التديّن الشعبي والتديّن الشعبوي
د. عبدالجبار الرفاعي
التديّن الشعبي تديّنٌ عفويّ برئ، يتوارثه الناسُ جيلًا بعد جيل منذ عصر الرسالة. وهذا التديّنُ متصالحٌ مع طرائقِ عيشهم وطبيعةِ حياتهم، ولا يجدون تناشزًا فيه مع فنونِهم الشعبية وفلكلورِهم، ولا يشكّل عبئًا على علاقاتهم بمحيطهم، ولا يفرض عليهم سلوكًا متشدّدًا في علاقاتهم الاجتماعية بالمُختلِف في الدين أو المذهب أو الهوية أو الثقافة. لا تحضر في التديّن الشعبي التدقيقاتُ الفقهيةُ التفصيلية، وفتاوى الاحتياط بالجمع بين الحكم الترخيصي والأصلي، مثل الجمع بين القصر والتمام والصوم والقضاء في السفر. إنه تديّنٌ لا يعرف التشدّدَ والمبالغةَ في الاحتياط، يؤدي المتديّنُ فيه الصلاةَ والصومَ والفرائضَ المتفاعلةَ مع الثقافة المحلية. حدودُ التسامحِ، في هذا النمطِ من التديّن، ليست ضيقةً في التعامل مع المُختلِف في الدين والمعتقد والمذهب.
لكن التديّنَ الشعبيّ طالما وقع ضحيةً للجهل، وافترسته الخرافة، لأن الأميةَ والفقرَ والمرضَ لا تغادر مواطنَ الجماعاتِ الشعبية في القرى والأرياف والأحياء الفقيرة وأحزمة البؤس في المدن، وهذه العوامل تمثّل بيئةً خصبةً لظهور الخرافات والمعتقدات الغرائبية. وعلى الرغم من نفحاتِ الروح الرحيمة في هذا التديّن وحضورِ الأخلاقيات، لكن يلتبس أحيانًا في هذا التديّن ما هو أخلاقيّ بما هو شكليّ، ويصعب على الناس التمييزُ بين الدينيّ والدنيويّ والمقدّس وغيرِه، لذلك تتسع دائرةُ المقدّس باستمرار، لتستوعبَ غيرَ المقدّس وتدمجه في فضائها.
وتمثّل هذه الجماعاتُ بيئةً ملائمةً لولادةِ شكلٍ آخر من التديّن وتغلغلِه في مجالات حياتها المختلفة، وهو ما نعبّر عنه بـ "التديّن الشعبويّ"، والذي هو نمطُ تديّنٍ شكلي ذرائعيّ، يظهرُ في مختلفِ الأديان، لكنه ينشط كلّما تبلّد العقلُ أكثر، واشتدَّ تزييفُ الوعي، بعد أن يحدث انزياحٌ للتديّن عن مجاله، وترحيلٌ لوظيفتِه، فبدلًا من توظيف الدين في بناءِ الحياة الروحية، وإيقاظِ الضمير الأخلاقي، تصبح الشعائرُ المُفتعَلةُ، لأغراضٍ لا صلةَ لها بوظيفة الدين الروحية والأخلاقية، هي محورُ التديّن، ويحدث تطابقٌ بين مفهومِ التديّن ومصاديقِ هذا النوع من الشعائر المُفتعَلةُ، ويفتقدُ هذا التديّنُ الحسَّ الأخلاقي، وتنضبُ فيه الطاقةُ الروحية. وعادة ما يتحوّل التديّنُ الشعبوي إلى سلعةٍ يتداولها الأفرادُ لامتلاكِ رصيدٍ يُعلي من مكانةِ ودورِ الفرد في الجماعة، وترسّخ بواسطته المؤسّساتُ حضورَها المجتمعي، لذلك يدخل سوقَ مزايدات مبتذلة أحيانًا. التديّنُ بهذا النمط يعني أن الشخصَ الذي يبحث عن دورٍ ومكانةٍ في الجماعة لابدّ أن ينخرطَ في مهرجانات الشعائر، فكلّما كان حضورُه فيها أكثرَ صار أكثرَ تديّنًا، على وفق معايير السوق الدينية لهذا التديّنِ، واكتسب بذلك مكانةً استثنائيةً عند الجمهور، ووجاهةً اجتماعيةً مرموقة، ومقامًا دينيًا رفيعًا.
تبرعُ أكثرُ السلطات السياسية وبعضُ المؤسّسات الدينية في تكريسِ التديّن الشعبويّ، واستغلالِه لأغراضٍ على الضدِّ من وظيفة الدين الحقيقية، فيُتخَذُ التديّنُ وسيلةً للاستحواذ على السلطة والثروة. إنه ضربٌ من تنويم العقل وتفشي الجهل الذي يتخذ من الدين غطاء، لذلك تتشوّه فيه براءةُ الروح، ولا تتجلّى فيه عفويةُ وطهارةُ النمط العفوي للتديّن الشعبيّ. وعادةً لا يخلو التديّنُ الشعبويّ من افتعالٍ يتولاه دجالون يضلّلون الناسَ لغايات غيرِ سامية، يمتلكون وسائلَ بارعة في تجييشِ مشاعر الناس، وإذكاءِ انفعالاتهم النفسية، والإفراطِ في استغلالِ المقدّس لتغذيةِ هذه الانفعالات وتفجيرِها متى شاؤوا. يسرف من يضلّلون الناسَ لغايات غيرِ سامية في إنتاجِ شعائر لم ترد في النصوص الدينية المعروفة، ولم يعرفها الناس من قبل، ويوظفون لترويجها مختلفَ وسائل التأثير على الرأي العام، ويختلقون من أجل زجِّ الناس فيها شائعاتٍ تثير الرغبةَ والشغفَ للانخراط فيها، تتناغم وأذواقَ عامة الناس، وتوقد مشاعرَهم، وتثير حساسياتِهم النفسية، وتفجّر ذاكرتَهم الطائفيةَ الجريحة.
د. عبدالجبار الرفاعي
التديّن الشعبي تديّنٌ عفويّ برئ، يتوارثه الناسُ جيلًا بعد جيل منذ عصر الرسالة. وهذا التديّنُ متصالحٌ مع طرائقِ عيشهم وطبيعةِ حياتهم، ولا يجدون تناشزًا فيه مع فنونِهم الشعبية وفلكلورِهم، ولا يشكّل عبئًا على علاقاتهم بمحيطهم، ولا يفرض عليهم سلوكًا متشدّدًا في علاقاتهم الاجتماعية بالمُختلِف في الدين أو المذهب أو الهوية أو الثقافة. لا تحضر في التديّن الشعبي التدقيقاتُ الفقهيةُ التفصيلية، وفتاوى الاحتياط بالجمع بين الحكم الترخيصي والأصلي، مثل الجمع بين القصر والتمام والصوم والقضاء في السفر. إنه تديّنٌ لا يعرف التشدّدَ والمبالغةَ في الاحتياط، يؤدي المتديّنُ فيه الصلاةَ والصومَ والفرائضَ المتفاعلةَ مع الثقافة المحلية. حدودُ التسامحِ، في هذا النمطِ من التديّن، ليست ضيقةً في التعامل مع المُختلِف في الدين والمعتقد والمذهب.
لكن التديّنَ الشعبيّ طالما وقع ضحيةً للجهل، وافترسته الخرافة، لأن الأميةَ والفقرَ والمرضَ لا تغادر مواطنَ الجماعاتِ الشعبية في القرى والأرياف والأحياء الفقيرة وأحزمة البؤس في المدن، وهذه العوامل تمثّل بيئةً خصبةً لظهور الخرافات والمعتقدات الغرائبية. وعلى الرغم من نفحاتِ الروح الرحيمة في هذا التديّن وحضورِ الأخلاقيات، لكن يلتبس أحيانًا في هذا التديّن ما هو أخلاقيّ بما هو شكليّ، ويصعب على الناس التمييزُ بين الدينيّ والدنيويّ والمقدّس وغيرِه، لذلك تتسع دائرةُ المقدّس باستمرار، لتستوعبَ غيرَ المقدّس وتدمجه في فضائها.
وتمثّل هذه الجماعاتُ بيئةً ملائمةً لولادةِ شكلٍ آخر من التديّن وتغلغلِه في مجالات حياتها المختلفة، وهو ما نعبّر عنه بـ "التديّن الشعبويّ"، والذي هو نمطُ تديّنٍ شكلي ذرائعيّ، يظهرُ في مختلفِ الأديان، لكنه ينشط كلّما تبلّد العقلُ أكثر، واشتدَّ تزييفُ الوعي، بعد أن يحدث انزياحٌ للتديّن عن مجاله، وترحيلٌ لوظيفتِه، فبدلًا من توظيف الدين في بناءِ الحياة الروحية، وإيقاظِ الضمير الأخلاقي، تصبح الشعائرُ المُفتعَلةُ، لأغراضٍ لا صلةَ لها بوظيفة الدين الروحية والأخلاقية، هي محورُ التديّن، ويحدث تطابقٌ بين مفهومِ التديّن ومصاديقِ هذا النوع من الشعائر المُفتعَلةُ، ويفتقدُ هذا التديّنُ الحسَّ الأخلاقي، وتنضبُ فيه الطاقةُ الروحية. وعادة ما يتحوّل التديّنُ الشعبوي إلى سلعةٍ يتداولها الأفرادُ لامتلاكِ رصيدٍ يُعلي من مكانةِ ودورِ الفرد في الجماعة، وترسّخ بواسطته المؤسّساتُ حضورَها المجتمعي، لذلك يدخل سوقَ مزايدات مبتذلة أحيانًا. التديّنُ بهذا النمط يعني أن الشخصَ الذي يبحث عن دورٍ ومكانةٍ في الجماعة لابدّ أن ينخرطَ في مهرجانات الشعائر، فكلّما كان حضورُه فيها أكثرَ صار أكثرَ تديّنًا، على وفق معايير السوق الدينية لهذا التديّنِ، واكتسب بذلك مكانةً استثنائيةً عند الجمهور، ووجاهةً اجتماعيةً مرموقة، ومقامًا دينيًا رفيعًا.
تبرعُ أكثرُ السلطات السياسية وبعضُ المؤسّسات الدينية في تكريسِ التديّن الشعبويّ، واستغلالِه لأغراضٍ على الضدِّ من وظيفة الدين الحقيقية، فيُتخَذُ التديّنُ وسيلةً للاستحواذ على السلطة والثروة. إنه ضربٌ من تنويم العقل وتفشي الجهل الذي يتخذ من الدين غطاء، لذلك تتشوّه فيه براءةُ الروح، ولا تتجلّى فيه عفويةُ وطهارةُ النمط العفوي للتديّن الشعبيّ. وعادةً لا يخلو التديّنُ الشعبويّ من افتعالٍ يتولاه دجالون يضلّلون الناسَ لغايات غيرِ سامية، يمتلكون وسائلَ بارعة في تجييشِ مشاعر الناس، وإذكاءِ انفعالاتهم النفسية، والإفراطِ في استغلالِ المقدّس لتغذيةِ هذه الانفعالات وتفجيرِها متى شاؤوا. يسرف من يضلّلون الناسَ لغايات غيرِ سامية في إنتاجِ شعائر لم ترد في النصوص الدينية المعروفة، ولم يعرفها الناس من قبل، ويوظفون لترويجها مختلفَ وسائل التأثير على الرأي العام، ويختلقون من أجل زجِّ الناس فيها شائعاتٍ تثير الرغبةَ والشغفَ للانخراط فيها، تتناغم وأذواقَ عامة الناس، وتوقد مشاعرَهم، وتثير حساسياتِهم النفسية، وتفجّر ذاكرتَهم الطائفيةَ الجريحة.
في هذا النمط من التديّن يلتبس مفهومُ المقدّس، فيجري تقديسُ غيرِ المقدّس، ويُنسى المقدّسُ. إنه تديّنٌ تفترسه الوثنيةُ والخرافة، وهو أشبه بالشعوذة منه بالتديّن. ويستهلك في هذا النمط من التديّن ما هو شكليّ كلَّ ما هو أخلاقي، وتنضب منابعُ إلهام الروح فيه. في هذا التديّن يزحف المقدّسُ على ما هو دنيويّ فتتقدّس أشياءُ وأيامُ وأماكنُ غيرُ مقدّسةٍ بمرور الزمان، وتتفشّى ظاهرةُ تقديس أشخاصٍ لا يمتلكون الحدَّ الأدنى من طهارةِ الروح وسلامةِ القلب وصحوةِ الضميرِ الأخلاقي. ويجهض هذا النوعُ من التديّن محاولاتِ إحياء الحياة الروحية، والتربيةَ على القيم الأصيلة، وبناءَ التفكير العقلاني. التديّنُ الشعبويّ يصيّر العقلَ رميمًا، ولا يضع المقدّسَ في حدوده إلّا العقلُ. إذا لم يضع العقلُ حدودًا للمقدّس يمسي كثيرٌ من الأشياء غيرِ المقدّسة أوثانًا، بل يمسي المقدّس وثنًا. وكلّما اتسع تقديسُ غير المقدّس انحطت مكانةُ الإنسان، وأُهدرت كرامتُه، وانطفأ ضميرُه الأخلاقي، وتشوهّت حياتُه الروحية، وتبلّدت حاستُه الجمالية، ودخلَ عقلُه حالةَ سبات.
وهناك نمطٌ آخر من التديّن وهو التديّن السياسي، ظهر منذ تأسيس الأخوان المسلمين سنة 1928، وتعزّز حضورُه لدى الجماعات الدينية التي نشأت بعد ذلك، وهو تديّنٌ مسكونٌ بالسياسة، لذلك يقترنُ بالسعي للاستحواذِ على الدولة والسلطة والثروة. وهو ضربٌ من التديّنِ استبدت الغايةُ السياسيةُ للدينِ في أدبياتِاته وثقافته وما تنشده أحلامُه، فحجبت المنخرطين فيه عن تبصّرِ أيّ أفق روحي وأخلاقي وجمالي للمعنى الديني خارجَ هذه الغاية. لذلك لا يعبأ هذا التديّن كثيرًا بالقيم والحياة الروحية، ويحرص على الشكل، ولا يهتمُّ بمضمونِ الشريعة ومقاصدِها.
لقد تفشّى هذا الشكلُ من التديّن لدى الجماعاتِ الدينيةِ في نصفِ القرن الأخير، بعد أن غادروا المرحلةَ السريّةَ في عهد الأنظمةِ القمعيةِ، وتخلّصوا من بطش الحكّام المستبدّين، وتفاقمَ بشكل مخيف بعد وصول هذه الجماعات للسلطة. وينكشف ما هو مُضمَرٌ في هذا التديّن لحظةَ تستحوذُ هذه الجماعاتُ على السلطة، إذ يفتقرُ تديّنُ بعض رجال السلطة من أتباعها إلى الأخلاق، ويتراجع حضورُ الحسِّ الدينيّ لدى أكثر من يحتل موقعًا في السلطة، بالشكل الذي يمنعه من تجاوز الحدود التي يسمح بها القانونُ والأخلاقُ والشريعةُ.
وبغيةَ الاحتفاظ برصيده الديني في الجماعة التي ينتمي إليها يحرص رجلُ السلطةِ على تبرير سلوكه ومواقفه من خلال اللجوء إلى الحيلِ الفقهية، وفتاوى "مجهول المالك"، وكلِّ ما يسوّغ له الاستحواذَ على المال العام، فيتخذها قناعًا يختفي سلوكُه اللامشروعُ خلفَه.
تحرص الجماعاتُ الدينيةُ في تربية أفرادها على التمسّك الحرفيّ بالأحكام الفقهية، لأنها لا ترى حدودًا للإسلام خارجَ المدونة الفقهية، وتشدّد في أدبياتها على ما يخصّ الفكر السياسي، والتكييفَ الفقهي للسياسة والإدارة والاقتصاد والمصارف والمؤسسات المتنوعة في الدولة.
وينتج عن اقترانِ التربية في هذا التديّن بالتخويف، حالاتُ حذرٍ وتوجّسٍ وسوءِ ظن بالآخر، لذلك تضمحلّ فيه منابعُ محبةِ الناس والعفو والغفران والرحمةِ في التعامل معهم، بل يتحول أحيانًا إلى بيئةٍ لنموّ نزعاتِ الكراهية.
حدودُ التسامحِ ضيقةٌ في هذا النمطِ من التديّن، فهو غالبًا لا يعرف حقَّ الإنسان في الخطأ، ولم يتكرّس في تقاليد التربية في هذا التديّن الحقُّ في الاختلاف، لذلك لا يستطيع أغلب الأشخاص الذين يتمسكون بهذا النوع من التديّن تحمّلَ أصحاب المعتقدات الأخرى، ويتعذّر على كثيرٍ منهم العملُ مع من يختلف معه في رؤيته للعالم، ويصعب عليهم قبولُ التفكير الذي لا يتطابق مع تفكيرهم، لذلك نجدهم عندما يتحدثون عن المُختلِف يسود لغتَهم تخويفٌ منه، وتحذيرٌ من دسائسه ومكائده ومؤمراته. يعيشُ الشبابُ المنخرطون في هذا التديّن حالةَ توجسٍ من المختلف، بنحوٍ يصابُ فيه بعضُهم بالشلل النفسي في إدارة علاقاته خارج جماعته. وأحيانًا تصلُ الحالةُ عند بعض أفراده إلى أن يتحولَ هجاءُ المُختلِف واتهامُه إلى مهنته الأبدية، بل ربما يشعرُ أن استمرارَ حضوره في العالَم يقترنُ بهجاءِ المُختلِف والانشغالِ به، من دون أن ينشغلَ هو بنفسِه وإصلاحِ أحواله. وتشيع بين أفراده كتاباتٌ تضع المسلمَ في مواجهة أبدية مع العالم ، ونتيجةً لانتشارِ هذه الكتابات وتأثيرِها الشديد يولد موقفٌ عدائيّ من كلِّ ما ينتمي للغرب الحديث، ويمتدّ ليشمل مختلفَ العلوم والفنون والآداب وكلَّ ما يمثّل معارفَ الحداثة وقيمَها ومكاسبَها. ومن الطريف أن بعضَ أشدِّ الكتاب مناهضةً لقيم الحداثة ومعارفها يقيمون في الغرب، ويحملون جنسياتِه منذ سنوات طويلة، ويتشبّثون بكلِّ الحقوق والحريات التي منحتها لهم الحداثةُ السياسيةُ والأنظمةُ الديمقراطية في الدول الغربية.
وهناك نمطٌ آخر من التديّن وهو التديّن السياسي، ظهر منذ تأسيس الأخوان المسلمين سنة 1928، وتعزّز حضورُه لدى الجماعات الدينية التي نشأت بعد ذلك، وهو تديّنٌ مسكونٌ بالسياسة، لذلك يقترنُ بالسعي للاستحواذِ على الدولة والسلطة والثروة. وهو ضربٌ من التديّنِ استبدت الغايةُ السياسيةُ للدينِ في أدبياتِاته وثقافته وما تنشده أحلامُه، فحجبت المنخرطين فيه عن تبصّرِ أيّ أفق روحي وأخلاقي وجمالي للمعنى الديني خارجَ هذه الغاية. لذلك لا يعبأ هذا التديّن كثيرًا بالقيم والحياة الروحية، ويحرص على الشكل، ولا يهتمُّ بمضمونِ الشريعة ومقاصدِها.
لقد تفشّى هذا الشكلُ من التديّن لدى الجماعاتِ الدينيةِ في نصفِ القرن الأخير، بعد أن غادروا المرحلةَ السريّةَ في عهد الأنظمةِ القمعيةِ، وتخلّصوا من بطش الحكّام المستبدّين، وتفاقمَ بشكل مخيف بعد وصول هذه الجماعات للسلطة. وينكشف ما هو مُضمَرٌ في هذا التديّن لحظةَ تستحوذُ هذه الجماعاتُ على السلطة، إذ يفتقرُ تديّنُ بعض رجال السلطة من أتباعها إلى الأخلاق، ويتراجع حضورُ الحسِّ الدينيّ لدى أكثر من يحتل موقعًا في السلطة، بالشكل الذي يمنعه من تجاوز الحدود التي يسمح بها القانونُ والأخلاقُ والشريعةُ.
وبغيةَ الاحتفاظ برصيده الديني في الجماعة التي ينتمي إليها يحرص رجلُ السلطةِ على تبرير سلوكه ومواقفه من خلال اللجوء إلى الحيلِ الفقهية، وفتاوى "مجهول المالك"، وكلِّ ما يسوّغ له الاستحواذَ على المال العام، فيتخذها قناعًا يختفي سلوكُه اللامشروعُ خلفَه.
تحرص الجماعاتُ الدينيةُ في تربية أفرادها على التمسّك الحرفيّ بالأحكام الفقهية، لأنها لا ترى حدودًا للإسلام خارجَ المدونة الفقهية، وتشدّد في أدبياتها على ما يخصّ الفكر السياسي، والتكييفَ الفقهي للسياسة والإدارة والاقتصاد والمصارف والمؤسسات المتنوعة في الدولة.
وينتج عن اقترانِ التربية في هذا التديّن بالتخويف، حالاتُ حذرٍ وتوجّسٍ وسوءِ ظن بالآخر، لذلك تضمحلّ فيه منابعُ محبةِ الناس والعفو والغفران والرحمةِ في التعامل معهم، بل يتحول أحيانًا إلى بيئةٍ لنموّ نزعاتِ الكراهية.
حدودُ التسامحِ ضيقةٌ في هذا النمطِ من التديّن، فهو غالبًا لا يعرف حقَّ الإنسان في الخطأ، ولم يتكرّس في تقاليد التربية في هذا التديّن الحقُّ في الاختلاف، لذلك لا يستطيع أغلب الأشخاص الذين يتمسكون بهذا النوع من التديّن تحمّلَ أصحاب المعتقدات الأخرى، ويتعذّر على كثيرٍ منهم العملُ مع من يختلف معه في رؤيته للعالم، ويصعب عليهم قبولُ التفكير الذي لا يتطابق مع تفكيرهم، لذلك نجدهم عندما يتحدثون عن المُختلِف يسود لغتَهم تخويفٌ منه، وتحذيرٌ من دسائسه ومكائده ومؤمراته. يعيشُ الشبابُ المنخرطون في هذا التديّن حالةَ توجسٍ من المختلف، بنحوٍ يصابُ فيه بعضُهم بالشلل النفسي في إدارة علاقاته خارج جماعته. وأحيانًا تصلُ الحالةُ عند بعض أفراده إلى أن يتحولَ هجاءُ المُختلِف واتهامُه إلى مهنته الأبدية، بل ربما يشعرُ أن استمرارَ حضوره في العالَم يقترنُ بهجاءِ المُختلِف والانشغالِ به، من دون أن ينشغلَ هو بنفسِه وإصلاحِ أحواله. وتشيع بين أفراده كتاباتٌ تضع المسلمَ في مواجهة أبدية مع العالم ، ونتيجةً لانتشارِ هذه الكتابات وتأثيرِها الشديد يولد موقفٌ عدائيّ من كلِّ ما ينتمي للغرب الحديث، ويمتدّ ليشمل مختلفَ العلوم والفنون والآداب وكلَّ ما يمثّل معارفَ الحداثة وقيمَها ومكاسبَها. ومن الطريف أن بعضَ أشدِّ الكتاب مناهضةً لقيم الحداثة ومعارفها يقيمون في الغرب، ويحملون جنسياتِه منذ سنوات طويلة، ويتشبّثون بكلِّ الحقوق والحريات التي منحتها لهم الحداثةُ السياسيةُ والأنظمةُ الديمقراطية في الدول الغربية.
في تقاليد هذا التديّن يعجزُ أكثرُ الأفراد عن بناء الذات، لأنهم يستهلكون كلَّ طاقتهم بمعارك أكثرُها مُفتعَلٌ مع المُختلِف، وتبعًا لذلك يعجزون عن بناءِ العقول والأرواح والضمائر والأوطان.
وهناك نمطٌ آخر للتديّن يتمحور حول الفتاوى الواردةِ في المدونة الفقهية، ويهتمُّ بتطبيق الفتاوى حرفيًا على كلِّ واقعة في الحياة الشخصية والاجتماعية، تُختزَل في هذا التديّن الشريعةُ بالفقه، ولا يكترثُ كثيرًا بتربية الروحِ، وترسيخ الضميرِ الأخلاقي، وتنميةِ الذوقِ الفنيّ، وإلهامِ الحسِّ الجمالي، مادام المتديّنُ مُلتزِمًا بتطبيق الفتوى على الواقعة الحياتية. نجد أحيانًا في هذا النمطِ من التديّن ما هو أخلاقي، لكن طالما صار هذا التديّنُ غطاءً للتديّن الشكلي.
لا يشدّدُ هذا التصنيفُ للتديّن على أن كلَّ نمطٍ من أنماطه المذكورة مستقلٌ بذاته ولا يلتبسُ بغيره، فالتديّن الشعبي يتداخل أحيانًا بما هو شعبوي، والتديّنُ الشعبوي أوضحُ مثال للتديّنِ الشكلي، وأحيانًا يكونُ التديّنُ السياسي مثالًا للتديّن الشكلي.
كما يشير تصنيفُنا لأنماط التديّن إلى أن الدينَ يتخذُ شكلَ المحيط المجتمعي الذي يحلُّ فيه، ويصطبغُ بنوع الشخصية البشرية وطبيعةِ العمران ومختلف الظروف التي يعيشها الناس. الدينُ مثلما يؤثّرُ في حياة الناس يتأثرُ بثقافاتِهم وتقاليدِهم وطرائقِ عيشهم. وهذا يعني أن حضورَ الدين بالشكل الذي يكون معه فاعلًا إيجابيًا في البناء والتنمية يتوقفُ على نمطِ تديّنٍ مُلهِمٍ للروح والضمير الأخلاقي والحسّ الجمالي، ويرتبطُ ذلك عضويًا بإعادةِ بناءِ أنظمة التربية والتعليم في ضوء مكاسب العلوم والمعارف الحديثة، والاهتمامِ بالقيم الكونية المشتركة بين البشر، وخلقِ وعي جديدٍ مواكبٍ للتحولات الكبرى في العالم.
http://www.islammaghribi.com/2019/05/09/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AF%D9%8A%D9%91%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AF%D9%8A%D9%91%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%88%D9%8A/
وهناك نمطٌ آخر للتديّن يتمحور حول الفتاوى الواردةِ في المدونة الفقهية، ويهتمُّ بتطبيق الفتاوى حرفيًا على كلِّ واقعة في الحياة الشخصية والاجتماعية، تُختزَل في هذا التديّن الشريعةُ بالفقه، ولا يكترثُ كثيرًا بتربية الروحِ، وترسيخ الضميرِ الأخلاقي، وتنميةِ الذوقِ الفنيّ، وإلهامِ الحسِّ الجمالي، مادام المتديّنُ مُلتزِمًا بتطبيق الفتوى على الواقعة الحياتية. نجد أحيانًا في هذا النمطِ من التديّن ما هو أخلاقي، لكن طالما صار هذا التديّنُ غطاءً للتديّن الشكلي.
لا يشدّدُ هذا التصنيفُ للتديّن على أن كلَّ نمطٍ من أنماطه المذكورة مستقلٌ بذاته ولا يلتبسُ بغيره، فالتديّن الشعبي يتداخل أحيانًا بما هو شعبوي، والتديّنُ الشعبوي أوضحُ مثال للتديّنِ الشكلي، وأحيانًا يكونُ التديّنُ السياسي مثالًا للتديّن الشكلي.
كما يشير تصنيفُنا لأنماط التديّن إلى أن الدينَ يتخذُ شكلَ المحيط المجتمعي الذي يحلُّ فيه، ويصطبغُ بنوع الشخصية البشرية وطبيعةِ العمران ومختلف الظروف التي يعيشها الناس. الدينُ مثلما يؤثّرُ في حياة الناس يتأثرُ بثقافاتِهم وتقاليدِهم وطرائقِ عيشهم. وهذا يعني أن حضورَ الدين بالشكل الذي يكون معه فاعلًا إيجابيًا في البناء والتنمية يتوقفُ على نمطِ تديّنٍ مُلهِمٍ للروح والضمير الأخلاقي والحسّ الجمالي، ويرتبطُ ذلك عضويًا بإعادةِ بناءِ أنظمة التربية والتعليم في ضوء مكاسب العلوم والمعارف الحديثة، والاهتمامِ بالقيم الكونية المشتركة بين البشر، وخلقِ وعي جديدٍ مواكبٍ للتحولات الكبرى في العالم.
http://www.islammaghribi.com/2019/05/09/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AF%D9%8A%D9%91%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AF%D9%8A%D9%91%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%88%D9%8A/
الدكتور طيب تيزيني
عبدالجبار الرفاعي
رحل أمس عن عالمنا الصديق العزيز د. طيب تيزيني، الذي قرأت أعماله مبكرا، لكني تعرفت عليه في مؤتمر جمعنا في جبيل بلبنان قبل سنوات، ودام التواصل الأخوي بيننا... طيب تيزيني رحمه الله مفكر أخلاقي صادق، غيور على الناس، يفرض عليك أدبه وتهذيبه أن تنجذب إليه وتبجله وتتشيث بصداقته، لأنه كنز أخلاقي وفكري يقل أمثاله اليوم. رأيته يجهش بالبكاء وهو يتحدث عن مأساة وطنه بمرارة وحرقة، فكانت دموعه تتحدث بما لم تتسع له كلماته، رأيت دموعه أبلغ من كلماته... يفرض طيب تيزيني على القارئ الخبير أن يحترم كتاباته ويعجب باجتهاداته، وإن كان لا يتفق مع منهجه، وبعض مفاهيمه وأدواته ونتائج اجتهاداته، لأنه من المفكرين العرب النادرين في هذا العصر الذين برعوا في كتابة المتون، ولم يغرقوا في الهوامش والشروح... طيب تيزيني باحث عميق، تعلَّمَ في أفضل جامعات ألمانيا، وهو يتقن عدة لغات، لا يعرف الكسلُ إلى حياته طريقًا، أنجز اطروحة الدكتوراه بعنوان: "تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة"، ونشرت بالألمانية عام 1972. وتلخص هذه الاطروحة رؤيته للماضي ومنهجه الجدلي في اعادة قراءة التراث من منظور مختلف، والذي أصدر خارطته الأولى عام 1971 بعنوان: "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط"، وتوالت طبعاته بعد ذلك. وأشار في مقدمته إلى أن هذا المشروع سلسلة تتألف من 12 جزءا، وفقًا لتحقيب اقترحه لنشاة وتشكل التراث وصيروته عبر التاريخ. وأصدر منها: "الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى" 1982، و"من يهوه إلى الله" 1985، و"مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر" 1994، ثم أصدر عدة مؤلفات بعد ذلك، مثل: "النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة" 1997... حاوره مدير تحرير مجلة قضايا اسلامية معاصرة د. محمد حسين الرفاعي حوارًا موسعًا، ونشرنا الحوار في العدد 61-62 الصادر في عام 2015، وقد تحدث بالتفصيل عن رؤيته الخاصة في تطبيق: "الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص الدينية"... لن يموت صوت طيب تيزيني وكل صوت حر، مادام في الأرض ضمير حي وفكر حر، ينشد ايقاظ عقل الإنسان وتحريره من كل أشكال الاستعباد.
http://www.almothaqaf.com/a/memoir02/936967
عبدالجبار الرفاعي
رحل أمس عن عالمنا الصديق العزيز د. طيب تيزيني، الذي قرأت أعماله مبكرا، لكني تعرفت عليه في مؤتمر جمعنا في جبيل بلبنان قبل سنوات، ودام التواصل الأخوي بيننا... طيب تيزيني رحمه الله مفكر أخلاقي صادق، غيور على الناس، يفرض عليك أدبه وتهذيبه أن تنجذب إليه وتبجله وتتشيث بصداقته، لأنه كنز أخلاقي وفكري يقل أمثاله اليوم. رأيته يجهش بالبكاء وهو يتحدث عن مأساة وطنه بمرارة وحرقة، فكانت دموعه تتحدث بما لم تتسع له كلماته، رأيت دموعه أبلغ من كلماته... يفرض طيب تيزيني على القارئ الخبير أن يحترم كتاباته ويعجب باجتهاداته، وإن كان لا يتفق مع منهجه، وبعض مفاهيمه وأدواته ونتائج اجتهاداته، لأنه من المفكرين العرب النادرين في هذا العصر الذين برعوا في كتابة المتون، ولم يغرقوا في الهوامش والشروح... طيب تيزيني باحث عميق، تعلَّمَ في أفضل جامعات ألمانيا، وهو يتقن عدة لغات، لا يعرف الكسلُ إلى حياته طريقًا، أنجز اطروحة الدكتوراه بعنوان: "تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة"، ونشرت بالألمانية عام 1972. وتلخص هذه الاطروحة رؤيته للماضي ومنهجه الجدلي في اعادة قراءة التراث من منظور مختلف، والذي أصدر خارطته الأولى عام 1971 بعنوان: "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط"، وتوالت طبعاته بعد ذلك. وأشار في مقدمته إلى أن هذا المشروع سلسلة تتألف من 12 جزءا، وفقًا لتحقيب اقترحه لنشاة وتشكل التراث وصيروته عبر التاريخ. وأصدر منها: "الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى" 1982، و"من يهوه إلى الله" 1985، و"مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر" 1994، ثم أصدر عدة مؤلفات بعد ذلك، مثل: "النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة" 1997... حاوره مدير تحرير مجلة قضايا اسلامية معاصرة د. محمد حسين الرفاعي حوارًا موسعًا، ونشرنا الحوار في العدد 61-62 الصادر في عام 2015، وقد تحدث بالتفصيل عن رؤيته الخاصة في تطبيق: "الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص الدينية"... لن يموت صوت طيب تيزيني وكل صوت حر، مادام في الأرض ضمير حي وفكر حر، ينشد ايقاظ عقل الإنسان وتحريره من كل أشكال الاستعباد.
http://www.almothaqaf.com/a/memoir02/936967
Almothaqaf
الدكتور طيب تيزيني
المثقف، صحيفة ثقافية – سياسية، تصدر عن مؤسسة المثقف
الكتابة بوصفها فن الحذف والاختزال
عبدالجبار الرفاعي
منذ بدأتُ الكتابة مازلت أتهيّب الكتابة، ففي كل مرة أقرر أن أكتب أحاول الهروب، وغالباً ألتمس الأعذار بانشغالي، وندرة ما يتوافر لدي من وقت فائض اُخصصه للكتابة، وربما هربت إلى حيل نفسية، تنقذني من مأزق "هلع الكتابة". كنت أحسب أني مصاب بشلل في الإرادة، وأني أنفرد بذلك، غير أني اكتشفت أن معظم الكتاب الجادين يعانون من ذلك، ولعل من أعنف توصيفات وجع الكتابة ما تحدثتْ عنه الأديبة آني إيرنو، بأن "الكتابة كخنجر"[1]، أو قول إرنست همنغواي عندما سُئل عن أفضل تدريب فكري لمن يريد أن يصبح كاتباً، فأجاب: "إن عليه أن يذهب ويشنق نفسه، لأنه سيجد أن الكتابة صعبة إلى درجة الاستحالة. ثم ينزل عن المشنقة، ويفرض هو على نفسه أن يكتب على أفضل ما يستطيع للبقية الباقية من عمره. عندها ستكون لديه قصة شنقه كبداية"[2].
يبدو أن هروبي وغيري من الكتابة يكشف عن شعور غاطس في الوجدان، من خشية الفشل في إنتاج نصٍّ يرضي القراء، ويمنحنونه اعترافهم، مثلما يخشى الفشل كلُّ شخص يباشر عملاً نوعياً في حياته، فيحترز ويحذر كثيراً، قبل أن يقدم على أية خطوة في إنجازه.
لا شكَّ أن طلب الكمال، والرغبة بالظفر بمنجز فائق الجودة، والمبالغة في التهيب من الوقوع في مغامرة الأفعال الصعبة، يصبح أحياناً عائقاً يمنعنا من الإنجاز، ويقعدنا عن المباشرة بالعمل، أو يعطلنا في منتصف الطريق عن الاصرار على المضي فيه، حتى جني الثمرة. في حالة كهذه لا ينجح إلاّ أولئك المغامرون، ممن لا يتهيبون الاقتحام، ولا يترددون في الاقدام على أي عمل، مهما كان شاقاً وخطيراً، فإن الأعمال الخطيرة لا تنجزها إلاّ الهمم والعزائم الكبيرة.
يسألني الكثير من تلامذتي عن: كيف يمكنهم تعلم الكتابة، وعن مجموعة القواعد والمعايير والوسائل التي تمنحك تلك الموهبة؟ وعادة ما أجيبهم أن ليست ثمة قواعد ووسائل صارمة تقودهم إلى احتراف الكتابة. بل طالما كررت أنه "كما الاقتصاد سياسة مكثفة، كذلك الكتابة مطالعة مكثفة". فمن دون تراكم قراءات متنوعة متواصلة ليس بوسعنا أن نكتب ماهو مفيد. في القراءة أيضاً علينا أن ندرك ألا كتاب حقيقياً يُغني عن بقية الكتب، وأن ليس هناك كاتب تغني مطالعة آثاره عن آثار كلّ الكتّاب.
الكتّاب الجيدون قرّاء جيدون، مالم تكن قارئاً نهماً لا تكف عن ملاحقة كل ما هو هام من إنتاج فكري وأدبي، لا يمكنك أن تكتب ما هو هام ومميز، خاصة مطالعة ما يتصل بالمجال الذي تتمحور اهتماماتك فيه.
يمكننا العثور على أحد أهم مفاتيح دراسة تقدم اليابان في: كثافة القراءة، وشغف المجتمع بمطاردة المعلومة، وولعه المزمن باكتشاف المجهولات، وصمته المتأمل الطويل، الذي يبوح بكلام أعمق وأدق من: صخب السياسيين، وثرثرات وعاظ السلاطين، وضوضاء المعلمين، وضجيج الدارسين.
طالعت قبل سنوات عديدة، أن الصحافة في اليابان توزع يومياً ما يُقارب تسعين مليون نسخة. ومن الطريف أن اليابانيين وضعوا في إحدى الساحات المعروفة، تمثالاً لرجل يمسك بكتاب، وهو يقول: "إن وزنك بعدد ما قرأت من كتب، لا بعدد الكيلوغرامات التي تمتلكها".
لا تبدأ #الكتابة من الصفر. لا يبدأ من الصفر إلا الصفر.كل كتابة جادة هي نحو استيعاب وهضم وتركيب لبناء جديد، يتسع نسيج الكتابة لاستيعاب شيء من كتابات سابقة، مُعاد ابتكارها. الكتابة تتخلق باستمرار في صيرورة جدلية، تتمثل ابتكار السابق، وتعيد خلق اللاحق.
الكتب الخالدة هي خلاصة خصبة جداً لمكتبات كاملة، تم استيعابها وهضمها وتمثلها، وإعادة سبكها وتكوينها في مركّب مختلف، لا يَتَلَمّس مرجعياته والمناهل التي استقى منها إلاّ أولئك الخبراء من القراء.
ولا أعني بذلك المحاكاة التقريرية، أو سلخ أعمال الآخرين وانتحال كتاباتهم، أو ترجمة نصوص من لغة ثانية ونسبتها إليه، والبراعة في محو الأصول، وإخفاء آثار الانتحال والترجمة. بل أعني أن النص الجديد للكاتب هو مخلوق جديد، لا يشبه منابع إلهامه، ولا يحاكي مطالعات الكاتب، أو يستنسخها ويتطابق معها. أي أن كتابته هي نحو تفاعلِ مجموعةِ عناصرَ لتنتج مركّباً جديداً لا يشبهها، إنها بمثابة إنتاج مركب صناعي من عدة عناصر، لا يعود يشبهها في صفاته ووظيفته، كما هو تركيب الماء، من الأوكسجين والهيدروجين.
في الكتب الخالدة كلُّ صفحة تختزل ألفَ صفحة، كلُّ عبارة تختزل ألفَ عبارة، كلُّ كلمة تختزل ألفَ كلمة. لا تبدأ أية كتابة من الصفر، ففي كل نص ترقد الكثير من النصوص. في كل كتاب ترقد الكثير من الكتب. يتوالد كل نص مما يختزنه الكاتب من نصوص مسبقة. في كل نص تترسب نصوص عديدة متنوعة، تحيل إلى مطالعات الكاتب.كما أنه: قبل كل تفسيرٍ تفسيرٌ قبلي، قبل كل تأويلٍ تأويلٌ قبلي، قبل كل فهمٍ فهمٌ قبلي، أيضاً قبل كل نصٍّ نصٌ قبلي.
#عبدالجبار_الرفاعي
اقرأ تتمة المقال على هذا الرابط:
https://al-aalem.
عبدالجبار الرفاعي
منذ بدأتُ الكتابة مازلت أتهيّب الكتابة، ففي كل مرة أقرر أن أكتب أحاول الهروب، وغالباً ألتمس الأعذار بانشغالي، وندرة ما يتوافر لدي من وقت فائض اُخصصه للكتابة، وربما هربت إلى حيل نفسية، تنقذني من مأزق "هلع الكتابة". كنت أحسب أني مصاب بشلل في الإرادة، وأني أنفرد بذلك، غير أني اكتشفت أن معظم الكتاب الجادين يعانون من ذلك، ولعل من أعنف توصيفات وجع الكتابة ما تحدثتْ عنه الأديبة آني إيرنو، بأن "الكتابة كخنجر"[1]، أو قول إرنست همنغواي عندما سُئل عن أفضل تدريب فكري لمن يريد أن يصبح كاتباً، فأجاب: "إن عليه أن يذهب ويشنق نفسه، لأنه سيجد أن الكتابة صعبة إلى درجة الاستحالة. ثم ينزل عن المشنقة، ويفرض هو على نفسه أن يكتب على أفضل ما يستطيع للبقية الباقية من عمره. عندها ستكون لديه قصة شنقه كبداية"[2].
يبدو أن هروبي وغيري من الكتابة يكشف عن شعور غاطس في الوجدان، من خشية الفشل في إنتاج نصٍّ يرضي القراء، ويمنحنونه اعترافهم، مثلما يخشى الفشل كلُّ شخص يباشر عملاً نوعياً في حياته، فيحترز ويحذر كثيراً، قبل أن يقدم على أية خطوة في إنجازه.
لا شكَّ أن طلب الكمال، والرغبة بالظفر بمنجز فائق الجودة، والمبالغة في التهيب من الوقوع في مغامرة الأفعال الصعبة، يصبح أحياناً عائقاً يمنعنا من الإنجاز، ويقعدنا عن المباشرة بالعمل، أو يعطلنا في منتصف الطريق عن الاصرار على المضي فيه، حتى جني الثمرة. في حالة كهذه لا ينجح إلاّ أولئك المغامرون، ممن لا يتهيبون الاقتحام، ولا يترددون في الاقدام على أي عمل، مهما كان شاقاً وخطيراً، فإن الأعمال الخطيرة لا تنجزها إلاّ الهمم والعزائم الكبيرة.
يسألني الكثير من تلامذتي عن: كيف يمكنهم تعلم الكتابة، وعن مجموعة القواعد والمعايير والوسائل التي تمنحك تلك الموهبة؟ وعادة ما أجيبهم أن ليست ثمة قواعد ووسائل صارمة تقودهم إلى احتراف الكتابة. بل طالما كررت أنه "كما الاقتصاد سياسة مكثفة، كذلك الكتابة مطالعة مكثفة". فمن دون تراكم قراءات متنوعة متواصلة ليس بوسعنا أن نكتب ماهو مفيد. في القراءة أيضاً علينا أن ندرك ألا كتاب حقيقياً يُغني عن بقية الكتب، وأن ليس هناك كاتب تغني مطالعة آثاره عن آثار كلّ الكتّاب.
الكتّاب الجيدون قرّاء جيدون، مالم تكن قارئاً نهماً لا تكف عن ملاحقة كل ما هو هام من إنتاج فكري وأدبي، لا يمكنك أن تكتب ما هو هام ومميز، خاصة مطالعة ما يتصل بالمجال الذي تتمحور اهتماماتك فيه.
يمكننا العثور على أحد أهم مفاتيح دراسة تقدم اليابان في: كثافة القراءة، وشغف المجتمع بمطاردة المعلومة، وولعه المزمن باكتشاف المجهولات، وصمته المتأمل الطويل، الذي يبوح بكلام أعمق وأدق من: صخب السياسيين، وثرثرات وعاظ السلاطين، وضوضاء المعلمين، وضجيج الدارسين.
طالعت قبل سنوات عديدة، أن الصحافة في اليابان توزع يومياً ما يُقارب تسعين مليون نسخة. ومن الطريف أن اليابانيين وضعوا في إحدى الساحات المعروفة، تمثالاً لرجل يمسك بكتاب، وهو يقول: "إن وزنك بعدد ما قرأت من كتب، لا بعدد الكيلوغرامات التي تمتلكها".
لا تبدأ #الكتابة من الصفر. لا يبدأ من الصفر إلا الصفر.كل كتابة جادة هي نحو استيعاب وهضم وتركيب لبناء جديد، يتسع نسيج الكتابة لاستيعاب شيء من كتابات سابقة، مُعاد ابتكارها. الكتابة تتخلق باستمرار في صيرورة جدلية، تتمثل ابتكار السابق، وتعيد خلق اللاحق.
الكتب الخالدة هي خلاصة خصبة جداً لمكتبات كاملة، تم استيعابها وهضمها وتمثلها، وإعادة سبكها وتكوينها في مركّب مختلف، لا يَتَلَمّس مرجعياته والمناهل التي استقى منها إلاّ أولئك الخبراء من القراء.
ولا أعني بذلك المحاكاة التقريرية، أو سلخ أعمال الآخرين وانتحال كتاباتهم، أو ترجمة نصوص من لغة ثانية ونسبتها إليه، والبراعة في محو الأصول، وإخفاء آثار الانتحال والترجمة. بل أعني أن النص الجديد للكاتب هو مخلوق جديد، لا يشبه منابع إلهامه، ولا يحاكي مطالعات الكاتب، أو يستنسخها ويتطابق معها. أي أن كتابته هي نحو تفاعلِ مجموعةِ عناصرَ لتنتج مركّباً جديداً لا يشبهها، إنها بمثابة إنتاج مركب صناعي من عدة عناصر، لا يعود يشبهها في صفاته ووظيفته، كما هو تركيب الماء، من الأوكسجين والهيدروجين.
في الكتب الخالدة كلُّ صفحة تختزل ألفَ صفحة، كلُّ عبارة تختزل ألفَ عبارة، كلُّ كلمة تختزل ألفَ كلمة. لا تبدأ أية كتابة من الصفر، ففي كل نص ترقد الكثير من النصوص. في كل كتاب ترقد الكثير من الكتب. يتوالد كل نص مما يختزنه الكاتب من نصوص مسبقة. في كل نص تترسب نصوص عديدة متنوعة، تحيل إلى مطالعات الكاتب.كما أنه: قبل كل تفسيرٍ تفسيرٌ قبلي، قبل كل تأويلٍ تأويلٌ قبلي، قبل كل فهمٍ فهمٌ قبلي، أيضاً قبل كل نصٍّ نصٌ قبلي.
#عبدالجبار_الرفاعي
اقرأ تتمة المقال على هذا الرابط:
https://al-aalem.
منشأ الاختلاف في ثبوت الهلال
د. عبدالجبار الرفاعي
نشر صديقي وتلميذي الشيخ مهند الساعدي مقالة سابقة لي عن الهلال مشكورًا في إحدى مجموعات الواتس اب، فأورد بعض أعضاء المجموعة ملاحظات على الأمثلة التوضيحية التي ذكرتها في المقال، فأرسل لي الأخ مهند ذلك، وكتبتُ له هذا الجواب:
لقد وسّعتُ هذا النصَّ كثيرًا، فصار الفصل السابع من كتابي الأخير: "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، وجاء في طبعته الثانية بعنوان: "الاستملاك الرمزي للهلال".
الملاحظات المذكورة تنبهتْ للأمثلة التوضيحية، ولم تلتقط ما ترمي اليه فكرةُ المقال المحورية. وقد تعلّمنا من التراث: "ألا مناقشة في المثال، فهو بالقدر الذي يقرّب من جهة، يبعد من جهة او جهات اخرى".
هذا المقالُ يفكر داخلَ نظام معرفي مشتق من فلسفة العلم وعلوم التأويل والمعارف الحديثة، أما نحن فاعتدنا في دراساتنا الدينية أن نفكر في التراث بنظام معرفي تراثي، فالذي يفكر على وفق مكاسب الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع اليوم لا تتطابق طريقةُ تفكيره مع من يفكر داخل التراث...أظن أن أولَ فقيهٍ في الحوزة تنبّه لضرورة دراسة "فلسفة الفقه" هو السيد محمد باقر الصدر، عندما تكلّم في مقدمة الجزء الثاني من اقتصادنا عن "عملية الاجتهاد والذاتية"، وأظن أن الشيخ مرتضى المطهري من بعده أشار إلى: "أن فتوى ابن القرية يشم منها رائحة القرية، وفتوى ابن المدينة يشم منها رائحة المدينة"... لكن أولَ من اقترح تأسيسَ هذا العلم، وأطلق تسميةَ "فلسفة الفقه" هو الشيخُ محمد مجتهد شبستري.
هذا المقالُ مثالٌ صغيرٌ على تطبيق "فلسفة الفقه" في تحليلِ مدونةِ الفقه والكشف عن المرجعياتِ التي يحيل اليها التفكيرُ الفقهي، وهو منهجٌ لا يكرّر ما تعلمناه في أصول الفقه وغيرِه في الحوزة... يذهب المقالُ الى ضرورةِ الخروج من الأسوارِ المنيعةِ للدراسات الدينية التقليدية، والسعي للتخلص من رؤيةِ الحاضر بعين الماضي، وتحريرِ العقل من استبداد علوم الأوائل وإكراهاتها للتفكيرِ الديني، تلك العلوم التي نسخت العلومُ والمعارفُ الحديثةُ كثيرًا منها، والعملِ على إعادةِ النظر في البنيةِ التحتية التي ابتنى عليها هيكلُ المعارف الدينية، وعدمِ سلوك المساراتِ القديمةَ ذاتِها، واستئنافِ النظر في ما صار بمثابة البداهات في هذه المعارف، وأعادتْ مساءلتَه وتشريحَه، بغية اكتشافِ الآفاق التاريخية التي تشكّل فيها والخروجِ منها إلى أفقنا الراهن.
في حقلِ الفقه يتكرّر القولُ في المسائل ذاتها، ويغرق الدارسُ في تفاصيل مدوّنته التي تضخّمتْ بالتدريج، وانحسرتْ تبعًا لتضخّمها معظمُ مجالات التفكير الديني الأخرى، وفرضتْ حضورَها الصارم على كلِّ ما يتّصل بأقوالِ وأفعالِ المسلم، وأخضعتْ كلَّ حياتِه لمعاييرها، بلا استحضار للقيم والمقاصد الكلية المعبرة عنها.
وذلك يفرض تدشينَ علمٍ قادرٍ على إجراءِ حفرياتٍ عميقةٍ في المدوّنة الفقهية، من خلالِ تفكيكِ الأنساقِ المولّدة للمعرفةِ الفقهية، والكشفِ عن العناصرِ المختبئةِ في عملية الاستنباط، وأثرِها البالغِ في توالدِ هذه المعرفة وتشعّبها ونموِّها وتطوّرِها. وهذه مهمةٌ يتكفّلها علمُ "فلسفة الفقه"، وهو علمٌ لا يعتمد العدّةَ المنهجيةَ والمفاهيميةَ المعروفةَ في "أصول الفقه" أو"الفقه"، بل ينفتح على فلسفةِ العلم وعلومِ التأويل والعلومِ الإنسانية والاجتماعية المختلفة، ويتوكأ على مناهجِها ومفاهيمِها، بغيةَ تحليلِ البنية العميقة للمعرفة الفقهية، وكيفيةِ إنتاجِها، والكشفِ عن العناصرِ المضمَرةِ في ذهنِ الفقيه، وأثرِها اللاواعي في توليد المواقف والآراء والفتاوى، والصلةِ العضوية بين الفقهِ والسياقاتِ التاريخيةِ المختلفةِ التي تشكّل فيها، والعلاقةِ بين المعرفةِ الفقهية وشبكاتِ السلطات الروحية والزمنية.
فلسفةُ الفقه علمٌ يُنقّب عمّا هو غاطسٌ في عملية الاستدلال الفقهي، ويعمل على عبور عناصر هذا الاستدلال المعروفة، ليصل إلى تشريح الخلفيات غير المرئية في استنباط الأحكام الشرعية، ويسعى للتعرّف على العناصر البشرية المختلفة الخفيّة المؤثّرة في إنتاج الفتوى.
فلسفةُ الفقه لا تتوقف عند السطح، بل تنشغل بالنظر إلى الأعماق، في محاولةٍ للكشف عن البنية التحتية للتفكير الفقهي، أي إن هذا العلمَ يحاول أن يتوغل بعيدًا ليكتشف الأحكامَ المسبقةَ للفقيه، وتأثيرَ رؤيته للعالم، وما هو مترسب في لاوعيه من مؤثّرات متنوّعة، توجّه تفكيرَه على وفق بوصلتها.
كلُّ خبير يدرس الفقهَ في ضوء المناهج الحديثة يكتشف أنه مدونةٌ تشريعيةٌ، ومرآةٌ ترتسمُ فيها ألوانُ تفكير فقهاء الإسلام في العصور المختلفة، وتحمل بصمةَ شخصياتهم، وتحكي كيفيةَ حياتهم، وأنماطَ العيش المتنوّعة في بيئاتهم، التي تنعكس كلُّها على طريقة تفكيرهم وما يفضي إليه من نتائج.
د. عبدالجبار الرفاعي
نشر صديقي وتلميذي الشيخ مهند الساعدي مقالة سابقة لي عن الهلال مشكورًا في إحدى مجموعات الواتس اب، فأورد بعض أعضاء المجموعة ملاحظات على الأمثلة التوضيحية التي ذكرتها في المقال، فأرسل لي الأخ مهند ذلك، وكتبتُ له هذا الجواب:
لقد وسّعتُ هذا النصَّ كثيرًا، فصار الفصل السابع من كتابي الأخير: "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، وجاء في طبعته الثانية بعنوان: "الاستملاك الرمزي للهلال".
الملاحظات المذكورة تنبهتْ للأمثلة التوضيحية، ولم تلتقط ما ترمي اليه فكرةُ المقال المحورية. وقد تعلّمنا من التراث: "ألا مناقشة في المثال، فهو بالقدر الذي يقرّب من جهة، يبعد من جهة او جهات اخرى".
هذا المقالُ يفكر داخلَ نظام معرفي مشتق من فلسفة العلم وعلوم التأويل والمعارف الحديثة، أما نحن فاعتدنا في دراساتنا الدينية أن نفكر في التراث بنظام معرفي تراثي، فالذي يفكر على وفق مكاسب الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع اليوم لا تتطابق طريقةُ تفكيره مع من يفكر داخل التراث...أظن أن أولَ فقيهٍ في الحوزة تنبّه لضرورة دراسة "فلسفة الفقه" هو السيد محمد باقر الصدر، عندما تكلّم في مقدمة الجزء الثاني من اقتصادنا عن "عملية الاجتهاد والذاتية"، وأظن أن الشيخ مرتضى المطهري من بعده أشار إلى: "أن فتوى ابن القرية يشم منها رائحة القرية، وفتوى ابن المدينة يشم منها رائحة المدينة"... لكن أولَ من اقترح تأسيسَ هذا العلم، وأطلق تسميةَ "فلسفة الفقه" هو الشيخُ محمد مجتهد شبستري.
هذا المقالُ مثالٌ صغيرٌ على تطبيق "فلسفة الفقه" في تحليلِ مدونةِ الفقه والكشف عن المرجعياتِ التي يحيل اليها التفكيرُ الفقهي، وهو منهجٌ لا يكرّر ما تعلمناه في أصول الفقه وغيرِه في الحوزة... يذهب المقالُ الى ضرورةِ الخروج من الأسوارِ المنيعةِ للدراسات الدينية التقليدية، والسعي للتخلص من رؤيةِ الحاضر بعين الماضي، وتحريرِ العقل من استبداد علوم الأوائل وإكراهاتها للتفكيرِ الديني، تلك العلوم التي نسخت العلومُ والمعارفُ الحديثةُ كثيرًا منها، والعملِ على إعادةِ النظر في البنيةِ التحتية التي ابتنى عليها هيكلُ المعارف الدينية، وعدمِ سلوك المساراتِ القديمةَ ذاتِها، واستئنافِ النظر في ما صار بمثابة البداهات في هذه المعارف، وأعادتْ مساءلتَه وتشريحَه، بغية اكتشافِ الآفاق التاريخية التي تشكّل فيها والخروجِ منها إلى أفقنا الراهن.
في حقلِ الفقه يتكرّر القولُ في المسائل ذاتها، ويغرق الدارسُ في تفاصيل مدوّنته التي تضخّمتْ بالتدريج، وانحسرتْ تبعًا لتضخّمها معظمُ مجالات التفكير الديني الأخرى، وفرضتْ حضورَها الصارم على كلِّ ما يتّصل بأقوالِ وأفعالِ المسلم، وأخضعتْ كلَّ حياتِه لمعاييرها، بلا استحضار للقيم والمقاصد الكلية المعبرة عنها.
وذلك يفرض تدشينَ علمٍ قادرٍ على إجراءِ حفرياتٍ عميقةٍ في المدوّنة الفقهية، من خلالِ تفكيكِ الأنساقِ المولّدة للمعرفةِ الفقهية، والكشفِ عن العناصرِ المختبئةِ في عملية الاستنباط، وأثرِها البالغِ في توالدِ هذه المعرفة وتشعّبها ونموِّها وتطوّرِها. وهذه مهمةٌ يتكفّلها علمُ "فلسفة الفقه"، وهو علمٌ لا يعتمد العدّةَ المنهجيةَ والمفاهيميةَ المعروفةَ في "أصول الفقه" أو"الفقه"، بل ينفتح على فلسفةِ العلم وعلومِ التأويل والعلومِ الإنسانية والاجتماعية المختلفة، ويتوكأ على مناهجِها ومفاهيمِها، بغيةَ تحليلِ البنية العميقة للمعرفة الفقهية، وكيفيةِ إنتاجِها، والكشفِ عن العناصرِ المضمَرةِ في ذهنِ الفقيه، وأثرِها اللاواعي في توليد المواقف والآراء والفتاوى، والصلةِ العضوية بين الفقهِ والسياقاتِ التاريخيةِ المختلفةِ التي تشكّل فيها، والعلاقةِ بين المعرفةِ الفقهية وشبكاتِ السلطات الروحية والزمنية.
فلسفةُ الفقه علمٌ يُنقّب عمّا هو غاطسٌ في عملية الاستدلال الفقهي، ويعمل على عبور عناصر هذا الاستدلال المعروفة، ليصل إلى تشريح الخلفيات غير المرئية في استنباط الأحكام الشرعية، ويسعى للتعرّف على العناصر البشرية المختلفة الخفيّة المؤثّرة في إنتاج الفتوى.
فلسفةُ الفقه لا تتوقف عند السطح، بل تنشغل بالنظر إلى الأعماق، في محاولةٍ للكشف عن البنية التحتية للتفكير الفقهي، أي إن هذا العلمَ يحاول أن يتوغل بعيدًا ليكتشف الأحكامَ المسبقةَ للفقيه، وتأثيرَ رؤيته للعالم، وما هو مترسب في لاوعيه من مؤثّرات متنوّعة، توجّه تفكيرَه على وفق بوصلتها.
كلُّ خبير يدرس الفقهَ في ضوء المناهج الحديثة يكتشف أنه مدونةٌ تشريعيةٌ، ومرآةٌ ترتسمُ فيها ألوانُ تفكير فقهاء الإسلام في العصور المختلفة، وتحمل بصمةَ شخصياتهم، وتحكي كيفيةَ حياتهم، وأنماطَ العيش المتنوّعة في بيئاتهم، التي تنعكس كلُّها على طريقة تفكيرهم وما يفضي إليه من نتائج.
كذلك يعرف الخبيرُ أن قراءاتِ الفقهاء لما جاء في القرآن والسنّة من نصوص، مضافًا إلى أنها وُلدت في إطار ما فرضته شخصياتُهم وأحكامُهم المسبقةُ وآفاقُ انتظارهم وما تحفل به بيئاتُهم من جهة، وُلدت من جهة أخرى في إطار ما فرضته قواعدُ ومعاييرُ قراءة النصوص الدينية، تلك القواعدُ والمعاييرُ التي تمّت صناعتُها في عصر متأخّر عن عصر البعثة الشريفة بمدة طويلة نسبيًا، والذي بدأ في النصف الثاني من القرن الهجري الثاني، وهذه القواعدُ تمثل اجتهادات بشرية أنتجها مجتهدون كالشافعي"150-204هـ" وغيره، ثم صارت هذه القواعدُ تتجذّر وتتوسّع عموديًا وأفقيًا بمرور الزمان، حتى تسلّطت على عملية الفهم، ففرضتْ طريقةَ فهمٍ تهيمن على عمليات تلقي النصوص الدينية في الأزمنة المختلفة، بنحو تسيّدتْ فيه وتأبّدت وأضحتْ مسلماتٍ نهائية، لا مشروعيةَ لقراءةِ أيّ نصٍّ دينيّ أو ممارسةٍ لتفكيرٍ فقهي خارج أسوارها.
حاولنا أن ندرس الخلافَ حول الهلال في ضوء علم "فلسفة الفقه". والهلالُ مثالٌ تطبيقي لهذا العلم، ينشد إضاءةَ ما هو مستورٌ في النزاع على الهلال، فخلصنا إلى أن الخلافَ على الهلال يعود لمحاولة استملاكِه الرمزي واحتكارِه، بغية إثراء رأس المال المقدّس، وتبيّن لنا أن الخلافَ هو على هلالين وليس على هلال واحد، فهلالُ أكثر الفقهاء غيرُ هلال الفلكيين، هلالُهم مؤطّر بمعنى ديني، في حين أن هلالَ الفلكيين هلالٌ ماديٌّ، مجردٌ من المضمون الرمزي الديني، بوصفه ظاهرةً كونية، يكتشفها ويحدّد كلَّ شيء فيها العلمُ، وهو ظاهرةٌ محايدةٌ حيال المعنى الديني، وليست مؤطرةً بشيء ينتمي للمقدّس.
المقدّس يمثّل موقفًا حيالَ العالم، ويحدّد طريقةً خاصّة للتعامل معه، بشكل لا يتطابق دائمًا مع الدنيوي، والتعرّفُ على ذلك يتطلب دراساتٍ متنوعة، لا تكرّر ما هو موروث، بل تنفتح على المناهجِ الحديثة في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع وتطبيقِها على فهم الدين وقراءةِ نصوصه، لتنكشف كيفيةَ توالد المقدّس، وأنماطَ صيروته وتمثّلاته وتمدده في حياة الإنسان، والصلةَ العضوية بين اتساع المقدس وتمدد واتساع السلطة الروحية ومديات نفوذها في الحياة البشرية.
ومن يرغب في تفاصيل هذا الموضوع يمكنه العودة إلى مباحث فلسفة الفقه في كتاباتي، فهناك مجموعة فصول في كتبي لها صلة مباشرة بفلسفة الفقه، منها:
1- فلسفة الفقه، فصل 3 من كتابي: مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد، طبعة 2
2- المرجعيات الكلامية للفقيه وأثرها في عملية الاستباط، فصل 5 من كتابي: الدين والنزعة الانسانية، طبعة 3
3- الاستملاك الرمزي للهلال، فصل 7 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2
4- تناغم القيم والقانون في الدولة الحديثة، فصل 2 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2
5- التدين الأخلاقي، فصل 5 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2
6- عندما يتجاوز الدين حدوده، فصل 5 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2
7- للدين حقيقته الخاصة في الهرمنيوطيقا، فصل 10 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2
8- أية دولة بلا حياة روحية وقيم اخلاقية، فصل 5 من كتابي: الدين والظمأ الانطولوجي، طبعة 3
9- الأخلاق والتفكير الفقهي، مقالة ستنشر لاحقًا.
10- دعوة الشيخ أمين الخولي للتجديد، رابط النشر:
https://afkaar.center/wp-content/uploads/2019/04/%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D9%86%D9%87%D8%A7%D8%A6%D9%8A-1.pdf
11- محاضرات في أصول الفقه، في مجلدين، مطبوع 10 طبعات.
https://al-aalem.com/article/47805-%D9%85%D9%86%D8%B4%D8%A3-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81-%D9%81%D9%8A-%D8%AB%D8%A8%D9%88%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%84%D8%A7%D9%84
حاولنا أن ندرس الخلافَ حول الهلال في ضوء علم "فلسفة الفقه". والهلالُ مثالٌ تطبيقي لهذا العلم، ينشد إضاءةَ ما هو مستورٌ في النزاع على الهلال، فخلصنا إلى أن الخلافَ على الهلال يعود لمحاولة استملاكِه الرمزي واحتكارِه، بغية إثراء رأس المال المقدّس، وتبيّن لنا أن الخلافَ هو على هلالين وليس على هلال واحد، فهلالُ أكثر الفقهاء غيرُ هلال الفلكيين، هلالُهم مؤطّر بمعنى ديني، في حين أن هلالَ الفلكيين هلالٌ ماديٌّ، مجردٌ من المضمون الرمزي الديني، بوصفه ظاهرةً كونية، يكتشفها ويحدّد كلَّ شيء فيها العلمُ، وهو ظاهرةٌ محايدةٌ حيال المعنى الديني، وليست مؤطرةً بشيء ينتمي للمقدّس.
المقدّس يمثّل موقفًا حيالَ العالم، ويحدّد طريقةً خاصّة للتعامل معه، بشكل لا يتطابق دائمًا مع الدنيوي، والتعرّفُ على ذلك يتطلب دراساتٍ متنوعة، لا تكرّر ما هو موروث، بل تنفتح على المناهجِ الحديثة في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع وتطبيقِها على فهم الدين وقراءةِ نصوصه، لتنكشف كيفيةَ توالد المقدّس، وأنماطَ صيروته وتمثّلاته وتمدده في حياة الإنسان، والصلةَ العضوية بين اتساع المقدس وتمدد واتساع السلطة الروحية ومديات نفوذها في الحياة البشرية.
ومن يرغب في تفاصيل هذا الموضوع يمكنه العودة إلى مباحث فلسفة الفقه في كتاباتي، فهناك مجموعة فصول في كتبي لها صلة مباشرة بفلسفة الفقه، منها:
1- فلسفة الفقه، فصل 3 من كتابي: مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد، طبعة 2
2- المرجعيات الكلامية للفقيه وأثرها في عملية الاستباط، فصل 5 من كتابي: الدين والنزعة الانسانية، طبعة 3
3- الاستملاك الرمزي للهلال، فصل 7 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2
4- تناغم القيم والقانون في الدولة الحديثة، فصل 2 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2
5- التدين الأخلاقي، فصل 5 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2
6- عندما يتجاوز الدين حدوده، فصل 5 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2
7- للدين حقيقته الخاصة في الهرمنيوطيقا، فصل 10 من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، طبعة 2
8- أية دولة بلا حياة روحية وقيم اخلاقية، فصل 5 من كتابي: الدين والظمأ الانطولوجي، طبعة 3
9- الأخلاق والتفكير الفقهي، مقالة ستنشر لاحقًا.
10- دعوة الشيخ أمين الخولي للتجديد، رابط النشر:
https://afkaar.center/wp-content/uploads/2019/04/%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D9%86%D9%87%D8%A7%D8%A6%D9%8A-1.pdf
11- محاضرات في أصول الفقه، في مجلدين، مطبوع 10 طبعات.
https://al-aalem.com/article/47805-%D9%85%D9%86%D8%B4%D8%A3-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81-%D9%81%D9%8A-%D8%AB%D8%A8%D9%88%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%84%D8%A7%D9%84
الخوفُ ليس مصدرًا للأخلاق
د. عبدالجبار الرفاعي
تقترن التربيةُ في التديّن الشكلي بالخوف؛ لذلك يشدّد هذا التديّن على قيمة العنف في الحياة الدنيا،كما يستحضر على الدوام صورَ العذاب الأخروي، والمشاهدَ التي تثير الهلعَ في الحياة الآخرة. ويسود اعتقادٌ لدى أكثر المتدينين بهذا النوع من التديّن أن الأخلاقَ لا تولد إلّا من الخوف، ولا يمكن بناءُ الفرد والمجتمع من دون خوف.
الخوفُ ليس مصدرًا للأخلاق، فربما تجد من يخاف حدَّ الهلع لكنه ليس أخلاقيًا، وربما تجد من كان يبدو أخلاقيًا قبل امتلاكه السلطة والثروة، غير أنه لحظةَ يمتلكهما تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية. الخوفُ لا يصنع أخلاقًا، ولا يخلق إنسانًا أخلاقيًا، الخوفُ يغطي لاأخلاقيةَ بعض الناس، لذلك يُفتضح الوجهُ الحقيقي لهؤلاء عندما يتخلصون من الخوف، كما نرى بعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيا في الظاهر حين يكون فقيرًا، غير أنه لو استغنى ينزعُ الغطاءَ الأخلاقي الزائف، وبعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيًا إن كان ضعيفًا لا يمتلك سلطةً أو نفوذًا، لكنه لو امتلك أيَّ شكل للسلطة تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية فيستبدّ ويطغى.
يستفيق الضميرُ الأخلاقي بالتربيةِ الصالحة والبناءِ السليم للمجتمع. بناءُ الأخلاق على الخوف لا يؤسّس أخلاقًا أصيلة، ولا يبني مجتمعًا أخلاقيًا، وكثيرًا ما ينتهي إلى ازدواجيةٍ ونفاقٍ سلوكي.
للأخلاقِ قيمةٌ بذاتها، ذلك أن الحَسَنَ حَسَنٌ بذاته، والقبيحَ قبيحٌ بذاته. ويستمدّ الفعلُ الأخلاقي قيمتَه من كونه فعلاً أخلاقياً لا غير، وذلك ما يجعل أثرَه يظهر مباشرةً على حياةِ وسلوكِ فاعله قبل غيره. جوهرُ الفعل الأخلاقي أنه واجبٌ لذاته بغضّ النظر عن نتائجه، فلو حاول شخصٌ إنقاذَ غريقٍ فإنه قام بفعل أخلاقي، سواء أفلح بذلك أم لم يفلح. للوجودِ ذاكرةٌ أخلاقيةٌ لا يُمحى فيها أثرُ أيّ فعل أخلاقي، لذلك يُعلِن الفعلُ الأخلاقي باستمرار عن نفسه ويتحدّث عن فاعله، ويفرض احترامَه على كلّ إنسان.
أساسُ #الأخلاق أحكامُ العقل العملي. وهذا العقلُ هو الذي يحكم بقبحِ الكذب وحسنِ الصدق، وقبحِ الخيانة وحسنِ الأمانة، وقبحِ الظلم وحسنِ العدل. وهو المرجعيةُ في كلّ ما هو حسن أو قبيح، وفي ما نجده من قيم أخلاقية كلية في البنية العميقة للمجتمعات البشرية التي لم تتعرّف على الوحي الإلهي، فلو لم تكن هناك نواميسُ كونيةٌ للقيم والأخلاق، وكان كلُّ حُسن يحيل إلى ما يُحسّنه الوحي، وكلُّ قُبح يُحيل إلى ما يقبحّه الوحي، فسيفضي ذلك إلى تفريغِ الأخلاق من مضمونِها، وغيابِ أيِّ فعل أو سلوكٍ أخلاقي في المجتمعات البشرية التي لم تعرف الوحي. وعلى الرغم من أن تلك المجتمعات لم تعرف الأديانَ الابراهيمية، ولم تصل اليها تشريعاتُ الوحي، فإن تاريخَها يبرهن على أن هناك حضورٌ للكلمات والأفعال الأخلاقية في حياة وسلوك الفرد والجماعة، وأنها تدرك أن للكلمات والأفعال الأخلاقية الأصيلة بصمةً في ضمير العالم.
د. عبدالجبار الرفاعي
تقترن التربيةُ في التديّن الشكلي بالخوف؛ لذلك يشدّد هذا التديّن على قيمة العنف في الحياة الدنيا،كما يستحضر على الدوام صورَ العذاب الأخروي، والمشاهدَ التي تثير الهلعَ في الحياة الآخرة. ويسود اعتقادٌ لدى أكثر المتدينين بهذا النوع من التديّن أن الأخلاقَ لا تولد إلّا من الخوف، ولا يمكن بناءُ الفرد والمجتمع من دون خوف.
الخوفُ ليس مصدرًا للأخلاق، فربما تجد من يخاف حدَّ الهلع لكنه ليس أخلاقيًا، وربما تجد من كان يبدو أخلاقيًا قبل امتلاكه السلطة والثروة، غير أنه لحظةَ يمتلكهما تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية. الخوفُ لا يصنع أخلاقًا، ولا يخلق إنسانًا أخلاقيًا، الخوفُ يغطي لاأخلاقيةَ بعض الناس، لذلك يُفتضح الوجهُ الحقيقي لهؤلاء عندما يتخلصون من الخوف، كما نرى بعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيا في الظاهر حين يكون فقيرًا، غير أنه لو استغنى ينزعُ الغطاءَ الأخلاقي الزائف، وبعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيًا إن كان ضعيفًا لا يمتلك سلطةً أو نفوذًا، لكنه لو امتلك أيَّ شكل للسلطة تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية فيستبدّ ويطغى.
يستفيق الضميرُ الأخلاقي بالتربيةِ الصالحة والبناءِ السليم للمجتمع. بناءُ الأخلاق على الخوف لا يؤسّس أخلاقًا أصيلة، ولا يبني مجتمعًا أخلاقيًا، وكثيرًا ما ينتهي إلى ازدواجيةٍ ونفاقٍ سلوكي.
للأخلاقِ قيمةٌ بذاتها، ذلك أن الحَسَنَ حَسَنٌ بذاته، والقبيحَ قبيحٌ بذاته. ويستمدّ الفعلُ الأخلاقي قيمتَه من كونه فعلاً أخلاقياً لا غير، وذلك ما يجعل أثرَه يظهر مباشرةً على حياةِ وسلوكِ فاعله قبل غيره. جوهرُ الفعل الأخلاقي أنه واجبٌ لذاته بغضّ النظر عن نتائجه، فلو حاول شخصٌ إنقاذَ غريقٍ فإنه قام بفعل أخلاقي، سواء أفلح بذلك أم لم يفلح. للوجودِ ذاكرةٌ أخلاقيةٌ لا يُمحى فيها أثرُ أيّ فعل أخلاقي، لذلك يُعلِن الفعلُ الأخلاقي باستمرار عن نفسه ويتحدّث عن فاعله، ويفرض احترامَه على كلّ إنسان.
أساسُ #الأخلاق أحكامُ العقل العملي. وهذا العقلُ هو الذي يحكم بقبحِ الكذب وحسنِ الصدق، وقبحِ الخيانة وحسنِ الأمانة، وقبحِ الظلم وحسنِ العدل. وهو المرجعيةُ في كلّ ما هو حسن أو قبيح، وفي ما نجده من قيم أخلاقية كلية في البنية العميقة للمجتمعات البشرية التي لم تتعرّف على الوحي الإلهي، فلو لم تكن هناك نواميسُ كونيةٌ للقيم والأخلاق، وكان كلُّ حُسن يحيل إلى ما يُحسّنه الوحي، وكلُّ قُبح يُحيل إلى ما يقبحّه الوحي، فسيفضي ذلك إلى تفريغِ الأخلاق من مضمونِها، وغيابِ أيِّ فعل أو سلوكٍ أخلاقي في المجتمعات البشرية التي لم تعرف الوحي. وعلى الرغم من أن تلك المجتمعات لم تعرف الأديانَ الابراهيمية، ولم تصل اليها تشريعاتُ الوحي، فإن تاريخَها يبرهن على أن هناك حضورٌ للكلمات والأفعال الأخلاقية في حياة وسلوك الفرد والجماعة، وأنها تدرك أن للكلمات والأفعال الأخلاقية الأصيلة بصمةً في ضمير العالم.
التديّنُ الشكلي
د. عبدالجبار الرفاعي
أعني بالتديّنِ الشكلي ذلك النمطَ السطحي المجوّف من التديّن، المفرّغَ من نبضِ الحياة الروحية، ووهجِ الضمير الأخلاقي، الذي يضع معاييرَ ظاهريةً شكليةً تُقاس درجةُ التديّن بمدى الالتزام بها، بغضّ النظرِ عن بناءِ الكيان الداخلي للمتديّن. وكثيرًا ما ينتهي التديّنُ الشكليّ إلى تديّنٍ زائفٍ يمحق روحَ الدين، بعد أن تنطفيءَ فيه جذوةُ الإيمان، وتتهشم القيم، وتتحوّل المفاهيمُ المولّدةُ للطاقة الروحية إلى مفاهيم محنطة، وطالما تحوّل هذا التديّنُ إلى نوعٍ من الفلكلور المبتذل، لذلك كان سببًا أساسيًا لنفور الناس من الدين.
ويتداخل هذا التديّنُ مع بعض الأنماط الأخرى، فالتديّنُ الشعبويّ أظهرُ أمثلة التديّن الشكلي، ويظهر التديّنُ الشكلي أيضًا بوضوحٍ في بعض حالات التديّن السياسي. وقد انتهى النموذجُ الذي صنعه التديّنُ الشكلي الى المبالغةِ في التشديد على السلوك الظاهري للمتديّن، وأسرف كثيرًا بالاهتمام بالشعائر والاحتفالات الجماعية، وانشغلَ بشكلِ اللباس، ولغةِ الجسد، وتعبيراتِ الوجه، ونوعِ الحركة والمشي، ونبرةِ الصوت، ما دعا أكثرَ المتديّنين بهذا النمط من التديّن لصناعة جدارٍ سميك بين شخصيته الحقيقية المحتجبة في داخله، وبين ما يُظهره للخارج من سلوك، وأفضى ذلك إلى انشطار الشخصية إلى كيانين: خارجي لا يشبه الداخلي، وداخلي لا يشبه الخارجي. وربما حاول بعضُهم أن يظهر بملامح غامضة، بغيةَ إخفاءِ شخصيته الداخلية وحجبِها عن الأنظار. وربما أسرف بعضٌ آخر في التمثيل بغيةَ إخفاء أكثر ملامح شخصيته، حتى صار ذلك الشخصُ لفرط التمثيل بلا ملامح.
تعرّفتُ في حياتي على شباب أصبحوا متدينين بهذا النمط من التديّن، وعندما تديّنوا افتقدوا بالتدريج لكثيرٍ من وضوحِهم وبساطتِهم وعفويتِهم وتلقائيتِهم ومباشرتِهم في التعبير عن أنفسهم، بعد أن فرضتْ عليهم بيئةُ التديّن الشكلي محاكاتَها بكلّ ما يتفشى فيها من تمثيلٍ زائف.
وصار همُّ المتديّن المزمنُ إيصالَ رسالةٍ للجماعة التي ينتمي إليها تعلن تديّنَه المفتعَل وتقواه الصورية. لذلك تراه حتى لو مارس عبادةً في السرّ كنافلة الليل مثلًا، يحرص على إفشائها وترويجها في العلن. ولو تطوّع بعمل خيري، يسلك الطرقَ المختلفةَ للإعلانِ عن عمله، وإن كان ذلك الإعلانُ مذمومًا في بعض الموارد في الشريعة، لأن كلَّ ما ينشده المتديّنُ الشكلي من فعلِ الخير هو إبلاغُ الآخرين كي يشهدوا على أنه متديّن. ويرمي المتديّنُ من الإعلانِ لجماعته عن أنه متديّنٌ الى الفوزِ باعترافِ الجماعة وثقتِها. وهو رأسُ المال الرمزي المهم الذي يحرص على امتلاكه، كي يوظفه في تعزيزِ نفوذه الاجتماعي، وتسويقِ شخصيته للاستحواذ على مواقعَ ومكاسبَ يسعي إليها، في مجتمع يشيعُ فيه هذا اللونُ من التديّن، وتحكمه تقاليدُه ومفاهيمُه.
وأظن أن هذا الضربَ من التديّن نشأ في قصورِ الخلفاء والسلاطين في عالَم الإسلام، ثم تسرّب بالتدريج إلى مجالاتٍ أخرى في المجتمعات الإسلامية. ومن قبله وُلد وترعرع في دولةِ الكهنوت الكنسي في أوروبا العصور الوسطى.
وطالما تقمّص التديّنَ الشكلي التجّارُ ورجالُ الأعمال وكلُّ من يسوّق البضائعَ للناس، ووظّفه السياسيون ورجالُ الحكم في المجتمعات الدينية. ويتغوّل هذا التديّن عادةً في مجتمعات تعتمده معيارًا في التوثيقِ والتصديقِ في المعاشِ والمعادِ.
د. عبدالجبار الرفاعي
أعني بالتديّنِ الشكلي ذلك النمطَ السطحي المجوّف من التديّن، المفرّغَ من نبضِ الحياة الروحية، ووهجِ الضمير الأخلاقي، الذي يضع معاييرَ ظاهريةً شكليةً تُقاس درجةُ التديّن بمدى الالتزام بها، بغضّ النظرِ عن بناءِ الكيان الداخلي للمتديّن. وكثيرًا ما ينتهي التديّنُ الشكليّ إلى تديّنٍ زائفٍ يمحق روحَ الدين، بعد أن تنطفيءَ فيه جذوةُ الإيمان، وتتهشم القيم، وتتحوّل المفاهيمُ المولّدةُ للطاقة الروحية إلى مفاهيم محنطة، وطالما تحوّل هذا التديّنُ إلى نوعٍ من الفلكلور المبتذل، لذلك كان سببًا أساسيًا لنفور الناس من الدين.
ويتداخل هذا التديّنُ مع بعض الأنماط الأخرى، فالتديّنُ الشعبويّ أظهرُ أمثلة التديّن الشكلي، ويظهر التديّنُ الشكلي أيضًا بوضوحٍ في بعض حالات التديّن السياسي. وقد انتهى النموذجُ الذي صنعه التديّنُ الشكلي الى المبالغةِ في التشديد على السلوك الظاهري للمتديّن، وأسرف كثيرًا بالاهتمام بالشعائر والاحتفالات الجماعية، وانشغلَ بشكلِ اللباس، ولغةِ الجسد، وتعبيراتِ الوجه، ونوعِ الحركة والمشي، ونبرةِ الصوت، ما دعا أكثرَ المتديّنين بهذا النمط من التديّن لصناعة جدارٍ سميك بين شخصيته الحقيقية المحتجبة في داخله، وبين ما يُظهره للخارج من سلوك، وأفضى ذلك إلى انشطار الشخصية إلى كيانين: خارجي لا يشبه الداخلي، وداخلي لا يشبه الخارجي. وربما حاول بعضُهم أن يظهر بملامح غامضة، بغيةَ إخفاءِ شخصيته الداخلية وحجبِها عن الأنظار. وربما أسرف بعضٌ آخر في التمثيل بغيةَ إخفاء أكثر ملامح شخصيته، حتى صار ذلك الشخصُ لفرط التمثيل بلا ملامح.
تعرّفتُ في حياتي على شباب أصبحوا متدينين بهذا النمط من التديّن، وعندما تديّنوا افتقدوا بالتدريج لكثيرٍ من وضوحِهم وبساطتِهم وعفويتِهم وتلقائيتِهم ومباشرتِهم في التعبير عن أنفسهم، بعد أن فرضتْ عليهم بيئةُ التديّن الشكلي محاكاتَها بكلّ ما يتفشى فيها من تمثيلٍ زائف.
وصار همُّ المتديّن المزمنُ إيصالَ رسالةٍ للجماعة التي ينتمي إليها تعلن تديّنَه المفتعَل وتقواه الصورية. لذلك تراه حتى لو مارس عبادةً في السرّ كنافلة الليل مثلًا، يحرص على إفشائها وترويجها في العلن. ولو تطوّع بعمل خيري، يسلك الطرقَ المختلفةَ للإعلانِ عن عمله، وإن كان ذلك الإعلانُ مذمومًا في بعض الموارد في الشريعة، لأن كلَّ ما ينشده المتديّنُ الشكلي من فعلِ الخير هو إبلاغُ الآخرين كي يشهدوا على أنه متديّن. ويرمي المتديّنُ من الإعلانِ لجماعته عن أنه متديّنٌ الى الفوزِ باعترافِ الجماعة وثقتِها. وهو رأسُ المال الرمزي المهم الذي يحرص على امتلاكه، كي يوظفه في تعزيزِ نفوذه الاجتماعي، وتسويقِ شخصيته للاستحواذ على مواقعَ ومكاسبَ يسعي إليها، في مجتمع يشيعُ فيه هذا اللونُ من التديّن، وتحكمه تقاليدُه ومفاهيمُه.
وأظن أن هذا الضربَ من التديّن نشأ في قصورِ الخلفاء والسلاطين في عالَم الإسلام، ثم تسرّب بالتدريج إلى مجالاتٍ أخرى في المجتمعات الإسلامية. ومن قبله وُلد وترعرع في دولةِ الكهنوت الكنسي في أوروبا العصور الوسطى.
وطالما تقمّص التديّنَ الشكلي التجّارُ ورجالُ الأعمال وكلُّ من يسوّق البضائعَ للناس، ووظّفه السياسيون ورجالُ الحكم في المجتمعات الدينية. ويتغوّل هذا التديّن عادةً في مجتمعات تعتمده معيارًا في التوثيقِ والتصديقِ في المعاشِ والمعادِ.
الخوفُ ليس مصدرًا للأخلاق
تقترن التربيةُ في التديّن الشكلي بالخوف؛ لذلك يشدّد هذا التديّن على قيمة العنف في الحياة الدنيا،كما يستحضر على الدوام صورَ العذاب الأخروي، والمشاهدَ التي تثير الهلعَ في الحياة الآخرة. ويسود اعتقادٌ لدى أكثر المتدينين بهذا النوع من التديّن أن الأخلاقَ لا تولد إلّا من الخوف، ولا يمكن بناءُ الفرد والمجتمع الصالح من دون خوف، وكأنهم لا يعلمون ان تأمينَ حقوق الإنسان وحرياته هو الضمانة الحقيقة لحماية الفرد والمجتمع من الأمراض الأخلاقية والنفسية.
الخوفُ ليس مصدرًا للأخلاق، فربما تجد من يخاف حدَّ الهلع لكنه ليس أخلاقيًا، وربما تجد من كان يبدو أخلاقيًا قبل امتلاكه السلطة والثروة، غير أنه لحظةَ يمتلكهما تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية. الخوفُ لا يصنع أخلاقًا، ولا يخلق إنسانًا أخلاقيًا، الخوفُ يغطي لاأخلاقيةَ بعض الناس، لذلك يُفتضح الوجهُ الحقيقي لهؤلاء عندما يتخلصون من الخوف، كما نرى بعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيا في الظاهر حين يكون فقيرًا، غير أنه لو استغنى ينزعُ الغطاءَ الأخلاقي الزائف، وبعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيًا إن كان ضعيفًا لا يمتلك سلطةً أو نفوذًا، لكنه لو امتلك أيَّ شكل للسلطة تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية فيستبدّ ويطغى.
يستفيق الضميرُ الأخلاقي بالتربيةِ الصالحة، وتأمينِ حقوق الإنسان وحرياته، والبناءِ السليم للمجتمع... بناءُ الأخلاق على الخوف لا يؤسّس أخلاقًا أصيلة، ولا يبني مجتمعًا أخلاقيًا، وكثيرًا ما ينتهي إلى ازدواجيةٍ ونفاقٍ سلوكي.
للأخلاقِ قيمةٌ بذاتها، ذلك أن الحَسَنَ حَسَنٌ بذاته، والقبيحَ قبيحٌ بذاته. ويستمدّ الفعلُ الأخلاقي قيمتَه من كونه فعلاً أخلاقياً لا غير، وذلك ما يجعل أثرَه يظهر مباشرةً على حياةِ وسلوكِ فاعله قبل غيره. جوهرُ الفعل الأخلاقي أنه واجبٌ لذاته بغضّ النظر عن نتائجه، فلو حاول شخصٌ إنقاذَ غريقٍ فإنه قام بفعل أخلاقي، سواء أفلح بذلك أم لم يفلح. للوجودِ ذاكرةٌ أخلاقيةٌ لا يُمحى فيها أثرُ أيّ فعل أخلاقي، لذلك يُعلِن الفعلُ الأخلاقي باستمرار عن نفسه ويتحدّث عن فاعله، ويفرض احترامَه على كلّ إنسان.
أساسُ الأخلاق أحكامُ العقل العملي. وهذا العقلُ هو الذي يحكم بقبحِ الكذب وحسنِ الصدق، وقبحِ الخيانة وحسنِ الأمانة، وقبحِ الظلم وحسنِ العدل. وهو المرجعيةُ في كلّ ما هو حسن أو قبيح، وفي ما نجده من قيم أخلاقية كلية في البنية العميقة للمجتمعات البشرية التي لم تتعرّف على الوحي الإلهي، فلو لم تكن هناك نواميسُ كونيةٌ للقيم والأخلاق، وكان كلُّ حُسن يحيل إلى ما يُحسّنه الوحي، وكلُّ قُبح يُحيل إلى ما يقبحّه الوحي، فسيفضي ذلك إلى تفريغِ الأخلاق من مضمونِها، وغيابِ أيِّ فعل أو سلوكٍ أخلاقي في المجتمعات البشرية التي لم تعرف الوحي. وعلى الرغم من أن تلك المجتمعات لم تعرف الأديانَ الابراهيمية، ولم تصل اليها تشريعاتُ الوحي، فإن تاريخَها يبرهن على أن هناك حضورٌ للكلمات والأفعال الأخلاقية في حياة وسلوك الفرد والجماعة، وأنها تدرك أن للكلمات والأفعال الأخلاقية الأصيلة بصمةً في ضمير العالم.
تقترن التربيةُ في التديّن الشكلي بالخوف؛ لذلك يشدّد هذا التديّن على قيمة العنف في الحياة الدنيا،كما يستحضر على الدوام صورَ العذاب الأخروي، والمشاهدَ التي تثير الهلعَ في الحياة الآخرة. ويسود اعتقادٌ لدى أكثر المتدينين بهذا النوع من التديّن أن الأخلاقَ لا تولد إلّا من الخوف، ولا يمكن بناءُ الفرد والمجتمع الصالح من دون خوف، وكأنهم لا يعلمون ان تأمينَ حقوق الإنسان وحرياته هو الضمانة الحقيقة لحماية الفرد والمجتمع من الأمراض الأخلاقية والنفسية.
الخوفُ ليس مصدرًا للأخلاق، فربما تجد من يخاف حدَّ الهلع لكنه ليس أخلاقيًا، وربما تجد من كان يبدو أخلاقيًا قبل امتلاكه السلطة والثروة، غير أنه لحظةَ يمتلكهما تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية. الخوفُ لا يصنع أخلاقًا، ولا يخلق إنسانًا أخلاقيًا، الخوفُ يغطي لاأخلاقيةَ بعض الناس، لذلك يُفتضح الوجهُ الحقيقي لهؤلاء عندما يتخلصون من الخوف، كما نرى بعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيا في الظاهر حين يكون فقيرًا، غير أنه لو استغنى ينزعُ الغطاءَ الأخلاقي الزائف، وبعضَ الناس ممن يبدو أخلاقيًا إن كان ضعيفًا لا يمتلك سلطةً أو نفوذًا، لكنه لو امتلك أيَّ شكل للسلطة تنكشف شخصيتُه اللاأخلاقية فيستبدّ ويطغى.
يستفيق الضميرُ الأخلاقي بالتربيةِ الصالحة، وتأمينِ حقوق الإنسان وحرياته، والبناءِ السليم للمجتمع... بناءُ الأخلاق على الخوف لا يؤسّس أخلاقًا أصيلة، ولا يبني مجتمعًا أخلاقيًا، وكثيرًا ما ينتهي إلى ازدواجيةٍ ونفاقٍ سلوكي.
للأخلاقِ قيمةٌ بذاتها، ذلك أن الحَسَنَ حَسَنٌ بذاته، والقبيحَ قبيحٌ بذاته. ويستمدّ الفعلُ الأخلاقي قيمتَه من كونه فعلاً أخلاقياً لا غير، وذلك ما يجعل أثرَه يظهر مباشرةً على حياةِ وسلوكِ فاعله قبل غيره. جوهرُ الفعل الأخلاقي أنه واجبٌ لذاته بغضّ النظر عن نتائجه، فلو حاول شخصٌ إنقاذَ غريقٍ فإنه قام بفعل أخلاقي، سواء أفلح بذلك أم لم يفلح. للوجودِ ذاكرةٌ أخلاقيةٌ لا يُمحى فيها أثرُ أيّ فعل أخلاقي، لذلك يُعلِن الفعلُ الأخلاقي باستمرار عن نفسه ويتحدّث عن فاعله، ويفرض احترامَه على كلّ إنسان.
أساسُ الأخلاق أحكامُ العقل العملي. وهذا العقلُ هو الذي يحكم بقبحِ الكذب وحسنِ الصدق، وقبحِ الخيانة وحسنِ الأمانة، وقبحِ الظلم وحسنِ العدل. وهو المرجعيةُ في كلّ ما هو حسن أو قبيح، وفي ما نجده من قيم أخلاقية كلية في البنية العميقة للمجتمعات البشرية التي لم تتعرّف على الوحي الإلهي، فلو لم تكن هناك نواميسُ كونيةٌ للقيم والأخلاق، وكان كلُّ حُسن يحيل إلى ما يُحسّنه الوحي، وكلُّ قُبح يُحيل إلى ما يقبحّه الوحي، فسيفضي ذلك إلى تفريغِ الأخلاق من مضمونِها، وغيابِ أيِّ فعل أو سلوكٍ أخلاقي في المجتمعات البشرية التي لم تعرف الوحي. وعلى الرغم من أن تلك المجتمعات لم تعرف الأديانَ الابراهيمية، ولم تصل اليها تشريعاتُ الوحي، فإن تاريخَها يبرهن على أن هناك حضورٌ للكلمات والأفعال الأخلاقية في حياة وسلوك الفرد والجماعة، وأنها تدرك أن للكلمات والأفعال الأخلاقية الأصيلة بصمةً في ضمير العالم.
منابع التديّن الشكلي
يتغذّى التديّنُ الشكلي في مجتمعاتنا من العائلة والمدرسة والعشيرة والمجتمع والسلطة السياسية، كلُّ هذه المؤسّسات تتولى تدجينَ الطبيعة البشرية، وتعمل على تنميطها، فتبثّ الرعبَ ببراعةٍ في القلوب، وتسقي العقولَ والمخيلة أوهامًا خادعة، حتى تودعها في صندوقٍ مقفل. الخداعُ الذي يتغذّى منه المتديّنُ يتضخّمُ ليضفي على ذهنه قشرةً واهيةً، تشعره بتوهم معرفة كلِّ شئ، وأنه على صوابٍ دائمًا، ويترسّخ لديه توهمُ القوة والإنجاز، لذلك لا يجرؤ على أن يعبّرَ عن شعوره العميق بالعجز وعدم القدرة والضعف، خشيةَ الازدراء في مجتمعه، ولئلا يفقدَ تلك الهالةَ الزائفةَ التي تحملتها شخصيتُه وصدّقها.
ويتغذّى التديّنُ الشكلي أيضًا من الازدواجية ويغذّيها، إذ يعملُ هذا التديّنُ على تغذيةِ وترسيخِ الجذورِ العميقة لانشطار الشخص إلى كيانين، كيانٍ باطني يعبّر عنه كما هو في ذاته، وكيانٍ ظاهري يحاكي ما يحقّق له حضورًا ومكانةً مجتمعية، وهذا الكيان لا يعبّر عنه إلا بالشكل الذي يريده الناس، لذلك يفرض عليه ارتداءَ أقنعةٍ تختبئ خلفَها شخصيتُه الباطنية.
كذلك يتغذّي التديّنُ الشكلي من تقاليد التربية والتنشئة المجتمعية التقليدية ويغذّيها. وأكثرُ هذه التقاليد ليست واقعيةً، لأنها على الضدِّ من الطبيعة البشرية، وتتنكر لكثيرٍ من احتياجاتها الأساسية. فهي مثلًا لا تكشف مكامنَ الضعف الطبيعية للإنسان، ولا تكترث بهشاشةِ الكائن البشري وعجزِه الطبيعي، وتشدّد على الدوام على إضفاءِ قوّةٍ وهميةٍ على الأشخاص، والإعلاءِ منهم، ومن تفرّدِهم الاستثنائي بكلِّ شيء، وتفوّقِهم على كلِّ شخص سواهم. وتبدأ هذه الأساليبُ في مرحلة الطفولة، فمثلًا من أسوأ الأخطاء التربوية التي يرتكبها أكثرُ الآباء والأمهات في المجتمعات التقليدية، وعادةً ما يدفع الأطفالُ فاتورتَها مع تقدّم عمرهم، هي ترسيخُ قناعات زائفة عند الناشئة بأنهم أكبرُ من مرحلتهم العمرية، والعملُ على ترويضهم وتدجينهم باستمرار على أن سلوكَ جيلهم هو عبثٌ وطيشُ صبيةٍ غيرُ متزن، لا يليق بعقلهم ومكانتهم وشخصيتهم، ويجد ذلك تعبيرَه بوضوح في حرمانِهم من اللعب، ومنعِهم من العبث البرئ في طفولتهم مع أقرانهم، الذي يتكفّل ببناءِ مَلَكةِ التفكير، وانبثاقِ قدرات الإبداع والابتكار، وإيقاد فاعلية المخيّلة في أذهانهم.
ويتغذّى هذا التديّنُ من استبدادِ السلطة، والأنساقِ العشائرية الراسخة في مجتمعنا وما تشدّد عليه من روحِ الانقياد والإذعان، ويغذّيها. الاستبدادُ أخطرُ منابع التديّن الشكلي، فكلُّ استبدادٍ ينشد التطابقَ وإنتاجَ نسخٍ متماثلة للكائن البشري، ويعمل على محوِ الاختلاف، ومن ثمّ طمسِ الخصوصيات الذاتية للفرد، لأن الاستبدادَ لا يتمكن من إنجاز ما يرمي إليه إلّا بالعمل على محوِ الذات الفردية. على الرغم من أن كلَّ من يريد أن يكرّره الآخرُ لا يفهم الذاتَ البشرية وطبيعتَها المتفرّدة التي يتعذّر محوُها. الفرديةُ هي الهويةُ الوجودية للكائن البشري، فكلُّ كائنٍ بشري لا يتطابق كلّيًا إلّا مع ذاته. ولأن الذاتَ يتعذّر محوُها تمامًا، لذلك تفضي أساليبُ تربية الأنظمة المستبدّة إلى الإصابة بالازدواجية وتفشّي النفاقِ السلوكي، وعلى أثر ذلك تتعدّد أقنعةُ بعض البشر بعدد المواقفِ والحالاتِ التي يكون فيها، والأشخاصِ الذين يخاطبهم. ويلبث الشخصُ من هؤلاء كلَّ حياته منفيًا خارج ذاته،كلَّ مرة يعيش حياةً شخصيةً أخرى مُستعارَة، وكلُّ حياة بشخصية مستعارة نمطُ حياةٍ ينفي الحياة.
وأحيانًا يستفيقُ الشخصُ المدجّنُ على تقاليد التديّنِ الشكلي وينتفض ليعود إلى شخصيته الحقيقية، لأن الطبيعةَ البشرية ينهكها التزويرُ والتمثيلُ الزائف الذي يُكره عليه الإنسانُ في مختلف المواقف. الطبيعةُ البشريةُ صلبة جدًا، تقاوم بصمتٍ من يعبثُ بها، لذلك يرتدّ انتهاكُها على ذات الإنسانِ فيترسب على شكلِ عقدٍ نفسية.
يتغذّى التديّنُ الشكلي في مجتمعاتنا من العائلة والمدرسة والعشيرة والمجتمع والسلطة السياسية، كلُّ هذه المؤسّسات تتولى تدجينَ الطبيعة البشرية، وتعمل على تنميطها، فتبثّ الرعبَ ببراعةٍ في القلوب، وتسقي العقولَ والمخيلة أوهامًا خادعة، حتى تودعها في صندوقٍ مقفل. الخداعُ الذي يتغذّى منه المتديّنُ يتضخّمُ ليضفي على ذهنه قشرةً واهيةً، تشعره بتوهم معرفة كلِّ شئ، وأنه على صوابٍ دائمًا، ويترسّخ لديه توهمُ القوة والإنجاز، لذلك لا يجرؤ على أن يعبّرَ عن شعوره العميق بالعجز وعدم القدرة والضعف، خشيةَ الازدراء في مجتمعه، ولئلا يفقدَ تلك الهالةَ الزائفةَ التي تحملتها شخصيتُه وصدّقها.
ويتغذّى التديّنُ الشكلي أيضًا من الازدواجية ويغذّيها، إذ يعملُ هذا التديّنُ على تغذيةِ وترسيخِ الجذورِ العميقة لانشطار الشخص إلى كيانين، كيانٍ باطني يعبّر عنه كما هو في ذاته، وكيانٍ ظاهري يحاكي ما يحقّق له حضورًا ومكانةً مجتمعية، وهذا الكيان لا يعبّر عنه إلا بالشكل الذي يريده الناس، لذلك يفرض عليه ارتداءَ أقنعةٍ تختبئ خلفَها شخصيتُه الباطنية.
كذلك يتغذّي التديّنُ الشكلي من تقاليد التربية والتنشئة المجتمعية التقليدية ويغذّيها. وأكثرُ هذه التقاليد ليست واقعيةً، لأنها على الضدِّ من الطبيعة البشرية، وتتنكر لكثيرٍ من احتياجاتها الأساسية. فهي مثلًا لا تكشف مكامنَ الضعف الطبيعية للإنسان، ولا تكترث بهشاشةِ الكائن البشري وعجزِه الطبيعي، وتشدّد على الدوام على إضفاءِ قوّةٍ وهميةٍ على الأشخاص، والإعلاءِ منهم، ومن تفرّدِهم الاستثنائي بكلِّ شيء، وتفوّقِهم على كلِّ شخص سواهم. وتبدأ هذه الأساليبُ في مرحلة الطفولة، فمثلًا من أسوأ الأخطاء التربوية التي يرتكبها أكثرُ الآباء والأمهات في المجتمعات التقليدية، وعادةً ما يدفع الأطفالُ فاتورتَها مع تقدّم عمرهم، هي ترسيخُ قناعات زائفة عند الناشئة بأنهم أكبرُ من مرحلتهم العمرية، والعملُ على ترويضهم وتدجينهم باستمرار على أن سلوكَ جيلهم هو عبثٌ وطيشُ صبيةٍ غيرُ متزن، لا يليق بعقلهم ومكانتهم وشخصيتهم، ويجد ذلك تعبيرَه بوضوح في حرمانِهم من اللعب، ومنعِهم من العبث البرئ في طفولتهم مع أقرانهم، الذي يتكفّل ببناءِ مَلَكةِ التفكير، وانبثاقِ قدرات الإبداع والابتكار، وإيقاد فاعلية المخيّلة في أذهانهم.
ويتغذّى هذا التديّنُ من استبدادِ السلطة، والأنساقِ العشائرية الراسخة في مجتمعنا وما تشدّد عليه من روحِ الانقياد والإذعان، ويغذّيها. الاستبدادُ أخطرُ منابع التديّن الشكلي، فكلُّ استبدادٍ ينشد التطابقَ وإنتاجَ نسخٍ متماثلة للكائن البشري، ويعمل على محوِ الاختلاف، ومن ثمّ طمسِ الخصوصيات الذاتية للفرد، لأن الاستبدادَ لا يتمكن من إنجاز ما يرمي إليه إلّا بالعمل على محوِ الذات الفردية. على الرغم من أن كلَّ من يريد أن يكرّره الآخرُ لا يفهم الذاتَ البشرية وطبيعتَها المتفرّدة التي يتعذّر محوُها. الفرديةُ هي الهويةُ الوجودية للكائن البشري، فكلُّ كائنٍ بشري لا يتطابق كلّيًا إلّا مع ذاته. ولأن الذاتَ يتعذّر محوُها تمامًا، لذلك تفضي أساليبُ تربية الأنظمة المستبدّة إلى الإصابة بالازدواجية وتفشّي النفاقِ السلوكي، وعلى أثر ذلك تتعدّد أقنعةُ بعض البشر بعدد المواقفِ والحالاتِ التي يكون فيها، والأشخاصِ الذين يخاطبهم. ويلبث الشخصُ من هؤلاء كلَّ حياته منفيًا خارج ذاته،كلَّ مرة يعيش حياةً شخصيةً أخرى مُستعارَة، وكلُّ حياة بشخصية مستعارة نمطُ حياةٍ ينفي الحياة.
وأحيانًا يستفيقُ الشخصُ المدجّنُ على تقاليد التديّنِ الشكلي وينتفض ليعود إلى شخصيته الحقيقية، لأن الطبيعةَ البشرية ينهكها التزويرُ والتمثيلُ الزائف الذي يُكره عليه الإنسانُ في مختلف المواقف. الطبيعةُ البشريةُ صلبة جدًا، تقاوم بصمتٍ من يعبثُ بها، لذلك يرتدّ انتهاكُها على ذات الإنسانِ فيترسب على شكلِ عقدٍ نفسية.
نتائج التديّن الشكلي
يرادفُ التديّنَ الشكلي أحيانًا ازدواجيةٌ ونفاقٌ سلوكي، وادعاءاتٌ ومزاعم، وحيلٌ فقهية، وتوريةٌ، وإظهارُ الحياءِ والعفّة والتواضع المصطَنع، وكثرةُ الكلام في الدين والفقه، والجدلُ العقيم والثرثرةُ في قضايا دينية هامشية، والإلحاحُ في السؤال، وطلبُ فتوى الفقيه لكلِّ شيء يقوله أو يفعله المتديّن، وربما تتورم حالتُه فينتهي إلى مرضٍ نفسي واضطرابٍ ذهني وسلوكي.
المتديّنُ الذي ينخرطُ في هذا النمط من التديّن يهمّه التسويغُ الفقهي لفعلِه وقولِه، مهما كان أثرُه السلبي على حياتِه الروحية والأخلاقية، ومصيرِه الأخروي، وإن كان سلوكُهُ مضرًّا بمصالحِ الناس ومعاشِهم، فهو يحرص جدًّا على أن يعثرَ على فقيه، وما أكثر من يدّعي الفقاهةَ اليوم، يفتي له بجواز فعلِ أو قولِ ما يريده، وإن كان ذلك الفعلُ أو القول قبيحًا على وفق أحكامِ العقل العملي "الأخلاقي"، أو كان يهدم العمرانَ وعلى الضدّ من بناءِ الأوطان، أو كان ذلك الفعلُ أو القولُ يجرح الروحَ وينتهك الضميرَ الأخلاقي.
شاهدتُ وأشاهدُ باستمرار في حياتي، ويشاهد كثيرٌ ممن عاش في مجتمعات دينية، أفعالًا يومية على نمطِ هذا التديّن الشكلي في سلوك ومواقف أكثر من نتعامل معهم. لأن التديّنَ الشكلي أكثرُ أشكال التديّن شيوعًا في مجتمعاتنا، فهو يتحكّم في العلاقات الاجتماعية بين المتدينين، وتسود القيمُ الشكلية التي أنتجها حياتَهم، وهي التي تحدّد أنواعَ اهتماماتهم وأحكامهم.
وأحيانًا يتحولُ التديّنُ الشكلي إلى غطاءٍ لبعض الأمراض النفسية التي تتخذ من هذا النوع من التديّن قناعًا لها. ويمكن تشخيصُ سلوكيات مصابين بأمراض نفسية يتخذون من التديّن العنيف والمتشدّد والمتنطّع والمُغالي أقنعةً يتلفعون بها، وتظهر تعبيراتُ هذه الأمراض النفسية بأشكال متنوّعة، فنقرؤها أحيانًا في اللغةِ وأساليبِ التعبير، ونسمعها في الصوتِ الذي قد يتمثّل في نغمة تخدش السمع، أو نراها على شكلِ تعبيراتٍ في الوجه تثير القرف، أو حركاتٍ منفّرة في لغة الجسد، أو أنماطٍ عنيفةٍ في التعامل مع الآخر. فقد يكون الشخصُ مصابًا بوسواس قهري ، فتظهر لديه حالاتُ مبالغةٍ في الاحتياطات الفقهية في كلّ شيء، وإغراقٌ في تكرارٍ مملّ للغسل والوضوء، والصلاة، ومناسك الحج، وغيرِ ذلك من العبادات.
وربما يكون الشخصُ مصابًا بشيزوفرينيا حادّة فيظهر ذلك المرضُ في تديّنه، ويصير التديّنُ غطاءً لسلوكه العدواني. وربما يكون ساديّا فيتلذّذ بذبح البشر. وربما يكون مازوشيا فيتلذّذ بتعذيب جسده بممارسات تعنّف الجسد، وربما يتفجّر مخزونُ الكبت المتراكم لديه فيرتدّ بشكلٍ عنيف ضدّ جسده، كأولئك الذين يجرحون رؤوسَهم في ولائم دامية بذريعة أداء الشعائر. وربما يكون المتديّنُ مصابًا باكتئابٍ شديد، فتراهُ كمن يقيمُ في كابوسِ حزنٍ مزمن، وتنعكس بعضُ أعراض اكتئابه في عباداته، وفي مختلف أشكال سلوكه وأساليب تعامله مع الناس. وغير ذلك من الأمراض النفسية المختلفة التي تتخذُ من التديّن قناعًا تختفي خلفه.
وقد يتحول التديّن الشكلي إلى غطاءٍ لبعض الأمراض الأخلاقية، علمًا بأن هناك صلةً عضويةً بين بعض الأمراض النفسية والأخلاقية، لكن الأمراضَ الأخلاقيةَ أشدُّ فتكًا في المجتمع من الأمراض النفسية والجسدية، والعدوى فيها لا تختلف عن عدوى الأمراض الجسدية المعدية، وتشتدُّ هذه العدوى إنْ سقط بعضُ الشباب ضحايا في أحضان معلّم يغطّي تديّنُه الشكلي مرضَه الأخلاقي. أعرف شبابًا مهذبين أمسوا من ذوي العاهات الأخلاقية عندما تلمذوا على معلّمين مصابين بأمراض أخلاقية حادّة.
وتنحرف الطقوسُ في التديّن الشكلي عن مقاصدها الروحية والأخلاقية. حتى الصلاة قد تتحول أحياناً إلى غاية بذاتها، وربما تصيرُ الطقوسُ وثنًا. توثينُ الصلاة مثلاً يصاب به بعضُ المتدينين، وتظهر أعراضُه على شكل اضطرابٍ وضوضاءٍ وهوسٍ وقتَ الصلاة. وأحيانا يصبح الغرقُ في التديّن الطقوسي ضربًا من التعبير عن شغفٍ بسلطةٍ مُشتهاة. عندها يجري توظيفُ الطقس قناعًا لتكريسِ سطوة الشخص على من حوله، بمعنى أن مثلَ هؤلاء ينشدون سلطةً دنيوية، أكثر مما ينشدون إثراءَ حياة روحية وأخلاقية. لذلك يتعرض من يتعاملون معهم إلى ضربٍ من العنف الرمزي المنبعث من أجسادِ هؤلاء المهووسين بالطقوسِ، ولغتِهم، وأساليب تعاملهم مع الناس، فترى بعضَهم يعيشون حالةَ انفعالٍ وتوترٍ شديدين، ولا تخلو ممارستُهم الطقسَ من تكلّفٍ وتعبيراتٍ تشي بالشغف بسلطةٍ منشودة، وكأنهم لا يفتؤون عن تنبيه الآخَر بسطوتهم، اثر إشعاره بتفوّق مقامهم الروحي.
يرادفُ التديّنَ الشكلي أحيانًا ازدواجيةٌ ونفاقٌ سلوكي، وادعاءاتٌ ومزاعم، وحيلٌ فقهية، وتوريةٌ، وإظهارُ الحياءِ والعفّة والتواضع المصطَنع، وكثرةُ الكلام في الدين والفقه، والجدلُ العقيم والثرثرةُ في قضايا دينية هامشية، والإلحاحُ في السؤال، وطلبُ فتوى الفقيه لكلِّ شيء يقوله أو يفعله المتديّن، وربما تتورم حالتُه فينتهي إلى مرضٍ نفسي واضطرابٍ ذهني وسلوكي.
المتديّنُ الذي ينخرطُ في هذا النمط من التديّن يهمّه التسويغُ الفقهي لفعلِه وقولِه، مهما كان أثرُه السلبي على حياتِه الروحية والأخلاقية، ومصيرِه الأخروي، وإن كان سلوكُهُ مضرًّا بمصالحِ الناس ومعاشِهم، فهو يحرص جدًّا على أن يعثرَ على فقيه، وما أكثر من يدّعي الفقاهةَ اليوم، يفتي له بجواز فعلِ أو قولِ ما يريده، وإن كان ذلك الفعلُ أو القول قبيحًا على وفق أحكامِ العقل العملي "الأخلاقي"، أو كان يهدم العمرانَ وعلى الضدّ من بناءِ الأوطان، أو كان ذلك الفعلُ أو القولُ يجرح الروحَ وينتهك الضميرَ الأخلاقي.
شاهدتُ وأشاهدُ باستمرار في حياتي، ويشاهد كثيرٌ ممن عاش في مجتمعات دينية، أفعالًا يومية على نمطِ هذا التديّن الشكلي في سلوك ومواقف أكثر من نتعامل معهم. لأن التديّنَ الشكلي أكثرُ أشكال التديّن شيوعًا في مجتمعاتنا، فهو يتحكّم في العلاقات الاجتماعية بين المتدينين، وتسود القيمُ الشكلية التي أنتجها حياتَهم، وهي التي تحدّد أنواعَ اهتماماتهم وأحكامهم.
وأحيانًا يتحولُ التديّنُ الشكلي إلى غطاءٍ لبعض الأمراض النفسية التي تتخذ من هذا النوع من التديّن قناعًا لها. ويمكن تشخيصُ سلوكيات مصابين بأمراض نفسية يتخذون من التديّن العنيف والمتشدّد والمتنطّع والمُغالي أقنعةً يتلفعون بها، وتظهر تعبيراتُ هذه الأمراض النفسية بأشكال متنوّعة، فنقرؤها أحيانًا في اللغةِ وأساليبِ التعبير، ونسمعها في الصوتِ الذي قد يتمثّل في نغمة تخدش السمع، أو نراها على شكلِ تعبيراتٍ في الوجه تثير القرف، أو حركاتٍ منفّرة في لغة الجسد، أو أنماطٍ عنيفةٍ في التعامل مع الآخر. فقد يكون الشخصُ مصابًا بوسواس قهري ، فتظهر لديه حالاتُ مبالغةٍ في الاحتياطات الفقهية في كلّ شيء، وإغراقٌ في تكرارٍ مملّ للغسل والوضوء، والصلاة، ومناسك الحج، وغيرِ ذلك من العبادات.
وربما يكون الشخصُ مصابًا بشيزوفرينيا حادّة فيظهر ذلك المرضُ في تديّنه، ويصير التديّنُ غطاءً لسلوكه العدواني. وربما يكون ساديّا فيتلذّذ بذبح البشر. وربما يكون مازوشيا فيتلذّذ بتعذيب جسده بممارسات تعنّف الجسد، وربما يتفجّر مخزونُ الكبت المتراكم لديه فيرتدّ بشكلٍ عنيف ضدّ جسده، كأولئك الذين يجرحون رؤوسَهم في ولائم دامية بذريعة أداء الشعائر. وربما يكون المتديّنُ مصابًا باكتئابٍ شديد، فتراهُ كمن يقيمُ في كابوسِ حزنٍ مزمن، وتنعكس بعضُ أعراض اكتئابه في عباداته، وفي مختلف أشكال سلوكه وأساليب تعامله مع الناس. وغير ذلك من الأمراض النفسية المختلفة التي تتخذُ من التديّن قناعًا تختفي خلفه.
وقد يتحول التديّن الشكلي إلى غطاءٍ لبعض الأمراض الأخلاقية، علمًا بأن هناك صلةً عضويةً بين بعض الأمراض النفسية والأخلاقية، لكن الأمراضَ الأخلاقيةَ أشدُّ فتكًا في المجتمع من الأمراض النفسية والجسدية، والعدوى فيها لا تختلف عن عدوى الأمراض الجسدية المعدية، وتشتدُّ هذه العدوى إنْ سقط بعضُ الشباب ضحايا في أحضان معلّم يغطّي تديّنُه الشكلي مرضَه الأخلاقي. أعرف شبابًا مهذبين أمسوا من ذوي العاهات الأخلاقية عندما تلمذوا على معلّمين مصابين بأمراض أخلاقية حادّة.
وتنحرف الطقوسُ في التديّن الشكلي عن مقاصدها الروحية والأخلاقية. حتى الصلاة قد تتحول أحياناً إلى غاية بذاتها، وربما تصيرُ الطقوسُ وثنًا. توثينُ الصلاة مثلاً يصاب به بعضُ المتدينين، وتظهر أعراضُه على شكل اضطرابٍ وضوضاءٍ وهوسٍ وقتَ الصلاة. وأحيانا يصبح الغرقُ في التديّن الطقوسي ضربًا من التعبير عن شغفٍ بسلطةٍ مُشتهاة. عندها يجري توظيفُ الطقس قناعًا لتكريسِ سطوة الشخص على من حوله، بمعنى أن مثلَ هؤلاء ينشدون سلطةً دنيوية، أكثر مما ينشدون إثراءَ حياة روحية وأخلاقية. لذلك يتعرض من يتعاملون معهم إلى ضربٍ من العنف الرمزي المنبعث من أجسادِ هؤلاء المهووسين بالطقوسِ، ولغتِهم، وأساليب تعاملهم مع الناس، فترى بعضَهم يعيشون حالةَ انفعالٍ وتوترٍ شديدين، ولا تخلو ممارستُهم الطقسَ من تكلّفٍ وتعبيراتٍ تشي بالشغف بسلطةٍ منشودة، وكأنهم لا يفتؤون عن تنبيه الآخَر بسطوتهم، اثر إشعاره بتفوّق مقامهم الروحي.
في التديّن الشكلي طالما عجزَ الإنسانُ عن البوح والاعتراف، لذلك نجد بعضَ الأشخاص يمارس مراوغةً مبتذلة في التعبير عمّا يريده، ويظهرُ العجزُ عن البوح والاعتراف في المذكرات الشخصية بوضوح، إذ قلّما نطالع في مذكرات من يكتب في مجتمعاتنا اعترافات، خلافًا للغربيين الذين نقرأ في مذكراتِهم الشخصية كثيرًا من البوح والحديث المكشوف. إنها اعترافاتٌ شجاعة تبوحُ بطبيعتهم البشرية التي تختزن ضعفَهم وهشاشتَهم وقلقَهم وعبثَهم وأخطاءَهم وتناقضاتهم.
لم يكن هذا الشكلُ من التديّن في يوم ما حلًا لمشكلة، بل كان وما زال، هو المشكلةُ في عالَم الإسلام، فمن الآثارِ الخطيرةِ للتديّن الشكلي أن لادينيةَ أكثرِ الشباب اليوم هي احتجاجٌ على هذا النمط من التديّن، إنها احتجاجٌ على نمطِ تديّنٍ يغيبُ فيه الضميرُ الأخلاقي، تديّنٍ يُفقِر الحياةَ الروحية، تديّنٍ يعجز عن تذوق جماليات الوجود، تديّنٍ ضد الفنون، تديّنٍ ضد الفرح، تديّنٍ حزين، تديّنٍ كأنه اكتئاب.
وأودُ الاشارةَ إلى أن هذا التصنيفِ الذي اقترحتُهُ للتديّنِ جاء محصلةَ خبرةٍ في الحياة الدينية، وعيشٍ داخل جماعات متدينة، وكنت اهتمّ منذ وقت مبكر برصد تمثلاتِ الدين وتعبيراتِه في سلوك الفرد والجماعة، وما ينبغي أن ينتجه من آثارٍ عمليةٍ، يفترضُ أن تجدَ تعبيرها الأخلاقي في سلوك المتديّن.
في هذا التصنيفِ لم أجد الحدودَ صارمةً بين كلِّ واحدٍ من هذه الأنماطِ والآخر، بل وجدتُ التديّنَ الشكلي مثلًا يتداخلُ مع تعبيراتِ التديّنِ الشعبوي، كما يتداخلُ مع شيءٍ من تعبيراتٍ لأنماطِ تديّنٍ أخرى. وقد تنبهت لذلك منذ أكثر من ثلاثين عامًا، كما أشرتُ لبعض هذه الأنماط منذ أكثر من عشر سنوات في بعض كتاباتي، وبعد ذلك كتبتُ مُخطّطًا أوليًا لهذا التصنيف في مقالةٍ نشرتها قبل ست سنوات، أدرجتُ فيها هذه الأنماطَ وشرحتُها بإيجازٍ شديد.
#التديّنُ_الشكلي
لم يكن هذا الشكلُ من التديّن في يوم ما حلًا لمشكلة، بل كان وما زال، هو المشكلةُ في عالَم الإسلام، فمن الآثارِ الخطيرةِ للتديّن الشكلي أن لادينيةَ أكثرِ الشباب اليوم هي احتجاجٌ على هذا النمط من التديّن، إنها احتجاجٌ على نمطِ تديّنٍ يغيبُ فيه الضميرُ الأخلاقي، تديّنٍ يُفقِر الحياةَ الروحية، تديّنٍ يعجز عن تذوق جماليات الوجود، تديّنٍ ضد الفنون، تديّنٍ ضد الفرح، تديّنٍ حزين، تديّنٍ كأنه اكتئاب.
وأودُ الاشارةَ إلى أن هذا التصنيفِ الذي اقترحتُهُ للتديّنِ جاء محصلةَ خبرةٍ في الحياة الدينية، وعيشٍ داخل جماعات متدينة، وكنت اهتمّ منذ وقت مبكر برصد تمثلاتِ الدين وتعبيراتِه في سلوك الفرد والجماعة، وما ينبغي أن ينتجه من آثارٍ عمليةٍ، يفترضُ أن تجدَ تعبيرها الأخلاقي في سلوك المتديّن.
في هذا التصنيفِ لم أجد الحدودَ صارمةً بين كلِّ واحدٍ من هذه الأنماطِ والآخر، بل وجدتُ التديّنَ الشكلي مثلًا يتداخلُ مع تعبيراتِ التديّنِ الشعبوي، كما يتداخلُ مع شيءٍ من تعبيراتٍ لأنماطِ تديّنٍ أخرى. وقد تنبهت لذلك منذ أكثر من ثلاثين عامًا، كما أشرتُ لبعض هذه الأنماط منذ أكثر من عشر سنوات في بعض كتاباتي، وبعد ذلك كتبتُ مُخطّطًا أوليًا لهذا التصنيف في مقالةٍ نشرتها قبل ست سنوات، أدرجتُ فيها هذه الأنماطَ وشرحتُها بإيجازٍ شديد.
#التديّنُ_الشكلي
لاحظت أن انهيار التدين لدى بعض الشباب يرتد الى غياب المثال المُجسَّد للتدين الانساني الروحي الأخلاقي .. ناقشت بعضهم ساعات طويلة، لماذا يمضي الى مديات قصية في مواقفه السلبية من الدين، لم يعلن أحد منهم أمامي إلحاده بالله، ولم يحاجّني ببراهين المتكلمين على وجوده تعالى، وانما اتفقوا جميعاً على انهم يقرؤون عن حياة روحية، ويسمعون حديثاً مكرراً عن مفاهيم أخلاقية، ومواقف انسانية، غير انهم يفتقدونها فيمن ينادون بها، ولا يرون ملامح صورتها في سلوكهم، ولم يعثروا على من يهتدون بسيرته العملية في المحيط الذي يدرسون ويعيشون فيه. تنبهت الى أن البواعث العميقة للتدين ترتبط عضوياً بحساسيات ومشاعر الانسان وعواطفه، وان الانسان بطبيعته لا يهتدي ايمانياً إلاّ بالقدوة العملية الملهمة، تلك القدوة التي تسقيه الارتواء الروحي، وتمنحه السلام النفسي، وتغمره بالرأفة والشفقة، كي تخلصه من الاغتراب، وتشعره بالحماية والأمن في الحياة.
الناس كي يؤمنوا؛ يفتشون دائماً عن نموذج بشري مُجسَّد للايمان المتواشج عضوياً بالحب والرحمة، والحب والرحمة المتواشجة بالايمان. ويحتاجون إلى من يشعرهم بوجود الله عملياً في حياتهم، لا من يثبت لهم وجوده كفكرة مجردة، لا صلة لها بحياتهم، مثلما يفعل المتكلمون واللاهوتيون. يحتاجون إلى من يوقظ أرواحهم، ويوصلهم عضوياً بالله، بوصفه المنبع الحقيقي للطاقة الحيوية الايجابية الفاعلة، التي يتغلبون بها على ذلك الوجع الأسود المتفشي في العالم، والذي لا تطيقه قدرة عامة البشر.
الناس كي يؤمنوا؛ يفتشون دائماً عن نموذج بشري مُجسَّد للايمان المتواشج عضوياً بالحب والرحمة، والحب والرحمة المتواشجة بالايمان. ويحتاجون إلى من يشعرهم بوجود الله عملياً في حياتهم، لا من يثبت لهم وجوده كفكرة مجردة، لا صلة لها بحياتهم، مثلما يفعل المتكلمون واللاهوتيون. يحتاجون إلى من يوقظ أرواحهم، ويوصلهم عضوياً بالله، بوصفه المنبع الحقيقي للطاقة الحيوية الايجابية الفاعلة، التي يتغلبون بها على ذلك الوجع الأسود المتفشي في العالم، والذي لا تطيقه قدرة عامة البشر.