عبدالجبار الرفاعي
3.67K subscribers
725 photos
59 videos
284 files
1.25K links
مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضۚ
Download Telegram
تلوّينُ النصِ

عبدالجبار الرفاعي
تحدّث الشيخُ أمين الخولي عن فكرة تلوّين النص بوضوح في قوله: "إن الشخصَ الذي يفسّر نصًا يلوّن هذا النص– ولاسيّما النص الأدبي – بتفسيره له وفهمه إياه. وإذ أن المتفهم لعبارة هو الذي يحدد بشخصيته المستوى الفكري لها، وهو الذي يعين الأفق العقلي، الذي يمتد إليه معناها ومرماها، يفعل ذلك كله وفق مستواه الفكري، وعلى سعة أفقه العقلي... لأنه لا يستطيع أن يعدو ذلك من شخصيته، ولا تمكنه مجاوزته أبداً... فلن يفهم من النص إلا ما يرقى إليه فكره، ويمتد إليه عقله. وبمقدار هذا يتحكّم في النص، ويحدد بيانه" .
وأظن اقتبس أمينُ الخولي مصطلحَ "يلوّن النص" من التعبير المشهور للمتصوّف الجنيد البغدادي : "لون الماء لون إنائه" . وذلك يؤشر للأهمية الفائقة لنصوصِ المتصوّفة والعرفاء، وطرائقِهم في تبصّرِ واكتشافِ ما لبث مجهولًا من رؤيتِهم للحقيقة الدينية، ومناهجِ قراءتهم للنصّ، خارج أسوار قواعد التفسير وأصول الفقه الموروثة. فمثلما يصطبغ الماءُ بلون الإناء، يذهب الخولي في تحليله للكيفية التي يغدو فيها النصُّ مرآةً تنعكس فيها ألوانُ صورة المفسِّر، وكأن القارئَ يرى صورتَه في النصِّ، وتتلوّن هذه الصورةُ بأحكامه المسبقة، فيتشكّل معناها في ضوء ما يرسمه أفقُ انتظاره. يشير الشيخُ الخولي إلى ذلك قائلاً: "فهو في حقيقة الأمر يجر إليه العبارة جرًا، ويشدها شدًا؛ يمطها إلى الشمال، وحينًا إلى الجنوب؛ وطورًا يجذبها إلى أعلى، وآونة ينزل بها إلى أسفل؛ فيفيض عليها في كل حالة من ذاته، ولا يستخرج منها إلا قدر طاقته الفكرية واستطاعته العقلية؛ وما أكثر ما يكون ذلك واضحًا حينما تسعف اللغة عليه، وتتسع له ثروتها، من التجوزات والتأولات، فتمد هذه المحاولة المفسِّرة، بما لديها من ذلك... وإنّ المستطاع منه في اللغة العربية لكثير وكثير" .
هكذا يتخذ الخولي المقاربةَ الهِرْمِنيوطيقية مرجعيةً في تقويم اتجاهات التفسير القرآني المتنوعة، ولا يستثني من ذلك أيَّ شكل من أشكال التفسير، فسواء كان التفسيرُ عقليًا اجتهاديًا، أو نقلياً مروياً، أو غيرَ ذلك، تحضر بصمةُ المفسِّر لتطبع تفسيرَه، فكلُّ تفسير يحمل توقيعَ المفسِّر وطبيعةَ شخصيته، مهما حاول ذلك المفسِّر أن يتجرّد ويكون موضوعيًا ومحايدًا. يكتب الخولي: "على هذا الأصل وجدنا آثار شخصية المتصدين لتفسير القرآن، تطبع تفسيرهم له في كل عهد وعصر، وعلى أي طريقة ومنهج، سواء أكان تفسيرهم له نقليًا مرويًا، أم كان عقليًا اجتهاديًا" .
ويرفض الشيخُ الخولي رأيَ من يستثني التفسيرَ الروائي من بصمة ذات المفسِّر، مسوغًا ذلك بأن هذا الضرب من التفسير لا يعدو أن يكون سوى بيانٍ لمعنى الآيات في ضوء الأحاديث المروية، وفي مثل هذا التفسير لا يتدخل المفسِّر عادة. غير أن الخولي يرفض حيادَ المفسِّر الروائي في هذا الصنف من التفسير، ويدلّل على أن انتخابَ المفسِّر لروايات دون سواها يؤشر إلى أفقِ انتظاره وإطارِ تفكيره ومسلّماتِه وأحكامِه المسبقة، وهذا هو سببُ الاختلافِ الواسع في التفاسير الروائية، واستنادِ كلّ مفسّر إلى نوع معين من الروايات المفسِّرة لكلّ آية وبيان مضمونها. يكتب الخولي: "ولعله لا يبدو هذا الأثر الشخصي واضحًا في التفسير المروي لأول وهلة، ولكنك تتبينه إذا ما قدرت أن المتصدي لهذا التفسير النقلي إنما يجمع حول الآية من المرويات، ما يشعر أنها متجهة إليه، متعلقة به، فيقصد إلى ما تبادر لذهنه من معناها، وتدفعه الفكرة العامة فيها، فيصل بينها وبين ما يروى حولها في اطمئنان... وبهذا الاطمئنان يتأثر نفسيًا وعقليًا، حينما يقبل مرويًا ويعنى به، أو يرفض من ذلك مرويًا – إن رفضه – ولم يرتح إليه... ومن هنا نستطيع القول حتى في التفسير النقلي وتداوله، تكون شخصية المتعرض للتفسير هي الملوِّنة له، المروجة لصنف منه" . في ضوء هذا الفهم يصبح التفسيرُ الروائي أحدَ أشكال التفسير بالرأي، حسب المصطلح المعروف في أنواع التفسير، وحتى انتخاب آية لتفسير آية أو كلمة قرآنية أخرى أو ما يعرف بـ " تفسير القرآن بالقرآن" يخضع لهذه المعادلة التي شرحها الشيخ الخولي.
تظهر ذات المفسِّر والإطارُ المعرفي له في تلوّين ما يفسّره، فمثلًا لو كان المفسِّرُ متكلمًا، يكتسي تفسيرُه صبغةً كلامية، ولو كان فقيهًا يكتسي تفسيرُه صبغةً فقهية، ولو كان متصوفًا يكتسي تفسيرُه صبغةً صوفية، ولو كان أديبًا يكتسي تفسيرُه صبغةً أدبية... وهكذا.
وكأن الخولي يقرّر قاعدةً كليةً في التفسير، لا تستثني أيَّ شكل من أشكال التفسير من التحرّر من بصمةِ المفسِّر وفهمِه الخاص، حتى تفسير القرآن بالقرآن، الذي يُظن بأنه التفسير الوحيد الذي يتحرّر من ذات المفسِّر، يخضع فيه المفسِّر إلى هذه المعادلة، فليس بوسعه أن يتخلص مما هو مستتر من مسلماته ومضمراته، حين ينتخب آيةً أو كلمةً لتفسير آيةٍ أو كلمةٍ قرآنية.
وكما يتحدّث الخولي عن التأثير المتبادَل بين رؤية المفسِّر للعالَم والعلم الذي يتخصّص به وبين عمليةِ التفسير، ينبّه أيضًا إلى تفاعل ذلك العلم مع تخصّص المفسِّر، ليتطور في طور جديد يثريه ويتكامل به، بعد توظيفه في حقل التفسير. إنه يتحدّث عن ذلك في إشارة دالّة بقوله: "إن التفسير على هذا التلوّين، يتأثر بالعلوم والمعارف التي يلقى بها المفسِّر النص، ويستعين بها في استجلاء معانيه، كما أن وصل هذه العلوم بالتفسير يكسب هاتيك العلوم نفسها ضربًا من الثروة، بقدر أثره في تاريخها... وقد جاءك ما فعل الرازي في تفسيره... فهذا ومثله تلوين كلامي للتفسير، يضفي على القرآن؛ من منهج علم الكلام ويوجه تفسيره...كما تجد تلوينًا فقهيًا للتفسير، وآخر بلاغيًا، وغيرهما قصصيًا..." . فالعلوم تنمو وتتطوّر من خلال اتساع مجالات تطبيقها في حقول علمية جديدة، إذ يفضح التطبيقُ ثغراتِها ويكشف عيوبَها، ويحذف أخطاءَها.
لا أظن الشيخَ الخولي يورطنا بنسبية الفهم، بل أراه يحاول تحريرَ فهم النصّ القرآني من سوء فهم وأخطاء المفسِّرين، الذين ظلوا على الدوام بشرًا، يتحدثون إلى زمانهم وبيئاتهم وثقافاتهم ونمط رؤيتهم للعالم، وهم أنفسهم تعاطوا مع تفسيرات المفسِّرين من قبلهم بوصفها آراء نسبية، تخضع لمشروطيات اللغة والزمان والمكان والبيئة والثقافة، وليست فهمًا أبديًا يتعالى على أيّة مشروطية تاريخية.
ويمكن للباحث أن يكتشف تلوين المفسِّر للنص الذي يفسره لدى تلامذة الخولي، ففي الوقت الذي تمثّل محمد أحمد خلف الله نهج أستاذه الخولي في اطروحته للدكتوراه ، أخفقت تلميذتُه وزوجتُه عائشة عبدالرحمن في أن تتمثّل ذلك النهجَ في تفسيرها ، وكانت أشدَّ وفاءً لماضي التفسير منها إلى متطلبات الواقع، ولم تجسّد ما كان يتبناه أستاذُها أمينُ الخولي في التفسير، ودعوتَه لتوظيف مناهج التأويل الحديثة والهِرْمِنيوطيقيا. فبينما يتجه بعضُ تلامذة الخولي لمغامرة ركوبِ سفينة علومِ الإنسان والمجتمع الحديثة ومناهجِ التأويل والهِرْمِنيوطيقيا، ويجازف بتطبيقها في التفسير في مجتمع تقليدي، ويتعرض إلى هجمة عنيفة، كانت عائشةُ عبدالرحمن تغرق في أمواج التراث، وكأنها غفلت أو تجاهلت دعوةَ شيخها للتجديد في صدر قوله: "أول التجديد..." ، فغرقت في العجز: "قتل القديم فهمًا"، وتشبّعت بالقديم أعمالُها، بلا أن نقرأ فيها ملامحَ للجديد، وحتى أعمال تلامذتها ورسائلهم في الدراسات العليا، التي كانت ترشدهم إليها وتشرف عليها، ظلّت مسكونةً بالقديم أيضًا .
وكأن بنتُ الشاطئ لم تشأ أن تتورط في الخروج على المناهج الموروثة للتفسير، لخوفها من ردود الأفعال، لأن ما تلقّته أطروحةُ خلف الله من هجومٍ عنيف جعل كلَّ تلامذة الخولي يفكرون طويلًا قبل أن يترسّموا نهجَ أستاذهم التجديدي. وربما لم تدرك عائشةُ عبدالرحمن بعمق مأزقَ التفسير الموروث، وما كان يرمي إليه أستاذُها الخولي من تحريرِ المعنى القرآني من رؤية المفسِّر القديمة للعالم، ووضعِ هذا المعنى في لغةٍ تكتشف المتطلباتِ الروحيةَ والأخلاقيةَ والجماليةَ للمسلم اليوم.
التجديدُ شديدُ الوطأةِ على النفس والمشاعر والمصالح، لا يستسيغه إلا عقلٌ شجاع، وإنسانٌ يمتلك قدرةَ المغامرة في الخروج على المألوف، ومستعدٌّ لدفع ضريبة موجعة. لذلك لم يكن موقفُ بنت الشاطئ غريبًا، فقد تكرّر هذا الموقفُ لدى كثيرٍ من التلامذة الذين عجزوا عن تمثّل النهج التجديدي لأساتذتهم، فوقفوا خارج آفاق رؤية الأستاذ، فركنوا إلى التراث ليتشدّدوا في استئنافه كما هو، وهذا ما نراه ماثلا في النزوع السلفي للشيخ محمد رشيد رضا، بعد رحيل أستاذه الشيخ محمد عبده، وغيره.





http://www.islammaghribi.com/2019/03/15/%D8%AA%D9%84%D9%88%D9%91%D9%8A%D9%86%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5%D9%90/?fbclid=IwAR3QJB-jH4LVjjhNugMyeVb2ycSCOy7wK7h-2uzFCiVb05Z84LPzZmopSyE
لسنا بحاجة أن نتكلم كثيرًا عن الحاجة الماسّة لتجديدِ الفكر الإسلامي بعد المأزق التاريخي الذي يعيشه عالَمُ الإسلام، ويكابده المسلمُ كلَّ يوم، لأن الحضورَ العنيفَ للجماعات الإسلامية المتطرّفة يكفينا ذلك.
ما يهمّنا اليوم هو التعرّفُ على العوامل العميقة لهذا المأزق الذي تورّطت فيه مجتمعاتُنا، وكان ومازال المعطِّلَ الكبيرَ لمحاولات النهوض التي أنفقنا فيها جهودًا كبيرةً وأموالا طائلة.
يحيلُ أكثرُ الباحثين ولادةَ وتفشّي فكرِ الجماعات المتطرّفة إلى عواملَ اقتصاديةٍ واجتماعية وسياسية وثقافية، تتمثّل بالأمية والجهل والفقر والمرض، والاستبداد السياسي، وغيرِها من العوامل الموروثة التي ترسّخ التخلّف.
لن أتحدّثَ عن هذه العوامل، على الرغم من تأثيرِها الكبير في ولادة وتمدّد هذه الجماعات، لكن هذه آثارٌ ولدت داخل بنيةٍ مجتمعيةٍ يشكّل الدينُ أحدَ أهمِّ مكوناتها الشديدة الفاعلية، وتشكّل الثقافةُ الدينية المترسّبة في اللاوعي الجمعي المنبعَ العميقَ لإنتاج القيم والمفاهيم الحاضرة في حياة الفرد والمجتمع.
وكما علينا أن نبحثَ عن شفرةِ تخلّفِ مجتمعاتنا في الدين، كذلك علينا أن نبحثَ عن شفرةِ نهوضِ مجتمعاتنا في تجديد التفكير الديني في الإسلام.

من ورقتي في الندوة المشتركة في معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية ببيروت، مع د. عبدالمجيد الشرفي، مساء 15-3-2019. الندوة بعنوان: "تجديد الفكر الإسلامي بين اختلاف تحديات القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين".
إنقاذ النزعة الإنسانية

بقلم: حسن المصطفى

http://www.alriyadh.com/1745010
ثلاثية (العقل والقلب والروح) في كتاب: الدين والظمأ الأنطولوجي

بقلم: علي جابر الفتلاوي

http://www.almothaqaf.com/a/b8/935785
تداعيات الضجة التي أثارها كتاب: الفن القصصيّ في القرآن الكريم لمحمد أحمد خلف الله، وموقف استاذه أمين الخولي.

عبدالجبار الرفاعي

المقال منشور على هذا الرابط:

http://www.islammaghribi.com/2019/03/30/%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%B5%D9%8A%D9%91-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85/
الشرُّ ليس طارئًا في هذا العالم، الشرُّ في معناه الوجودي هو النقصُ في عالم الإمكان، أما الشرُّ في معناه المجتمعي فيتمثّل في كلّ شكلٍ لإهدار كرامة الإنسان من حيث هو إنسان، والذي يحدثه التضادُّ في إدارة شبكات المصالح، والصراع على وسائل إشباع الحاجات واحتكارها، والسعي للاستحواذ على مختلف أنواع السلطة والثروة. الشرُّ واقعٌ يفرضه الصراعُ بين الأفراد والطبقات الذي تنتجه صيرورةُ المجتمع وتحولاتُه التاريخية.... ما دامت هناك نزاعاتٌ عنيفة لا يمكن أن يختفي الشرُّ في العالم. ولا يمكن الخلاصُ من العنف إلا بإدارة النزاعات سلميًا. وتشكّل الحياةُ الروحية ومنظومةُ القيم الأخلاقية والجمالية عناصرَ أساسية في بناء عالم ينخفض فيه حضورُ مختلف أشكال العنف المادي والرمزي.
محاضرتي في المعرض الدولي للكتاب في تونس، الدورة 35، عن: "الرحمة الالهية مفتاح فهم المنطق الداخلي للقرآن الكريم"، بتقديم الدكتور حافظ قويعة، مساء 8-4-2019.
كلُّ طاغيةٍ يختفي يختفي معه شيءٌ من ظلام العالم

د. عبدالجبار الرفاعي

مبارك للشعب السوداني الكريم، مبارك لكلِّ الأحرار في العالم... يرحل الطاغيةُ عمر البشير، لكن ما أخشاه أن يرثه بديلٌ مستبدٌّ يغرق السودان بالفوضى والفساد، لأن المستبدَّ يترك كلَّ شئ حطامًا بعد هلاكه، لذلك يفشل أيُّ نظام بديل، مهما كانت خبرتُه ووطنيتُه ونزاهتُه في الانطلاق بعميلة بناء جديدة؛ مالم يهتمّ بمعالجة التشوّهات الحادّة والجروح العميقة في شخصية الفرد والمجتمع، ومداواة الوطن من كلِّ الأمراض الفتاكة التي يتركها الطاغية بعد رحيله. وهو ما نراه ماثلًا في الأنظمة البديلة في العراق وبلدان ما يسمى "الربيع العربي"... بل إن كلَّ ما يجري من انهيارٍ مريعٍ في أشباه الدول في تلك البلدان، وما صار يمارسه النظامُ البديلُ من فوضى وفساد، إنما هو امتدادٌ لأنساق الاستبداد المتجذّرة في: أنظمة التربية والتعليم، والقيم، والثقافة والآداب والفنون، والأعراف والتقاليد، وما يعيد انتاجه نسيج سلطة الاستبداد المعقّدة والعميقة، وبنيته الراسخة؛ التي لا يتوالد منها سوى الفشل والفوضى والعجز المزمن، إلى الحدّ الذي يدعو بعضَ المواطنين إلى تمني عودة الطاغية، خاصة الجيل الجديد الذي لم يتجرّع مرارات وعذابات الطاغية أمس... إن أكثرَ الأمطار السوداء في بلداننا هي من غيوم استبداد الأمس السوداء... لكن محوَ الاستبداد السياسي وغيره، بكلِّ أشكاله وتعبيراته في العائلة والمجتمع والثقافة والدين والعلاقات الاجتماعية، ضرورة يفرضها بناء دولة مواطنة يتساوى فيها كلُّ من ينتمي للوطن في حقوقه وحرياته، بغض النظر عن ديانته ومعتقده وقوميته... ينبغي ان نثق بالغد لأنَ كلَّ طاغيةٍ يختفي يختفي معه شيءٌ من ظلام العالم... ولأنَ سقوطَ الطاغية يشفي شيئًا من عذابات العالَم.
التديّن الأخلاقي
د. عبدالجبار الرفاعي
لا تتطابقُ تمثلاتُ الدين في الواقع الذي يعيشه الإنسانُ لدى كلِّ الأشخاص والجماعات، لذلك تختلفُ أنماطُ التديّن تبعًا لطبيعةِ البناءِ النفسي للأشخاص، وتكوينِهم التربوي والتعليمي والثقافي، والواقعِ الذي يعيشون فيه. وهكذا تختلفُ أنماطُ التديّن في حياة الجماعات تبعًا لسياقاتِ تاريخها السياسي والاقتصادي وطرائقِ عيشها، وثقافاتِها، ولغاتِها، وهوياتِها، ومعتقداتِها الماضيةِ المترسبةِ في اللاوعي الجمعي.
إن التديّنَ الذي تظهر فيه التعبيراتُ العمليةُ للدين يتجلّى في أنماط متنوعة في حياة الفرد والجماعة. كثيرٌ منها تديّنٌ شكلي، وقليلٌ منها تديّنٌ أخلاقي. وإن كانت بعضُ أنماط التديّنُ الشكلي لا تتميّز بوضوحٍ عن التديّن الأخلاقي، عندما تتخفّى بذكاء، فتتداخل مع التديّن الأخلاقي، على الرغم من التضادِّ في الجوهر الروحي والأخلاقي بين هذين الضربين من التديّن.
التديّن الأخلاقي تديّن يتجلّى فيه صوتُ العقل، بموازاة حياةِ الروح، ويقظةِ الضمير الأخلاقي، ويتذوّق فيه المتديّنُ تجلياتِ الجمال في العالَم. تديّنٌ تتكرّس فيه كينونةُ الكائن البشري، ويحقّق فيه الدينُ وظيفتَه في إرواء ظمأ الإنسان للمقدّس. تديّنٌ يتموضعُ فيه الدينُ في مجاله الخاص به، وينجز وعودَه في الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية.
إنه تديّنٌ مُتصالحٌ مع العقل والروح والقلب. لا يقترنُ الدينُ في هذا النمط من التديّن بالخوفِ، ولا المقدّسُ بالرعبِ. الإيمانُ بالله في هذا التديّن حالةٌ يتذوقها الإنسانُ وليس معلومةً يدركها، والتوحيدُ يعني نمطَ حياةٍ توحيديةٍ مُلهِمة، وليس اعتقادًا بمفاهيم ذهنية محنطة. الإيمانُ فيه ليس فكرةً يتأملها المتديّن، أو معرفةً يتعلمها، أو معلومةً يتذكرها. الإيمانُ فيه حالةٌ للروح يعيشها، وتجربةٌ للحقيقة يتذوقها.
يحتفي هذا التديّنُ بالفن، ويدرك حاجةَ كلِّ كائن بشري العميقةِ للجمال، كحاجته لكلِّ ما هو أساسيّ من الاحتياجات في حياته. إنه تديّنٌ يدرس الدينَ بوصفه ظاهرةً لها حقيقةٌ تقع داخلَ أفق الدين ذاته، ويمكن إدراكُ جوهرها في الفضاء الخاص للحياة الروحية. الدينُ حقيقةٌ يمكن اكتشافُ تعبيراتِها وتجلياتِها وآفاقِها من خلال العقل والعلوم والمعارف البشرية، لكن هذه المعارفَ والعلومَ لا تدرك تمامَ مدياتِها الباطنية القصيّة وجوهرَها الروحي العميق، وإن كانت تستطيع أن ترسم حدودَها، وتحدّد خارطةً لتمييز ما هو ديني عمّا هو دنيوي.
يدركُ هذا التديّنُ أن احترامَ الآخر المختلف ضرورةٌ تفرضها ثقةُ الذات بدينها وهويتها وثقافتها، والتدليل على أخلاقية دينها وانسانيته، فمن لا يحترمُ الآخرَ المختلف في مجتمعه تعوزه الحجةَ في البرهنة على مصداقية أخلاقية دينه وانسانيته، ويغتربُ عن مجتمعه وعصره.
يرى هذا التديّنُ أن أكثرَ الأساليب الموروثة للتبشير بالأديان انتهت صلاحيتُها. لذلك تجده يشدّدُ على أهميةِ الذكاء العاطفي للمتديّن، وأثرِه النفسي الإيجابي الفاعل في نظرة الآخَر لمصداقية تديّن أيّ إنسانٍ وأخلاقيةِ دينه، فللعواطف الصادقة سحرٌ آسرٌ على مشاعرِ كلِّ إنسان، ومن طبيعة البشر أنهم ينجذبون بقوةٍ لكلِّ إنسانٍ يحبُ الناسَ، ويشفقُ على البؤساء ويرعاهم، مهما كانت ديانتُهم. عبر العواطفِ الصادقة، والكشفِ عن الجوهر الروحي المشترَك لدى البشر، والحوارِ الأخلاقي البعيدِ عن المنطق الوثوقي للمقولات الاعتقادية المغلقة، يمكن التدليلُ على الدورِ الذي يقوم به الدينُ اليومَ لإنتاج ما يمنح الحياةَ معناها، ويمكن التدليلُ على ضرورةِ التديّن الأخلاقي لإنتاج ما يمنح الروحَ سكينتَها وطمأنينتَها، وإيقاظِ الضمير الأخلاقي.
يذهبُ هذا التديّنُ إلى أن الحاجةَ للمعتقدات تكفي لاعتناقِها، واعتناقُ الإنسان لها لا يعني بالضرورة إقامةَ الدليل عليها والقناعةَ العقليةَ بها، فمهما حاولتَ أن تقيمَ من أدلةٍ على عدم صحة معتقدٍ ما، لن يتخلى عنه صاحبُه مادام محتاجًا إليه. واذا أردتَ تحريرَ إنسانٍ من معتقداته المغلقة المتشددة حرِّرهُ من احتياجاتِه النفسية والمادية التي تدعوه للاعتقادِ بها، وحاول أن تُعيد موضعةَ احتياجاته في أفق تدين أخلاقي منفتح.
ينشد هذا النمطُ من التديّن التحرّرَ من كلِّ ألوان الاستعباد والصنمية. هذا التديّنُ ضدّ كلّ ما يستعبدُ الروحَ، وضدّ كلّ ما يستعبدُ القلبَ، وضدّ كلّ ما يستعبدُ الضميرَ، وضدّ كلّ ما يستعبدُ العقلَ، فكلُّ صنم يستعبدُ على شاكلته. جوهرُ الصنمية موقفٌ اعتقادي يعبّر عن الإعلاء من قيمةِ شيءٍ وتوثينِه، مقابلَ الحطِّ من قيمة الإنسان وهدرِ كرامته، بنحو يكون معه ذلك الشيءُ معبودًا من دون الله، ويصيرُ الإنسانُ مسخًا.
لا تختصّ الأصنامُ بالأوثان المصنوعة من الحجر أو الخشب أو الحديد، الصنمُ كلُّ ما يُعبَد، لذلك تصير أحيانًا ديانةً أو مذهبًا أو عقيدةً أو فكرةً أو أيديولوجيا صنمًا، أو يغدو طقسٌ أو عبادةٌ أو شعيرةٌ صنمًا، أو قد تتحوّل كلمةٌ أو شعارٌ أو كتابٌ إلى صنم، أو يصبح زعيمٌ سياسي أو عسكري أو روحي صنمًا، وربما يمسي حزبٌ أو جماعةٌ أو طائفةٌ أو قوميةٌ أو قبيلةٌ أو عائلةٌ صنمًا. ومن أجمل ما قرأتُ في توضيح هذه الحقيقة جوابًا لأبي يزيد البسطامي على سؤال: "مالنا نعبد الله ولا نجد لذة العبادة؟ قال: إنكم عبدتم العبادة، ولو عبدتم الله لوجدتم لذة العبادة".
التديّنُ الأخلاقي هو الأقلُّ حضورًا في الحياة الفردية والاجتماعية اليوم، وعادةً ما تصدر الأحكامُ السلبية على الدين بسبب شيوعِ الأنماط الأخرى للتديّن في حياة الفرد والجماعة، ويظن كثيرون أنها المعبّرةُ عن الدين لا سواها، وقلّما يتنبه من ينتقد الدينَ إلى وجود التديّن الأخلاقي لدى شخصياتٍ روحانيةٍ أخلاقيةٍ مُلهِمة.
إن أخطرَ ما يهدّدُ وجودَ الدين في المجتمع هو ضمورُ الحسِّ الأخلاقي في حياةِ الفرد المتديّن، واتخاذُ الدين وسيلةً للارتزاق، وتوظيفُه في صراعات السلطة والثروة، واستغلالُه كقناعٍ يُخفي الكثير من الممارساتِ اللاأخلاقيةَ والمواقفَ اللاإنسانية.

رابط نشر المقال:
http://www.islammaghribi.com/2019/04/12/التديّن-الأخلاقي/
صدرت مجلة قضايا اسلامية معاصرة قبل 22 عاماً، عن مركز دراسات فلسفة الدين، ومازالت تصدر حتى اليوم .. وهي الدورية التي خصص لها المعهد البابوي في الفاتيكان بروما كتابه السنوي عام ٢٠١٢، اعترافاً بدورها الرائد في قراءة النصوص الدينية، وأنماط التدين، في ضوء الفلسفة وعلوم ومعارف الإنسان والمجتمع الحديثة، وبوصفها الدورية الأهم في دراسة الدين وتجلياته بالعربية .. صورة عن غلاف هذا الكتاب، الذي يضم مجموعة منتقاة من نصوص المجلة، مترجمة للايطالية والفرنسية والانجليزية، بعنوان: "الاشكاليات الراهنة للتفكير الديني وفقاً لمجلة قضايا اسلامية معاصرة".
التديّنُ الرحمانيّ
د. عبدالجبار الرفاعي
ورد اسمُ "الرحمن" 44 مرةً في القرآن الكريم، ولو احتسبنا معها ورودَه في البسملة 113 مرة، يصبح العددُ 157، منها 11 مرةً في سورة مريم فقط. والرحمنُ من أسماء الله الحسنى، وهذه الأسماءُ يتّصف بها الإنسانُ وتجد تجليَها فيه كما يرى الشيخُ محيي الدين بن عربي: "فصفات العبد كلّها معارة من عند الله، فهي لله حقيقة، ونعتنا بها، فقبلناها أدبًا على علم أنها له لا لنا" .
ويحتلّ اسمُ الرحمن موقعًا محوريًا في نظرية الخلق والإيجاد في الرؤية التوحيدية لابن عربي، فعمليةُ الإيجاد لديه تعني الرحمةَ بالموجود، وذلك ما تحدّث عنه بقوله: "فاعلم أن الله سبحانه ما استوى على عرشه إلا باسم الرحمن، إعلامًا بذلك أنّه ما أراد بالإيجاد إلّا رحمة الموجودين، ولم يذكر غيره من الأسماء" . أما المضمونُ الجوهريّ للتوحيد في مفهومِه فهو الرحمة، إذ "تفتح صور التوحيد الـست والثلاثين المغمورة بنَفَس الرحمن الألوهة على العالم والإنسان بنسب متعدّدة غير مترادفة" .
التديّنُ الرحمانيّ يعني اسحضارَ اسم "الرحمن" في بناءِ الصلةِ بالله، وتمثّلَ الصورة الرحمانية لله في الرؤية التوحيدية للمتديّن، وهذا التديّنُ يبدأ بمشاعرَ عفويةٍ بسيطةٍ تتطوّر بنموِّ التجربةِ الدينيةِ وتراكمِها في الحياة الروحية للمتديّن، وفي مراتب عليا يمكن أن يصل المتديّنُ بهذا النوعِ من التديّنِ في سيره وسلوكه الروحي إلى مقامٍ لا يرى فيه إلا الرحمن، ولا يعيش صلةً أصيلةً في الوجود إلا به، وقتئذٍ تتجلّى له صورةُ الرحمان في كلّ فعلٍ وموقف، ولا يصدر عن المتديّن إلا الرحمةُ بالخلق. عندها تتحوّل الرحمةُ المكتسبةُ إلى مادةٍ لروحِه ومقوِّمًا لحقيقتِه الوجودية، بنحو تكون الرحمةُ فيه سجيةً ومَلَكةً ثابتة، فيصير راحمًا لكلِّ من حوله من الناس، بل حتى مختلف الكائنات الحية ، لأن التديّنَ الرحماني مادتُه محبةُ الخلق.
المتديّنُ الرحماني مرآةٌ تتجلّى فيها صورةُ الرحمن، لذلك تكون الرحمةُ مقامًا أنطولوجيًا ساميًا في الحياة الروحية، إذ تشكّل مكوّنًا لهويته الوجودية، فيتميّز بها عن غيره من المتدينين. وهو مقامٌ يتعذّر على كلِّ متديّن أن يسمو إليه. الرحمةُ حالةٌ نسبية، حضورُها وتحققُّها على درجات، وبعضُ تعبيراتها أوضحُ ظهورًا في التديّن الفطري لدى عامة الناس الذين يكون تديّنُهم تديّنًا شعبيًا، ولا تظهر في مراتبها العليا إلا نادرًا لدى بعض الشخصيات الروحانية المُلهِمة.
التديّنُ الرحماني نمطُ تديّنٍ نادر، وإن كانت أمثلتُه موجودةً في كلِّ الأديان، سواء أكانت إبراهيميةً أو غيرها، ولا يتجسّد هذا التديّنُ إلا في شخصيات تمتلك مشاعرَ مرهفةً وعواطفَ شديدةَ الحساسية لكلِّ ألمٍ يصيب الآخر، فهي تتألم بشدّةٍ لما يُؤلِم الآخرَ بشدّة، وتحزن لما يُحزِن الآخرَ، وتكتئب لاكتئابِ الآخرَ، ويؤذيها كلُّ أذىً يصيب الخلق، ولا يسعدها إلا إسعادُهم. لا ينظر المتديّنُ الرحمانيُّ لأي إنسانٍ إلا بوصفه إنسانًا، لذلك نراه عندما يتعامل مع الناس لا يفتّش عن معتقداتهم، ولا يسأل عن أديانهم، ولا تهمُّه أعراقُهم وقبائلُهم. إنه مستثمرٌ بارعٌ في الرحمة، لا ينظرُ إلا لمن يستحقها فحيثما وجده رحمه. المتديّنُ الرحماني قدوةٌ مُلهِمةٌ لتأسيس علاقات تراحمٍ مجتمعية، من دون وجودِه يفتقرُ بناءُ هذه العلاقات للأسوة، ولا يُبنى التراحمُ ويتطور ويترسخ بلا رحمةٍ مُجسَّدةٍ في إنسان، يهتمُّ بغيره أكثر من اهتمامه بنفسه، ويمنح غيرَه ما لا يمنحه لنفسه بلا مقابل، يبهجُه العطاءُ مثلما يبهجُ الأمَ وهي تُعطي الأبناء. في التديّنِ الرحماني يظلُ أفقُ المعنى الروحي ثريًا متدفقًا مُلهمًا، يتجدّدُ بتجدّدِ احتياجاتِ الروحِ للسكينةِ والسلامِ الداخلي.
لا يُخلَق المتديّنُ الرحماني رحيمًا بالطبع، وكأنه مجبورٌ على هذه الحالة، إنما هو إنسانٌ مثلُ بقية البشر، وإن كان أكثرَ استعدادًا للاتصاف بالرحمة من غيره، عندما يكون شديدَ التأثر لآلامِ الناس وعذاباتِهم، ومع ذلك لا تكتسب هذه الحالةُ إلا من خلال تربيةٍ على القناعة بالقيمة العظمى لمعنى الرحمة التي تتفوّق على قيمةِ كلِّ مصلحةٍ ومنفعةٍ في الحياة، وارتياضٍ روحيّ يدمن عليه الإنسان، حتى تكفَّ نزعاتُ الشرِّ في داخله أن تجدَ ما يسمح لها بالظهور، بل يستطيع في مراحلَ متقدمةٍ من التربيةِ والارتياضِ أن يقتلع الجذورَ الغاطسةَ للشرِّ ولكراهية الآخر في باطنه، ويسعى للظفر بالمعاني الروحية الأصيلة، لأن المعنى الروحيّ أثمنُ من كلِّ معنىً في العالَم.
الكائنُ البشريّ ليس رحيمًا بالطبع، بل إنه ينزعُ بطبيعته للتسلّطِ على غيرِه؛ ليسحوذَ على كلّ شيءٍ في حياته، ولعلّ في ذلك سرَّ تركيزِ القرآن على الرحمةِ وكثافةِ حضورها فيه، ووضعِها إطارًا مرجعيًا وبوصلةً دلاليةً تُرشِد لما تؤشّر إليه مدلولاتُ سورِه وآياتِه. الرحمةُ حالةٌ لا يستوعبها الكائنُ البشري ولا يتّصفُ بها بيسر، ولا يتمثّلها بسهولة، بل لا يطيقها أكثرُ الناس، لأنها شديدةٌ على النفس، وطالما عجز الكائنُ البشريّ عن التحقّقِ بها، إذ إن نزعاتِ العدوان التي تترسّب في أعماقِ هذا الكائنِ تمنعه من امتلاكِها. والإنسانُ في سلوكه ومواقفه كائنٌ طالما تغلّب في شخصيته الشرُّ على الخير، والتوحشُ على الرحمة. ولولا القيمُ الروحية والأخلاقية والجمالية في الدين والثقافة والفن لم تكن الحياةُ ممكنة. الأديانُ والثقافات والفنون خفّضت كثيرًا من الطاقة التدميرية للتوحّش البشري في الأرض، فأضحت حياةُ الإنسان ممكنة. لا يتأنسنُ الكائنُ البشريّ إلّا بالرحمةِ، ومن دونها يتساوى هذا الكائنُ وأيَّ وحشٍ مفترس .
فاعليةُ المتديّن وحيويتُه وتفاؤله يستمدُّها من كيفيةِ تصوّره لله، وطبيعةِ استحضاره لأسمائه وصفاته وتحقّقه بها، فإن كانت صورةُ الله في ضميره قاسيةً، مخيفة، شديدةَ العنف، لا تعرف المغفرةَ والعفوَ والسلام، ولا تحضر فيها رحمة، حينئذٍ يستولي عليه الخوفُ والقلقُ والإحباطُ واليأس، وتصاب قدرتُه على المبادرةِ والفعلِ البنّاء بالشلل. وإن كانت هذه الصورةُ مرآةً يرى فيها الرحمةَ بوصفها صوتَ الله، والسلامَ بوصفه اسمَ الله، والعدلَ بوصفه شريعةَ الله، والمحبةَ بوصفها ضميرَ الدين، فسيكون مُبادِرًا فاعلًا حيويًا متفائلًا. إن رسمَ صورةٍ مرعبةٍ مفزعةٍ لله، تحجب صورتَه بوصفه الرحمنَ الرحيم، الذي "كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ" ، ورحمتُه "وَسِعَتْ كلَّ شيء" ، والذي سبقت رحمتُه غضبَه . ولا ترى اللهَ إلّا بصورةِ مُعاقِبٍ عنيفٍ بالغِ القسوة. ينتجُ تمثّلُ المتديّن لهذه الصورة شخصية ًكئيبةً حزينةً قلقة، تميلُ للعنف، ولا تطيق التعامل مع المُختلِف في الدين والثقافة، إلى الحدِ الذي يصلُ فيه بعضُ هؤلاء المتديّنين إلى العجز التام عن محبة أيّ إنسان، لأنهم عاجزون عن محبة حتى أنفسهم.
أعرف بعضَ المتديّنين الذين تنتابهم حالاتُ هلوسةٍ واضطرابٍ وهلعٍ من الصور المفزعة التي ترسمها قصصُ عذاب القبر، والمشاهدُ المهولة للعالَم الآخر، وحكاياتُ بعض الوعاظ التي لا تنشد سوى إثارة الذعر في قلوب الناس، من خلال التشديدِ على ما يمتلئ به القبرُ من نيران، فضلا عن الصور المفزعة للحساب والقيامة وأهوالها. وكأن اللهَ لم يخلق الإنسانَ إلا ليتلذّذ بعذابه. لذلك نرى الذين لا يتجلّى لهم اللهُ إلّا بصورة معاقِبٍ عنيفٍ شديدِ البطش والقسوة، تختنق حياتُهم بكوابيس مرعبة، أما الذين يتجلّى لهم اللهُ بصورة الرحمنِ السلامِ العفوِّ الجميل، وهم الأقلّ في الحياة الدينية، فلم أرَ أحدًا منهم إلّا وهو في حالةِ سكينةٍ روحيةٍ وسلامٍ قلبي، وثقةٍ بالله وبذاته.
المؤسفُ أن بعضَ رجال الدين منهمكون في رسم صورٍ مرعبةٍ لله، وترسيخِ اليأس من رحمته، وخلقِ حالةِ صراعٍ بين الله والإنسان، وكأن اللهَ عدوُّ الإنسان، لم يخلقه إلّا لأجل أن يزجّه في معركةٍ أبديةٍ معه، ويظلُّ يطارده كي يبطش به، لكنهم يتكتمون على صورة "الله الرحمن الرحيم"، إلهِ المحبة والسلام والجمال، وينسون أن الحياةَ الروحيةَ ليست خاصةً بهم وبأمثالهم، بل إن كلَّ إنسانٍ يحتاجُ بطبيعته إلى الحياة الروحية، وإن كلَّ شخصٍ يغترفُ من معين الحقِّ على شاكلته، وتشرق روحُه بأنواره، ويتذوّق لذةَ وصاله بمقدار ما تتسع له هويتُه الوجودية، وذلك ما تشير إليه الآية: "أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا" .
التديّنُ الرحماني والتديّنُ الأخلاقي بينهما مشتركات كثيرة، إلى الحدِّ الذي يدعو البعض للاعتقاد بتطابقهما كليًا، بمعنى أن الشخصَ ما دام متديّنًا أخلاقيًا فهو متديّنٌ رحمانيّ، وما دام متديّنا رحمانيًا فهو متديّنٌ أخلاقيّ، لكن التأملَ يُظهر أن المتديّنَ الأخلاقيّ لا يكون بالضرورة رحمانيًا، وإن كان كلُّ متديّنٍ رحمانيّ أخلاقيّا بالضرورة، أي إن بعضَ الناس ربما يكون أخلاقيًا في تديّنِه وحياتِه الشخصية، وتعاملِه مع الغير، غير أن حالةَ الرحمة لم تصبح مكوّنًا لهويته الوجودية، لذلك تراه يجسّد العدالةَ والإنصافَ في سلوكه وتعامله مع الناس، إلا أنه لا يسمو في بعض المواقف التي تتطلب منه التسامي إلى الرحمة. المتديّنُ الرحمانيّ يجسّد العدالةَ والإنصافَ في سلوكه ومعاملاته المختلفة مع الناس، ومع ذلك يتسامى إلى مرتبةِ الرحمة، حيثما تطلّب الموقفُ ذلك، والرحمةُ لا تفوقها مرتبةٌ لأنها أسمى مراتبِ الاهتمامِ بالناس ورعايتِهم والتضحية من أجل أمنِهم وسلامتِهم وسعادتهم.
مازالت الكتاباتُ الدينيةُ المختلفةُ تفتقر للحديث عن الرحمةِ الإلهية، فقلّما أقرأ مقالةً أو عملًا عنها، على الرغم من الحاجة الماسّة لها في عصر تتسلّط فيه بعضُ القراءات الفاشية للنصوص الدينية، ويحاصر الحياةَ الروحيةَ والأخلاقيةَ والجماليةَ فهمٌ مغلقٌ للدين. وتلك واحدةٌ من الثغرات الكبيرة في الثقافة الدينية.
كذلك قلّما تتحدّث الكتاباتُ الدينيةُ عن الأخلاق، وإن تحدّثتْ عنها تأتي في سياقِ الكلام عن غيرها، وبمنطقٍ وعظي، ولا تقاربها في ضوء الأفق التاريخي الذي يعيشه المتديّنُ اليوم واحتياجات حياته الماسة للقيم.
الدراساتُ الدينيةُ في معاهدِ التعليم الديني أكثرُها تكررُ المكرراتِ المملة، وتشرحُ الشروحَ المتراكمة على هامشِ المتونِ القديمة، ولا تطلُ بأي أفقٍ مضيء يواكبُ المتطلباتِ القيميةِ لحياةِ المتديّن. ولا تسعى لإنقاذ الأبناء الذين ضيّعتهم متاهاتُ الفهمِ المغلق للدين والقراءةُ الحرفيةُ لنصوصه، فغرقوا في تديّن عنيف لا يعرفُ سلامًا ولا رحمة.
المتديّنُ الذي يتجلى اللهُ له في صورةِ الرحمن يعيشُ سلامًا في روحه، وحيثما كان يكونُ سلامًا في كلِّ قولٍ وفعلٍ. إن التشدّدَ في الدين، والأسلوبَ العنيفَ في التعامل مع الناس، نتيجةً طبيعية لكسوفِ "اسم الرحمن" واحتجابه عن الحياةِ الروحية.


http://www.almothaqaf.com/a/qadaya2019/936270