عبدالجبار الرفاعي
3.67K subscribers
725 photos
59 videos
284 files
1.25K links
مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضۚ
Download Telegram
منهج التفسير الأدبي للقرآن عند الخولي
د. عبدالجبار الرفاعي
كان مدخلُ الشيخ أمين الخولي لتحديث مناهج تفسير القرآن توظيفَ المناهج الحديثة في تفسيرِ ونقدِ النصوص الأدبية، وتعميمَها لتشمل النصَّ القرآني، لذلك دعا إلى ما أسماه: "التفسير الأدبي للقرآن"، مستنداً في تسويغِ دعوته لهذا النوع من التفسير إلى أن أسلوبَ تعاطي العرب مع هذا النصّ كان أدبياً، "لأن العربي القح، أو من ربطته بالعربية تلك الروابط، يقرأ هذا الكتاب الجليل، ويدرسه درساً أدبياً، كما تدرس الأمم المختلفة عيون آداب اللغات المختلفة، وتلك الدراسة الأدبية، لأثر عظيم كهذا القرآن، هي ما يجب أن يقوم به الدارسون أولاً، وفاءً بحق هذا الكتاب. ولو لم يقصدوا الاهتداء به، أو الانتفاع مما حوى وشمل. فالقرآن كتاب الفن العربي الأقدس، سواء نظر إليه الناظر على أنه كذلك للدين أم لا". ويشرح الشيخ الخولي طريقته في التفسير الأدبي قائلاً: "إن التفسير اليوم – فيما أفهمه – هو الدراسة الأدبية، الصحيحة المنهج، الكاملة المناحي، المتسقة التوزيع، والمقصد الأول للتفسير اليوم أدبي محض صرف، غير متأثر بأي اعتبار، وراء ذلك… وعليه يتوقف تحقق كل غرض آخر يقصد إليه. هذه هي نظرتنا إلى التفسير اليوم وهذا غرضنا منه". "وهذا التفسير الأدبي عندي هو الذى يجب أن يتقدم كل محاولة لمعرفة شئ من فقه القرآن، أو أخلاق القرآن، أو عبارات الإسلام ومعاملاته في القرآن". تبتني طريقة "التفسير الأدبي للقرآن" على تفسير الآيات في سياق موضوعات القرآن، وليس تفسيرَها على وفق ترتيبها في سور القرآن، "فصواب الرأي - فيما يبدو - أن يفسّر القرآن موضوعاً موضوعاً، لا أن يفسّر على ترتيبه في المصحف الكريم سوراً أو قطعاً". إذ يصنِّف المفسّرُ الآياتِ تبعاً لموضوعاتها، ويتعرّف على مناسباتِ نزولها، والسياقِ الذي وردت فيه، والدلالاتِ الحافة بها، بغية اكتشاف وحدتِها العضوية، والمنطقِ الداخلي الذي تنتظم فيه، وشبكةِ الدلالات المنبثة فيها، وما يمكن أن تولّده من مفاهيمَ ومعانٍ مشتركة، تمثل المفاهيم المفتاحية للإصلاح النفسي الخُلُقي والاجتماعي الذي يرمي إليه القرآن. مقصد التفسير الأدبي عند الخولي ليس أدبياً أو فنياً، كما ربما تشي تسميته، لأنه يرفض أن يكون الأدب للأدب، أو أن يكون الفن للفن، إذ يقول في تحليله الدلالي لكلمة في أحد الآيات: (ونريد هنا لنقف عند هذه الوحدة للاستعمال القرآني في تعبيره بالضعف والضعفين "فَيُضَاعِفَهُ"، وهي وقفة أدبية. على أنها وقفة ليست وقفة يراد منها الفن للفن، بل هي فنه المرتبط بالهدف الاجتماعي الذى يرمى إليه القرآن دائماً، نبتغيه أول ما يبتغى من هذه الأحاديث. وإن الفن يرجى للفن وحده، فإنا لا نأخذ هنا بهذا الاتجاه. ولا نحسب القرآن قد أخذ به، لأنه يجعل فنه القوى وسيلة لإصلاح الحياة البشرية، ذلك الإصلاح الخُلُقي والاجتماعي العام الذى أنزل من أجله هدى للناس ورحمة). فليست هناك آية أو كلمة ترد في القرآن إلا ويكون هدفها الهدى والرحمة، وليس الهدف الأدب بوصفه أدباً، أو الفن بوصفه فناً، لأن "طبيعة النص القرآني من حيث هو كتاب هدى ودين، تقتضي توجيه كل لفظ وآية إلى مناط الهداية والاعتبار".
ويشرح الخولي ما ينشده في طريقة تفسيره الأدبي، فيؤكد أنه يتمحور حول بعدين:
أحدهما: دراسة حول القرآن.
والثاني: دراسة القرآن ذاته.
ويعني بالدراسة حول القرآن "دراسة البيئة المادية والمعنوية والثقافية التي نزل فيها القرآن الكريم". واستكشاف تشكل الواقع وطبيعة الظروف السائدة في عصر الوحي، ونمط الاجتماع العربي في عصر النزول، وكيفية الحياة الاجتماعية والثقافية وقتئذ، وما يسودها من ظواهر ذات صلة بالمكان والزمان والبيئة، سواء كانت ماديةً أو معنوية، ودراسة كلّ ما يتصل بالذوقِ العربي، وأساليب التعبير، وأنماط تلقي وفهم الكلام المتعارفة في المجتمع، فكيف تلقاه وفهمه المشافَهون به في بيئتهم وثقافتهم وذوقهم ومشكلات واقعهم، بمعنى أن الخولي أراد أن يقرأَ النصَّ "قراءة تزامنية"، ويضيء تفسيرَه من خلال اختراق الطبقات المتراكمة مما راكمه المفسّرون وغيرُهم من تأويلات وتفسيرات، ينتمي كلّ منها إلى زمانِ المفسّر ونمطِ فهمه وثقافتِه وأحكامِه المسبقة، ولا تحيل بالضرورة إلى معنى النصّ القرآني، بالمعنى الذي تلقاه المخاطَبون به في عصر النزول. إنه يحاول صياغةَ فنٍ لفهم القرآن، ينشد إيقاظَ المعنى المحتجب فيه، والكشفَ عنه بتفكيك ونزع ما تلّفع به من مدلولات تدفّقت متواليةً بمرور الزمان. ولا يمكن أن يتحقق ذلك من دون الاعتماد على علوم الإنسان والمجتمع واللسانيات وعلوم اللغة الحديثة.
أما البعدُ الثاني لتفسيره الأدبي وهو دراسةُ القرآن ذاته، فيريد به شرحَ الكلمات، وبيانَ معاني المفردات، والكشفَ عن طبيعةِ حياة الألفاظ وتطوّرِ دلالتها عبر الزمان، ومعرفةَ مدياتِ التأثر والتأثير المتبادَل بين العربية وغيرها من لغات المجتمعات المسلمة، وما اصطبغت به العربيةُ في عصور ازدهار وانحطاط الحضارة الإسلامية، وأثرِ الزمان في صيروة المعاني وتحولاتها، والتعرّفَ على مدى تأثير كلّ ذلك في تفسير القرآن. وهنا ينبّه الخولي إلى أن "من الخطأ البين أن يعمد متأدب في فهم النص القرآني الجليل فهماً لا يقوم على تقدير تام لهذا التدرج والتغيير الذي مس حياة الألفاظ ودلالتها".
كذلك يستند في تفسيره إلى البعد النفسي، ففي ضوء اهتمامه باكتشاف صلةِ البلاغة والأدب بالنفس الإنسانية، والوشيجةِ العميقة التي تربط بينهما، وكيف أنها ترجمةٌ لما يجيش في النفس، تحدّث الشيخ الخولي عن الإعجازِ النفسي للقرآن، الذي ينبثق عن التفسير النفسي، وبيانِ ما يحدِثه القرآن من أثر بالغ في النفس البشرية، وطبيعةِ تذوّق هذا النصّ والتفاعل معه. وشدّد على ضرورة الاستعانة بعلم النفس في دراسة وتحليل ذلك، فإن "فهم الاعجاز الفني بالمعاني النفسية، يحوج إلى تناول القرآن بتفسير نفساني". وحدّد مفهومَ "الإعجاز النفسي لبلاغة القرآن الكريم، بمعنى أثره العظيم على النفس الإنسانية ووقعه عليها وفعله فيها".
رأى الخولي التفسيرَ النفساني الطريقَ الذي يخلّص التفسيرَ من الادّعاء والتمحّل، فهو لا غير يضيء لنا أبعاداً مهمة في بنية النصّ القرآني، ويخرجنا من سوء الفهم المكرّر لتعليل ما يسود المصحفَ من سماتٍ وخصائصَ بيانية. يلخّص الخولي رؤيتَه هذه قائلاً: "فبالأمور النفسية لا غير، يعلل إيجازه وإطنابه، وتوكيده وإشارته، وإجماله وتفصيله، وتكراره وإطالته، وتقسيمه وتفصيله، وترتيبه ومناسباته، وما قام من تعليل هذه الأشياء وغيرها، على ذلك الأصل فهو الدقيق المنضبط، وما جاوز ذلك فهو الإدعاء والتمحل، أو هو أشبه شيء به".
وتنبّه الشيخ الخولي مبكراً إلى خطأ الزعمِ بسبق القرآن لاكتشافات العلم ومكاسبه، أو الاشتغالِ على إسقاط هذه الاكتشافات على الآيات الكريمة، وحذّر من خطورة الإسراف في توظيف نتائج العلم الحديث في التفسير، وكيف أن ذلك ينتهي الى إهدار معاني القرآن، وهدفِه المحوري في هداية الناس إلى التي هي أقوم، إذ يشرح ذلك قائلاً: "وثمة معنى بعيد، قد سبقت إليه أوهام قوم في هذا العصر، فآثرت أن أنفي القصد إليه هنا، أو التعويل على شيء منه ... ذلك هو استخراج قضايا علم النفس ونظرياته من القرآن، تدعيماً للزعم بأنه يتضمن كل شيء... ولا نناقش هؤلاء المسرفين هنا، وانما ننفي أنا نريد إلى شيء من هذا في تبين الاعجاز وتفهمه. فنحن ندع علماء النفس، في تجاربهم العلمية، ومشاهداتهم الواقعية، أو تأملاتهم النظرية... ولا نرى سبق القرآن اليه، أو تقدمه على الأجيال بأصله، وما إلى ذلك، بل نتلقاه منهم، لنعتمد عليه من بيان الوجه النفسي للإعجاز". لو تدبّرنا هذا البيانَ الواضحَ للخولي لما استهلكنا جهوداً كثيرةً وأموالاً هائلة في الإصرارِ على سبق القرآن لما جاء به العلمُ والمعرفةُ الحديثة، وتقويلِ الآيات ما لا تقوله في مجالات العلوم الطبيعية والإنسانية المختلفة، والعملِ على خلط الدين بالعلم، وإهدارِ طاقات الكثير من الباحثين الشباب، وتضييعِ عقولهم في متاهات بناء: علم نفس إسلامي، وعلم اجتماع إسلامي، وعلم اقتصاد إسلامي، وأدب إسلامي، وفن إسلامي، وغير ذلك مما ورطتنا فيه أقلامُ كتّاب الجماعات الدينية، وكدّسته من كتابات تثير هويةً جائعةً للالتحاق بقطار تقدّم العلوم والمعارف والتكنولوجيا، وتحرّض نفساً يعذّبها الغيابُ عن العصر، فتعِدُها باللحاق بقطار التقدّم بل والتفوّق عليهم، من خلال ما يسمى بـ"أسلمة المعرفة".
وواصل الجيل الثاني، ممثلاً بنصر حامد أبو زيد، نهج "مدرسة الأمناء" التي أشاد لبناتها الفكرية أمين الخولي، وكان أبو زيد الأكثر براعة في تطوير مدرسة الشيخ الخولي والجيل الأول من تلامذته، عبر توظيفه الهرمنيوطيقا في فهم القرآن وتفسيره.
كلُّ إنسان واحدٌ في حين أنه متعددٌ، ومتعددٌ في حين أنه واحدٌ. الإنسانُ كائنٌ غريب، في كيانه تتوحدُ: متطلباتُ جسد بكل ما يُشبعُ حاجاته المادية، ومتطلباتُ عقل بكل ما ينشده من لذة المعرفة، وشغف باكتشاف ما حوله من ألغاز عالم مجسد لا يكف عن الامتداد والاتساع، وعالمٍ مجرد تظل الأسئلة حيال أسراره مفتوحة على الدوام، ومتطلباتُ نفس بكل ما تبوح به وتضمره من عواطف ومشاعر وأحاسيس وقلق، ومتطلباتُ روح بكل ما تبوح به وتضمره من ظمأ أنطولوجي وأشواق توَّاقة لصلة وجودية بالمطلق؛ لذلك تنوعت العلوم والمعارف والآداب والفنون بجوار الأديان والفلسفات، تبعًا لتنوع تلك المتطلبات.
أمينُ الخولي والهِرْمِنيوطيقا

عبدالجبار الرفاعي
  فرادةُ الشيخ أمين الخولي تظهر في محاولته الرائدة لتوطين الهِرْمِنيوطيقا والمناهجِ الجديدةِ في تفسير النصوص في مجال الدراسات الدينية بالعربية. بعد استقراءٍ وتتبعٍ يمكن القولُ: إن الخولي هو أولُ هرمنيوطيقي بالعربية، وربما في عالَم الإسلام. إذ لا أعرف أحدًا سبقه إلى ذلك، حتى في بلاد الإسلام غير العربية.
  لقد رأيتُ ذلك منذ ربع قرن، حين كنتُ أُدرّس "الاتجاهات الجديدة في التفسير" لمجموعة من تلامذتي في الحوزة: أن المنحى الذي يدعو إليه أمين الخولي في تفسير القرآن يهتم بالتعرف على الطريقة التي يفكر بها المفسِّر، وكيف يُسقط المفسِّر رؤيته للعالم وثقافته وفهمه على ما يريد تفسيره من الآيات. وهذا هو المدخل لكل من يدعو إلى استئناف النظر في مناهج التفسير وتجديدها، إذ "يتحدد مدخل التجديد عند الخولي والمدرسة الحديثة كلها في وظيفة المفسِّر أوّلاً، وفي مكانة النصّ المفسَّر ثانيًا، فليس مقبولاً عند الخولي أن يظلّ التفسير المعاصر مجرّد أداة لاختيارات مذهبيّة وتوظيفات دعويّة مهما كانت أهمّيتها". وعند اطلاعي على التعقيب الذي كتبه أمين الخولي على مقالة "التفسير" في: "دائرة المعارف الإسلامية"، وجدتُه يتحدّث عن أفقٍ مختلف ومنهجٍ بديل لتفسيرِ النصّ القرآني وتأويلِه، في ضوء أدواتٍ ومفاهيمَ جديدة، يستعيرها من الهِرْمِنيوطيقا الألمانية.
 عمل أمين الخولي في شبابه إمامًا بالمفوضية المصرية في روما، وفي وقتٍ لاحق ببرلين في ألمانيا. وعند عودته من ألمانيا سنة ١٩٢٧ باشر التدريسَ في الأزهر. ويبدو أن مكوثَه في ألمانيا أتاح له فرصةَ التعرّفِ على الهِرْمِنيوطيقا ودراستِها. وهو ما تجلّى في حديثِه عنها وتقديمِها بإيجاز ووضوح. ومعروف أن الهِرْمِنيوطيقا في العصر الحديث ألمانيةُ المنشأ والمسيرة، فمع شلايرماخر نهاية القرن الثامن عشر تبلور مفهومٌ مختلفٌ للهرمنيوطيقا في العصر الحديث، وتطوّر هذا المفهومُ مع وليم دلتي، ومارتن هيدغر، حتى بلغت أوجَ تطوّرها مع هانز جورج غادامير تلميذ مارتن هيدغر. مع أن أهم الأعمال في الهِرْمِنيوطيقا لم تترجم للعربية إلا بعد ذلك بعشرات السنين.
كانت ومازالت الفلسفةُ الألمانيةُ مرجعيةَ التفكير الهِرْمِنيوطيقي في عالم الإسلام، فما حدث مع الشيخ أمين الخولي في الماضي، حدث بعده مع الشيخ محمد مجتهد شبستري، الذي ذهب إلى ألمانيا، بعد رحلة الشيخ أمين الخولي بأربعين عامًا تقريبًا، فعمل إمامًا للمركز الإسلامي في هامبورغ، وتعلّم الهِرْمِنيوطيقا بالألمانية هناك، ليعود إلى إيران مبشرًا بها، ومؤلفًا وشارحًا لها بالفارسية.  
وقد ذكرنا أكثر من مرة أن اعادة بناء التفكير الديني تتطلب أن ينهض بها رجال الدين قبل غيرهم، لأنهم الأكثر دراية بالتراث، والأكثر ادراكًا لهذه الحاجة الملحة، والأكثر اهتمامًا بمصائر التفكير الديني ومآلاته. لذلك ليس مصادفة أن تعرف العربية الهِرْمِنيوطيقا في النصف الأول من القرن العشرين عبر جهود الشيخ أمين الخولي، وهو رجل دين كان مكلفًا بمهمة دينية في ايطاليا وألمانيا، وهكذا تعرفت الفارسية على الهِرْمِنيوطيقا عبر جهود الشيخ محمد مجتهد شبستري، وهو رجل دين كان مكلفًا بمهمة دينية في ألمانيا. وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر تعرفت العربية على ملامح من صورة الغرب وتقدمهه عبر كتاب "تخليص الابريز في تلخيص باريز"، الذي ألفه الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي "1801-1873"، وهو رجل دين أيضًا كان إمامًا لبعثة الطلاب المصرية في باريس.  
 لم يتحدث الخولي عن المرحلة والكيفية التي تعرف بها على الهِرْمِنيوطيقا، ولم تخبرنا الكتابات التي اطلعنا عليها بما يوضح ذلك. على الرغم من أن أكثر الباحثين المعاصرين من الألمان والعرب يتحدثون عن ريادته وبعض تلامذته في هذا المضمار. وأقنعتني مطالعة آثاره بذلك، خاصة ما تحدث فيها عن التفسير، وعزز قناعتي ما كتبه السيد أحمد خليل من تأثير شلايرماخر على الخولي، وتبنيه للنهج الجديد الذي اختطه شلايرماخر في تعريف عملية التفسير بوصفها "فناً للفهم"، عبر النظر إلى المفسِّر وطريقة فهمه، والعوامل المؤثرة في كيفية فهم النص، وأفقه التاريخي. ونبه خليل إلى أن العوامل التي تبناها الخولي في التفسير هي ذاتها التي نبه إليها شلايرماخر قبل ذلك. 
ويبدو لي أن اطلاعَ الخولي توقّف عند شلايرماخر وأتباعِه في القرن التاسع عشر، ولم يشأ، أو لم تسمح له ظروفُه، أن يتعمّق في استلهام الهِرْمِنيوطيقا الفلسفية، الذي أضحت عمليةُ التفسير على وفقها: "حدثًا أنطولوجيًا"، يتسع للنصوص والوجود أيضًا،كما شرحها هيدغر وتلميذُه غادامير.   
ما يقوله الشيخُ الخولي يحيل إلى الهِرْمِنيوطيقا، وهو ما تجلّى بوضوح في حديثه عن "أفق المفسِّر"، فلم تعد عمليةُ التفسير في مفهومه تلقّيًا سلبيًا صامتًا للمفسّر، وإصغاءً من المفسِّر لما يمليه عليه النصّ، لا دورَ فيه للمفسّر سوى الكشف عن المعنى الكامن في النصّ، بل أصبح التفسيرُ في رأي الخولي عمليةَ حوارٍ وإنتاجٍ متبادَل للمعنى، يشترك فيها المفسِّر مع النصّ. وذلك ما شرحته الهِرْمِنيوطيقا الحديثة، بوصفها "فنًا للفهم"، أو قراءةً للقراءة، أو فهمًا للفهم، أو تفسيرًا لكيفيةِ تلقي المفسِّر للنصّ، وطريقةِ إنتاجه للمعنى المقتنَص منه، في ضوء: أفقِ انتظاره، ورؤيتِه للعالم، وإطارِ ثقافته، ومسلّماتِه وأحكامِه المسبقة. وبذلك يصبح التفسيرُ لدى الخولي مقاربةً هِرْمِنيوطيقية للنصّ. 
 ظهرت كتاباتٌ هِرْمِنيوطيقيةٌ متعدّدة بالعربية في فترات لاحقة، غير أنها انشغلت بتطبيقاتِها على النصوص الأدبية وغيرها، وتوظيفِها أداةً في النقد الأدبي، فقد كان ومازال كل الخبراء بالهرمنيوطيقيا في عالَم الإسلام يحذرون من تطبيقها في تفسير القرآن، وتوظيفها في فهم النصوص الدينية، لئلا يثيرون ضغينة رجال الدين الذين يتشبثون بالمناهج التراثية للتفسير، وتقلقهم أية مناهج جديدة في فهم الدين وتفسير نصوصه.
مضى الشيخ أمين الخولي بشجاعة لوحده، في وقت مبكر في هذا الطريق، فكان رائدًا، لم ينفرد بريادته للكتابة والتعريف بهذا الفن فقط، بل بادر أيضًا لتوجيه تلامذته لتطبيقه على تفسير القرآن، كما أسّس فريقًا للدراسات الأدبية والهِرْمِنيوطيقية يضمّ جماعةً من تلامذته، مثل محمد أحمد خلف الله، وعائشة عبدالرحمن "بنت الشاطئ"، ومحمد العلائي. واشتهرت هذه الجماعة باسم "الأمناء". 
لم يقتصر أمين الخولي على الهِرْمِنيوطيقيا والدعوةِ لتوظيفها في التفسير، بل رأى ضرورةَ الانفتاح على علمِ الاجتماع وعلمِ النفس والعلوم الإنسانية الحديثة، لأجل بناء نهج مختلف للفهم والتفسير.
 
تتمة المقال والهوامش على هذا الرابط:

http://www.almothaqaf.com/a/qadaya2019/935170
رابط قناة عبدالجبار الرفاعي على اليوتيوب، تضم بعض المحاضرات والحوارات...

https://www.youtube.com/channel/UCp_6VqerNwTkdQ680LEMC-w
كيف شخّص عبدالجبار الرفاعي
فهم جماعات الإسلام السياسي للدولة الحديثة؟

أحمد الديباوي
كاتب مصري

"تعلمتُ من تخصّصي في معارف الدين وعلم الكلام والفقه أنّ بنيةَ الدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم إلا على مفهوم المواطنة الذي يتساوى فيه الكلّ، والذي يكون نصابُ الحقوق فيه الانتماءَ لوطن واحد"، هكذا يأتي، باختصار غير مُخلٍّ، مفهوم الدولة الحديثة في فكر الكاتب والمفكّر العراقي عبدالجبار الرفاعي، الذي استطاع، بمجهود فردي خالص، إنجاز مشروع علمي وبحثي لا يتوقف عند حدود التأليف والترجمة والندوات، بل إنّه تجاوز ذلك كلّه، فجاء عمله الرائد الذي قام على جهد شخصي كامل، رغم قلة الإمكانيات المادية والبشرية، وهو مشروع مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" الفصلية، ومركز دراسات فلسفة الدين، وهو المشروع الذي يُعدُّ منبراً لتحديث المعرفة الدينية، وإعادة قراءة التراث، والانفتاح على العصر.
الدولة الحديثة مفهوم ملتبِس لدى جماعات الإسلام السياسي
يناقش الرفاعي في فصل 2 من طبعة 2 لكتابه "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، بيروت 2019، قضية الدولة الحديثة، والبناء القانوني لها في سياق معطيات الواقع، ونسيجِ شبكات المصالح المعقّد والمتحرّك، في محاولة منه لتفكيك البنى الملتبِسة التي يتمترس خلفها الإسلامويون، من خلال تسويق المصطلحات ذات المعاني المتعددة والمتداخِلة، لذلك فإنّ الرفاعي ينطلق من نقطة تحديد المصطلحات، وتسمية الأشياء بأسمائها؛ وهذه النقطة إحدى المشكلات العميقة في التفكير الديني عند الإسلاميين في العصر الحديث.
إذ إنّ مفهوم الدولة الحديثة ملتبِس لدى جماعات الإسلام السياسي، فجميع المصطلحات التي صكّتها الجماعات الإسلامية، مراوَغةً وهروباً من الاعتراف بالدولة الحديثة، إنما هي مصطلحات "مبهَمَة"، لا تعبّر بشكل صريح عن الدولة الحديثة، مع تطعيم ذلك "بشيء من التوابل الدينية، كانتقاء بعض النصوص والفتاوى الملتَقَطة من المدوّنة الفقهية، وشيء من تمثُّلات السلطة في السياقات الإسلامية" عبر التاريخ.
ومما هو معروف، فقد جاء مصطلح الدولة المدنيّة كأهم المصطلحات التي روّجتها جماعات الإسلام السياسي، بعد أن وجدت تلك الجماعات أنّ مكاسب الدولة الحديثة باتت أمراً لازماً في العالم العربي، وعلى رأسها تداول السلطة، والفصل بين السلطات الثلاث، والتمثيل الشعبي في الانتخابات المختلِفة، بل باتت أمراً لازماً لها كي تنقضّ على السلطة عبر تلك الأدوات والآليّات السياسية الحديثة، فاتخذت من كلمة "المدنية" وعاءً تصبّ فيه تهويماتها السياسية، التي تعتمد على أنّ الدولة، بالأساس، ظاهرة إلهية وَحْيانية، أسّس بناءها النبيُّ، عليه الصلاة والسلام، ومن جاء بعده من الخلفاء الراشدين، ثم من جاء بعدهم من خلفاء بني أمية وبني العباس ومن تلاهم، مروراً بما ذكرته المدوّنات الفقهية عبر التاريخ، وكل أولئك مما لا يتفق مع مفهوم الدولة الحديثة المبنية على القانون والقيم المتناغمة معه، والصرامة العادلة في تطبيقه، وهو ما يشكّل أرضية صلبة لبناء مؤسسات الدولة الحديثة.
ما يعني أنّ نموذج الدولة الذي تنشده جماعات الإسلام السياسي والمستمدّ من بطون التاريخ إنّما هو خرافة ووهم، فليس من المعقول أن تتوقف حركة التاريخ الإنساني، وتطور الوعي عند شكل الحكم الذي استمر لقرون بعد وفاة النبي، عليه الصلاة والسلام، ثم الادعاء بعد ذلك بأنّ تجارب الحكم الإسلامي كانت تنشد الدولة الحديثة، التي يخلطون بينها وبين مصطلح (المدنية) دون أن يدركوا السياق التاريخي الذي وُجد فيه ذلك المصطلح، ومتى وُصفت الدولة به الدولة الحديثة التي تقوم على القانون وكفالة الحريات العامة، وتكافؤ الفرَص، والمساواة التامة بين المواطنين بصرف النظر عن الجنس أو اللون أو المعتقَد أو الطبقة، ما يعني أنّ "المواطن" هو أساس الدولة الحديثة، وليس "المسلم"، فالدولة الحديثة -يقول الرفاعي- لا تُبنى على التراث والهويات العِرقية، وإنّما تُبنى على المواطنة التي يحدد نصابَها الدستورُ، فالإنسانُ الذي هو موضوع دولة المسلمين أمس هو الإنسان بوصفه مسلماً، بالمعنى الكلامي والفقهي، أما الإنسان الذي هو موضوع الدولة الحديثة فهو الإنسان بوصفه مواطناً في الفكر السياسي الحديث، من هنا فإنّ عبدالجبار الرفاعي يلمس جذور المشكلة، فيقرّر أنّ "الدولة ظاهرة بشرية أنتجها الإنسانُ ولا علاقةَ لها بالوحي والأنبياء، وكلُّ ما هو بشري في السياسة والحكم لا علاقةَ له بالوحي، وهو ما لا يريده الكثيرون ممن يتداولون هذه التسميات من كتّاب الأدبيات الدينية السياسية، كما تؤشّر إليه كلماتُهم، وهذه مفارقةٌ يقع فيها بعضُ دعاة الدولة الدينية، ممن يختبئون خلف تسميات تحظى بقبول أكثر المواطنين، بُغية تسويقها، وفي محاولةٍ منهم للفرار من تركة النماذج الأولى للأسماء التي أفشلتها تجاربُ التطبيق اليوم، مضافاً إلى البراءة من تشوّهات أمثلتها في التاريخ".
بناء الدولة الحديثة
وأما عن الدين ومدى ارتباطه بأشكال الدولة، فإنّ الدين وإن يكن عنصراً فاعلاً في تربية الإنسان ونشأته، ومكوناً لذاته، بيْد أنّه يتعذّر بناء دولة حديثة بالدين؛ فالسلطة والدولة والمشروعية في الدولة الحديثة مصدرها الإنسان، أما الدين بمعناه الكلامي والفقهي الذي ينص على التمييز والتقسيم، مثل هذا المفهوم للدين يتعذّر معه اشتقاق المفهوم الحديث للمواطنة، الذي يفرضه بناء "دولة حديثة"، يقول الرفاعي.
ثم هو يؤكد أنّنا نفشل توطين الدولة الحديثة في بلادنا، لعجزنا عن إعادة بناء نظام القيم في ثقافتنا بما يتواءم ونظم الدولة الحديثة، لتسيّد قيم البداوة والقبيلة والتدين الشكلي الذي هو على الضد من الدولة الحديثة.
تجدر الإشارة إلى أنّ الدكتور الرفاعي نبّه إلى أنّ جماعات الإسلام السياسي تؤكد فكرة "مظلوميتها واضطهادها والتعسف في معاملتها من كل الأنظمة السياسية، وتتخذ من ذلك ذريعة لكل أشكال التمييز بين المواطنين، والسطو على المال العام، والانتهاكات الواسعة لحق المواطنة"؛ تمثيلاً لدور الضحية، واختراق الوعي العاطفي الجمعي، ومحاولة اكتساب أرضية داخل البنى الفكرية والثقافية والسياسية التي لا تنتمي إليها، في حين أنّها تلعب بعد ذلك دور الجلّاد إن هي انتقلت إلى موقع السلطة، فهي "تتعاطى مع الوطن بوصفه غنيمةً، تجهز عليها وتفترسها، عندما تمتلك السلطة السياسية".
المقال منشور في جريدة حفريات، على الرابط التالي:
https://www.hafryat.com/ar/blog/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%B4%D8%AE%D9%91%D8%B5-%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%81%D9%87%D9%85-%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB%D8%A9%D8%9F?fbclid=IwAR3M8YkHyuWl7vHfNrULpSSNqnHWBcBACxkWoVrY_NMY1SDXZYQSHZqBWkQ
تلوّينُ النصِ

عبدالجبار الرفاعي
تحدّث الشيخُ أمين الخولي عن فكرة تلوّين النص بوضوح في قوله: "إن الشخصَ الذي يفسّر نصًا يلوّن هذا النص– ولاسيّما النص الأدبي – بتفسيره له وفهمه إياه. وإذ أن المتفهم لعبارة هو الذي يحدد بشخصيته المستوى الفكري لها، وهو الذي يعين الأفق العقلي، الذي يمتد إليه معناها ومرماها، يفعل ذلك كله وفق مستواه الفكري، وعلى سعة أفقه العقلي... لأنه لا يستطيع أن يعدو ذلك من شخصيته، ولا تمكنه مجاوزته أبداً... فلن يفهم من النص إلا ما يرقى إليه فكره، ويمتد إليه عقله. وبمقدار هذا يتحكّم في النص، ويحدد بيانه" .
وأظن اقتبس أمينُ الخولي مصطلحَ "يلوّن النص" من التعبير المشهور للمتصوّف الجنيد البغدادي : "لون الماء لون إنائه" . وذلك يؤشر للأهمية الفائقة لنصوصِ المتصوّفة والعرفاء، وطرائقِهم في تبصّرِ واكتشافِ ما لبث مجهولًا من رؤيتِهم للحقيقة الدينية، ومناهجِ قراءتهم للنصّ، خارج أسوار قواعد التفسير وأصول الفقه الموروثة. فمثلما يصطبغ الماءُ بلون الإناء، يذهب الخولي في تحليله للكيفية التي يغدو فيها النصُّ مرآةً تنعكس فيها ألوانُ صورة المفسِّر، وكأن القارئَ يرى صورتَه في النصِّ، وتتلوّن هذه الصورةُ بأحكامه المسبقة، فيتشكّل معناها في ضوء ما يرسمه أفقُ انتظاره. يشير الشيخُ الخولي إلى ذلك قائلاً: "فهو في حقيقة الأمر يجر إليه العبارة جرًا، ويشدها شدًا؛ يمطها إلى الشمال، وحينًا إلى الجنوب؛ وطورًا يجذبها إلى أعلى، وآونة ينزل بها إلى أسفل؛ فيفيض عليها في كل حالة من ذاته، ولا يستخرج منها إلا قدر طاقته الفكرية واستطاعته العقلية؛ وما أكثر ما يكون ذلك واضحًا حينما تسعف اللغة عليه، وتتسع له ثروتها، من التجوزات والتأولات، فتمد هذه المحاولة المفسِّرة، بما لديها من ذلك... وإنّ المستطاع منه في اللغة العربية لكثير وكثير" .
هكذا يتخذ الخولي المقاربةَ الهِرْمِنيوطيقية مرجعيةً في تقويم اتجاهات التفسير القرآني المتنوعة، ولا يستثني من ذلك أيَّ شكل من أشكال التفسير، فسواء كان التفسيرُ عقليًا اجتهاديًا، أو نقلياً مروياً، أو غيرَ ذلك، تحضر بصمةُ المفسِّر لتطبع تفسيرَه، فكلُّ تفسير يحمل توقيعَ المفسِّر وطبيعةَ شخصيته، مهما حاول ذلك المفسِّر أن يتجرّد ويكون موضوعيًا ومحايدًا. يكتب الخولي: "على هذا الأصل وجدنا آثار شخصية المتصدين لتفسير القرآن، تطبع تفسيرهم له في كل عهد وعصر، وعلى أي طريقة ومنهج، سواء أكان تفسيرهم له نقليًا مرويًا، أم كان عقليًا اجتهاديًا" .
ويرفض الشيخُ الخولي رأيَ من يستثني التفسيرَ الروائي من بصمة ذات المفسِّر، مسوغًا ذلك بأن هذا الضرب من التفسير لا يعدو أن يكون سوى بيانٍ لمعنى الآيات في ضوء الأحاديث المروية، وفي مثل هذا التفسير لا يتدخل المفسِّر عادة. غير أن الخولي يرفض حيادَ المفسِّر الروائي في هذا الصنف من التفسير، ويدلّل على أن انتخابَ المفسِّر لروايات دون سواها يؤشر إلى أفقِ انتظاره وإطارِ تفكيره ومسلّماتِه وأحكامِه المسبقة، وهذا هو سببُ الاختلافِ الواسع في التفاسير الروائية، واستنادِ كلّ مفسّر إلى نوع معين من الروايات المفسِّرة لكلّ آية وبيان مضمونها. يكتب الخولي: "ولعله لا يبدو هذا الأثر الشخصي واضحًا في التفسير المروي لأول وهلة، ولكنك تتبينه إذا ما قدرت أن المتصدي لهذا التفسير النقلي إنما يجمع حول الآية من المرويات، ما يشعر أنها متجهة إليه، متعلقة به، فيقصد إلى ما تبادر لذهنه من معناها، وتدفعه الفكرة العامة فيها، فيصل بينها وبين ما يروى حولها في اطمئنان... وبهذا الاطمئنان يتأثر نفسيًا وعقليًا، حينما يقبل مرويًا ويعنى به، أو يرفض من ذلك مرويًا – إن رفضه – ولم يرتح إليه... ومن هنا نستطيع القول حتى في التفسير النقلي وتداوله، تكون شخصية المتعرض للتفسير هي الملوِّنة له، المروجة لصنف منه" . في ضوء هذا الفهم يصبح التفسيرُ الروائي أحدَ أشكال التفسير بالرأي، حسب المصطلح المعروف في أنواع التفسير، وحتى انتخاب آية لتفسير آية أو كلمة قرآنية أخرى أو ما يعرف بـ " تفسير القرآن بالقرآن" يخضع لهذه المعادلة التي شرحها الشيخ الخولي.
تظهر ذات المفسِّر والإطارُ المعرفي له في تلوّين ما يفسّره، فمثلًا لو كان المفسِّرُ متكلمًا، يكتسي تفسيرُه صبغةً كلامية، ولو كان فقيهًا يكتسي تفسيرُه صبغةً فقهية، ولو كان متصوفًا يكتسي تفسيرُه صبغةً صوفية، ولو كان أديبًا يكتسي تفسيرُه صبغةً أدبية... وهكذا.
وكأن الخولي يقرّر قاعدةً كليةً في التفسير، لا تستثني أيَّ شكل من أشكال التفسير من التحرّر من بصمةِ المفسِّر وفهمِه الخاص، حتى تفسير القرآن بالقرآن، الذي يُظن بأنه التفسير الوحيد الذي يتحرّر من ذات المفسِّر، يخضع فيه المفسِّر إلى هذه المعادلة، فليس بوسعه أن يتخلص مما هو مستتر من مسلماته ومضمراته، حين ينتخب آيةً أو كلمةً لتفسير آيةٍ أو كلمةٍ قرآنية.
وكما يتحدّث الخولي عن التأثير المتبادَل بين رؤية المفسِّر للعالَم والعلم الذي يتخصّص به وبين عمليةِ التفسير، ينبّه أيضًا إلى تفاعل ذلك العلم مع تخصّص المفسِّر، ليتطور في طور جديد يثريه ويتكامل به، بعد توظيفه في حقل التفسير. إنه يتحدّث عن ذلك في إشارة دالّة بقوله: "إن التفسير على هذا التلوّين، يتأثر بالعلوم والمعارف التي يلقى بها المفسِّر النص، ويستعين بها في استجلاء معانيه، كما أن وصل هذه العلوم بالتفسير يكسب هاتيك العلوم نفسها ضربًا من الثروة، بقدر أثره في تاريخها... وقد جاءك ما فعل الرازي في تفسيره... فهذا ومثله تلوين كلامي للتفسير، يضفي على القرآن؛ من منهج علم الكلام ويوجه تفسيره...كما تجد تلوينًا فقهيًا للتفسير، وآخر بلاغيًا، وغيرهما قصصيًا..." . فالعلوم تنمو وتتطوّر من خلال اتساع مجالات تطبيقها في حقول علمية جديدة، إذ يفضح التطبيقُ ثغراتِها ويكشف عيوبَها، ويحذف أخطاءَها.
لا أظن الشيخَ الخولي يورطنا بنسبية الفهم، بل أراه يحاول تحريرَ فهم النصّ القرآني من سوء فهم وأخطاء المفسِّرين، الذين ظلوا على الدوام بشرًا، يتحدثون إلى زمانهم وبيئاتهم وثقافاتهم ونمط رؤيتهم للعالم، وهم أنفسهم تعاطوا مع تفسيرات المفسِّرين من قبلهم بوصفها آراء نسبية، تخضع لمشروطيات اللغة والزمان والمكان والبيئة والثقافة، وليست فهمًا أبديًا يتعالى على أيّة مشروطية تاريخية.
ويمكن للباحث أن يكتشف تلوين المفسِّر للنص الذي يفسره لدى تلامذة الخولي، ففي الوقت الذي تمثّل محمد أحمد خلف الله نهج أستاذه الخولي في اطروحته للدكتوراه ، أخفقت تلميذتُه وزوجتُه عائشة عبدالرحمن في أن تتمثّل ذلك النهجَ في تفسيرها ، وكانت أشدَّ وفاءً لماضي التفسير منها إلى متطلبات الواقع، ولم تجسّد ما كان يتبناه أستاذُها أمينُ الخولي في التفسير، ودعوتَه لتوظيف مناهج التأويل الحديثة والهِرْمِنيوطيقيا. فبينما يتجه بعضُ تلامذة الخولي لمغامرة ركوبِ سفينة علومِ الإنسان والمجتمع الحديثة ومناهجِ التأويل والهِرْمِنيوطيقيا، ويجازف بتطبيقها في التفسير في مجتمع تقليدي، ويتعرض إلى هجمة عنيفة، كانت عائشةُ عبدالرحمن تغرق في أمواج التراث، وكأنها غفلت أو تجاهلت دعوةَ شيخها للتجديد في صدر قوله: "أول التجديد..." ، فغرقت في العجز: "قتل القديم فهمًا"، وتشبّعت بالقديم أعمالُها، بلا أن نقرأ فيها ملامحَ للجديد، وحتى أعمال تلامذتها ورسائلهم في الدراسات العليا، التي كانت ترشدهم إليها وتشرف عليها، ظلّت مسكونةً بالقديم أيضًا .
وكأن بنتُ الشاطئ لم تشأ أن تتورط في الخروج على المناهج الموروثة للتفسير، لخوفها من ردود الأفعال، لأن ما تلقّته أطروحةُ خلف الله من هجومٍ عنيف جعل كلَّ تلامذة الخولي يفكرون طويلًا قبل أن يترسّموا نهجَ أستاذهم التجديدي. وربما لم تدرك عائشةُ عبدالرحمن بعمق مأزقَ التفسير الموروث، وما كان يرمي إليه أستاذُها الخولي من تحريرِ المعنى القرآني من رؤية المفسِّر القديمة للعالم، ووضعِ هذا المعنى في لغةٍ تكتشف المتطلباتِ الروحيةَ والأخلاقيةَ والجماليةَ للمسلم اليوم.
التجديدُ شديدُ الوطأةِ على النفس والمشاعر والمصالح، لا يستسيغه إلا عقلٌ شجاع، وإنسانٌ يمتلك قدرةَ المغامرة في الخروج على المألوف، ومستعدٌّ لدفع ضريبة موجعة. لذلك لم يكن موقفُ بنت الشاطئ غريبًا، فقد تكرّر هذا الموقفُ لدى كثيرٍ من التلامذة الذين عجزوا عن تمثّل النهج التجديدي لأساتذتهم، فوقفوا خارج آفاق رؤية الأستاذ، فركنوا إلى التراث ليتشدّدوا في استئنافه كما هو، وهذا ما نراه ماثلا في النزوع السلفي للشيخ محمد رشيد رضا، بعد رحيل أستاذه الشيخ محمد عبده، وغيره.





http://www.islammaghribi.com/2019/03/15/%D8%AA%D9%84%D9%88%D9%91%D9%8A%D9%86%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5%D9%90/?fbclid=IwAR3QJB-jH4LVjjhNugMyeVb2ycSCOy7wK7h-2uzFCiVb05Z84LPzZmopSyE
لسنا بحاجة أن نتكلم كثيرًا عن الحاجة الماسّة لتجديدِ الفكر الإسلامي بعد المأزق التاريخي الذي يعيشه عالَمُ الإسلام، ويكابده المسلمُ كلَّ يوم، لأن الحضورَ العنيفَ للجماعات الإسلامية المتطرّفة يكفينا ذلك.
ما يهمّنا اليوم هو التعرّفُ على العوامل العميقة لهذا المأزق الذي تورّطت فيه مجتمعاتُنا، وكان ومازال المعطِّلَ الكبيرَ لمحاولات النهوض التي أنفقنا فيها جهودًا كبيرةً وأموالا طائلة.
يحيلُ أكثرُ الباحثين ولادةَ وتفشّي فكرِ الجماعات المتطرّفة إلى عواملَ اقتصاديةٍ واجتماعية وسياسية وثقافية، تتمثّل بالأمية والجهل والفقر والمرض، والاستبداد السياسي، وغيرِها من العوامل الموروثة التي ترسّخ التخلّف.
لن أتحدّثَ عن هذه العوامل، على الرغم من تأثيرِها الكبير في ولادة وتمدّد هذه الجماعات، لكن هذه آثارٌ ولدت داخل بنيةٍ مجتمعيةٍ يشكّل الدينُ أحدَ أهمِّ مكوناتها الشديدة الفاعلية، وتشكّل الثقافةُ الدينية المترسّبة في اللاوعي الجمعي المنبعَ العميقَ لإنتاج القيم والمفاهيم الحاضرة في حياة الفرد والمجتمع.
وكما علينا أن نبحثَ عن شفرةِ تخلّفِ مجتمعاتنا في الدين، كذلك علينا أن نبحثَ عن شفرةِ نهوضِ مجتمعاتنا في تجديد التفكير الديني في الإسلام.

من ورقتي في الندوة المشتركة في معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية ببيروت، مع د. عبدالمجيد الشرفي، مساء 15-3-2019. الندوة بعنوان: "تجديد الفكر الإسلامي بين اختلاف تحديات القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين".
إنقاذ النزعة الإنسانية

بقلم: حسن المصطفى

http://www.alriyadh.com/1745010
ثلاثية (العقل والقلب والروح) في كتاب: الدين والظمأ الأنطولوجي

بقلم: علي جابر الفتلاوي

http://www.almothaqaf.com/a/b8/935785
تداعيات الضجة التي أثارها كتاب: الفن القصصيّ في القرآن الكريم لمحمد أحمد خلف الله، وموقف استاذه أمين الخولي.

عبدالجبار الرفاعي

المقال منشور على هذا الرابط:

http://www.islammaghribi.com/2019/03/30/%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%B5%D9%8A%D9%91-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85/