ المتديّنين بهذا النمط من التديّن لصناعة جدارٍ سميك بين شخصيته الحقيقية المحتجبة في داخله، وبين ما يُظهره للخارج من سلوك، وأفضى ذلك إلى انشطار الشخصية إلى كيانين: خارجي لا يشبه الداخلي، وداخلي لا يشبه الخارجي. وربما حاول بعضُهم أن يظهر بملامح غامضة، بغيةَ إخفاءِ شخصيته الداخلية وحجبِها عن الأنظار. وربما أسرف بعضٌ آخر في التمثيل بغيةَ إخفاء أكثر ملامح شخصيته، حتى صار ذلك الشخصُ لفرط التمثيل بلا ملامح.
تعرّفتُ في حياتي على شباب أصبحوا متدينين بهذا النمط من التديّن، وعندما تديّنوا افتقدوا بالتدريج لكثيرٍ من وضوحِهم وبساطتِهم وعفويتِهم وتلقائيتِهم ومباشرتِهم في التعبير عن أنفسهم، بعد أن فرضتْ عليهم بيئةُ التديّن الشكلي محاكاتَها بكلّ ما يتفشى فيها من تمثيلٍ زائف.
وصار همُّ المتديّن المزمنُ إيصالَ رسالةٍ للجماعة التي ينتمي إليها تعلن تديّنَه المفتعَل وتقواه الصورية. لذلك تراه حتى لو مارس عبادةً في السرّ كنافلة الليل مثلًا، يحرص على إفشائها وترويجها في العلن. ولو تطوّع بعمل خيري، يسلك الطرقَ المختلفةَ للإعلانِ عن عمله، وإن كان ذلك الإعلانُ مذمومًا في بعض الموارد في الشريعة، لأن كلَّ ما ينشده المتديّنُ الشكلي من فعلِ الخير هو إبلاغُ الآخرين كي يشهدوا على أنه متديّن. ويرمي المتديّنُ من الإعلانِ لجماعته عن أنه متديّنٌ الى الفوزِ باعترافِ الجماعة وثقتِها. وهو رأسُ المال الرمزي المهم الذي يحرص على امتلاكه، كي يوظفه في تعزيزِ نفوذه الاجتماعي، وتسويقِ شخصيته للاستحواذ على مواقعَ ومكاسبَ يسعي إليها، في مجتمع يشيعُ فيه هذا اللونُ من التديّن، وتحكمه تقاليدُه ومفاهيمُه.
وأظن أن هذا الضربَ من التديّن نشأ في قصورِ الخلفاء والسلاطين في عالَم الإسلام، ثم تسرّب بالتدريج إلى مجالاتٍ أخرى في المجتمعات الإسلامية. ومن قبله وُلد وترعرع في دولةِ الكهنوت الكنسي في أوروبا العصور الوسطى.
وطالما تقمّص التديّنَ الشكلي التجّارُ ورجالُ الأعمال وكلُّ من يسوّق البضائعَ للناس، ووظّفه السياسيون ورجالُ الحكم في المجتمعات الدينية. ويتغوّل هذا التديّن عادةً في مجتمعات تعتمده معيارًا في التوثيقِ والتصديقِ في المعاشِ والمعادِ.
الخوفُ ليس مصدرًا للأخلاق
تقترن التربيةُ في التديّن الشكلي بالخوف؛ لذلك يشدّد هذا التديّن على قيمة العنف في الحياة الدنيا،كما يستحضر على الدوام صورَ العذاب الأخروي، والمشاهدَ التي تثير الهلعَ في الحياة الآخرة. ويسود اعتقادٌ لدى أكثر المتدينين بهذا النوع من التديّن أن الأخلاقَ لا تولد إلّا من الخوف، ولا يمكن بناءُ الفرد والمجتمع الصالح من دون خوف، وكأنهم لا يعلمون ان تأمينَ حقوق الإنسان وحرياته هو الضمانة الحقيقة لحماية الفرد والمجتمع من الأمراض الأخلاقية والنفسية.
الخوفُ ليس مصدرًا للأخلاق، فربما تجد من يخاف حدَّ الهلع لكنه ليس أخلاقيًا، وربما تجد من كان يبدو أخلاقيًا قبل امتلاكه السلطة والثروة، غير أنه لحظةَ يمتلكهما تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية. الخوفُ لا يصنع أخلاقًا، ولا يخلق إنسانًا أخلاقيًا، الخوفُ يغطي لاأخلاقيةَ بعض الناس، لذلك يُفتضح الوجهُ الحقيقي لهؤلاء عندما يتخلصون من الخوف، كما نرى بعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيا في الظاهر حين يكون فقيرًا، غير أنه لو استغنى ينزعُ الغطاءَ الأخلاقي الزائف، وبعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيًا إن كان ضعيفًا لا يمتلك سلطةً أو نفوذًا، لكنه لو امتلك أيَّ شكل للسلطة تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية فيستبدّ ويطغى.
يستفيق الضميرُ الأخلاقي بالتربيةِ الصالحة، وتأمينِ حقوق الإنسان وحرياته، والبناءِ السليم للمجتمع... بناءُ الأخلاق على الخوف لا يؤسّس أخلاقًا أصيلة، ولا يبني مجتمعًا أخلاقيًا، وكثيرًا ما ينتهي إلى ازدواجيةٍ ونفاقٍ سلوكي.
للأخلاقِ قيمةٌ بذاتها، ذلك أن الحَسَنَ حَسَنٌ بذاته، والقبيحَ قبيحٌ بذاته. ويستمدّ الفعلُ الأخلاقي قيمتَه من كونه فعلاً أخلاقياً لا غير، وذلك ما يجعل أثرَه يظهر مباشرةً على حياةِ وسلوكِ فاعله قبل غيره. جوهرُ الفعل الأخلاقي أنه واجبٌ لذاته بغضّ النظر عن نتائجه، فلو حاول شخصٌ إنقاذَ غريقٍ فإنه قام بفعل أخلاقي، سواء أفلح بذلك أم لم يفلح. للوجودِ ذاكرةٌ أخلاقيةٌ لا يُمحى فيها أثرُ أيّ فعل أخلاقي، لذلك يُعلِن الفعلُ الأخلاقي باستمرار عن نفسه ويتحدّث عن فاعله، ويفرض احترامَه على كلّ إنسان.
أساسُ الأخلاق أحكامُ العقل العملي. وهذا العقلُ هو الذي يحكم بقبحِ الكذب وحسنِ الصدق، وقبحِ الخيانة وحسنِ الأمانة، وقبحِ الظلم وحسنِ العدل. وهو المرجعيةُ في كلّ ما هو حسن أو قبيح، وفي ما نجده من قيم أخلاقية كلية في البنية العميقة للمجتمعات البشرية التي لم تتعرّف على الوحي الإلهي، فلو لم تكن هناك نواميسُ كونيةٌ للقيم والأخلاق، وكان كلُّ حُسن يحيل إلى ما يُحسّنه الوحي، وكلُّ قُبح يُحيل إلى ما يقبحّه الوحي، فسيفضي ذلك إلى تفريغِ الأخلاق من مضمونِها، وغيابِ أيِّ فعل أو سلوكٍ أخلاقي في المجتمعات البشرية التي لم تعرف الوحي. وعلى الرغم من أن تلك المجتمعات لم تعرف الأديانَ الابراهيمية، ولم تصل اليها تشريعاتُ الوحي، فإن تاريخَها يبرهن على أن هناك حضورٌ للكلمات والأفعال الأخلاقية في حياة وسلوك الفرد والجماعة، وأنها تدرك أن للكلمات والأفعال الأخلاقية الأصيلة بصمةً في ضمير العالم.
منابع التديّن الشكلي
يتغذّى التديّنُ الشكلي في مجتمعاتنا من العائلة والمدرسة والعشيرة والمجتمع والسلطة السياسية، كلُّ هذه المؤسّسات تتولى تدجينَ الطبيعة البشرية، وتعمل على تنميطها، فتبثّ الرعبَ ببراعةٍ في القلوب، وتسقي العقولَ والمخيلة أوهامًا خادعة، حتى تودعها في صندوقٍ مقفل. الخداعُ الذي يتغذّى منه المتديّنُ يتضخّمُ ليضفي على ذهنه قشرةً واهيةً، تشعره بتوهم معرفة كلِّ شئ، وأنه على صوابٍ دائمًا، ويترسّخ لديه توهمُ القوة والإنجاز، لذلك لا يجرؤ على أن يعبّرَ عن شعوره العميق بالعجز وعدم القدرة والضعف، خشيةَ الازدراء في مجتمعه، ولئلا يفقدَ تلك الهالةَ الزائفةَ التي تحملتها شخصيتُه وصدّقها.
ويتغذّى التديّنُ الشكلي أيضًا من الازدواجية ويغذّيها، إذ يعملُ هذا التديّنُ على تغذيةِ وترسيخِ الجذورِ العميقة لانشطار الشخص إلى كيانين، كيانٍ باطني يعبّر عنه كما هو في ذاته، وكيانٍ ظاهري يحاكي ما يحقّق له حضورًا ومكانةً مجتمعية، وهذا الكيان لا يعبّر عنه إلا بالشكل الذي يريده الناس، لذلك يفرض عليه ارتداءَ أقنعةٍ تختبئ خلفَها شخصيتُه الباطنية.
كذلك يتغذّي التديّنُ الشكلي من تقاليد التربية والتنشئة المجتمعية التقليدية ويغذّيها. وأكثرُ هذه التقاليد ليست واقعيةً، لأنها على الضدِّ من الطبيعة البشرية، وتتنكر لكثيرٍ من احتياجاتها الأساسية. فهي مثلًا لا تكشف مكامنَ الضعف الطبيعية للإنسان، ولا تكترث بهشاشةِ الكائن البشري وعجزِه الطبيعي، وتشدّد على الدوام على إضفاءِ قوّةٍ وهميةٍ على الأشخاص، والإعلاءِ منهم، ومن تفرّدِهم الاستثنائي بكلِّ شيء، وتفوّقِهم على كلِّ شخص سواهم. وتبدأ هذه الأساليبُ في مرحلة الطفولة، فمثلًا من أسوأ الأخطاء التربوية التي يرتكبها أكثرُ الآباء والأمهات في المجتمعات التقليدية، وعادةً ما يدفع الأطفالُ فاتورتَها مع تقدّم عمرهم، هي ترسيخُ قناعات زائفة عند الناشئة بأنهم أكبرُ من مرحلتهم العمرية، والعملُ على ترويضهم وتدجينهم باستمرار على أن سلوكَ جيلهم هو عبثٌ وطيشُ صبيةٍ غيرُ متزن، لا يليق بعقلهم ومكانتهم وشخصيتهم، ويجد ذلك تعبيرَه بوضوح في حرمانِهم من اللعب، ومنعِهم من العبث البرئ في طفولتهم مع أقرانهم، الذي يتكفّل ببناءِ مَلَكةِ التفكير، وانبثاقِ قدرات الإبداع والابتكار، وإيقاد فاعلية المخيّلة في أذهانهم.
ويتغذّى هذا التديّنُ من استبدادِ السلطة، والأنساقِ العشائرية الراسخة في مجتمعنا وما تشدّد عليه من روحِ الانقياد والإذعان، ويغذّيها. الاستبدادُ أخطرُ منابع التديّن الشكلي، فكلُّ استبدادٍ ينشد التطابقَ وإنتاجَ نسخٍ متماثلة للكائن البشري، ويعمل على محوِ الاختلاف، ومن ثمّ طمسِ الخصوصيات الذاتية للفرد، لأن الاستبدادَ لا يتمكن من إنجاز ما يرمي إليه إلّا بالعمل على محوِ الذات الفردية. على الرغم من أن كلَّ من يريد أن يكرّره الآخرُ لا يفهم الذاتَ البشرية وطبيعتَها المتفرّدة التي يتعذّر محوُها. الفرديةُ هي الهويةُ الوجودية للكائن البشري، فكلُّ كائنٍ بشري لا يتطابق كلّيًا إلّا مع ذاته. ولأن الذاتَ يتعذّر محوُها تمامًا، لذلك تفضي أساليبُ تربية الأنظمة المستبدّة إلى الإصابة بالازدواجية وتفشّي النفاقِ السلوكي، وعلى أثر ذلك تتعدّد أقنعةُ بعض البشر بعدد المواقفِ والحالاتِ التي يكون فيها، والأشخاصِ الذين يخاطبهم. ويلبث الشخصُ من هؤلاء كلَّ حياته منفيًا خارج ذاته،كلَّ مرة يعيش حياةً شخصيةً أخرى مُستعارَة، وكلُّ حياة بشخصية مستعارة نمطُ حياةٍ ينفي الحياة.
وأحيانًا يستفيقُ الشخصُ المدجّنُ على تقاليد التديّنِ الشكلي وينتفض ليعود إلى شخصيته الحقيقية، لأن الطبيعةَ البشرية ينهكها التزويرُ والتمثيلُ الزائف الذي يُكره عليه الإنسانُ في مختلف المواقف. الطبيعةُ البشريةُ صلبة جدًا، تقاوم بصمتٍ من يعبثُ بها، لذلك يرتدّ انتهاكُها على ذات الإنسانِ فيترسب على شكلِ عقدٍ نفسية.
نتائج التديّن الشكلي
يرادفُ التديّنَ الشكلي أحيانًا ازدواجيةٌ ونفاقٌ سلوكي، وادعاءاتٌ ومزاعم، وحيلٌ فقهية، وتوريةٌ، وإظهارُ الحياءِ والعفّة والتواضع المصطَنع، وكثرةُ الكلام في الدين والفقه، والجدلُ العقيم والثرثرةُ في قضايا دينية هامشية، والإلحاحُ في السؤال، وطلبُ فتوى الفقيه لكلِّ شيء يقوله أو يفعله المتديّن، وربما تتورم حالتُه فينتهي إلى مرضٍ نفسي واضطرابٍ ذهني وسلوكي.
المتديّنُ الذي ينخرطُ في هذا النمط من التديّن يهمّه التسويغُ الفقهي لفعلِه وقولِه، مهما كان أثرُه السلبي على حياتِه الروحية والأخلاقية، ومصيرِه الأخروي، وإن كان سلوكُهُ مضرًّا بمصالحِ الناس ومعاشِهم، فهو يحرص جدًّا على أن يعثرَ على فقيه، وما أكثر من يدّعي الفقاهةَ اليوم، يفتي له بجواز فعلِ أو قولِ ما يريده، وإن كان ذلك الفعلُ أو القول قبيحًا على وفق أحكامِ العقل العملي "الأخلاقي"، أو كان يهدم العمرانَ وعلى الضدّ من بناءِ الأوطان، أو كان ذلك الفعلُ أو القولُ يجرح الروحَ وينتهك الضميرَ الأخلاقي.
شاهدتُ وأشاهدُ باستمرار في حياتي، ويشاهد كثيرٌ ممن عاش في مجتمعات دينية، أفعالًا يومية على نمطِ هذا التديّن الشكلي في سلوك ومواقف أكثر من نتعامل معهم. لأن التديّنَ الشكلي أكثرُ أشكال التديّن شيوعًا في مجتمعاتنا، فهو يتحكّم في العلاقات الاجتماعية بين المتدينين، وتسود القيمُ الشكلية التي أنتجها حياتَهم، وهي التي تحدّد أنواعَ اهتماماتهم وأحكامهم.
وأحيانًا يتحولُ التديّنُ الشكلي إلى غطاءٍ لبعض الأمراض النفسية التي تتخذ من هذا النوع من التديّن قناعًا لها. ويمكن تشخيصُ سلوكيات مصابين بأمراض نفسية يتخذون من التديّن العنيف والمتشدّد والمتنطّع والمُغالي أقنعةً يتلفعون بها، وتظهر تعبيراتُ هذه الأمراض النفسية بأشكال متنوّعة، فنقرؤها أحيانًا في اللغةِ وأساليبِ التعبير، ونسمعها في الصوتِ الذي قد يتمثّل في نغمة تخدش السمع، أو نراها على شكلِ تعبيراتٍ في الوجه تثير القرف، أو حركاتٍ منفّرة في لغة الجسد، أو أنماطٍ عنيفةٍ في التعامل مع الآخر. فقد يكون الشخصُ مصابًا بوسواس قهري ، فتظهر لديه حالاتُ مبالغةٍ في الاحتياطات الفقهية في كلّ شيء، وإغراقٌ في تكرارٍ مملّ للغسل والوضوء، والصلاة، ومناسك الحج، وغيرِ ذلك من العبادات.
وربما يكون الشخصُ مصابًا بشيزوفرينيا حادّة فيظهر ذلك المرضُ في تديّنه، ويصير التديّنُ غطاءً لسلوكه العدواني. وربما يكون ساديّا فيتلذّذ بذبح البشر. وربما يكون مازوشيا فيتلذّذ بتعذيب جسده بممارسات تعنّف الجسد، وربما يتفجّر مخزونُ الكبت المتراكم لديه فيرتدّ بشكلٍ عنيف ضدّ جسده، كأولئك الذين يجرحون رؤوسَهم في ولائم دامية بذريعة أداء الشعائر. وربما يكون المتديّنُ مصابًا باكتئابٍ شديد، فتراهُ كمن يقيمُ في كابوسِ حزنٍ مزمن، وتنعكس بعضُ أعراض اكتئابه في عباداته، وفي مختلف أشكال سلوكه وأساليب تعامله مع الناس. وغير ذلك من الأمراض النفسية المختلفة التي تتخذُ من التديّن قناعًا تختفي خلفه.
وقد يتحول التديّن الشكلي إلى غطاءٍ لبعض الأمراض الأخلاقية، علمًا بأن هناك صلةً عضويةً بين بعض الأمراض النفسية والأخلاقية، لكن الأمراضَ الأخلاقيةَ أشدُّ فتكًا في المجتمع من الأمراض النفسية والجسدية، والعدوى فيها لا تختلف عن عدوى الأمراض الجسدية المعدية، وتشتدُّ هذه العدوى إنْ سقط بعضُ الشباب ضحايا في أحضان معلّم يغطّي تديّنُه الشكلي مرضَه الأخلاقي. أعرف شبابًا مهذبين أمسوا من ذوي العاهات الأخلاقية عندما تلمذوا على معلّمين مصابين بأمراض أخلاقية حادّة.
وتنحرف الطقوسُ في التديّن الشكلي عن مقاصدها الروحية والأخلاقية. حتى الصلاة قد تتحول أحياناً إلى غاية بذاتها، وربما تصيرُ الطقوسُ وثنًا. توثينُ الصلاة مثلاً يصاب به بعضُ المتدينين، وتظهر أعراضُه على شكل اضطرابٍ وضوضاءٍ وهوسٍ وقتَ الصلاة. وأحيانا يصبح الغرقُ في التديّن الطقوسي ضربًا من التعبير عن شغفٍ بسلطةٍ مُشتهاة. عندها يجري توظيفُ الطقس قناعًا لتكريسِ سطوة الشخص على من حوله، بمعنى أن مثلَ هؤلاء ينشدون سلطةً دنيوية، أكثر مما ينشدون إثراءَ حياة روحية وأخلاقية. لذلك يتعرض من يتعاملون معهم إلى ضربٍ من العنف الرمزي المنبعث من أجسادِ هؤلاء المهووسين بالطقوسِ، ولغتِهم، وأساليب تعاملهم مع الناس، فترى بعضَهم يعيشون حالةَ انفعالٍ وتوترٍ شديدين، ولا تخلو ممارستُهم الطقسَ من تكلّفٍ وتعبيراتٍ تشي بالشغف بسلطةٍ منشودة، وكأنهم لا يفتؤون عن تنبيه الآخَر بسطوتهم، اثر إشعاره بتفوّق مقامهم الروحي.
في التديّن الشكلي طالما عجزَ الإنسانُ عن البوح والاعتراف، لذلك نجد بعضَ الأشخاص يمارس مراوغةً مبتذلة في التعبير عمّا يريده، ويظهرُ العجزُ عن البوح والاعتراف في المذكرات الشخصية بوضوح، إذ قلّما نطالع في مذكرات من يكتب في مجتمعاتنا اعترافات، خلافًا للغربيين الذين نقرأ في مذكراتِهم الشخصية كثيرًا من البوح والحديث المكشوف. إنها اعترافاتٌ شجاعة تبوحُ بطبيعتهم البشرية التي تختزن ضعفَهم وهشاشتَهم وقلقَهم وعبثَهم وأخطاءَهم وتناقضاتهم.
لم يكن هذا الشكلُ من التديّن في يوم ما حلًا لمشكلة، بل كان وما زال، هو المشكلةُ في عالَم الإسلام، فمن الآثارِ الخطيرةِ للتديّن الشكلي أن لادينيةَ أكثرِ الشباب اليوم هي احتجاجٌ على هذا النمط من التديّن، إنها احتجاجٌ على نمطِ تديّنٍ يغيبُ فيه الضميرُ الأخلاقي، تديّنٍ يُفقِر الحياةَ الروحية، تديّنٍ يعجز عن تذوق جماليات الوجود، تديّنٍ ضد الفنون، تديّنٍ ضد الفرح، تديّنٍ حزين، تديّنٍ كأنه اكتئاب.
وأودُ الاشارةَ إلى أن هذا التصنيفِ الذي اقترحتُهُ للتديّنِ جاء محصلةَ خبرةٍ في الحياة الدينية، وعيشٍ داخل جماعات متدينة، وكنت اهتمّ منذ وقت مبكر برصد تمثلاتِ الدين وتعبيراتِه في سلوك الفرد والجماعة، وما ينبغي أن ينتجه من آثارٍ عمليةٍ، يفترضُ أن تجدَ تعبيرها الأخلاقي في سلوك المتديّن.
في هذا التصنيفِ لم أجد الحدودَ صارمةً بين كلِّ واحدٍ من هذه الأنماطِ والآخر، بل وجدتُ التديّنَ الشكلي مثلًا يتداخلُ مع تعبيراتِ التديّنِ الشعبوي، كما يتداخلُ مع شيءٍ من تعبيراتٍ لأنماطِ تديّنٍ أخرى. وقد تنبهت لذلك منذ أكثر من ثلاثين عامًا، كما أشرتُ لبعض هذه الأنماط منذ أكثر من عشر سنوات في بعض كتاباتي، وبعد ذلك كتبتُ مُخطّطًا أوليًا لهذا التصنيف في مقالةٍ نشرتها قبل ست سنوات، أدرجتُ فيها هذه الأنماطَ وشرحتُها بإيجازٍ شديد.
#التديّنُ_الشكلي
لاحظت أن انهيار التدين لدى بعض الشباب يرتد الى غياب المثال المُجسَّد للتدين الانساني الروحي الأخلاقي .. ناقشت بعضهم ساعات طويلة، لماذا يمضي الى مديات قصية في مواقفه السلبية من الدين، لم يعلن أحد منهم أمامي إلحاده بالله، ولم يحاجّني ببراهين المتكلمين على وجوده تعالى، وانما اتفقوا جميعاً على انهم يقرؤون عن حياة روحية، ويسمعون حديثاً مكرراً عن مفاهيم أخلاقية، ومواقف انسانية، غير انهم يفتقدونها فيمن ينادون بها، ولا يرون ملامح صورتها في سلوكهم، ولم يعثروا على من يهتدون بسيرته العملية في المحيط الذي يدرسون ويعيشون فيه. تنبهت الى أن البواعث العميقة للتدين ترتبط عضوياً بحساسيات ومشاعر الانسان وعواطفه، وان الانسان بطبيعته لا يهتدي ايمانياً إلاّ بالقدوة العملية الملهمة، تلك القدوة التي تسقيه الارتواء الروحي، وتمنحه السلام النفسي، وتغمره بالرأفة والشفقة، كي تخلصه من الاغتراب، وتشعره بالحماية والأمن في الحياة.
الناس كي يؤمنوا؛ يفتشون دائماً عن نموذج بشري مُجسَّد للايمان المتواشج عضوياً بالحب والرحمة، والحب والرحمة المتواشجة بالايمان. ويحتاجون إلى من يشعرهم بوجود الله عملياً في حياتهم، لا من يثبت لهم وجوده كفكرة مجردة، لا صلة لها بحياتهم، مثلما يفعل المتكلمون واللاهوتيون. يحتاجون إلى من يوقظ أرواحهم، ويوصلهم عضوياً بالله، بوصفه المنبع الحقيقي للطاقة الحيوية الايجابية الفاعلة، التي يتغلبون بها على ذلك الوجع الأسود المتفشي في العالم، والذي لا تطيقه قدرة عامة البشر.
عبد الجبّار الرفاعي وتفكيك الفهم المغلق للنصوص
أحمد رمضان الديباوي
"الاستسلام للتراث، واستدعائه بكافة عناصره في حاضرنا"، هكذا يلخّص الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بإيجازٍ غيرِ مُخلٍّ، سببًا رئيسًا من أسباب تفشّي نزعات التعصُّب وكراهية ونفْي الآخَـر، والتشهير الدائم به، وما ينجُم عن ذلك من احتراب، وعنف، وإرهاب، وصراعات دينية وعِرقية وطائفية، تأكل في طريقها الأخضر واليابس، وتُغذّي رُوح الانتقام والتشفّي، حتى لتبدو صورة الآخر، المخالف في الدين والعقيدة والمذهب، في المخيال الإسلامي مشوَّهة، مشيْطَنة، تحت وطأة الوقوع في أسْرِ نرجسية دينية زائفة غير واقعية، ومنطق عقائدي أُحادي، وإيمان تقليدي حصري لا يعرف طريقًا إلى النقد أو العقل أو الحُبّ!
في كتابه "الدين والنزعة الإنسانية"، الصادر هذا العام، عن دار التنوير، في طبعته الثالثة المعدَّلَة والمزيدة، يُبحر بنا عبد الجبار الرفاعي في مبحث (من أين تشتق الكراهية مفاهيمها؟)، كما لو كان رُبَّانَ سفينةٍ ماهرًا يعرف تمامًا كيف يدير دفّة القيادة بانسيابية ودِقّة حتى تصلَ بحمولتها إلى برّ الأمان، فيستدعي في أول كلامه أُسّ المشكلة، ومنبع الداء، وهو "هاجس التراث"، ذلك الهاجس الذي تفوق المجتمعات الإسلامية أي مجتمعات بشرية أخرى في الاستسلام والإذعان له، بل تقديسه والتعاطي معه باعتباره شيئا لا تاريخيًا ومطلَقًا ونهائيا وكاملا، كأنهم يطبّقون قول العربي القديم الكسول: "ما ترك الأول للآخِر شيئا"، على الرغم من أنّ عربيًا آخرَ مبرّزًا، هو عثمان بن بحر الجاحظ، قال: "إذا سمعت الرجلَ يقول ما ترك الأول للآخر شيئًا فاعلم أنه ما يريد أن يفلح"، لكنه التقديس والتكاسُل العقلي في آنٍ، حتى أضحى التراثُ قيدًا يكبّل حاضرنا، فيحكم عليه بالفشل، لأننا نرضى بأن يحكمنا الأموات وهم قبورهم، "بل يغدو الأموات هم مصدر الإلهام للكثير من المعاني في حياتنا، وتعلي مجتمعاتنا من مقاماتهم عندما تنصبهم حُكاما على الأحياء، وتعود إليهم في ما تواجهه من تحديات، وتستعير آراءهم في أكثر القضايا والمستجدّات، فيصير مستقبلنا هو ماضينا"، كما يقول الرفاعي.
هذا هو موطن الداء، فعندما نعيش تحت وطأة التراث، ونقبله ككُتلة واحدة، ونسيج واحد دون أن ندركَ أن لذلك التراث سياقات زمانية ومكانية خاصة أنتجته، وأبعادًا سوسيولوجية وأنثروبولوجية وسيميائية وسيكولوجية، تشكل معانيه ومفرداته وخطاباته وأنساقه، دون أن ندركَ ذلك كله فإننا لن نستطيع الإفلات من أسْره وطغيانه على نفوسنا وعقولنا ومشاعرنا، وسنظل نتعامل معه بصيغة تبجيلية ربما تصل إلى حدّ التقديس والعبادة!
يرى الرفاعي أن التراث بمعنى مجموعة الممارسات الدينية والعقائد والمفاهيم السائدة في حقبة معينة من حياة المسلمين، فهو مفهوم ثقافي أنثروبولوجي، كما يرى أن المجال مفتوح لنقد هذا التراث وتفكيكه، "إذ بوسعهم غربلة ونقد المسلمات والمسبقات والميول، والمسلّمات المعرفية لفهم الكتاب والسنة، والتطلعات الدينية الموروثة من عصور سالفة"، وتأتي اللغة – في نظره – متهمة هي الأخرى؛ فهي وسيلة التواصل والاتصال وحمل المعاني، وما دمنا نروم مواكبة إيقاع الحياة، وقبول الآخر، وإلغاء المنطق العقائدي الأحادي، والتخلص مما سمّاه الرفاعي "التعبئة الأيديولوجية"، إذن ينبغي علينا أن نهجر ونستبعد من قاموس حياتنا كل الكلمات والمصطلحات الدينية الموروثة، المشبعة بالكراهية والعنف، منذ أن اشتجر الخلاف واستعر الصراع العنيف بين الفِرَق المختلفة، وهي تلك الكلمات والمصطلحات التي نهجو من خلالها الآخر، ونحطّ من شأنه، ونحتكر بواسطتها مفهوم النجاة!
إن اللغة – إذن – ليست بريئة من تفشي الكراهية، ونشر أفكار التشدد والتعصب، عبر الأساليب والجُمَل ذات الحمولة السلبية، التي تفرّق ولا تجمع، لذلك ينادي الرفاعي بأن تُطهَّر المقررات والمناهج الدراسية في سائر مراحل التعليم من كل مفردات ومصطلحات العنف والقدح والتشهير بالآخر، فذلك ضرورة يفرضها الواقع المعيش الذي يغصّ بالعنف والإرهاب والكراهية، ولا يتوقف الأمر عند حدّ تطهير لغة المقررات الدراسية فحسب، بل لا بد من تأهيل المعلمين والمربين تأهيلا لغويًا يطهر اللغة من الكلمات المسمومة، إلى جانب تأهيلهم التربوي المعتاد، وكذا تأهيل الصحفيين والإعلاميين، بحيث يعرفون خطورة الكلمات والأساليب اللغوية ذات الحمولة السلبية، "وما يمكن أن ينجم عنها من تشويه لصورة الشركاء معنا في الإنسانية، فضلا عن شركائنا في المواطنة".
ويجعل الرفاعي من اللغة مدخلًا مهمًا وحاسمًا لفهم طبيعة القراءة السلفية التبسيطية أو الحرفية للنصوص؛ إذ إن قراءة النص بتلك الطريقة يعمل على تحجيمه، ويلبسه معنى واحدًا، ورؤية واحدة، دون أن يسبر أغواره، ويدرك مراميه، ويعرف تأويله، وما يحمله بداخله من عناصر روحية وأخلاقية وعقلانية، وهذا من نتائج القراءة المختزلة البسيطة، ويلاحظ الدكتور الرفاعي أن تلك القراءة، تحديدًا، هي السائدة في خطابات وفتاوى الجماعات الأصولية، التي "تنشد تدينًا مجوفًا، يفتقر إلى استيعاب المضمون التنزيهي المفعَم بالمعنى للتدين"، وهو تدين لا يعرف معاني الانفتاح والتعددية والثراء الجمالي والروحي، التي ترسّخ النزعة الأخلاقية والإنسانية قبل أن ترسخ الإيمان. وقد أجاد الرفاعي حقا في تشريح وتفكيك النظرة السلفية التقليدية إلى النصوص والحياة عمومًا، وهي نظرة لا عقلانية، تنبع من اللاتسامح، وتحض على العنف والكراهية، وتفرغ الدين من معانيه السامية ومحتواه الروحي والأخلاقي والعقلاني. والحال ان استحضار هذا المحتوى والتركيز عليه كفيل بالقضاء على كل مظاهر الكراهية وبُغض الآخر، لكن هيهات؛ فالسلفيون لا يرون الإسلام إلا دينًا مغلقًا على نفسه، وتراثه لا نهائيًا في التاريخ، ويستدعون بحماس منقطع النظير مفردات وتقاليد وثقافات البيئة البدوية القاسية التي نزل فيها الإسلام، دون اعتبار للتطور ودينامية الاجتماع البشري!
وبذكاء الباحث وتمكنه من أدواته، يغوص عبد الجبار الرفاعي في عُمق المشكلة، فيربط بين قساوة البيئة التي شهدت ارتباط الإسلام في نزوله بها، وطبيعة نمط التمدن الحاكم آنذاك، وبين تصورات المسلمين المتوارثة عن مفهوم الإلهيات، إذ "ترتكز الإلهيات الموروثة على بنية تستعبد الآخر، وتكرّس مركزية مطلقة، تجد مثالها الأرضي في الخليفة أو السلطان، وحكومته الشمولية المستبدة"، فصورة الإله التي تتجلّى في مخيالهم وأذهانهم هي صورة الإله المستبد، الأمر الذي جعلهم يلجؤون إلى تفسير النص الديني تفسيرًا قمعيَا أُحادي النظرة، يضج بالكراهية ممن يخالفهم في فقههم ومصطلحاتهم ولغة الخطاب الذي يتبنونه، فيحتكرون رحمة الله، ويحسبون أنفسهم أوصياء على المجتمع، كونهم يمتلكون وحدهم الحقيقة المطلقة، في الوقت الذي لا يكادون يذكرون فيه أي نصوص تتحدث عن الرحمة والعفو والغفران والرفق، ولا يعرفون سنة الله في التعارف وخلق الناس مخلفين: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ) [هود:118-119]، أي أن أولئك السلف يتبنون أفكارًا لا تمت إلى روح الدين وجوهره ومقاصده بصلة أو وشيجة، الأمر الذي يجعل من أفكارهم مباءة خصبة لأي فكر متطرف إرهابي، يتعاطى مع المخالفين بالقتل والإبادة.
ويشير الرفاعي في معرض تفسيرهه للآية: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" [البقرة:256]، إلى حقيقة لطالما تغافل عنها السلفيون، ممن يصرون على أن تلك الآية منسوخة بما سموه آية السيف، رغم أن القرآن كله لم ترد فيه، قط، لفظة (السيف)، هذه الحقيقة هي أن المعتقَد ما لم ينبثق الإيمان به من قناعة وجدانية، وإرادة قلبية، لا يمكن أن يلامس شغاف القلب، لأن النفاق لا ينشئ إيمانًا أو اعتقادًا، ذلك أن المعتقد ليس بمثابة الثوب الذي يُلبس ويخلع بسهولة، على حد تعبير الرفاعي، الذي أخذ في ذكر الآية الكريمة التي يتحدث فيها القرآن عن المشيئة الإلهية التكوينية الحتمية، التي بموجبها يمكن أن يجعل الله جميع من في الأرض مؤمنين قسرا وإكراها، لكن الله لم يفعل ذلك؛ قال تعالى: " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" [يونس: 99].
ثم يُنهي الرفاعي هذا الفصل بذكر طائفة متتالية من الآيات البينات، التي تحدد نمط دعوة الرسول الكريم الآخرين إلى الدين، فيصفه تعالى بأنه: مذكِّر، مبشر، منذر، شاهد، سراج منير، رحمة للعالمين، مبلِّغ، ليس على الناس بمسيطر أو بجبار... وما ذلك كله إلا لأن الله تعالى يمنح الإنسان حرية الاختيار، وطبيعي أن لا يكون ثمة حساب في الآخرة ومسؤولية مع سلب الاختيار في الدنيا.
ويختم الرفاعي هذا المبحث بسؤالين إنكاريين لعلّ الغافلين الجامدين يفهمون مغزاهما، وهما: إذا كان النبي، وهو صاحب الرسالة، لم يفوَّض في إجبار الناس وإكراههم، فكيف يفوَّض غيره بذلك؟! وإن كان ذلك ليس من وظائف النبي، فكيف يسوغ لمن يدّعون أنهم من أتباعه سلب حرية الناس ومصادرة حقهم في اختيار المعتقد؟!
إن الإجابة عن هذين السؤالين المهمين كفيل بأن نفهم من أين تأتي الكراهية؟ ومن أين تشتق مفرداتها في محيطنا المعرفي؟ إنها تأتي ممن يفرضون وصايتهم على غيرهم، ويشنّعون عليهم، اعتقادا منهم بأنهم يحتكرون حصريا مفهوم النجاة، ويهجسون بهاجس التراث، دون النظر إلى كونه إنتاجا بشريا، وفهما للدين وليس هو الدين نفسه، لذلك ما على المصلحين والباحثين عن الحقيقة سوى الإعلان عن المهمّش والمسكوت عنه، وفضح السائد والمتغلب في التراث، على حد تعبير الدكتور الرفاعي.
وفي الفصل الأول من كتابه: (الدين والاغتراب الميتافيزيقي) يرى الرفاعي أن (الرحمةَ مفتاحُ فهمِ المنطق الداخلي للقرآن). وكل ما جاء في القرآن معارضًا لذلك يعبر عن ظروف تاريخية خاصة فرضتها الظروف القاسية التي عاشتها الدعوة في مجتمع البعثة النبوية الشريفة. ويخلص د. الرفاعي إلى أن: ( السِّلْمَ وليس الحرب هو الهدفُ المركزي الذي يرمي إليه القرآن. القاعدةُ التي أسّسها القرآنُ هي السِّلْم كما تتحدّث عنه كثيرٌ من الآيات، ومنها هذه الآية: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً" [البقرة، 208]. إذ ورد "السِّلْمُ" والكلمات ذات الصلة به في القرآن بحدود 140 مرة).

أحمد رمضان الديباوي، كاتب مصري
كل كتاب مقدس يتسع لما هو محلي ظرفي خاص بمجتمع عصر التأسيس، وقيم كونية كلية عابرة للزمان والمكان... مشكلة الأديان تكمن في عدم التمييز بين المحلي الظرفي الخاص والقيم الكونية الكلية.
تتعدد قراءات النص القرآني تبعًا لتعدد و اختلاف سياقات تلقيه... إنسان اليوم غير إنسان الأمس، وأبدية النص المقدس تعني أنه نص ذو كثافة دلالية، إذ تتعدد دلالاته تبعًا لتنوع ظروف حياة الإنسان وأنماط عيشه، و تبعًا لتنوع وتعدد سياقات التلقي في العصور المختلفة باختلاف درجة تطور الوعي البشري... إن الخلط بين سياقات عصر البعثة وعصرنا يُخرِج القرآن من حياتنا، ذلك أن سياقات تنزيله جاءت لتلبية احتياجات إنسان الأمس في عصر البعثة، وهي تختلف عن سياقات تطبيقه أو تنزيله مجددًا على الحياة، لتلبية احتياجات إنسان اليوم للمعنى الديني.