ملاحظات نقدية
على كتاب: "أزمة التنوير العراقي" لفلاح رحيم
د. عبدالجبار الرفاعي
الكتابُ الذي يطالُه النقدُ يمكث في ذاكرة الكتابة.كاتبُ الكتاب المنقود محظوظٌ، وكتابُه أيضاً محظوظٌ. النقدُ هو الرافدُ الذي يغدي الكتابةَ ويخصبها، ويتكفلُ خلودها عبر التاريخ. وربما يمسي كتاب "أزمة التنوير العراقي" للأستاذ فلاح رحيم من هذا النوع من الكتب، فهو فضلاً عن عاصفة النقد الذي أثاره لحظة صدوره على صفحات الفيسبوك، تناوله أكثرُ من كاتب بالنقد، وأخيراً خصه الأخ الدكتور علي عبدالهادي المرهج بمقالة نقدية، نشرها في صحيفتي "المثقف" و"العالم الجديد".
وقتُ صدور الكتاب وجدتُ من الضروري تبجيل الكاتب والثناء على جهده، لمعرفتي بثقافته الواسعة، وأخلاقه المهذبة، وعدم انفعاله في الكتابة، على الرغم من عدم اتفاقي معه في كل ما انتهى إليه من آراء ونتائج. لذلك نشرت على صفحتي في الفيس بك صورةً لغلاف الكتاب، مع هذا النص: "النقدُ هو ماء الحياة لكل فكر يريد لنفسه أن يواصلَ البقاء على قيد الحياة... شكراً فلاح رحيم على هذه المحاولة النقدية الجسورة لما يفكر به ويكتبه أصدقاؤك قبل غيرهم، شكراً فلاح رحيم لأنك الرائي الذي رآنا من موقع كان يتعذر علينا أن نرى أنفسنا منه، شكراً لأنك وضعت فكرنا في أفق لم نتنبه اليه... شكراً حسن ناظم على رعاية هذا المنجز، والحث على انجازه وتبنيه في اصدارات سلسلة دراسات جامعة الكوفة".
وكنت قبل ذلك كتبتُ مجموعة ملاحظات نقدية على الفصل الذي خصصه في كتابه لنقد كتاباتي، وبعثتها له قبل طباعة الكتاب، عندما تكرم بإرسال هذا الفصل قبل صدور كتابه، ولم أكن متحمساً لنشرها، لولا ترقب أصدقاء أحترمهم لموقفي من قراءة الأخ فلاح رحيم ونقده، ولولا اثارة النقاش مجدداً حول هذا الكتاب الجاد. فرأيت من المناسب المساهمة بالاحتفاء بجهود الكاتب، عبر توسيع دائرة النقاش في مباحثه، لذلك وجدت من المناسب أن أنشرها اليوم للقراء الكرام.
ملاحظات نقدية
1- جاء في هذا الفصل: (إن الرفاعي، بالرغم من كل ما يبدو للوهلة الأولى من ابتعاده عن دوره الحوزوي باتجاه مواقع التنوير، يبقى أمينا للحوزة والتقليد كما سنرى لاحقاً. نجد في كتابه "مبادئ الفلسفة الإسلامية" الذي يحتوي على مقدمة ودروس في الفلسفة الإسلامية، فصولاً عن "منهج الدرس الفلسفي عند العلامة الطباطبائي". وتكمن أهمية هذه الفصول في العلاقة الفكرية الخاصة التي تربط الرفاعي بالطباطبائي، وفي قناعته بأن أسس البحث الفلسفي عند الطباطبائي تصلح كمرتكزات ومنطلقات أساسية لصياغة منهج ملائم في دراسة الفلسفة الإسلامية. وهذه الأسس كما أرى هي المنهج الذي اعتمده الرفاعي في مجمل مشروعه اللاحق).
الجواب: العلامة الطباطبائي كان أحدَ أعظم ذوي البصيرة المُلهِمين لروحي وأخلاقي وعقلي. الطباطبائي رسّخ اهتمامي بالفلسفة، وأسهمَ بتراجعِ اهتمامي بأصول الفقه والفقه وعلم الكلام، وفكّكَ ما ترسّبَ في ذهني من مواقفَ كلامية وفقهية مناهضةٍ للتصوّف الفلسفي والعرفان النظري،كما نبّهني إلى الأهميةِ الاستثنائية لمنجزِ محيي الدين بنِ عربي، ودورِه الرائدِ في بناء أسسٍ نظريةٍ للتصوّف الفلسفي. فمثلاً يقول الطباطبائي فيما نقله عنه تلميذُه مرتضى المطهري: "لم يستطع أحدٌ في الاسلام أن يأتي حتى بسطر واحدٍ من أمثال ما كتبه الشيخ محيي الدين بن عربي". الطريفُ أني تردّدتُ عند ترجمةِ هذا القولِ، الذي وردَ في هامشِ شرحِ منظومةِ السبزواري في الفلسفة لمطهري، وهو الشرح الذي ترجمتُه، ونُشر عدة مرات في 4 مجلدات قبلَ ربعِ قرن.
على الرغم من النكهةِ العرفانيةِ في حياة الطباطبائي الروحية والأخلاقية، وانعكاسِ العرفان النظري على تفسيرِه للقرآن وكتاباتِه الأخرى، لكنه لم يذهبْ بعيداً عن سقفِ تفكيرِ المتكلمين والفقهاء، لأنه مع نقدِه الشديدِ لمدونة المتكلمين، إلا انه لم يؤسّسْ لنا رؤيةً توحيديةً بديلةً لرؤيتِهم، بل إنه عمل على دعم رؤية لا تقطع مع الرؤية الكلامية، كما نقرأ في المرحلة الثانية عشرة من كتابيه: "بداية الحكمة، ونهاية الحكمة"، التي خصّصها لبحثِ "الالهيات بالمعنى الأخص"، وحاول أن يوظّفَ بعضَ أدلة فلاسفةِ الإسلام وجدالاتِ متكلميه في دعم بناءِ الرؤيةِ التوحيدية للمتكلمين الإمامية.
لقد غادرتُ الرؤيةَ التوحيديةَ للمتكلمين، كما شرحتُ ذلك في مقالتي الجديدة: "الرؤية التوحيدية لعلم الكلام والتصوف الفلسفي" ، التي حاولت فيها أن أخلصَ لفكرةٍ تتلخص في أن انسدادَ آفاقِ التفكيرِ الديني في عالم الاسلام يعودُ للأسوارِ المقفلة التي صنعتها الرؤيةُ التوحيديةُ للمتكلمين، وما ابتنى وتوالدَ على أساسها من أصولِ فقهٍ وفقه. وقدّمت رأياً يذهب إلى أن رؤيةَ المتكلمين تؤولُ إلى ما أسميتُه "الاغتراب الميتافيزيقي".
على كتاب: "أزمة التنوير العراقي" لفلاح رحيم
د. عبدالجبار الرفاعي
الكتابُ الذي يطالُه النقدُ يمكث في ذاكرة الكتابة.كاتبُ الكتاب المنقود محظوظٌ، وكتابُه أيضاً محظوظٌ. النقدُ هو الرافدُ الذي يغدي الكتابةَ ويخصبها، ويتكفلُ خلودها عبر التاريخ. وربما يمسي كتاب "أزمة التنوير العراقي" للأستاذ فلاح رحيم من هذا النوع من الكتب، فهو فضلاً عن عاصفة النقد الذي أثاره لحظة صدوره على صفحات الفيسبوك، تناوله أكثرُ من كاتب بالنقد، وأخيراً خصه الأخ الدكتور علي عبدالهادي المرهج بمقالة نقدية، نشرها في صحيفتي "المثقف" و"العالم الجديد".
وقتُ صدور الكتاب وجدتُ من الضروري تبجيل الكاتب والثناء على جهده، لمعرفتي بثقافته الواسعة، وأخلاقه المهذبة، وعدم انفعاله في الكتابة، على الرغم من عدم اتفاقي معه في كل ما انتهى إليه من آراء ونتائج. لذلك نشرت على صفحتي في الفيس بك صورةً لغلاف الكتاب، مع هذا النص: "النقدُ هو ماء الحياة لكل فكر يريد لنفسه أن يواصلَ البقاء على قيد الحياة... شكراً فلاح رحيم على هذه المحاولة النقدية الجسورة لما يفكر به ويكتبه أصدقاؤك قبل غيرهم، شكراً فلاح رحيم لأنك الرائي الذي رآنا من موقع كان يتعذر علينا أن نرى أنفسنا منه، شكراً لأنك وضعت فكرنا في أفق لم نتنبه اليه... شكراً حسن ناظم على رعاية هذا المنجز، والحث على انجازه وتبنيه في اصدارات سلسلة دراسات جامعة الكوفة".
وكنت قبل ذلك كتبتُ مجموعة ملاحظات نقدية على الفصل الذي خصصه في كتابه لنقد كتاباتي، وبعثتها له قبل طباعة الكتاب، عندما تكرم بإرسال هذا الفصل قبل صدور كتابه، ولم أكن متحمساً لنشرها، لولا ترقب أصدقاء أحترمهم لموقفي من قراءة الأخ فلاح رحيم ونقده، ولولا اثارة النقاش مجدداً حول هذا الكتاب الجاد. فرأيت من المناسب المساهمة بالاحتفاء بجهود الكاتب، عبر توسيع دائرة النقاش في مباحثه، لذلك وجدت من المناسب أن أنشرها اليوم للقراء الكرام.
ملاحظات نقدية
1- جاء في هذا الفصل: (إن الرفاعي، بالرغم من كل ما يبدو للوهلة الأولى من ابتعاده عن دوره الحوزوي باتجاه مواقع التنوير، يبقى أمينا للحوزة والتقليد كما سنرى لاحقاً. نجد في كتابه "مبادئ الفلسفة الإسلامية" الذي يحتوي على مقدمة ودروس في الفلسفة الإسلامية، فصولاً عن "منهج الدرس الفلسفي عند العلامة الطباطبائي". وتكمن أهمية هذه الفصول في العلاقة الفكرية الخاصة التي تربط الرفاعي بالطباطبائي، وفي قناعته بأن أسس البحث الفلسفي عند الطباطبائي تصلح كمرتكزات ومنطلقات أساسية لصياغة منهج ملائم في دراسة الفلسفة الإسلامية. وهذه الأسس كما أرى هي المنهج الذي اعتمده الرفاعي في مجمل مشروعه اللاحق).
الجواب: العلامة الطباطبائي كان أحدَ أعظم ذوي البصيرة المُلهِمين لروحي وأخلاقي وعقلي. الطباطبائي رسّخ اهتمامي بالفلسفة، وأسهمَ بتراجعِ اهتمامي بأصول الفقه والفقه وعلم الكلام، وفكّكَ ما ترسّبَ في ذهني من مواقفَ كلامية وفقهية مناهضةٍ للتصوّف الفلسفي والعرفان النظري،كما نبّهني إلى الأهميةِ الاستثنائية لمنجزِ محيي الدين بنِ عربي، ودورِه الرائدِ في بناء أسسٍ نظريةٍ للتصوّف الفلسفي. فمثلاً يقول الطباطبائي فيما نقله عنه تلميذُه مرتضى المطهري: "لم يستطع أحدٌ في الاسلام أن يأتي حتى بسطر واحدٍ من أمثال ما كتبه الشيخ محيي الدين بن عربي". الطريفُ أني تردّدتُ عند ترجمةِ هذا القولِ، الذي وردَ في هامشِ شرحِ منظومةِ السبزواري في الفلسفة لمطهري، وهو الشرح الذي ترجمتُه، ونُشر عدة مرات في 4 مجلدات قبلَ ربعِ قرن.
على الرغم من النكهةِ العرفانيةِ في حياة الطباطبائي الروحية والأخلاقية، وانعكاسِ العرفان النظري على تفسيرِه للقرآن وكتاباتِه الأخرى، لكنه لم يذهبْ بعيداً عن سقفِ تفكيرِ المتكلمين والفقهاء، لأنه مع نقدِه الشديدِ لمدونة المتكلمين، إلا انه لم يؤسّسْ لنا رؤيةً توحيديةً بديلةً لرؤيتِهم، بل إنه عمل على دعم رؤية لا تقطع مع الرؤية الكلامية، كما نقرأ في المرحلة الثانية عشرة من كتابيه: "بداية الحكمة، ونهاية الحكمة"، التي خصّصها لبحثِ "الالهيات بالمعنى الأخص"، وحاول أن يوظّفَ بعضَ أدلة فلاسفةِ الإسلام وجدالاتِ متكلميه في دعم بناءِ الرؤيةِ التوحيدية للمتكلمين الإمامية.
لقد غادرتُ الرؤيةَ التوحيديةَ للمتكلمين، كما شرحتُ ذلك في مقالتي الجديدة: "الرؤية التوحيدية لعلم الكلام والتصوف الفلسفي" ، التي حاولت فيها أن أخلصَ لفكرةٍ تتلخص في أن انسدادَ آفاقِ التفكيرِ الديني في عالم الاسلام يعودُ للأسوارِ المقفلة التي صنعتها الرؤيةُ التوحيديةُ للمتكلمين، وما ابتنى وتوالدَ على أساسها من أصولِ فقهٍ وفقه. وقدّمت رأياً يذهب إلى أن رؤيةَ المتكلمين تؤولُ إلى ما أسميتُه "الاغتراب الميتافيزيقي".
الاغترابُ الميتافيزيقي تُستلَب فيه كينونةُ الكائنِ البشري، ولا يتخلّص منه الإنسانُ إلّا ببناءِ صلةٍ وجوديةٍ ديناميكيةٍ بالله.
2- وجاء في هذا الفصل: (إن كتاب "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين" ينطلق من الإطار النظري الذي وفره السيد الطباطبائي للرفاعي ليحاول، بقوة ذلك الإطار، حلّ إشكاليات الكبوة الأيديولوجية للدين الحق. والكتاب لهذا السبب ينمّ على روح باحث صبور واثق بإمكان الجدال البناء وإقامة التركيبات الصاعدة نحو الحلّ. أما كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" فتسوده روح فردية منسحبة من العالم ومشاكله، مكتفية بالوجود الإلهي المكتفي بذاته عن كل أدران الدنيا وصراعاتها).
الجواب: لقد تغيّر فهمي للدين، فلم أعد أفهمه بالمعنى الكلامي والفقهي، وجاء ذلك كمحصلةٍ لتجربةِ حياةٍ دينية طويلة تمتد الى ما يقارب النصف قرن، ومن التموضعِ في التراثِ، والدراسةِ والتدريسِ في الحوزة لأربعين عاماً، ودراسةِ ومطالعةِ الفلسفة والعلوم الانسانية الحديثة.كنتُ أعتقدُ أن الدينَ يفسّرُ نفسَه، ويفسّر كلَّ شيء في العالم، ولا يخضع هو أو الظواهرُ التي ينتجها لتفسيرِ مناهج ومفاهيم العلومِ والمعارفِ البشرية، وأنه لا حدودَ خاصة للديني ولا حدودَ خاصة للدنيوي، فكلُّ ما هو ديني دنيوي وكل ماهو دنيوي ديني. كان الدينُ في مفهومي يتكفّل بكلّ ما يحتاجه الانسانُ في العلم والعمل، وهو لا غيره الحلُّ لكلّ مشكلاته.كنت أعتقد أن الدينَ يعطي الانسانَ الجوابَ النهائي لكلّ سؤال مهما كان، سواء كان في الدين أو الدنيا، ويغطي الدينُ كلَّ تفاصيل الحياة، فكلُّ المعارف والعلوم والفنون والآداب تستمد حقيقتَها أو مشروعيتَها من الدين، هو الذي ينظّم كلَّ شيء يتصل بالدولة والاقتصاد والادارة وغير ذلك. بمعنى أن كلَّ شيء خارجَ الدين ليس حقيقياً، أو على الأقل ليس مشروعاً.
لم أنسحبْ من العالم، كما لم تنسحبْ من العالم كتابتي في "الدين والظمأ الأنطولوجي"، وإنما اكتشفتُ قبل أكثر من ثلاثين عاماً أن للديني حدودَه الخاصة وللدنيوي حدودَه الخاصة، فلو تخطّى الدينُ حدودَه لانقلب سمّاً بعد أن كان ترياقاً، ولو طردَ الدنيوي الديني لانتهى إلى نتيجةٍ مشابهة.
في كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" شرحتُ هذه الفكرةَ ببياناتٍ متنوعة، وأوضحتُ فهمي للدينِ، ووظيفتِه في ضوءِ هذا الفهم. أشرتُ في مقدمة الكتاب إلى ما أنشده، فقلت: "يرمي هذا الكتاب إلى عزل المسارات عن بعضها، إذ إن كلَّ شئ يفتقد غرضَه حين يتم استعماله خارجَ سياقه. كثيراً ما يقع الخلطُ بين مفهوم الدين وبين توظيفه خارجَ وظيفته الحقيقية. هكذا يفرغ التوظيفُ الدينَ من مقاصده ويهدر غاياتِه وأهدافَه، بل غالباً ما ينقلب استعمالُ الدين خارجَ مقاصده إلى الضد منها، كما يفضي استعمال كل شئ خارجَ سياق وظيفته إلى نفي غرضه".
الكتابُ حدّد وظيفةً أنطولوجيةً للدين، وهذه الوظيفةُ تبتني على ما انتهيتُ إليه من أن المعارفَ والعلومَ والفنونَ والآدابَ لا تستمدّ حقيقتَها من الدين، مثلما لا تستمد مشروعيتَها منه، وهكذا الحالُ في ما ينظّم كلَّ شيء يتصل بالدولة والاقتصاد والادارة في الحياة، بعد أن اكتشفتُ أنها تقع خارجَ مهمة الدين، وأن الذي يتكفل بذلك هو العقلُ وتطورُ الوعي والمعرفة وتراكمُ الخبرة البشرية. حاولتُ أن أقدّم فهماً للدين يتخلص فيه الدنيوي من الديني، أي تتخلص المعارفُ والعلومُ والفنونُ والآدابُ والسياسةُ والاقتصادُ والادارةُ من أن تغدو ديناً. ويتخلص الديني من الدنيوي، أي يتخلص الدينُ من الأيديولوجيا. لعل الذي انسحب من العالم هو تفسيري الجديد للدين، وتحديدُ مجاله بإرواء الظمأ الأنطولوجي، وما يترتب على إرواء الظمأ الأنطولوجي من آثار أراها ضروريةً لإيقاظ الحياة الأخلاقية وإيقاد الحياة الروحية.
3- وجاء في هذا الفصل: "يصمت الرفاعي في كل إشاراته إلى المشروطة عن مناقشة الظروف السياسية الداخلية والدولية التي أجهضت المشروع ويكتفي بمواقف رجال الدين منها. وهو جزء من تهميش السياسة في مشروعه كما أجادل هنا".
الجواب: الاشارةُ للمشروطة وردتْ في سياق دور مرجعية النجف في المشروطة في دراسة تتناول: "مفهوم الدولة في مدرسة النجف من النائيني إلى السيستاني". وبيان كيفية تعريف فقهاء النجف للدستور والدولة، ولم تكن الدراسةُ في مقامِ الحديثِ عن المشروطةِ وعواملها، ومناقشةِ الظروف السياسية الداخلية والدولية التي أجهضتها. ولكي لا يستغرقَ البحثُ في الاستطراد اكتفيت بمواقف الفقهاء في النجف منها.
4- وجاء في هذا الفصل: ("اختزال الدين إلى أيديولوجيا: لاهوت التحرير عند علي شريعتي وحسن حنفي". وأول ما يستوقفنا في هذه المقالة أن الرفاعي يورد ثلاثة ممثلين لتيار لاهوت التحرير هم: علي شريعتي وحسن حنفي ومحمد باقر الصدر، فيكرس مقاله للأولين، بينما يحجم عن التطرق إلى الصدر).
2- وجاء في هذا الفصل: (إن كتاب "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين" ينطلق من الإطار النظري الذي وفره السيد الطباطبائي للرفاعي ليحاول، بقوة ذلك الإطار، حلّ إشكاليات الكبوة الأيديولوجية للدين الحق. والكتاب لهذا السبب ينمّ على روح باحث صبور واثق بإمكان الجدال البناء وإقامة التركيبات الصاعدة نحو الحلّ. أما كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" فتسوده روح فردية منسحبة من العالم ومشاكله، مكتفية بالوجود الإلهي المكتفي بذاته عن كل أدران الدنيا وصراعاتها).
الجواب: لقد تغيّر فهمي للدين، فلم أعد أفهمه بالمعنى الكلامي والفقهي، وجاء ذلك كمحصلةٍ لتجربةِ حياةٍ دينية طويلة تمتد الى ما يقارب النصف قرن، ومن التموضعِ في التراثِ، والدراسةِ والتدريسِ في الحوزة لأربعين عاماً، ودراسةِ ومطالعةِ الفلسفة والعلوم الانسانية الحديثة.كنتُ أعتقدُ أن الدينَ يفسّرُ نفسَه، ويفسّر كلَّ شيء في العالم، ولا يخضع هو أو الظواهرُ التي ينتجها لتفسيرِ مناهج ومفاهيم العلومِ والمعارفِ البشرية، وأنه لا حدودَ خاصة للديني ولا حدودَ خاصة للدنيوي، فكلُّ ما هو ديني دنيوي وكل ماهو دنيوي ديني. كان الدينُ في مفهومي يتكفّل بكلّ ما يحتاجه الانسانُ في العلم والعمل، وهو لا غيره الحلُّ لكلّ مشكلاته.كنت أعتقد أن الدينَ يعطي الانسانَ الجوابَ النهائي لكلّ سؤال مهما كان، سواء كان في الدين أو الدنيا، ويغطي الدينُ كلَّ تفاصيل الحياة، فكلُّ المعارف والعلوم والفنون والآداب تستمد حقيقتَها أو مشروعيتَها من الدين، هو الذي ينظّم كلَّ شيء يتصل بالدولة والاقتصاد والادارة وغير ذلك. بمعنى أن كلَّ شيء خارجَ الدين ليس حقيقياً، أو على الأقل ليس مشروعاً.
لم أنسحبْ من العالم، كما لم تنسحبْ من العالم كتابتي في "الدين والظمأ الأنطولوجي"، وإنما اكتشفتُ قبل أكثر من ثلاثين عاماً أن للديني حدودَه الخاصة وللدنيوي حدودَه الخاصة، فلو تخطّى الدينُ حدودَه لانقلب سمّاً بعد أن كان ترياقاً، ولو طردَ الدنيوي الديني لانتهى إلى نتيجةٍ مشابهة.
في كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" شرحتُ هذه الفكرةَ ببياناتٍ متنوعة، وأوضحتُ فهمي للدينِ، ووظيفتِه في ضوءِ هذا الفهم. أشرتُ في مقدمة الكتاب إلى ما أنشده، فقلت: "يرمي هذا الكتاب إلى عزل المسارات عن بعضها، إذ إن كلَّ شئ يفتقد غرضَه حين يتم استعماله خارجَ سياقه. كثيراً ما يقع الخلطُ بين مفهوم الدين وبين توظيفه خارجَ وظيفته الحقيقية. هكذا يفرغ التوظيفُ الدينَ من مقاصده ويهدر غاياتِه وأهدافَه، بل غالباً ما ينقلب استعمالُ الدين خارجَ مقاصده إلى الضد منها، كما يفضي استعمال كل شئ خارجَ سياق وظيفته إلى نفي غرضه".
الكتابُ حدّد وظيفةً أنطولوجيةً للدين، وهذه الوظيفةُ تبتني على ما انتهيتُ إليه من أن المعارفَ والعلومَ والفنونَ والآدابَ لا تستمدّ حقيقتَها من الدين، مثلما لا تستمد مشروعيتَها منه، وهكذا الحالُ في ما ينظّم كلَّ شيء يتصل بالدولة والاقتصاد والادارة في الحياة، بعد أن اكتشفتُ أنها تقع خارجَ مهمة الدين، وأن الذي يتكفل بذلك هو العقلُ وتطورُ الوعي والمعرفة وتراكمُ الخبرة البشرية. حاولتُ أن أقدّم فهماً للدين يتخلص فيه الدنيوي من الديني، أي تتخلص المعارفُ والعلومُ والفنونُ والآدابُ والسياسةُ والاقتصادُ والادارةُ من أن تغدو ديناً. ويتخلص الديني من الدنيوي، أي يتخلص الدينُ من الأيديولوجيا. لعل الذي انسحب من العالم هو تفسيري الجديد للدين، وتحديدُ مجاله بإرواء الظمأ الأنطولوجي، وما يترتب على إرواء الظمأ الأنطولوجي من آثار أراها ضروريةً لإيقاظ الحياة الأخلاقية وإيقاد الحياة الروحية.
3- وجاء في هذا الفصل: "يصمت الرفاعي في كل إشاراته إلى المشروطة عن مناقشة الظروف السياسية الداخلية والدولية التي أجهضت المشروع ويكتفي بمواقف رجال الدين منها. وهو جزء من تهميش السياسة في مشروعه كما أجادل هنا".
الجواب: الاشارةُ للمشروطة وردتْ في سياق دور مرجعية النجف في المشروطة في دراسة تتناول: "مفهوم الدولة في مدرسة النجف من النائيني إلى السيستاني". وبيان كيفية تعريف فقهاء النجف للدستور والدولة، ولم تكن الدراسةُ في مقامِ الحديثِ عن المشروطةِ وعواملها، ومناقشةِ الظروف السياسية الداخلية والدولية التي أجهضتها. ولكي لا يستغرقَ البحثُ في الاستطراد اكتفيت بمواقف الفقهاء في النجف منها.
4- وجاء في هذا الفصل: ("اختزال الدين إلى أيديولوجيا: لاهوت التحرير عند علي شريعتي وحسن حنفي". وأول ما يستوقفنا في هذه المقالة أن الرفاعي يورد ثلاثة ممثلين لتيار لاهوت التحرير هم: علي شريعتي وحسن حنفي ومحمد باقر الصدر، فيكرس مقاله للأولين، بينما يحجم عن التطرق إلى الصدر).
الجواب: عنوانُ المقالة اقتصر على حنفي وشريعتي، أما الصدر فوردت اشارةٌ اليه في بداية المقالة. ووردتْ إشارةٌ في مقدمة كتاب الدين والظمأ الأنطولوجي إلى التفكير الديني الايديولوجي، ونصها: "أبدى بعضُ قراء هذا الكتاب امتعاضَهم من نقدي لأدلجة الدين لدى المرحوم علي شريعتي. ولم أجد إلاّ القليلَ من القراء النابهين التقط ما يهدف اليه نقدي لشريعتي، إذ اتخذته نموذجًا لنقد وتفكيك الأدبيات الاسلامية المسكونة بأدلجة الدين. انما درستُ شريعتي هنا بوصفه مثالاً شديد التأثير والاغواء لاتجاهٍ في التفكير الديني الايديولوجي اجتاح عالَمَ الاسلام الحديث والمعاصر".
5- وجاء في هذا الفصل: "يتكرر ذات الالتباس في علاقة الرفاعي مع المفكر المصري حسن حنفي الذي يتأرجح تناول الرفاعي لفكره بين مدح سابغ، وقدح عنيف غاضب".
الجواب: يُفترض أن يتطورَ وعيُ الكاتب اليقظ تبعاً لتطور مطالعاته ومراجعاته وتأملاته وتفكيره. انتقل وعيي عبر أكثر من محطة، ومر عقلي بحالة كأنها "الناسخ والمنسوخ"، فكانت بعض الرؤى الجديدة تتوالد في تفكيري وهي تنسخ رؤى سابقة. في بداية مطالعتي لحسن حنفي حرّرني من سيد قطب، وأغواني أسلوبُه في الكتابة، لكني استفقتُ بعد مدة قليلة على حقيقة أن حنفي في اللحظة التي يحرّرني فيها من سجن قطب يسجنني هو في سجنه الأيديولوجي. وفي الفصل المذكور تفصيل ذلك.
المدحُ السابغُ يعود للمرحلة الأولى في الاطلاع على كتابات حنفي. وما تم توصيفُه بـ"القدح العنيف الغاضب"، إن كان يصح الوصف، يعود للمرحلة التالية. لا أدرى إنْ كان في ما كتبتُه قدحاً عنيفاً، لكني أعرف أن طريقتي في الكتابة حذرةٌ، بل يمكن وصفها بـ"الخائفة". هذه الكتابة تهتم بانتقاء الكلمات الهادئة غير الجارحة، وتعمد لاستبدال ماهو شديد منها بالأقل شدّة. ربما تبالغ بالمدح، لكنها تخضع لمراقبة ومراجعة ما قد يكون قدحاً، وكلُّ مراجعة تترسم مبدأَ: "الكتابة فن الحذف والاختزال"، كل ذلك حذراً من أن ينفلت القلمُ في القدح بعنف غاضب، ويتخطى حدود الأخلاق.
6- وجاء في هذا الفصل: "من مظاهر التباس العلاقة أن الرفاعي يقدم مؤهلات شريعتي بطريقتين مختلفتين، فتارة يقدمه على أنه "خبير في علم الاجتماع الديني ومقارنة الأديان." م. ن. ص222 ، وتارة يؤكد أن تحصيله من جامعة السوربون تمثل في ترجمة وتحقيق كتاب، ينفي عنه هذه الصفة".
الجواب: علي شريعتي هو من يذكر ذلك عن تكوينه الأكاديمي، إذ نقرأ في أعماله يقول بأنه: "خبير في علم الاجتماع الديني ومقارنة الأديان". لكن شهادة أهل موطنه من الخبراء الايرانيين تقول ما لا يتطابق وما قاله هو. فبعد مطالعة واسعة لكتابات باللغة الفارسية للباحثين الايرانيين الذين كتبوا عنه، من أصدقائه وغيرهم، اكتشفتُ أنهم يجمعون على أن شريعتي: (في عام 1964 ناقش أطروحتَه في التاريخ، التي تناولت ترجمةَ وتحقيقَ كتاب "فضائل بلخ"، لصفيّ الدين البلخي بإشراف: جيلبرت لازارد). لذلك كتبتُ في أحد هوامش الفصل الخاص بعلي شريعتي من الدين والظمأ الأنطولوجي مايلي: (الشائع أنّ المرحوم د. علي شريعتي متخصّصٌ في علم الاجتماع والأديان، بينما راجعت كلّ الكتابات الّتي دوّنها باحثون إيرانيون متخصّصون عنه، واعتمدوا على شهادات معاصرين له في الجامعة، واطلعتُ على وثائقه الشخصية، كذلك اطّلعتُ على مصوّرات وثائق خاصّةٍ به نشرت بالفارسية، فلم أعثر فيها على ما يشير إلى أنّه متخصّصٌ أكاديمياً في علم الاجتماع والأديان. لكنّ الغريب أنّ آثار شريعتي وردت فيها عباراتٌ تؤشّر إلى تخصّصاتٍ متعدّدةٍ له، مثلا يقول: (دراستي في علم الاجتماع"، مجموعهی آثار ج 31: ص 316. "دراستي وتخصّصي في تاريخ علم الاجتماع"، مجموعهی آثار ج 28: ج 57. "دراستي في علم اجتماع الدين"، مجموعهی آثار ج 28: ص 71. "دراستي وتدريسي في تاريخ الأديان"، مجموعهی آثار ج 26: ص 15. : "بوصف تخصّصي العلمي هو في علم الاجتماع الديني، وهذا التخصّص منسجمٌ مع عملي، فإنّي أسعى لتدوين نوعٍ من علم الاجتماع؛ المرتكز على الاسلام والمصطلحات المستوحاة من القرآن والحديث". اسلامشناسی، ص 23).
7- وجاء في هذا الفصل: (سأتوقف عند مقالة طريفة نشرها الرفاعي مؤخراً في مجلة الكوفة الأكاديمية وتناول فيها المفكر الإيراني المعروف حسين نصر. قراءتي لهذه المقالة ترى فيها غلبة القرين "شريعتي" على ذات الرفاعي المتملصة من قبضته، فهو ينتقد آراء نصر القريبة من آرائه هو "الرفاعي" من منطلق أقرب إلى مواقع شريعتي وحنفي).
الجواب: آراءُ حسين نصر ليست قريبةً من آرائي، كما ان مسيرةَ حياةِ نصر ليست قريبةً من مسيرة حياتي. نصر سليلُ أسرة أرستقراطية، وهو أرستقراطي أيضاً، كانت أسرتُه تعيش على الدوام قربَ الملوك "الشاهات". أنا ابنُ فلاح، أقف على الضدّ من الإقطاع بكلّ أشكاله، وأمقتُ كلَّ أشكال الحياة الأرستقراطية، ولا يمكن أن أقبلَ كلَّ أشكال السلطات المستبدّة.
5- وجاء في هذا الفصل: "يتكرر ذات الالتباس في علاقة الرفاعي مع المفكر المصري حسن حنفي الذي يتأرجح تناول الرفاعي لفكره بين مدح سابغ، وقدح عنيف غاضب".
الجواب: يُفترض أن يتطورَ وعيُ الكاتب اليقظ تبعاً لتطور مطالعاته ومراجعاته وتأملاته وتفكيره. انتقل وعيي عبر أكثر من محطة، ومر عقلي بحالة كأنها "الناسخ والمنسوخ"، فكانت بعض الرؤى الجديدة تتوالد في تفكيري وهي تنسخ رؤى سابقة. في بداية مطالعتي لحسن حنفي حرّرني من سيد قطب، وأغواني أسلوبُه في الكتابة، لكني استفقتُ بعد مدة قليلة على حقيقة أن حنفي في اللحظة التي يحرّرني فيها من سجن قطب يسجنني هو في سجنه الأيديولوجي. وفي الفصل المذكور تفصيل ذلك.
المدحُ السابغُ يعود للمرحلة الأولى في الاطلاع على كتابات حنفي. وما تم توصيفُه بـ"القدح العنيف الغاضب"، إن كان يصح الوصف، يعود للمرحلة التالية. لا أدرى إنْ كان في ما كتبتُه قدحاً عنيفاً، لكني أعرف أن طريقتي في الكتابة حذرةٌ، بل يمكن وصفها بـ"الخائفة". هذه الكتابة تهتم بانتقاء الكلمات الهادئة غير الجارحة، وتعمد لاستبدال ماهو شديد منها بالأقل شدّة. ربما تبالغ بالمدح، لكنها تخضع لمراقبة ومراجعة ما قد يكون قدحاً، وكلُّ مراجعة تترسم مبدأَ: "الكتابة فن الحذف والاختزال"، كل ذلك حذراً من أن ينفلت القلمُ في القدح بعنف غاضب، ويتخطى حدود الأخلاق.
6- وجاء في هذا الفصل: "من مظاهر التباس العلاقة أن الرفاعي يقدم مؤهلات شريعتي بطريقتين مختلفتين، فتارة يقدمه على أنه "خبير في علم الاجتماع الديني ومقارنة الأديان." م. ن. ص222 ، وتارة يؤكد أن تحصيله من جامعة السوربون تمثل في ترجمة وتحقيق كتاب، ينفي عنه هذه الصفة".
الجواب: علي شريعتي هو من يذكر ذلك عن تكوينه الأكاديمي، إذ نقرأ في أعماله يقول بأنه: "خبير في علم الاجتماع الديني ومقارنة الأديان". لكن شهادة أهل موطنه من الخبراء الايرانيين تقول ما لا يتطابق وما قاله هو. فبعد مطالعة واسعة لكتابات باللغة الفارسية للباحثين الايرانيين الذين كتبوا عنه، من أصدقائه وغيرهم، اكتشفتُ أنهم يجمعون على أن شريعتي: (في عام 1964 ناقش أطروحتَه في التاريخ، التي تناولت ترجمةَ وتحقيقَ كتاب "فضائل بلخ"، لصفيّ الدين البلخي بإشراف: جيلبرت لازارد). لذلك كتبتُ في أحد هوامش الفصل الخاص بعلي شريعتي من الدين والظمأ الأنطولوجي مايلي: (الشائع أنّ المرحوم د. علي شريعتي متخصّصٌ في علم الاجتماع والأديان، بينما راجعت كلّ الكتابات الّتي دوّنها باحثون إيرانيون متخصّصون عنه، واعتمدوا على شهادات معاصرين له في الجامعة، واطلعتُ على وثائقه الشخصية، كذلك اطّلعتُ على مصوّرات وثائق خاصّةٍ به نشرت بالفارسية، فلم أعثر فيها على ما يشير إلى أنّه متخصّصٌ أكاديمياً في علم الاجتماع والأديان. لكنّ الغريب أنّ آثار شريعتي وردت فيها عباراتٌ تؤشّر إلى تخصّصاتٍ متعدّدةٍ له، مثلا يقول: (دراستي في علم الاجتماع"، مجموعهی آثار ج 31: ص 316. "دراستي وتخصّصي في تاريخ علم الاجتماع"، مجموعهی آثار ج 28: ج 57. "دراستي في علم اجتماع الدين"، مجموعهی آثار ج 28: ص 71. "دراستي وتدريسي في تاريخ الأديان"، مجموعهی آثار ج 26: ص 15. : "بوصف تخصّصي العلمي هو في علم الاجتماع الديني، وهذا التخصّص منسجمٌ مع عملي، فإنّي أسعى لتدوين نوعٍ من علم الاجتماع؛ المرتكز على الاسلام والمصطلحات المستوحاة من القرآن والحديث". اسلامشناسی، ص 23).
7- وجاء في هذا الفصل: (سأتوقف عند مقالة طريفة نشرها الرفاعي مؤخراً في مجلة الكوفة الأكاديمية وتناول فيها المفكر الإيراني المعروف حسين نصر. قراءتي لهذه المقالة ترى فيها غلبة القرين "شريعتي" على ذات الرفاعي المتملصة من قبضته، فهو ينتقد آراء نصر القريبة من آرائه هو "الرفاعي" من منطلق أقرب إلى مواقع شريعتي وحنفي).
الجواب: آراءُ حسين نصر ليست قريبةً من آرائي، كما ان مسيرةَ حياةِ نصر ليست قريبةً من مسيرة حياتي. نصر سليلُ أسرة أرستقراطية، وهو أرستقراطي أيضاً، كانت أسرتُه تعيش على الدوام قربَ الملوك "الشاهات". أنا ابنُ فلاح، أقف على الضدّ من الإقطاع بكلّ أشكاله، وأمقتُ كلَّ أشكال الحياة الأرستقراطية، ولا يمكن أن أقبلَ كلَّ أشكال السلطات المستبدّة.
تولى حسين نصر رئاسةَ المكتب الخاص لفرح ديبا، التي أصبحت ملكةَ إيران عندما غادر زوجُها محمد رضا بلادَه أيامَ الثورة 1978 – 1979. طالعتُ أعمالَ نصر بالفارسية، وقرأتُ رسائلَ ودراساتٍ عن فكرِه وحياتِه، فلم أجد في فكرِه وحياتِه ما يشبهني.
يدعو نصر للعلم المقدّس، كما يصطلح عليه هو وجماعةُ "اتجاه السنّة"، أو "دعاة التقليد" (كما ترجمتها حضرتك) Traditionalists . العلم المقدّس مصطلح غائم ملتبس، وقد كتبتُ أكثرَ من مقالة في نقدِ هذا المفهوم، ونقدِ المرتكزات الأخرى لرؤية هذه الجماعة الغريبة والغامضة للعالم والعلم والفلسفة والفنون والآداب، وكيف تمتزج فيها رؤية مفتونة بسحر مقدس لكل ما في العالَم، وموقف سلفي متحجر من التراث، ومناهضة عنيفة للحداثة ومكتسباتها، عبر استعارة نقد مفكري ما بعد الحداثة الغربيين للحداثة.
8- وجاء في هذا الفصل:(يعترض الرفاعي على منهج حسين نصر من مواقع شريعتي، فهو "أي نصر" يقف ضد الحضارة الحديثة والصيرورة التاريخية ويلغي مهمة النقد للموروث).
الجواب: ليس بالضرورة أن ينطلق كلُّ نقد، لمن يمجّدُ كلَّ ما في التراث، ويقفُ على الضدّ من الحضارة الحديثة والصيرورة التاريخية، من مواقع شريعتي. في ضوء هذه المعادلة يلزم أن تنفردَ كتابةُ كلّ كاتب بكلّ شيء فيها. هل ينطلق كلُّ ناقد من موقع غيره عندما ينقد فكرةً أو ظاهرةً أو نصاً ينقده غيرَه؟!
ينطلق موقفي النقدي للتراث من موقعِ خبرةٍ شخصية تشبعتْ بمناخات التراث، بعد أن استهلكتْ سنينَ طويلةً من عمري.كذلك ينطلق موقفي النقدي لموقفِ حسين نصر وجماعتِه الرافضِ للصيرورةِ التاريخية ومكاسبِ العلوم والمعارف الحديثة، من موقعِ خبرة شخصية بها. ومن الطبيعي أن يلتقي هذا الموقفُ مع كلّ ما هو قريب منه، سواء صدر عن شريعتي أو عن أيّ مفكر آخر.
9- وجاء في هذا الفصل: "لا يخفي هذا الاعتراض التطابقات المباشرة بين الرفاعي في مآله ما بعد الأيديولوجي ونصر".
الجواب: أظن أن التنقيبَ عن الأشباه والنظائر في كلمات وأفكار الكاتب القريبة أو المطابقة لغيره، وإنْ كان على الضدّ منه، يقودنا لجمع الأضداد، فقد نعثر لدى الغزالى في "تهافت الفلاسفة" على بعض الكلمات والأفكار والمقولات التي تتطابق مع "تهافت التهافت" لابن رشد.
10- وجاء في هذا الفصل: "وأترك للقارئ الحكم إلى أيّ الاثنين يميل الرفاعي في هذه الفقرة؟ الطريف أن ميله إلى شريعتي، وهو ما أراه، يستند إلى موقف الأخير السياسي المناوئ لظلم الشاه! أي أن الرفاعي يمجد نضال شريعتي ضد الشاه، على حساب حسين نصر الذي هادن الشاه، بالرغم من أنه صنو له في معاداة الأيديولوجيا".
الجواب: لا ترسم المعتقدات والأفكار حدود علاقاتي ولا تفرض أحكامها على عواطفي، أحاول التمييز بين الإنسان بوصفه إنساناً، ونمط معتقداته وأفكاره. المواقف الأخلاقية للمرء هي الأصل في بناء علاقاتي. أن يكون الإنسان أخلاقياً هو ما يتحكم بعواطفي ويفرض عليها الاعجاب والانجذاب لذلك الإنسان.
إن كنتُ غادرتُ تفسيرَ شريعتي وفهمَه الأيديولوجي للدينِ ووظيفتِه، لكن روحَه الإنسانية ومواقفه الأخلاقية وهمومه النضالية كانت وما زالت تأسرني، شريعتي كان مناهضاً لكلِّ ألوان الظلم والاستبداد والإقطاع والأرستقراطية. ربما يستغرب القاريءُ من أني بكيتُ أكثر من مرة، وأنا أكتبُ عن نقدِ المنحى الأيديولوجي للدين في فكره، بعد أن طالعتُ سيرةَ العذاب المؤلمة لنضال شريعتي وسجنه الانفرادي، التي دونتها بلوعة وألم، زوجتُه بوران شريعت رضوي.
وعلى الرغم من أني مؤمنٌ بالله ووحيه ونبيه، لكن أسرني الموقف الإنساني لماركس، عند مطالعتي تبرعه بكلّ ميراثه من أبيه البالغ 5000 فرنك ذهبي للثوار، في وقت كان لا يجد فيه ما يغطي نفقاتِ علاج بناته، وإيجار بيته في حي سوهو الشعبي بلندن.
ويمكن مطالعة مقالتي في رثاء عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي صديقي المرحوم كامل شياع، الأخلاقي المثقف، الذي قلما نعثر على مثاله اليوم، والتي نشرتها بعنوان: "كامل شياع: متصوف خارج الأديان". أتضامن مع كل إنسان أخلاقي ومواقفه الإنسانية، ولا يهمني الاختلاف في الدين أو الاعتقاد أو رؤية العالم أو الثقافة أو الانتماء أو الجنس.
11- وجاء في هذا الفصل: (محاولة تحرير السياسة من الأيديولوجيا ونقلها إلى جهة الأساس الأنطولوجي. لقد لاحظنا في مناقشة دراسة الرفاعي عن "مفهوم الدولة في مدرسة النجف" أنه بذل جهداً تركيبياً كبيراً لاستخلاص تركيبة تحافظ على النجف حاضنةً أنطولوجيةً عابرةً للطارئ والتصادفي والمتغير من دون أن يفرط بدور بنّاء لها على مستوى السياسة).
الجواب: لم يردْ في هذه الدراسة توصيفُ النجف بالحاضنةِ الأنطولوجية العابرةِ "للطارئ والتصادفي والمتغير". الصوابُ أن النجفَ كانت وما زالت حاضنةً للفقهِ والرؤيةِ الكلامية الإمامية.
يدعو نصر للعلم المقدّس، كما يصطلح عليه هو وجماعةُ "اتجاه السنّة"، أو "دعاة التقليد" (كما ترجمتها حضرتك) Traditionalists . العلم المقدّس مصطلح غائم ملتبس، وقد كتبتُ أكثرَ من مقالة في نقدِ هذا المفهوم، ونقدِ المرتكزات الأخرى لرؤية هذه الجماعة الغريبة والغامضة للعالم والعلم والفلسفة والفنون والآداب، وكيف تمتزج فيها رؤية مفتونة بسحر مقدس لكل ما في العالَم، وموقف سلفي متحجر من التراث، ومناهضة عنيفة للحداثة ومكتسباتها، عبر استعارة نقد مفكري ما بعد الحداثة الغربيين للحداثة.
8- وجاء في هذا الفصل:(يعترض الرفاعي على منهج حسين نصر من مواقع شريعتي، فهو "أي نصر" يقف ضد الحضارة الحديثة والصيرورة التاريخية ويلغي مهمة النقد للموروث).
الجواب: ليس بالضرورة أن ينطلق كلُّ نقد، لمن يمجّدُ كلَّ ما في التراث، ويقفُ على الضدّ من الحضارة الحديثة والصيرورة التاريخية، من مواقع شريعتي. في ضوء هذه المعادلة يلزم أن تنفردَ كتابةُ كلّ كاتب بكلّ شيء فيها. هل ينطلق كلُّ ناقد من موقع غيره عندما ينقد فكرةً أو ظاهرةً أو نصاً ينقده غيرَه؟!
ينطلق موقفي النقدي للتراث من موقعِ خبرةٍ شخصية تشبعتْ بمناخات التراث، بعد أن استهلكتْ سنينَ طويلةً من عمري.كذلك ينطلق موقفي النقدي لموقفِ حسين نصر وجماعتِه الرافضِ للصيرورةِ التاريخية ومكاسبِ العلوم والمعارف الحديثة، من موقعِ خبرة شخصية بها. ومن الطبيعي أن يلتقي هذا الموقفُ مع كلّ ما هو قريب منه، سواء صدر عن شريعتي أو عن أيّ مفكر آخر.
9- وجاء في هذا الفصل: "لا يخفي هذا الاعتراض التطابقات المباشرة بين الرفاعي في مآله ما بعد الأيديولوجي ونصر".
الجواب: أظن أن التنقيبَ عن الأشباه والنظائر في كلمات وأفكار الكاتب القريبة أو المطابقة لغيره، وإنْ كان على الضدّ منه، يقودنا لجمع الأضداد، فقد نعثر لدى الغزالى في "تهافت الفلاسفة" على بعض الكلمات والأفكار والمقولات التي تتطابق مع "تهافت التهافت" لابن رشد.
10- وجاء في هذا الفصل: "وأترك للقارئ الحكم إلى أيّ الاثنين يميل الرفاعي في هذه الفقرة؟ الطريف أن ميله إلى شريعتي، وهو ما أراه، يستند إلى موقف الأخير السياسي المناوئ لظلم الشاه! أي أن الرفاعي يمجد نضال شريعتي ضد الشاه، على حساب حسين نصر الذي هادن الشاه، بالرغم من أنه صنو له في معاداة الأيديولوجيا".
الجواب: لا ترسم المعتقدات والأفكار حدود علاقاتي ولا تفرض أحكامها على عواطفي، أحاول التمييز بين الإنسان بوصفه إنساناً، ونمط معتقداته وأفكاره. المواقف الأخلاقية للمرء هي الأصل في بناء علاقاتي. أن يكون الإنسان أخلاقياً هو ما يتحكم بعواطفي ويفرض عليها الاعجاب والانجذاب لذلك الإنسان.
إن كنتُ غادرتُ تفسيرَ شريعتي وفهمَه الأيديولوجي للدينِ ووظيفتِه، لكن روحَه الإنسانية ومواقفه الأخلاقية وهمومه النضالية كانت وما زالت تأسرني، شريعتي كان مناهضاً لكلِّ ألوان الظلم والاستبداد والإقطاع والأرستقراطية. ربما يستغرب القاريءُ من أني بكيتُ أكثر من مرة، وأنا أكتبُ عن نقدِ المنحى الأيديولوجي للدين في فكره، بعد أن طالعتُ سيرةَ العذاب المؤلمة لنضال شريعتي وسجنه الانفرادي، التي دونتها بلوعة وألم، زوجتُه بوران شريعت رضوي.
وعلى الرغم من أني مؤمنٌ بالله ووحيه ونبيه، لكن أسرني الموقف الإنساني لماركس، عند مطالعتي تبرعه بكلّ ميراثه من أبيه البالغ 5000 فرنك ذهبي للثوار، في وقت كان لا يجد فيه ما يغطي نفقاتِ علاج بناته، وإيجار بيته في حي سوهو الشعبي بلندن.
ويمكن مطالعة مقالتي في رثاء عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي صديقي المرحوم كامل شياع، الأخلاقي المثقف، الذي قلما نعثر على مثاله اليوم، والتي نشرتها بعنوان: "كامل شياع: متصوف خارج الأديان". أتضامن مع كل إنسان أخلاقي ومواقفه الإنسانية، ولا يهمني الاختلاف في الدين أو الاعتقاد أو رؤية العالم أو الثقافة أو الانتماء أو الجنس.
11- وجاء في هذا الفصل: (محاولة تحرير السياسة من الأيديولوجيا ونقلها إلى جهة الأساس الأنطولوجي. لقد لاحظنا في مناقشة دراسة الرفاعي عن "مفهوم الدولة في مدرسة النجف" أنه بذل جهداً تركيبياً كبيراً لاستخلاص تركيبة تحافظ على النجف حاضنةً أنطولوجيةً عابرةً للطارئ والتصادفي والمتغير من دون أن يفرط بدور بنّاء لها على مستوى السياسة).
الجواب: لم يردْ في هذه الدراسة توصيفُ النجف بالحاضنةِ الأنطولوجية العابرةِ "للطارئ والتصادفي والمتغير". الصوابُ أن النجفَ كانت وما زالت حاضنةً للفقهِ والرؤيةِ الكلامية الإمامية.
وحضورُ الفلسفةِ والتصوفِ والعرفانِ كان وما زال عابراً وهامشياً في حوزة النجف.
المفهومُ الأنطولوجي للدين الذي تحدّث عنه كتابُ "الدين والظمأ الأنطولوجي" يستقي مادتَه من التصوف الفلسفي، كما تحدثت عن ذلك في: "الرؤية التوحيدية لعلم الكلام والتصوف الفلسفي".
12- وجاء في هذا الفصل: (تمادى فيها الرفاعي دون تحوط في منح المرجعية الدينية دوراً سياسياً يتجاوز الحدود التي تحفظها عابرة للزمان والمكان، كما ورد في العنوان "لنلاحظ هنا أيضاً أن الرفاعي عاب على جماعة السُّنة نفيهم المكان والزمان كما ورد آنفاً!").
الجواب: لم يردْ منحُ المرجعية الدينية دوراً سياسياً عابراً للزمان والمكان، بل وردَ في كتابي "الدين والظمأ الأنطولوجي" مايلي: "الحوزة واحدة من مؤسسات المجتمع، تطورها لا ينفصل عن الاجتماع البشري المتنوع الواسع، فهي ليست خارج الزمان والمكان الأرضيين، وليست عابرة للتاريخ الإنساني، وتغيير المجتمعات البشرية لم يعد محكوماً بالأساليبِ والوسائلِ الموروثة...". والمرجعية كما نعرف هي قمة الهرم الحوزوي.
13- وجاء في هذا الفصل: "منطقة الأنطولوجيا بوصفها ماثلة في المرجعية الدينية والإيمان الفطري يهدد أسس مشروع الرفاعي في النأي عن السياسة والتحصن في قلعة الأنطولوجيا... يحتوي المقال على أدلة أخرى على هذا الجمع الذي يتنافى مع النظر إلى المرجعية على أنها فوق السياسة".
الجواب: لم تردْ أيةُ عبارة في كلّ كتاباتي تؤشر إلى أن الأنطولوجيا ماثلةٌ في المرجعية الدينية، أو أن المرجعيةَ تمثل منبعاً للإيمان الفطري.كذلك لم يصف المقالُ المرجعيةَ على أنها فوقَ السياسة، وإنما تحدّثتُ عن كيفية معالجة مفهوم الدولة في المدوّنة الفقهية لحوزة النجف. ولو كانت الحوزةُ فوقَ السياسة فلماذا تفكر في التكييف الفقهي للدستور كما فعل النائيني في "تنبيه الأمة"، أو التكييف الفقهي لنظام الحكم والسياسة كما فعل شمسُ الدين والصدر، وحتى السيستاني الذي تحدّث عن نظامٍ للحكم لا يتطابق والدولة الدينية قال بذلك طبقاً لتكييف فقهي.
14- وجاء في هذا الفصل: "يصمت الرفاعي عن المرحلة اللاحقة للثورة الإسلامية في هذا المقال".
الجواب: عنوانُ المقالة ينصّ على التاريخ الذي يغطي الفترةَ السابقة للثورة. العنوان هو: "أزمنة التحديث في ايران 1979 -1800: تحقيب أولي". المقالةُ مقدّمة في مؤتمر" اتجاهات التجديد والاصلاح في الفكر الاسلامي الحديث". مكتبة الاسكندرية، مصر "19- 21 فبراير 2009". وكان المطلوبُ فيها هذه المدة. مع العلم أن كتابَ "إنقاذ النزعة الانسانية" تضمن مقالةً أخرى تغطي الفترةَ اللاحقةَ للثورة الإسلامية، إذ تناولتْ جدالياتِ التفكير الديني بعد الثورة: 1979-2005.
15- وجاء في هذا الفصل: "المشاغل الجديدة بعد الثورة تجمع في ثناياها الأفق الأنطولوجي مع الباعث الأيديولوجي... بصعود نجم المشاغل الأنطولوجية بعد الثورة بحسب قناعة الرفاعي أنه قد جادل إلى أن مكانة شريعتي قد تضاءلت بعد الثورة وصعد نجم شايغان ونصر".
الجواب: في فصل علي شريعتي من كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" جرى تصنيفُ اتجاهات التفكير الديني في إيران على أربعة اتجاهات، لكن لم يردْ في هذا التصنيف توصيفُ أحدِها بـ"الأنطولوجي"، ولم يتم توصيفُ مشاغل أحدها بـ "المشاغل الأنطولوجية". نعم ربما عبر قراءةٍ متأنيةٍ نعثر في أعمالِ بعض الاتجاهات على ما يشي بشيء من فهمٍ أنطولوجي للدين، لكن الكاتبَ لم يكن مقتنعاً بانطباقِ المشاغلِ الأنطولوجية على تفكيرِها وأعمالِها.
16- وجاء في هذا الفصل: (الجمع بين هيغل وكيركغارد في مجمل مشروع الرفاعي فهو ما يدعو بالفعل إلى العجب، وسأجادل هنا، اعتماداً على مفهوم "مرحلة المرآة" أنه مظهر من مظاهر أزمة الحدود المضطربة بين الأيديولوجي والأنطولوجي في مرآة الرفاعي... حضور هيغل بقوة في منهجه. لكن فيلسوف الوجودية المؤمنة سورين كيركغارد حاضر بالقوة نفسها في كتاباته...كأن الرفاعي يكتب بمزاجين يتقلب بينهما بقلق كيركغاردي مفهوم).
الجواب: محيي الدين بن عربي من المعلمين الكبار الذين تعلمتُ منهم أن الايمانَ حقيقةٌ حيّةٌ يتذوقها القلب، كما شرحَ ذلك وأوضحَه كيركغارد بشكل آخر بالتفصيل. لكن لم أتفاعلْ مع تشاؤم ِكيركغارد وقلقِه واضطرابِه وتذمّرِه الدائم، وكأنه روحٌ مسكونةٌ بكوابيسَ مزمنة. أما هيغل فهو فيلسوف عظيم، ولاشك في أن نظامه الفلسفي أعمقُ وأثرى وأوسعُ من فلسفةِكيركغارد اللانسقية. لا أتذكر أن فلسفتَه انعكست على آثاري، أو ظهرت اقتباساتٌ من سلّة المقولاتِ والمفاهيمِ الغنية لديه في كتاباتي. نعم ربما ترسب ذلك في لاوعيي، فظهر شيء منه في كتاباتي.
17- وجاء في هذا الفصل: "ومما يربك القارئ أن الرفاعي يمنعه من تصنيفه متصوفاً".
الجواب: يهمني في التصوف الفلسفي رؤيتُه التوحيدية المتفردةُ بمعالجة الاغتراب الميتافيزيقي للكائن البشري.
المفهومُ الأنطولوجي للدين الذي تحدّث عنه كتابُ "الدين والظمأ الأنطولوجي" يستقي مادتَه من التصوف الفلسفي، كما تحدثت عن ذلك في: "الرؤية التوحيدية لعلم الكلام والتصوف الفلسفي".
12- وجاء في هذا الفصل: (تمادى فيها الرفاعي دون تحوط في منح المرجعية الدينية دوراً سياسياً يتجاوز الحدود التي تحفظها عابرة للزمان والمكان، كما ورد في العنوان "لنلاحظ هنا أيضاً أن الرفاعي عاب على جماعة السُّنة نفيهم المكان والزمان كما ورد آنفاً!").
الجواب: لم يردْ منحُ المرجعية الدينية دوراً سياسياً عابراً للزمان والمكان، بل وردَ في كتابي "الدين والظمأ الأنطولوجي" مايلي: "الحوزة واحدة من مؤسسات المجتمع، تطورها لا ينفصل عن الاجتماع البشري المتنوع الواسع، فهي ليست خارج الزمان والمكان الأرضيين، وليست عابرة للتاريخ الإنساني، وتغيير المجتمعات البشرية لم يعد محكوماً بالأساليبِ والوسائلِ الموروثة...". والمرجعية كما نعرف هي قمة الهرم الحوزوي.
13- وجاء في هذا الفصل: "منطقة الأنطولوجيا بوصفها ماثلة في المرجعية الدينية والإيمان الفطري يهدد أسس مشروع الرفاعي في النأي عن السياسة والتحصن في قلعة الأنطولوجيا... يحتوي المقال على أدلة أخرى على هذا الجمع الذي يتنافى مع النظر إلى المرجعية على أنها فوق السياسة".
الجواب: لم تردْ أيةُ عبارة في كلّ كتاباتي تؤشر إلى أن الأنطولوجيا ماثلةٌ في المرجعية الدينية، أو أن المرجعيةَ تمثل منبعاً للإيمان الفطري.كذلك لم يصف المقالُ المرجعيةَ على أنها فوقَ السياسة، وإنما تحدّثتُ عن كيفية معالجة مفهوم الدولة في المدوّنة الفقهية لحوزة النجف. ولو كانت الحوزةُ فوقَ السياسة فلماذا تفكر في التكييف الفقهي للدستور كما فعل النائيني في "تنبيه الأمة"، أو التكييف الفقهي لنظام الحكم والسياسة كما فعل شمسُ الدين والصدر، وحتى السيستاني الذي تحدّث عن نظامٍ للحكم لا يتطابق والدولة الدينية قال بذلك طبقاً لتكييف فقهي.
14- وجاء في هذا الفصل: "يصمت الرفاعي عن المرحلة اللاحقة للثورة الإسلامية في هذا المقال".
الجواب: عنوانُ المقالة ينصّ على التاريخ الذي يغطي الفترةَ السابقة للثورة. العنوان هو: "أزمنة التحديث في ايران 1979 -1800: تحقيب أولي". المقالةُ مقدّمة في مؤتمر" اتجاهات التجديد والاصلاح في الفكر الاسلامي الحديث". مكتبة الاسكندرية، مصر "19- 21 فبراير 2009". وكان المطلوبُ فيها هذه المدة. مع العلم أن كتابَ "إنقاذ النزعة الانسانية" تضمن مقالةً أخرى تغطي الفترةَ اللاحقةَ للثورة الإسلامية، إذ تناولتْ جدالياتِ التفكير الديني بعد الثورة: 1979-2005.
15- وجاء في هذا الفصل: "المشاغل الجديدة بعد الثورة تجمع في ثناياها الأفق الأنطولوجي مع الباعث الأيديولوجي... بصعود نجم المشاغل الأنطولوجية بعد الثورة بحسب قناعة الرفاعي أنه قد جادل إلى أن مكانة شريعتي قد تضاءلت بعد الثورة وصعد نجم شايغان ونصر".
الجواب: في فصل علي شريعتي من كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" جرى تصنيفُ اتجاهات التفكير الديني في إيران على أربعة اتجاهات، لكن لم يردْ في هذا التصنيف توصيفُ أحدِها بـ"الأنطولوجي"، ولم يتم توصيفُ مشاغل أحدها بـ "المشاغل الأنطولوجية". نعم ربما عبر قراءةٍ متأنيةٍ نعثر في أعمالِ بعض الاتجاهات على ما يشي بشيء من فهمٍ أنطولوجي للدين، لكن الكاتبَ لم يكن مقتنعاً بانطباقِ المشاغلِ الأنطولوجية على تفكيرِها وأعمالِها.
16- وجاء في هذا الفصل: (الجمع بين هيغل وكيركغارد في مجمل مشروع الرفاعي فهو ما يدعو بالفعل إلى العجب، وسأجادل هنا، اعتماداً على مفهوم "مرحلة المرآة" أنه مظهر من مظاهر أزمة الحدود المضطربة بين الأيديولوجي والأنطولوجي في مرآة الرفاعي... حضور هيغل بقوة في منهجه. لكن فيلسوف الوجودية المؤمنة سورين كيركغارد حاضر بالقوة نفسها في كتاباته...كأن الرفاعي يكتب بمزاجين يتقلب بينهما بقلق كيركغاردي مفهوم).
الجواب: محيي الدين بن عربي من المعلمين الكبار الذين تعلمتُ منهم أن الايمانَ حقيقةٌ حيّةٌ يتذوقها القلب، كما شرحَ ذلك وأوضحَه كيركغارد بشكل آخر بالتفصيل. لكن لم أتفاعلْ مع تشاؤم ِكيركغارد وقلقِه واضطرابِه وتذمّرِه الدائم، وكأنه روحٌ مسكونةٌ بكوابيسَ مزمنة. أما هيغل فهو فيلسوف عظيم، ولاشك في أن نظامه الفلسفي أعمقُ وأثرى وأوسعُ من فلسفةِكيركغارد اللانسقية. لا أتذكر أن فلسفتَه انعكست على آثاري، أو ظهرت اقتباساتٌ من سلّة المقولاتِ والمفاهيمِ الغنية لديه في كتاباتي. نعم ربما ترسب ذلك في لاوعيي، فظهر شيء منه في كتاباتي.
17- وجاء في هذا الفصل: "ومما يربك القارئ أن الرفاعي يمنعه من تصنيفه متصوفاً".
الجواب: يهمني في التصوف الفلسفي رؤيتُه التوحيدية المتفردةُ بمعالجة الاغتراب الميتافيزيقي للكائن البشري.
وأنفرُ من تصوّف الخلاص الفردي الذي يُخرِجُ الفردَ من العالم، ويعبث بحياته.
18- وجاء في هذا الفصل: "يحدث هذا المنعطف في النص عندما نصل في الحكاية إلى تجربة الرفاعي السياسية وانتمائه في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي إلى حزب الدعوة الإسلامية، ثم ابتعاده نهائياً عن التنظيم في منتصف الثمانينات... كما ينقطع السرد عندما يصل الرفاعي إلى تجربته في الحوزة العلمية. يلزم الرفاعي الصمت حيال هاتين التجربتين المحوريتين".
الجواب: "نسيان الذات" في كتابي الدين والظمأ الأنطولوجي ليس إلا محاولة مختصرة لتدوين السيرة. تجربةُ الحزبِ والحوزةِ أرجأتُها للسيرة المفصلة التي أحاولُ تدوينَها بهدوء مستقبلاً.
19- وجاء في هذا الفصل: "تردد أصداء العديد من التيارات الفكرية المعروفة بالغرب".
الجواب: يتعلم الكاتبُ من كلّ قراءاته للأعمالِ الأصيلة للفلاسفة والمفكرين الكبار. وهذا ما تقوله لنا جينالوجيا الأفكار، فقد ظلّ أفلاطون وأرسطو مُلهمَيْن للفلسفة والفكر البشري في مدرسةِ الاسكندرية والفلسفةِ في أوروبا العصر الوسيط وفلاسفةِ الاسلام، وما زلنا نستمع لأصواتهما في الفلسفة حتى اليوم، وهكذا كان غيرُهما، ممن جاءَ بعدَهم من الفلاسفة. ومن أوضح ما قرأتُ في ذلك قولَ دوستويفسكي: "كلنا خرجنا من معطف غوغول".
20- ومما جاء في هذا الفصل: (تأطير التجاور المتنافر في مشروعه بين الاحتفاء بالتقليد وبالفرد المستوحد على حد سواء لن يتحقق من دون عودة أخيرة إلى السيد الطباطبائي. يميّز الطباطبائي في كتابه أصول الفلسفة بين الإدراكات الحقيقية والإدراكات الاعتبارية... الرفاعي يتحرك مدفوعاً بالمحنة التاريخية العراقية التي ظل شاهداً عليها من مستوى التنظير الفلسفي للعقيدة "الإدراكات بنوعيها" إلى مستوى الأنطولوجيا نقيضاً ومفنداً للأيديولوجيا، وصولاً إلى عزل الدين عن السياسة وحصره في نطاق محدود ضمن اختصاصات المرجعية الدينية، وهو أقرب إلى ما اتّفق على تسميته في الغرب "خصخصة الدين").
الجواب: أعجبتني هذه الالتفاتة الذكية، التي عملت على توظيف بارع على آثاري، للتمييز الذي أقامه الطباطبائي بين الإدراكاتِ الحقيقية والإدراكاتِ الاعتبارية، وتطبيقِها على مفهوم دين الأنطولوجيا ودين الأيديولوجيا في كتاباتي، ولم أكن منتبهاً إلى ذلك في كل ما كتبته. وهي التفاتة عميقة، لكنها تتطلب المزيد من النظر والتأمل، وأظنها أخطأتْ مرماها في التطبيق.
الهوامش:
[1] ملاحظات نقدية على فصل: "عبد الجبار الرفاعي ومعضلة القرين"، في كتاب: "أزمة التنوير العراقي". كتبتُ هذه الملاحظات وأرسلتها للأستاذ فلاح رحيم قبل صدور كتابه.
[2] مرتضى المطهري، شرح المنظومة المبسوط، قم، مؤسسة البعثة، 1413 هـ، ج1: ص 184-185.
[3] هذه المقالة هي الفصل 13، ص 257-283 من الطبعة الثانية لكتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، اصدار: مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، 2019.
[4] للتعرف على ما أعنية بمفهوم "الاغتراب الميتافيزيقي" تراجع الطبعة الثانية لكتابي الجديد: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، فصل 13.
[5] من أجل وضع الأفكار الواردة هنا في السياق الذي تنتظم في اطاره، نحيل إلى رؤيتنا وما خلصنا إليها في مفهومنا للدين وحدود المجال الذي يتحقق فيه في حياة الإنسان، ومديات كل من الديني والدنيوي، والتي شرحناها بأبعادها المختلفة وتنويعاتها المتعددة في ثلاثية مؤلفاتنا: 1. الدين والنزعة الإنسانية. 2. الدين والظمأ الأنطولوجي. 3. الدين والاغتراب الميتافيزيقي.
[6] نشرت مقالة بعنوان: "الكتابة بوصفها فن الحذف والاختزال". أغسطس 2015، على الرابط: الكتابة بوصفها فن الحذف والاختزال
[7] راجع: متينی، جلال. ايرانشناسی س 5:ع 4، ص 835 - 899. س 6:ع 2، ص 377 - 441. رهنما، علی. مسلمانی در جستجوی ناکجا آباد، ص 235 - 238. هاشمی، محمّدمنصور. دين انديشان متجدد: روشنفکری دينی از سروش تا ملکيان. 115. جعفريان، رسول. جريانها وسازمانهای مذهبی سياسی ايران 1320 - 1357. تهران: نشر علم، 1391 = 2013، ص 712.
[8] انتقلت إلى رحمة الله بوران شريعت رضوي زوجة المرحوم علي شريعتي، بتاريخ 15-2-2019 عن عمر يناهز 84 عاماً.
[9] قرأتُ ذلك في كتاب جاك أتالي: "كارل ماركس أو فكر العالم: سيرة حياة".
[10] نُشرت هذه المقالة في عدة صحف، ويمكن مطالعتها على هذا الرابط: http://www.al-nnas.com/ARTICLE/is/16kml.htm
[11] وتنسب هذه العبارة أيضاً إلى تورغينيف.
https://al-aalem.com/article/47673-ملاحظات-نقدية-على-أزمة-التنوير-العراقي
18- وجاء في هذا الفصل: "يحدث هذا المنعطف في النص عندما نصل في الحكاية إلى تجربة الرفاعي السياسية وانتمائه في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي إلى حزب الدعوة الإسلامية، ثم ابتعاده نهائياً عن التنظيم في منتصف الثمانينات... كما ينقطع السرد عندما يصل الرفاعي إلى تجربته في الحوزة العلمية. يلزم الرفاعي الصمت حيال هاتين التجربتين المحوريتين".
الجواب: "نسيان الذات" في كتابي الدين والظمأ الأنطولوجي ليس إلا محاولة مختصرة لتدوين السيرة. تجربةُ الحزبِ والحوزةِ أرجأتُها للسيرة المفصلة التي أحاولُ تدوينَها بهدوء مستقبلاً.
19- وجاء في هذا الفصل: "تردد أصداء العديد من التيارات الفكرية المعروفة بالغرب".
الجواب: يتعلم الكاتبُ من كلّ قراءاته للأعمالِ الأصيلة للفلاسفة والمفكرين الكبار. وهذا ما تقوله لنا جينالوجيا الأفكار، فقد ظلّ أفلاطون وأرسطو مُلهمَيْن للفلسفة والفكر البشري في مدرسةِ الاسكندرية والفلسفةِ في أوروبا العصر الوسيط وفلاسفةِ الاسلام، وما زلنا نستمع لأصواتهما في الفلسفة حتى اليوم، وهكذا كان غيرُهما، ممن جاءَ بعدَهم من الفلاسفة. ومن أوضح ما قرأتُ في ذلك قولَ دوستويفسكي: "كلنا خرجنا من معطف غوغول".
20- ومما جاء في هذا الفصل: (تأطير التجاور المتنافر في مشروعه بين الاحتفاء بالتقليد وبالفرد المستوحد على حد سواء لن يتحقق من دون عودة أخيرة إلى السيد الطباطبائي. يميّز الطباطبائي في كتابه أصول الفلسفة بين الإدراكات الحقيقية والإدراكات الاعتبارية... الرفاعي يتحرك مدفوعاً بالمحنة التاريخية العراقية التي ظل شاهداً عليها من مستوى التنظير الفلسفي للعقيدة "الإدراكات بنوعيها" إلى مستوى الأنطولوجيا نقيضاً ومفنداً للأيديولوجيا، وصولاً إلى عزل الدين عن السياسة وحصره في نطاق محدود ضمن اختصاصات المرجعية الدينية، وهو أقرب إلى ما اتّفق على تسميته في الغرب "خصخصة الدين").
الجواب: أعجبتني هذه الالتفاتة الذكية، التي عملت على توظيف بارع على آثاري، للتمييز الذي أقامه الطباطبائي بين الإدراكاتِ الحقيقية والإدراكاتِ الاعتبارية، وتطبيقِها على مفهوم دين الأنطولوجيا ودين الأيديولوجيا في كتاباتي، ولم أكن منتبهاً إلى ذلك في كل ما كتبته. وهي التفاتة عميقة، لكنها تتطلب المزيد من النظر والتأمل، وأظنها أخطأتْ مرماها في التطبيق.
الهوامش:
[1] ملاحظات نقدية على فصل: "عبد الجبار الرفاعي ومعضلة القرين"، في كتاب: "أزمة التنوير العراقي". كتبتُ هذه الملاحظات وأرسلتها للأستاذ فلاح رحيم قبل صدور كتابه.
[2] مرتضى المطهري، شرح المنظومة المبسوط، قم، مؤسسة البعثة، 1413 هـ، ج1: ص 184-185.
[3] هذه المقالة هي الفصل 13، ص 257-283 من الطبعة الثانية لكتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، اصدار: مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، 2019.
[4] للتعرف على ما أعنية بمفهوم "الاغتراب الميتافيزيقي" تراجع الطبعة الثانية لكتابي الجديد: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، فصل 13.
[5] من أجل وضع الأفكار الواردة هنا في السياق الذي تنتظم في اطاره، نحيل إلى رؤيتنا وما خلصنا إليها في مفهومنا للدين وحدود المجال الذي يتحقق فيه في حياة الإنسان، ومديات كل من الديني والدنيوي، والتي شرحناها بأبعادها المختلفة وتنويعاتها المتعددة في ثلاثية مؤلفاتنا: 1. الدين والنزعة الإنسانية. 2. الدين والظمأ الأنطولوجي. 3. الدين والاغتراب الميتافيزيقي.
[6] نشرت مقالة بعنوان: "الكتابة بوصفها فن الحذف والاختزال". أغسطس 2015، على الرابط: الكتابة بوصفها فن الحذف والاختزال
[7] راجع: متينی، جلال. ايرانشناسی س 5:ع 4، ص 835 - 899. س 6:ع 2، ص 377 - 441. رهنما، علی. مسلمانی در جستجوی ناکجا آباد، ص 235 - 238. هاشمی، محمّدمنصور. دين انديشان متجدد: روشنفکری دينی از سروش تا ملکيان. 115. جعفريان، رسول. جريانها وسازمانهای مذهبی سياسی ايران 1320 - 1357. تهران: نشر علم، 1391 = 2013، ص 712.
[8] انتقلت إلى رحمة الله بوران شريعت رضوي زوجة المرحوم علي شريعتي، بتاريخ 15-2-2019 عن عمر يناهز 84 عاماً.
[9] قرأتُ ذلك في كتاب جاك أتالي: "كارل ماركس أو فكر العالم: سيرة حياة".
[10] نُشرت هذه المقالة في عدة صحف، ويمكن مطالعتها على هذا الرابط: http://www.al-nnas.com/ARTICLE/is/16kml.htm
[11] وتنسب هذه العبارة أيضاً إلى تورغينيف.
https://al-aalem.com/article/47673-ملاحظات-نقدية-على-أزمة-التنوير-العراقي
ملاحظات نقدية على كتاب: "أزمة التنوير العراقي" لفلاح رحيم
د. عبدالجبار الرفاعي
https://al-aalem.com/article/47673-%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%B8%D8%A7%D8%AA-%D9%86%D9%82%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D9%88%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A
د. عبدالجبار الرفاعي
https://al-aalem.com/article/47673-%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%B8%D8%A7%D8%AA-%D9%86%D9%82%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D9%88%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A
ملاحظات نقدية على كتاب: "أزمة التنوير العراقي" لفلاح
عبدالجبار الرفاعي
الكتابُ الذي يطالُه النقدُ يمكث في ذاكرة الكتابة.كاتبُ الكتاب المنقود محظوظٌ، وكتابُه أيضاً محظوظٌ. النقدُ هو الرافدُ الذي يغدي الكتابةَ ويخصبها، ويتكفلُ خلودها عبر التاريخ. وربما يمسي كتاب "أزمة التنوير العراقي" للأستاذ فلاح رحيم من هذا النوع من الكتب، فهو فضلاً عن عاصفة النقد الذي أثاره لحظة صدوره على صفحات الفيسبوك، تناوله أكثرُ من كاتب بالنقد، وأخيراً خصه الأخ الدكتور علي عبدالهادي المرهج بمقالة نقدية، نشرها في صحيفتي "المثقف" و"العالم الجديد".
وقتُ صدور الكتاب وجدتُ من الضروري تبجيل الكاتب والثناء على جهده، لمعرفتي بثقافته الواسعة، وأخلاقه المهذبة، وعدم انفعاله في الكتابة، على الرغم من عدم اتفاقي معه في كل ما انتهى إليه من آراء ونتائج. لذلك نشرت على صفحتي في الفيس بك صورةً لغلاف الكتاب، مع هذا النص: "النقدُ هو ماء الحياة لكل فكر يريد لنفسه أن يواصلَ البقاء على قيد الحياة... شكراً فلاح رحيم على هذه المحاولة النقدية الجسورة لما يفكر به ويكتبه أصدقاؤك قبل غيرهم، شكراً فلاح رحيم لأنك الرائي الذي رآنا من موقع كان يتعذر علينا أن نرى أنفسنا منه، شكراً لأنك وضعت فكرنا في أفق لم نتنبه اليه... شكراً حسن ناظم على رعاية هذا المنجز، والحث على انجازه وتبنيه في اصدارات سلسلة دراسات جامعة الكوفة".
وكنت قبل ذلك كتبتُ مجموعة ملاحظات نقدية على الفصل الذي خصصه في كتابه لنقد كتاباتي، وبعثتها له قبل طباعة الكتاب، عندما تكرم بإرسال هذا الفصل قبل صدور كتابه، ولم أكن متحمساً لنشرها، لولا ترقب أصدقاء أحترمهم لموقفي من قراءة الأخ فلاح رحيم ونقده، ولولا اثارة النقاش مجدداً حول هذا الكتاب الجاد. فرأيت من المناسب المساهمة بالاحتفاء بجهود الكاتب، عبر توسيع دائرة النقاش في مباحثه، لذلك وجدت من المناسب أن أنشرها اليوم للقراء الكرام.
الملاحظات النقدية منشورة على هذا الرابط:
https://afkaar.center/2019/02/22/%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%B8%D8%A7%D8%AA-%D9%86%D9%82%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D9%88%D9%8A%D8%B1-%D8%A7/
عبدالجبار الرفاعي
الكتابُ الذي يطالُه النقدُ يمكث في ذاكرة الكتابة.كاتبُ الكتاب المنقود محظوظٌ، وكتابُه أيضاً محظوظٌ. النقدُ هو الرافدُ الذي يغدي الكتابةَ ويخصبها، ويتكفلُ خلودها عبر التاريخ. وربما يمسي كتاب "أزمة التنوير العراقي" للأستاذ فلاح رحيم من هذا النوع من الكتب، فهو فضلاً عن عاصفة النقد الذي أثاره لحظة صدوره على صفحات الفيسبوك، تناوله أكثرُ من كاتب بالنقد، وأخيراً خصه الأخ الدكتور علي عبدالهادي المرهج بمقالة نقدية، نشرها في صحيفتي "المثقف" و"العالم الجديد".
وقتُ صدور الكتاب وجدتُ من الضروري تبجيل الكاتب والثناء على جهده، لمعرفتي بثقافته الواسعة، وأخلاقه المهذبة، وعدم انفعاله في الكتابة، على الرغم من عدم اتفاقي معه في كل ما انتهى إليه من آراء ونتائج. لذلك نشرت على صفحتي في الفيس بك صورةً لغلاف الكتاب، مع هذا النص: "النقدُ هو ماء الحياة لكل فكر يريد لنفسه أن يواصلَ البقاء على قيد الحياة... شكراً فلاح رحيم على هذه المحاولة النقدية الجسورة لما يفكر به ويكتبه أصدقاؤك قبل غيرهم، شكراً فلاح رحيم لأنك الرائي الذي رآنا من موقع كان يتعذر علينا أن نرى أنفسنا منه، شكراً لأنك وضعت فكرنا في أفق لم نتنبه اليه... شكراً حسن ناظم على رعاية هذا المنجز، والحث على انجازه وتبنيه في اصدارات سلسلة دراسات جامعة الكوفة".
وكنت قبل ذلك كتبتُ مجموعة ملاحظات نقدية على الفصل الذي خصصه في كتابه لنقد كتاباتي، وبعثتها له قبل طباعة الكتاب، عندما تكرم بإرسال هذا الفصل قبل صدور كتابه، ولم أكن متحمساً لنشرها، لولا ترقب أصدقاء أحترمهم لموقفي من قراءة الأخ فلاح رحيم ونقده، ولولا اثارة النقاش مجدداً حول هذا الكتاب الجاد. فرأيت من المناسب المساهمة بالاحتفاء بجهود الكاتب، عبر توسيع دائرة النقاش في مباحثه، لذلك وجدت من المناسب أن أنشرها اليوم للقراء الكرام.
الملاحظات النقدية منشورة على هذا الرابط:
https://afkaar.center/2019/02/22/%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%B8%D8%A7%D8%AA-%D9%86%D9%82%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D9%88%D9%8A%D8%B1-%D8%A7/
Afkaar Centreee
ملاحظات نقدية على كتاب: "أزمة التنوير العراقي" لفلاح رحيم - Afkaar Centreee
ملاحظات نقدية على كتاب: “أزمة التنوير العراقي” لفلاح رحيم[1] الكتابُ الذي يطالُه النقدُ يمكث في ذاكرة الكتابة.كاتبُ الكتاب المنقود محظوظٌ، وكتابُه أيضاً محظوظٌ. النقدُ هو الرافدُ الذي يغدي الكتابةَ ويخصبها، ويتكفلُ خلودها عبر التاريخ. وربما يمسي كتاب “أزمة…
فالح عبدالجبار
في الذكرى الأولى لرحيل صديقي المرحوم فالح عبدالجبار أعيد نشر مقالتي التي كتبتها عنه عند وفاته.
كنتُ في مراحل دراستي كلِّها في العراق قريباً من كلِّ معارِض لحزب البعث، لذلك كان التلامذةُ الشيوعون من أصدقائي المقرّبين. لأنهم كانوا في السبعينات الأكثرَ شجاعةً ومعاندةً لمخططات الاتحاد الوطني البعثي للطلاب. ولفرط علاقتي بهؤلاء الأصدقاء ظنَّ بعضُهم أن لي انتماءً للحزب الشيوعي، على الرغم من تديّني المتشدّد منذ بداية حياتي، وانضمامي للحركة الإسلامية مبكراً، وانهماكي في مسؤوليات تنظيمية متنوعة.
تواصلتْ علاقتي بأصدقاء رائعين من الشيوعيين العراقيين بعد عودتي للعراق، مثل: مفيد الجزائري، ورائد فهمي، وجاسم الحلفي، والمرحوم كامل شياع الذي أحببتُه كثيراً، لأني كنتُ أرى صورتَه مرآةً لمتصوّفة بغداد، كما أتلمس في دفءِ روحه وتعبيرات جسده دفءَ السلام الباطني الذي كانوا يعيشونه.
طالما تساءل بعضُ تلامذتي وأصدقائي عن الألوان المتنوّعة وأحياناً المتضادّة لعلاقاتٍ لا ترسم خارطتَها معتقداتي، ولا تتحكّم ببوصلتها ديانتي، وصداقاتٍ لا تنتمي إلى بيئة دراستي وتكويني، خاصة وأنا أعيش في مجتمع تقليدي، وأنتمي لمؤسّسة دينية محافظة هي الحوزة، في حين أن معظمَ أصدقائي خارج هذه المؤسسة. أصدقائي مختلفون، ففيهم الملحدُ والمؤمن، المسيحيُّ والمسلم، السنيُّ والشيعي، العلمانيُّ والإسلامي، المحافظُ والإصلاحي... وغيرُ ذلك. وأقول لهم دائماً: المهم عندي أن يكون الصديقُ إنساناً صدوقاً أجد فيه مشتركاً يتوحّد به مع معنى إنساني جوهري في كياني. أصادق كلَّ إنسان أجتمع معه على معنى إنساني كبير، أصادق كلَّ إنسان ينشد كلَّ ما هو جميل لحياة الإنسان، ويعمل على بناء عالَم أمثل يتحرّر فيه الإنسانُ من اللاعقلانية والتعصّب والعدوان.
قرأتُ بعضَ مقالات المرحوم فالح عبدالجبار، ولفت انتباهي ذات مرة بحثٌ له نشره فيما بعد في أحد كتبه، يشير فيه إلى ما يتفوّق به كتابُ "اقتصادنا" للسيد محمد باقر الصدر، ومنهجِه المتماسك المتين في الكتابة والنقد، على كتاب "الاقتصاد" للسيد محمد الشيرازي، كون الكتاب الأخير ليس سوى معطياتٍ مشتّتة، لا تنتظم في سياق منطقي، ولا تبتني على منهج متماسك، ولا تنتمي لأي علم. فاحترمتُ عقلَه ودقةَ تقييمه، لأني كنتُ على دراية بالكتابين قبل ذلك. أما كتابُ اقتصادنا للصدر فأنا خبيرٌ به، لأني كرّرتُ تدريسَه مرات عديدة. وأما كتابُ الاقتصاد للشيرازي فطالعتُ أكثرَه، فمللتُ منه، لأني وجدتُه مرتبكاً مضطرباً، عصيّاً على التصنيف في الاقتصاد أو الفقه أو غير ذلك، فضلاً عن أنه يقدّم فهماً مبسّطاً لكلّ شيء. لذلك أعجبني تقييمُ فالح، إذ وجدتُه انتهى إلى رأي كنتُ انتهيتُ إليه من خلال خبرتي الخاصّة بالكتابين والكاتبين. وصرتُ بعد ذلك كلما عثرتُ على مقالة أو كتاب لفالح أحرص على قراءته.
كان أولُ لقاء لي بفالح في مؤتمرٍ للمعهد الألماني للأبحاث الشرقية ببيروت، بداية تموز2003 حول احتلال العراق. لم تكن صورةُ فالح في ذهني كما رأيت، لم أنجذب إليه لأول وهلة، ربما لأن مخيلتي تشبّعتْ بصورة أصدقاء من اليسار العراقي والعربي لم أعثر على ملامحهم في فالح، وربما لأني رأيتُ فيه رجلاً شامخاً صارماً، يطرح أفكارَه بكلّ عناد، يعلن قناعاتِه بصراحة، ولا يتحدّث بلغة الكنايات والتلميحات والإشارات. مساحاتُ النقد في عقله تبدت لي في أول لقاء بلا أسوار وقيود، لا يتردّد في نقد المعتقدات والمفكرين والأفكار، ولا يكترث كثيراً بما قيل أو يقال.
توثقتْ علاقتُنا عبر مهاتفات ومراسلات ولقاءات كثيرة، فكلّما جاء إلى بغداد يهاتفني فنلتقي، وكلما ذهبتُ إلى بيروت أهاتفه وأزوره، ومن عادته الاحتفاءُ بمن يزوره، فيصرّ على ضيافته في بيته أو المطعم. وجدتُ بيتَه مضافةً للعراقيين القادمين من الوطن والمنفى، تعرّفتُ على أصدقاء يقيمون عدة أشهر ببيته في الحازمية ببيروت. وكانتْ الصديقةُ فاطمة المحسن زوجتُه تفيض على الكلّ حميميةً ورقة، أتذوّق في مشاعرِها نكهةَ ما تفيضه أفئدةُ أمهاتنا في جنوب العراق. كم كان يسعدني أن ألتقي فاطمةَ بمعية فالح في زياراتي المتكرّرة لبيروت، والشحيحة إلى لندن. فاطمة أديبةٌ وناقدة ذاتُ بصيرة نافذة، وقارئةٌ ذكية، أغتنم اللقاءَ معها لمزيد من التعرّف على جديدِ الأدباء والأدب وقيمةِ الأعمال المتنوّعة للروائيات والروائيين.
كلّما تحقّق لي لقاءٌ بفالح أجده يفكّر بعمل جديد، يخطّط له، ويلاحق الطاقات الشبابية العراقية المهملة، ويحاول أن يستعين بحضورهم المباشر في الوطن، بغيةَ اصطياد البيانات والمعلومات الإحصائية لأبحاثه ميدانياً. تعلّم أكثرُ هؤلاء الشباب الكتابةَ والبحثَ بعد مدة من عملهم مساعدين له.
أجده كلَّ مرّة يكدح كفلاحٍ عاشقٍ لنكهة تراب الأرض، ومدمناً على زراعتها.
في الذكرى الأولى لرحيل صديقي المرحوم فالح عبدالجبار أعيد نشر مقالتي التي كتبتها عنه عند وفاته.
كنتُ في مراحل دراستي كلِّها في العراق قريباً من كلِّ معارِض لحزب البعث، لذلك كان التلامذةُ الشيوعون من أصدقائي المقرّبين. لأنهم كانوا في السبعينات الأكثرَ شجاعةً ومعاندةً لمخططات الاتحاد الوطني البعثي للطلاب. ولفرط علاقتي بهؤلاء الأصدقاء ظنَّ بعضُهم أن لي انتماءً للحزب الشيوعي، على الرغم من تديّني المتشدّد منذ بداية حياتي، وانضمامي للحركة الإسلامية مبكراً، وانهماكي في مسؤوليات تنظيمية متنوعة.
تواصلتْ علاقتي بأصدقاء رائعين من الشيوعيين العراقيين بعد عودتي للعراق، مثل: مفيد الجزائري، ورائد فهمي، وجاسم الحلفي، والمرحوم كامل شياع الذي أحببتُه كثيراً، لأني كنتُ أرى صورتَه مرآةً لمتصوّفة بغداد، كما أتلمس في دفءِ روحه وتعبيرات جسده دفءَ السلام الباطني الذي كانوا يعيشونه.
طالما تساءل بعضُ تلامذتي وأصدقائي عن الألوان المتنوّعة وأحياناً المتضادّة لعلاقاتٍ لا ترسم خارطتَها معتقداتي، ولا تتحكّم ببوصلتها ديانتي، وصداقاتٍ لا تنتمي إلى بيئة دراستي وتكويني، خاصة وأنا أعيش في مجتمع تقليدي، وأنتمي لمؤسّسة دينية محافظة هي الحوزة، في حين أن معظمَ أصدقائي خارج هذه المؤسسة. أصدقائي مختلفون، ففيهم الملحدُ والمؤمن، المسيحيُّ والمسلم، السنيُّ والشيعي، العلمانيُّ والإسلامي، المحافظُ والإصلاحي... وغيرُ ذلك. وأقول لهم دائماً: المهم عندي أن يكون الصديقُ إنساناً صدوقاً أجد فيه مشتركاً يتوحّد به مع معنى إنساني جوهري في كياني. أصادق كلَّ إنسان أجتمع معه على معنى إنساني كبير، أصادق كلَّ إنسان ينشد كلَّ ما هو جميل لحياة الإنسان، ويعمل على بناء عالَم أمثل يتحرّر فيه الإنسانُ من اللاعقلانية والتعصّب والعدوان.
قرأتُ بعضَ مقالات المرحوم فالح عبدالجبار، ولفت انتباهي ذات مرة بحثٌ له نشره فيما بعد في أحد كتبه، يشير فيه إلى ما يتفوّق به كتابُ "اقتصادنا" للسيد محمد باقر الصدر، ومنهجِه المتماسك المتين في الكتابة والنقد، على كتاب "الاقتصاد" للسيد محمد الشيرازي، كون الكتاب الأخير ليس سوى معطياتٍ مشتّتة، لا تنتظم في سياق منطقي، ولا تبتني على منهج متماسك، ولا تنتمي لأي علم. فاحترمتُ عقلَه ودقةَ تقييمه، لأني كنتُ على دراية بالكتابين قبل ذلك. أما كتابُ اقتصادنا للصدر فأنا خبيرٌ به، لأني كرّرتُ تدريسَه مرات عديدة. وأما كتابُ الاقتصاد للشيرازي فطالعتُ أكثرَه، فمللتُ منه، لأني وجدتُه مرتبكاً مضطرباً، عصيّاً على التصنيف في الاقتصاد أو الفقه أو غير ذلك، فضلاً عن أنه يقدّم فهماً مبسّطاً لكلّ شيء. لذلك أعجبني تقييمُ فالح، إذ وجدتُه انتهى إلى رأي كنتُ انتهيتُ إليه من خلال خبرتي الخاصّة بالكتابين والكاتبين. وصرتُ بعد ذلك كلما عثرتُ على مقالة أو كتاب لفالح أحرص على قراءته.
كان أولُ لقاء لي بفالح في مؤتمرٍ للمعهد الألماني للأبحاث الشرقية ببيروت، بداية تموز2003 حول احتلال العراق. لم تكن صورةُ فالح في ذهني كما رأيت، لم أنجذب إليه لأول وهلة، ربما لأن مخيلتي تشبّعتْ بصورة أصدقاء من اليسار العراقي والعربي لم أعثر على ملامحهم في فالح، وربما لأني رأيتُ فيه رجلاً شامخاً صارماً، يطرح أفكارَه بكلّ عناد، يعلن قناعاتِه بصراحة، ولا يتحدّث بلغة الكنايات والتلميحات والإشارات. مساحاتُ النقد في عقله تبدت لي في أول لقاء بلا أسوار وقيود، لا يتردّد في نقد المعتقدات والمفكرين والأفكار، ولا يكترث كثيراً بما قيل أو يقال.
توثقتْ علاقتُنا عبر مهاتفات ومراسلات ولقاءات كثيرة، فكلّما جاء إلى بغداد يهاتفني فنلتقي، وكلما ذهبتُ إلى بيروت أهاتفه وأزوره، ومن عادته الاحتفاءُ بمن يزوره، فيصرّ على ضيافته في بيته أو المطعم. وجدتُ بيتَه مضافةً للعراقيين القادمين من الوطن والمنفى، تعرّفتُ على أصدقاء يقيمون عدة أشهر ببيته في الحازمية ببيروت. وكانتْ الصديقةُ فاطمة المحسن زوجتُه تفيض على الكلّ حميميةً ورقة، أتذوّق في مشاعرِها نكهةَ ما تفيضه أفئدةُ أمهاتنا في جنوب العراق. كم كان يسعدني أن ألتقي فاطمةَ بمعية فالح في زياراتي المتكرّرة لبيروت، والشحيحة إلى لندن. فاطمة أديبةٌ وناقدة ذاتُ بصيرة نافذة، وقارئةٌ ذكية، أغتنم اللقاءَ معها لمزيد من التعرّف على جديدِ الأدباء والأدب وقيمةِ الأعمال المتنوّعة للروائيات والروائيين.
كلّما تحقّق لي لقاءٌ بفالح أجده يفكّر بعمل جديد، يخطّط له، ويلاحق الطاقات الشبابية العراقية المهملة، ويحاول أن يستعين بحضورهم المباشر في الوطن، بغيةَ اصطياد البيانات والمعلومات الإحصائية لأبحاثه ميدانياً. تعلّم أكثرُ هؤلاء الشباب الكتابةَ والبحثَ بعد مدة من عملهم مساعدين له.
أجده كلَّ مرّة يكدح كفلاحٍ عاشقٍ لنكهة تراب الأرض، ومدمناً على زراعتها.
كان يعاني من مرض القلب، لكنه ظلّ ذلك البدوي الذي لم تروّضه الحياةُ بكل نكباتها وجروحها العنيفة، لذلك طالما تنكّر للضعف الطبيعي الذي يأسر كلَّ كائن بشري.
لبث فالح على الدوام يعمل بما يفوق طاقةَ جسده، فهو يكتب ويُدرّس ويدير مركز: "دراسات عراقية: معهد الدراسات الاستراتيجية"، وهو مؤسّسة للأبحاث والتعليم في بيروت، بمساعدة فريق مساعدين صغير. كان يهتم بتأهيل تلامذة الدراسات العليا في الجامعات العراقية من شمال العراق إلى جنوبه، ويوفر لهم فرصةَ تعليم لمدة شهر، يكفل خلالها المعهدُ كلَّ نفقاتهم، بغيةَ إعدادهم باحثين، على يد مجموعة من الأكاديمين الخبراء. وقد طلب مني أكثر من مرة ترشيحَ بعض الشباب المتميزين من تلامذتي لينخرطوا في هذه الدورات، وبالفعل اقترحتُ عليه نخبةً منهم، وكنتُ أتابع مدى استفادهم، فأخبرني بعضُهم أنه مع دروس فالح عبد الجبار اكتشف طرائقَ مختلفةً للتفكير والكتابة والتعبير. يحرص فالح على اكتشاف الشباب العراقيين الموهوبين، ويحاول أن يواصلَ تدريبَهم في إطار برامجه البحثية المستمرة.
وعلى الرغم من أن فالحَ كان منهمكاً في إدارة المعهد وتطوير برامجه، غير أنه لم يكفّ عن التأليف والكتابة، فقد استمر لسنوات طويلة يكتب مقالةً أسبوعية لجريدة، كان آخرُها الحياة الصادرة في لندن، وكنتُ أحرص على مطالعة مقالاته، وتوزيعها على تلامذتي وأصدقائي أحياناً. وهو يكتبها بلغة ثرية، تتدفّق فيها يقظةُ عقل نقديّ حرّ.
تنوّعت أعمالُه بين الترجمة والتأليف، وأظن أن أهمَّ ما قدّمه فالح للمكتبة العربية هو ترجمتُه الفريدة ُلكتاب رأس المال لكارل ماركس من الإنجليزية إلى العربية، وهو عملٌ مرهق تواصل 20 سنةً كما أخبرني. وعندما سألتُه عن اطلاعِه على الأصل الألماني وإفادته منه في ترجمة الكتاب أخبرني: إنه يعرف الألمانيةَ، لذلك طابق الترجمةَ مع الأصل الألماني. فسألتُه أين ومتى تعلّمتَ هذه اللغةَ الصعبة، قال: في معهد ألماني بدمشق متخصّص بتعليمها، وأضاف: ثم تطوّرت من خلال مطالعاتي واختلاطي بمتحدثين بهذه اللغة في أسفاري.
يوظّف فالح حضورَه الفاعل في الحوار والكتابة والتعليم وغيرها بغية تغيير العالم، اقتداءً بمعلمه كارل ماركس الذي كان يدعو الفلاسفةَ للكفّ عن تفسيرِ العالم وتكثيفِ الجهود لتغييره. لم ينشغل فالح بما انشغل به مفكرون وباحثون عراقيون وعرب معروفون، ممن دفنوا عقولَهم الفذّةَ وتكوينَهم العلمي الجاد بالميتات من مطمورات وبائدات، ولم يدفن جهودَه في ما لا صلة له بالواقع المرير لآلام المجتمع وخيباته، بل كرّس جهودَه لدراسةِ الواقع وتحليلِ متطلباته المعرفية الراهنة، وكان الأسرعَ استجابةً للمتغيرات المريعة، فهو لم يتجاهل الشأنَ الديني، ولم يعدّه شأناً خارج اختصاصه، بل استعمل كلَّ ما يمتلكه من تكوينٍ علمي وخبرةٍ بحثية في السوسيولوجيا السياسية في المجال الديني، واتجهتْ بوصلةُ عمله في الحوار والبحث والكتابة لتناول الحضور اللافت للدين في كلَّ حقول الحياة في بلادنا بعد عامِ 2003، وصعودِ التطرّف والعنف الديني، فشكّل عدّةَ فرق ميدانية للبحث، وعقد عدةَ ندوات لذلك، وتمحورتْ كلُّ جهوده في هذا المضمار، فكان آخرُ أعماله كتابٌ ثمينٌ عن التجربة المريرة لدولة داعش، وذكر لي أنه استطاع اصطيادَ بياناتٍ ومعلوماتٍ مباشرةٍ من الموصل والرمادي والرقة وغيرها أيام دولة داعش، بمعونة فريق باحثين شباب متطوعين، كانوا يجمعون البياناتِ ويرسلونها بتكتم وسرية شديدة. وظل فالح حتى اليوم الأخير من حياته وفياً لالتزامه بهموم المواطن والوطن. إذ نقلتْ لنا الكاميرا كيف انهارَ قلبُه ثم سكت إلى الأبد، وهو يتحدّث لفضائية عن مواجع العراق.
أحب كلَّ صديق عقلاني جادّ مثابر يعمل على فضح ظلام العالم، مهما كان اعتقادُه. لذلك أحب فالح عبدالجبار، ليس لأنه صديقٌ عقلاني ذكي صبور، ليس لأنه يعمل على فضح ظلام العالم فقط، بل لأنه أغربُ صديق في خارطة صداقاتي الواسعة، وربما أقل صديق تجمعني فيه مشتركاتٌ مزاجيةٌ واعتقادية. أنا مؤمنٌ وفالح غيرُ مؤمن، فهمي للدين لا يتطابق وفهمه، رؤيتُنا للعالم مختلفة، الإطارُ المرجعي لتفكيرنا ليس واحداً، سياقاتُ تكويننا متباعدة.
فالح شامخٌ في شخصيته، عنيدٌ في تفكيره، وثوقياتُه الفكرية والايديولوجية والسياسية لا تقلّ عن وثوقياتي الإيمانية، لذلك عندما يتحدث أستمع إلى لغةٍ لا تخلو من مقدّمات جزمية ونتائج يقينية حاسمة، على الرغم من أن حضورَ الجزميات في علومِ الإنسان والمجتمع أقلُّ بكثير من العلوم البحتة والطبيعية.
فالح كان أكثرَ صديقٍ يستفزّ عقلي ليوقظَه، فمثلاً بعد أن أهديتُه نسخةً من الطبعة الأولى لكتابي: "إنقاذ النزعة الانسانية في الدين"، تأمّل العنوان، فقال مستنكراً: وهل هناك إنسانيةٌ في الدين؟! فأجبتُه على الفور: نعم، وهو ما يشرحه ويدلّل عليه كتابي هذا، وغيرُه من كتاباتي التي ستأتي.
لبث فالح على الدوام يعمل بما يفوق طاقةَ جسده، فهو يكتب ويُدرّس ويدير مركز: "دراسات عراقية: معهد الدراسات الاستراتيجية"، وهو مؤسّسة للأبحاث والتعليم في بيروت، بمساعدة فريق مساعدين صغير. كان يهتم بتأهيل تلامذة الدراسات العليا في الجامعات العراقية من شمال العراق إلى جنوبه، ويوفر لهم فرصةَ تعليم لمدة شهر، يكفل خلالها المعهدُ كلَّ نفقاتهم، بغيةَ إعدادهم باحثين، على يد مجموعة من الأكاديمين الخبراء. وقد طلب مني أكثر من مرة ترشيحَ بعض الشباب المتميزين من تلامذتي لينخرطوا في هذه الدورات، وبالفعل اقترحتُ عليه نخبةً منهم، وكنتُ أتابع مدى استفادهم، فأخبرني بعضُهم أنه مع دروس فالح عبد الجبار اكتشف طرائقَ مختلفةً للتفكير والكتابة والتعبير. يحرص فالح على اكتشاف الشباب العراقيين الموهوبين، ويحاول أن يواصلَ تدريبَهم في إطار برامجه البحثية المستمرة.
وعلى الرغم من أن فالحَ كان منهمكاً في إدارة المعهد وتطوير برامجه، غير أنه لم يكفّ عن التأليف والكتابة، فقد استمر لسنوات طويلة يكتب مقالةً أسبوعية لجريدة، كان آخرُها الحياة الصادرة في لندن، وكنتُ أحرص على مطالعة مقالاته، وتوزيعها على تلامذتي وأصدقائي أحياناً. وهو يكتبها بلغة ثرية، تتدفّق فيها يقظةُ عقل نقديّ حرّ.
تنوّعت أعمالُه بين الترجمة والتأليف، وأظن أن أهمَّ ما قدّمه فالح للمكتبة العربية هو ترجمتُه الفريدة ُلكتاب رأس المال لكارل ماركس من الإنجليزية إلى العربية، وهو عملٌ مرهق تواصل 20 سنةً كما أخبرني. وعندما سألتُه عن اطلاعِه على الأصل الألماني وإفادته منه في ترجمة الكتاب أخبرني: إنه يعرف الألمانيةَ، لذلك طابق الترجمةَ مع الأصل الألماني. فسألتُه أين ومتى تعلّمتَ هذه اللغةَ الصعبة، قال: في معهد ألماني بدمشق متخصّص بتعليمها، وأضاف: ثم تطوّرت من خلال مطالعاتي واختلاطي بمتحدثين بهذه اللغة في أسفاري.
يوظّف فالح حضورَه الفاعل في الحوار والكتابة والتعليم وغيرها بغية تغيير العالم، اقتداءً بمعلمه كارل ماركس الذي كان يدعو الفلاسفةَ للكفّ عن تفسيرِ العالم وتكثيفِ الجهود لتغييره. لم ينشغل فالح بما انشغل به مفكرون وباحثون عراقيون وعرب معروفون، ممن دفنوا عقولَهم الفذّةَ وتكوينَهم العلمي الجاد بالميتات من مطمورات وبائدات، ولم يدفن جهودَه في ما لا صلة له بالواقع المرير لآلام المجتمع وخيباته، بل كرّس جهودَه لدراسةِ الواقع وتحليلِ متطلباته المعرفية الراهنة، وكان الأسرعَ استجابةً للمتغيرات المريعة، فهو لم يتجاهل الشأنَ الديني، ولم يعدّه شأناً خارج اختصاصه، بل استعمل كلَّ ما يمتلكه من تكوينٍ علمي وخبرةٍ بحثية في السوسيولوجيا السياسية في المجال الديني، واتجهتْ بوصلةُ عمله في الحوار والبحث والكتابة لتناول الحضور اللافت للدين في كلَّ حقول الحياة في بلادنا بعد عامِ 2003، وصعودِ التطرّف والعنف الديني، فشكّل عدّةَ فرق ميدانية للبحث، وعقد عدةَ ندوات لذلك، وتمحورتْ كلُّ جهوده في هذا المضمار، فكان آخرُ أعماله كتابٌ ثمينٌ عن التجربة المريرة لدولة داعش، وذكر لي أنه استطاع اصطيادَ بياناتٍ ومعلوماتٍ مباشرةٍ من الموصل والرمادي والرقة وغيرها أيام دولة داعش، بمعونة فريق باحثين شباب متطوعين، كانوا يجمعون البياناتِ ويرسلونها بتكتم وسرية شديدة. وظل فالح حتى اليوم الأخير من حياته وفياً لالتزامه بهموم المواطن والوطن. إذ نقلتْ لنا الكاميرا كيف انهارَ قلبُه ثم سكت إلى الأبد، وهو يتحدّث لفضائية عن مواجع العراق.
أحب كلَّ صديق عقلاني جادّ مثابر يعمل على فضح ظلام العالم، مهما كان اعتقادُه. لذلك أحب فالح عبدالجبار، ليس لأنه صديقٌ عقلاني ذكي صبور، ليس لأنه يعمل على فضح ظلام العالم فقط، بل لأنه أغربُ صديق في خارطة صداقاتي الواسعة، وربما أقل صديق تجمعني فيه مشتركاتٌ مزاجيةٌ واعتقادية. أنا مؤمنٌ وفالح غيرُ مؤمن، فهمي للدين لا يتطابق وفهمه، رؤيتُنا للعالم مختلفة، الإطارُ المرجعي لتفكيرنا ليس واحداً، سياقاتُ تكويننا متباعدة.
فالح شامخٌ في شخصيته، عنيدٌ في تفكيره، وثوقياتُه الفكرية والايديولوجية والسياسية لا تقلّ عن وثوقياتي الإيمانية، لذلك عندما يتحدث أستمع إلى لغةٍ لا تخلو من مقدّمات جزمية ونتائج يقينية حاسمة، على الرغم من أن حضورَ الجزميات في علومِ الإنسان والمجتمع أقلُّ بكثير من العلوم البحتة والطبيعية.
فالح كان أكثرَ صديقٍ يستفزّ عقلي ليوقظَه، فمثلاً بعد أن أهديتُه نسخةً من الطبعة الأولى لكتابي: "إنقاذ النزعة الانسانية في الدين"، تأمّل العنوان، فقال مستنكراً: وهل هناك إنسانيةٌ في الدين؟! فأجبتُه على الفور: نعم، وهو ما يشرحه ويدلّل عليه كتابي هذا، وغيرُه من كتاباتي التي ستأتي.
وأظن أن جوابي هذا كان متعجلاً، وكان ينبغي أن يكون: نعم ولا، لأن لكلِّ منا، أنا وفالح، مفهومَه الخاص للدين، أنا أرى الأثرَ الإيجابي للدين، بوصفه حاجةً وجوديةً يفرضها الاغترابُ الميتافيزيقي للكائن البشري، وهو يرى الأثرَ السلبي للدين، بوصفه يعبث بحياةِ الكائن البشري.
كل عقل يستفز عقلي يوقظ ما هو نائم فيه، أحترم فالح لأن عقلَهُ الشجاع كان يستفزني جداً، ولأنه كان لا يستحي أن يقولَ كلَّ ما يعتقد به وإن كان مستفزاً.
تحتفي المجتمعاتُ المتحضّرةُ بأعلامها الملهِمين الكبار، فتنشر آثارَهم وتعرّف بها في حياتهم، وتوّفر لهم أفضلَ الفرص، وتقدّم لهم ما يؤمن لهم حياةً حرةً كريمة، لأنها تدرك أن قيمةَ الأوطان تُكتسب من رصيدها الحقيقي بحضورِ هؤلاء الأعلام ومنجزِهم الكبير، لكن أكثرَ الناس في مجتمعنا لا يهمّهم الاحتفاءُ بالملهِمين الكبار في وطنهم، وإن كانوا يحتفون بأعلام ينتمون إلى أوطان أخرى، وتنفق وزاراتُ الثقافة والتربية والتعليم والمؤسّساتُ الأدبية والفكرية الحكومية وغيرُ الحكومية ميزانياتٍ فلكيةً من دون أن تخصّص جوائزَ لتكريم المفكرين والمبدعين من ذوي المنجز المميز. وكلُّ من فازوا من العراقيين بجوائز ثقافية وأدبية كبرى، مثل جائزة الملك فيصل، والأمير زايد، والشيخ حمد، وسلطان العويس، فازوا بها في دول أخرى، ولم يعبأ بهم أحدٌ من المسؤولين في حكومة وطنهم.
أظن أن الحروبَ المقيمةَ في بلاد الرافدين، منذ نصف قرن تقريباً، خلقتْ مناخاتٍ يختنق فيها أكثرُ الناس، فلم يتعلم الناسُ في وطني محبةَ أنفسهم، ومحبةُ النفس تنتج بالضروة محبةَ كلِّ شيء جميل ينتمي للأهل والوطن. لذلك يسرف البعضُ، وكأنه يتلذّذ، بازدراءِ كلِّ شخصية عراقية لامعة، وتسفيهِ كلِّ منجز مميز، لأنه لا يدرك القيمةَ الوطنية للشخصية الاستثنائية إلا بعد فقدانها.
الناسُ في وطني يثير ذعرَهم كلُّ عقل شجاع حرّ، يقوّض الأسوارَ ويهدم الجدرانَ المنيعة التي تختبيء داخلها عقولُهم المغلقة، ويخافون من أن يبدّد النورُ ظلامَ معتقداتهم، أو يخرجهم صوتُ العقل من سباتهم.
مات فالح عبدالجبار فجأةً، وكلُّنا سيباغتنا الموتُ فجأة. الموتُ حدثٌ وجودي مريع، بل هو الحدثُ الوحيد في حياة الإنسان الذي يكفُّ فيه الكذبُ عن أن يظلّ كذباً. كلُّ ما سوى الموت ثرثرةٌ لو قارناه بالموت. لا يهزّني حدثٌ كموت صديق. كلُّ موت بالنسبة لي ليس موتاً، إلا موتَ الصديق القريب للعقل أو القلب، لأنه ضربٌ من موتي الوجودي.
http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=591626&r=0
كل عقل يستفز عقلي يوقظ ما هو نائم فيه، أحترم فالح لأن عقلَهُ الشجاع كان يستفزني جداً، ولأنه كان لا يستحي أن يقولَ كلَّ ما يعتقد به وإن كان مستفزاً.
تحتفي المجتمعاتُ المتحضّرةُ بأعلامها الملهِمين الكبار، فتنشر آثارَهم وتعرّف بها في حياتهم، وتوّفر لهم أفضلَ الفرص، وتقدّم لهم ما يؤمن لهم حياةً حرةً كريمة، لأنها تدرك أن قيمةَ الأوطان تُكتسب من رصيدها الحقيقي بحضورِ هؤلاء الأعلام ومنجزِهم الكبير، لكن أكثرَ الناس في مجتمعنا لا يهمّهم الاحتفاءُ بالملهِمين الكبار في وطنهم، وإن كانوا يحتفون بأعلام ينتمون إلى أوطان أخرى، وتنفق وزاراتُ الثقافة والتربية والتعليم والمؤسّساتُ الأدبية والفكرية الحكومية وغيرُ الحكومية ميزانياتٍ فلكيةً من دون أن تخصّص جوائزَ لتكريم المفكرين والمبدعين من ذوي المنجز المميز. وكلُّ من فازوا من العراقيين بجوائز ثقافية وأدبية كبرى، مثل جائزة الملك فيصل، والأمير زايد، والشيخ حمد، وسلطان العويس، فازوا بها في دول أخرى، ولم يعبأ بهم أحدٌ من المسؤولين في حكومة وطنهم.
أظن أن الحروبَ المقيمةَ في بلاد الرافدين، منذ نصف قرن تقريباً، خلقتْ مناخاتٍ يختنق فيها أكثرُ الناس، فلم يتعلم الناسُ في وطني محبةَ أنفسهم، ومحبةُ النفس تنتج بالضروة محبةَ كلِّ شيء جميل ينتمي للأهل والوطن. لذلك يسرف البعضُ، وكأنه يتلذّذ، بازدراءِ كلِّ شخصية عراقية لامعة، وتسفيهِ كلِّ منجز مميز، لأنه لا يدرك القيمةَ الوطنية للشخصية الاستثنائية إلا بعد فقدانها.
الناسُ في وطني يثير ذعرَهم كلُّ عقل شجاع حرّ، يقوّض الأسوارَ ويهدم الجدرانَ المنيعة التي تختبيء داخلها عقولُهم المغلقة، ويخافون من أن يبدّد النورُ ظلامَ معتقداتهم، أو يخرجهم صوتُ العقل من سباتهم.
مات فالح عبدالجبار فجأةً، وكلُّنا سيباغتنا الموتُ فجأة. الموتُ حدثٌ وجودي مريع، بل هو الحدثُ الوحيد في حياة الإنسان الذي يكفُّ فيه الكذبُ عن أن يظلّ كذباً. كلُّ ما سوى الموت ثرثرةٌ لو قارناه بالموت. لا يهزّني حدثٌ كموت صديق. كلُّ موت بالنسبة لي ليس موتاً، إلا موتَ الصديق القريب للعقل أو القلب، لأنه ضربٌ من موتي الوجودي.
http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=591626&r=0
الحوار المتمدن
عبدالجبار الرفاعي - فالح عبدالجبار
محتويات العدد المزدوج 69-70 من مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" الذي صدر حديثًا عن عن مركز دراسات فلسفة الدين- بغداد/بيروت... العدد نحو 400 صفحة.
محور العدد القادم: "إشكاليَّة الأخلاق والدِّين -2".
محور العدد القادم: "إشكاليَّة الأخلاق والدِّين -2".
منهج التفسير الأدبي للقرآن عند الخولي
د. عبدالجبار الرفاعي
كان مدخلُ الشيخ أمين الخولي لتحديث مناهج تفسير القرآن توظيفَ المناهج الحديثة في تفسيرِ ونقدِ النصوص الأدبية، وتعميمَها لتشمل النصَّ القرآني، لذلك دعا إلى ما أسماه: "التفسير الأدبي للقرآن"، مستنداً في تسويغِ دعوته لهذا النوع من التفسير إلى أن أسلوبَ تعاطي العرب مع هذا النصّ كان أدبياً، "لأن العربي القح، أو من ربطته بالعربية تلك الروابط، يقرأ هذا الكتاب الجليل، ويدرسه درساً أدبياً، كما تدرس الأمم المختلفة عيون آداب اللغات المختلفة، وتلك الدراسة الأدبية، لأثر عظيم كهذا القرآن، هي ما يجب أن يقوم به الدارسون أولاً، وفاءً بحق هذا الكتاب. ولو لم يقصدوا الاهتداء به، أو الانتفاع مما حوى وشمل. فالقرآن كتاب الفن العربي الأقدس، سواء نظر إليه الناظر على أنه كذلك للدين أم لا". ويشرح الشيخ الخولي طريقته في التفسير الأدبي قائلاً: "إن التفسير اليوم – فيما أفهمه – هو الدراسة الأدبية، الصحيحة المنهج، الكاملة المناحي، المتسقة التوزيع، والمقصد الأول للتفسير اليوم أدبي محض صرف، غير متأثر بأي اعتبار، وراء ذلك… وعليه يتوقف تحقق كل غرض آخر يقصد إليه. هذه هي نظرتنا إلى التفسير اليوم وهذا غرضنا منه". "وهذا التفسير الأدبي عندي هو الذى يجب أن يتقدم كل محاولة لمعرفة شئ من فقه القرآن، أو أخلاق القرآن، أو عبارات الإسلام ومعاملاته في القرآن". تبتني طريقة "التفسير الأدبي للقرآن" على تفسير الآيات في سياق موضوعات القرآن، وليس تفسيرَها على وفق ترتيبها في سور القرآن، "فصواب الرأي - فيما يبدو - أن يفسّر القرآن موضوعاً موضوعاً، لا أن يفسّر على ترتيبه في المصحف الكريم سوراً أو قطعاً". إذ يصنِّف المفسّرُ الآياتِ تبعاً لموضوعاتها، ويتعرّف على مناسباتِ نزولها، والسياقِ الذي وردت فيه، والدلالاتِ الحافة بها، بغية اكتشاف وحدتِها العضوية، والمنطقِ الداخلي الذي تنتظم فيه، وشبكةِ الدلالات المنبثة فيها، وما يمكن أن تولّده من مفاهيمَ ومعانٍ مشتركة، تمثل المفاهيم المفتاحية للإصلاح النفسي الخُلُقي والاجتماعي الذي يرمي إليه القرآن. مقصد التفسير الأدبي عند الخولي ليس أدبياً أو فنياً، كما ربما تشي تسميته، لأنه يرفض أن يكون الأدب للأدب، أو أن يكون الفن للفن، إذ يقول في تحليله الدلالي لكلمة في أحد الآيات: (ونريد هنا لنقف عند هذه الوحدة للاستعمال القرآني في تعبيره بالضعف والضعفين "فَيُضَاعِفَهُ"، وهي وقفة أدبية. على أنها وقفة ليست وقفة يراد منها الفن للفن، بل هي فنه المرتبط بالهدف الاجتماعي الذى يرمى إليه القرآن دائماً، نبتغيه أول ما يبتغى من هذه الأحاديث. وإن الفن يرجى للفن وحده، فإنا لا نأخذ هنا بهذا الاتجاه. ولا نحسب القرآن قد أخذ به، لأنه يجعل فنه القوى وسيلة لإصلاح الحياة البشرية، ذلك الإصلاح الخُلُقي والاجتماعي العام الذى أنزل من أجله هدى للناس ورحمة). فليست هناك آية أو كلمة ترد في القرآن إلا ويكون هدفها الهدى والرحمة، وليس الهدف الأدب بوصفه أدباً، أو الفن بوصفه فناً، لأن "طبيعة النص القرآني من حيث هو كتاب هدى ودين، تقتضي توجيه كل لفظ وآية إلى مناط الهداية والاعتبار".
ويشرح الخولي ما ينشده في طريقة تفسيره الأدبي، فيؤكد أنه يتمحور حول بعدين:
أحدهما: دراسة حول القرآن.
والثاني: دراسة القرآن ذاته.
ويعني بالدراسة حول القرآن "دراسة البيئة المادية والمعنوية والثقافية التي نزل فيها القرآن الكريم". واستكشاف تشكل الواقع وطبيعة الظروف السائدة في عصر الوحي، ونمط الاجتماع العربي في عصر النزول، وكيفية الحياة الاجتماعية والثقافية وقتئذ، وما يسودها من ظواهر ذات صلة بالمكان والزمان والبيئة، سواء كانت ماديةً أو معنوية، ودراسة كلّ ما يتصل بالذوقِ العربي، وأساليب التعبير، وأنماط تلقي وفهم الكلام المتعارفة في المجتمع، فكيف تلقاه وفهمه المشافَهون به في بيئتهم وثقافتهم وذوقهم ومشكلات واقعهم، بمعنى أن الخولي أراد أن يقرأَ النصَّ "قراءة تزامنية"، ويضيء تفسيرَه من خلال اختراق الطبقات المتراكمة مما راكمه المفسّرون وغيرُهم من تأويلات وتفسيرات، ينتمي كلّ منها إلى زمانِ المفسّر ونمطِ فهمه وثقافتِه وأحكامِه المسبقة، ولا تحيل بالضرورة إلى معنى النصّ القرآني، بالمعنى الذي تلقاه المخاطَبون به في عصر النزول. إنه يحاول صياغةَ فنٍ لفهم القرآن، ينشد إيقاظَ المعنى المحتجب فيه، والكشفَ عنه بتفكيك ونزع ما تلّفع به من مدلولات تدفّقت متواليةً بمرور الزمان. ولا يمكن أن يتحقق ذلك من دون الاعتماد على علوم الإنسان والمجتمع واللسانيات وعلوم اللغة الحديثة.
د. عبدالجبار الرفاعي
كان مدخلُ الشيخ أمين الخولي لتحديث مناهج تفسير القرآن توظيفَ المناهج الحديثة في تفسيرِ ونقدِ النصوص الأدبية، وتعميمَها لتشمل النصَّ القرآني، لذلك دعا إلى ما أسماه: "التفسير الأدبي للقرآن"، مستنداً في تسويغِ دعوته لهذا النوع من التفسير إلى أن أسلوبَ تعاطي العرب مع هذا النصّ كان أدبياً، "لأن العربي القح، أو من ربطته بالعربية تلك الروابط، يقرأ هذا الكتاب الجليل، ويدرسه درساً أدبياً، كما تدرس الأمم المختلفة عيون آداب اللغات المختلفة، وتلك الدراسة الأدبية، لأثر عظيم كهذا القرآن، هي ما يجب أن يقوم به الدارسون أولاً، وفاءً بحق هذا الكتاب. ولو لم يقصدوا الاهتداء به، أو الانتفاع مما حوى وشمل. فالقرآن كتاب الفن العربي الأقدس، سواء نظر إليه الناظر على أنه كذلك للدين أم لا". ويشرح الشيخ الخولي طريقته في التفسير الأدبي قائلاً: "إن التفسير اليوم – فيما أفهمه – هو الدراسة الأدبية، الصحيحة المنهج، الكاملة المناحي، المتسقة التوزيع، والمقصد الأول للتفسير اليوم أدبي محض صرف، غير متأثر بأي اعتبار، وراء ذلك… وعليه يتوقف تحقق كل غرض آخر يقصد إليه. هذه هي نظرتنا إلى التفسير اليوم وهذا غرضنا منه". "وهذا التفسير الأدبي عندي هو الذى يجب أن يتقدم كل محاولة لمعرفة شئ من فقه القرآن، أو أخلاق القرآن، أو عبارات الإسلام ومعاملاته في القرآن". تبتني طريقة "التفسير الأدبي للقرآن" على تفسير الآيات في سياق موضوعات القرآن، وليس تفسيرَها على وفق ترتيبها في سور القرآن، "فصواب الرأي - فيما يبدو - أن يفسّر القرآن موضوعاً موضوعاً، لا أن يفسّر على ترتيبه في المصحف الكريم سوراً أو قطعاً". إذ يصنِّف المفسّرُ الآياتِ تبعاً لموضوعاتها، ويتعرّف على مناسباتِ نزولها، والسياقِ الذي وردت فيه، والدلالاتِ الحافة بها، بغية اكتشاف وحدتِها العضوية، والمنطقِ الداخلي الذي تنتظم فيه، وشبكةِ الدلالات المنبثة فيها، وما يمكن أن تولّده من مفاهيمَ ومعانٍ مشتركة، تمثل المفاهيم المفتاحية للإصلاح النفسي الخُلُقي والاجتماعي الذي يرمي إليه القرآن. مقصد التفسير الأدبي عند الخولي ليس أدبياً أو فنياً، كما ربما تشي تسميته، لأنه يرفض أن يكون الأدب للأدب، أو أن يكون الفن للفن، إذ يقول في تحليله الدلالي لكلمة في أحد الآيات: (ونريد هنا لنقف عند هذه الوحدة للاستعمال القرآني في تعبيره بالضعف والضعفين "فَيُضَاعِفَهُ"، وهي وقفة أدبية. على أنها وقفة ليست وقفة يراد منها الفن للفن، بل هي فنه المرتبط بالهدف الاجتماعي الذى يرمى إليه القرآن دائماً، نبتغيه أول ما يبتغى من هذه الأحاديث. وإن الفن يرجى للفن وحده، فإنا لا نأخذ هنا بهذا الاتجاه. ولا نحسب القرآن قد أخذ به، لأنه يجعل فنه القوى وسيلة لإصلاح الحياة البشرية، ذلك الإصلاح الخُلُقي والاجتماعي العام الذى أنزل من أجله هدى للناس ورحمة). فليست هناك آية أو كلمة ترد في القرآن إلا ويكون هدفها الهدى والرحمة، وليس الهدف الأدب بوصفه أدباً، أو الفن بوصفه فناً، لأن "طبيعة النص القرآني من حيث هو كتاب هدى ودين، تقتضي توجيه كل لفظ وآية إلى مناط الهداية والاعتبار".
ويشرح الخولي ما ينشده في طريقة تفسيره الأدبي، فيؤكد أنه يتمحور حول بعدين:
أحدهما: دراسة حول القرآن.
والثاني: دراسة القرآن ذاته.
ويعني بالدراسة حول القرآن "دراسة البيئة المادية والمعنوية والثقافية التي نزل فيها القرآن الكريم". واستكشاف تشكل الواقع وطبيعة الظروف السائدة في عصر الوحي، ونمط الاجتماع العربي في عصر النزول، وكيفية الحياة الاجتماعية والثقافية وقتئذ، وما يسودها من ظواهر ذات صلة بالمكان والزمان والبيئة، سواء كانت ماديةً أو معنوية، ودراسة كلّ ما يتصل بالذوقِ العربي، وأساليب التعبير، وأنماط تلقي وفهم الكلام المتعارفة في المجتمع، فكيف تلقاه وفهمه المشافَهون به في بيئتهم وثقافتهم وذوقهم ومشكلات واقعهم، بمعنى أن الخولي أراد أن يقرأَ النصَّ "قراءة تزامنية"، ويضيء تفسيرَه من خلال اختراق الطبقات المتراكمة مما راكمه المفسّرون وغيرُهم من تأويلات وتفسيرات، ينتمي كلّ منها إلى زمانِ المفسّر ونمطِ فهمه وثقافتِه وأحكامِه المسبقة، ولا تحيل بالضرورة إلى معنى النصّ القرآني، بالمعنى الذي تلقاه المخاطَبون به في عصر النزول. إنه يحاول صياغةَ فنٍ لفهم القرآن، ينشد إيقاظَ المعنى المحتجب فيه، والكشفَ عنه بتفكيك ونزع ما تلّفع به من مدلولات تدفّقت متواليةً بمرور الزمان. ولا يمكن أن يتحقق ذلك من دون الاعتماد على علوم الإنسان والمجتمع واللسانيات وعلوم اللغة الحديثة.
أما البعدُ الثاني لتفسيره الأدبي وهو دراسةُ القرآن ذاته، فيريد به شرحَ الكلمات، وبيانَ معاني المفردات، والكشفَ عن طبيعةِ حياة الألفاظ وتطوّرِ دلالتها عبر الزمان، ومعرفةَ مدياتِ التأثر والتأثير المتبادَل بين العربية وغيرها من لغات المجتمعات المسلمة، وما اصطبغت به العربيةُ في عصور ازدهار وانحطاط الحضارة الإسلامية، وأثرِ الزمان في صيروة المعاني وتحولاتها، والتعرّفَ على مدى تأثير كلّ ذلك في تفسير القرآن. وهنا ينبّه الخولي إلى أن "من الخطأ البين أن يعمد متأدب في فهم النص القرآني الجليل فهماً لا يقوم على تقدير تام لهذا التدرج والتغيير الذي مس حياة الألفاظ ودلالتها".
كذلك يستند في تفسيره إلى البعد النفسي، ففي ضوء اهتمامه باكتشاف صلةِ البلاغة والأدب بالنفس الإنسانية، والوشيجةِ العميقة التي تربط بينهما، وكيف أنها ترجمةٌ لما يجيش في النفس، تحدّث الشيخ الخولي عن الإعجازِ النفسي للقرآن، الذي ينبثق عن التفسير النفسي، وبيانِ ما يحدِثه القرآن من أثر بالغ في النفس البشرية، وطبيعةِ تذوّق هذا النصّ والتفاعل معه. وشدّد على ضرورة الاستعانة بعلم النفس في دراسة وتحليل ذلك، فإن "فهم الاعجاز الفني بالمعاني النفسية، يحوج إلى تناول القرآن بتفسير نفساني". وحدّد مفهومَ "الإعجاز النفسي لبلاغة القرآن الكريم، بمعنى أثره العظيم على النفس الإنسانية ووقعه عليها وفعله فيها".
رأى الخولي التفسيرَ النفساني الطريقَ الذي يخلّص التفسيرَ من الادّعاء والتمحّل، فهو لا غير يضيء لنا أبعاداً مهمة في بنية النصّ القرآني، ويخرجنا من سوء الفهم المكرّر لتعليل ما يسود المصحفَ من سماتٍ وخصائصَ بيانية. يلخّص الخولي رؤيتَه هذه قائلاً: "فبالأمور النفسية لا غير، يعلل إيجازه وإطنابه، وتوكيده وإشارته، وإجماله وتفصيله، وتكراره وإطالته، وتقسيمه وتفصيله، وترتيبه ومناسباته، وما قام من تعليل هذه الأشياء وغيرها، على ذلك الأصل فهو الدقيق المنضبط، وما جاوز ذلك فهو الإدعاء والتمحل، أو هو أشبه شيء به".
وتنبّه الشيخ الخولي مبكراً إلى خطأ الزعمِ بسبق القرآن لاكتشافات العلم ومكاسبه، أو الاشتغالِ على إسقاط هذه الاكتشافات على الآيات الكريمة، وحذّر من خطورة الإسراف في توظيف نتائج العلم الحديث في التفسير، وكيف أن ذلك ينتهي الى إهدار معاني القرآن، وهدفِه المحوري في هداية الناس إلى التي هي أقوم، إذ يشرح ذلك قائلاً: "وثمة معنى بعيد، قد سبقت إليه أوهام قوم في هذا العصر، فآثرت أن أنفي القصد إليه هنا، أو التعويل على شيء منه ... ذلك هو استخراج قضايا علم النفس ونظرياته من القرآن، تدعيماً للزعم بأنه يتضمن كل شيء... ولا نناقش هؤلاء المسرفين هنا، وانما ننفي أنا نريد إلى شيء من هذا في تبين الاعجاز وتفهمه. فنحن ندع علماء النفس، في تجاربهم العلمية، ومشاهداتهم الواقعية، أو تأملاتهم النظرية... ولا نرى سبق القرآن اليه، أو تقدمه على الأجيال بأصله، وما إلى ذلك، بل نتلقاه منهم، لنعتمد عليه من بيان الوجه النفسي للإعجاز". لو تدبّرنا هذا البيانَ الواضحَ للخولي لما استهلكنا جهوداً كثيرةً وأموالاً هائلة في الإصرارِ على سبق القرآن لما جاء به العلمُ والمعرفةُ الحديثة، وتقويلِ الآيات ما لا تقوله في مجالات العلوم الطبيعية والإنسانية المختلفة، والعملِ على خلط الدين بالعلم، وإهدارِ طاقات الكثير من الباحثين الشباب، وتضييعِ عقولهم في متاهات بناء: علم نفس إسلامي، وعلم اجتماع إسلامي، وعلم اقتصاد إسلامي، وأدب إسلامي، وفن إسلامي، وغير ذلك مما ورطتنا فيه أقلامُ كتّاب الجماعات الدينية، وكدّسته من كتابات تثير هويةً جائعةً للالتحاق بقطار تقدّم العلوم والمعارف والتكنولوجيا، وتحرّض نفساً يعذّبها الغيابُ عن العصر، فتعِدُها باللحاق بقطار التقدّم بل والتفوّق عليهم، من خلال ما يسمى بـ"أسلمة المعرفة".
وواصل الجيل الثاني، ممثلاً بنصر حامد أبو زيد، نهج "مدرسة الأمناء" التي أشاد لبناتها الفكرية أمين الخولي، وكان أبو زيد الأكثر براعة في تطوير مدرسة الشيخ الخولي والجيل الأول من تلامذته، عبر توظيفه الهرمنيوطيقا في فهم القرآن وتفسيره.
كذلك يستند في تفسيره إلى البعد النفسي، ففي ضوء اهتمامه باكتشاف صلةِ البلاغة والأدب بالنفس الإنسانية، والوشيجةِ العميقة التي تربط بينهما، وكيف أنها ترجمةٌ لما يجيش في النفس، تحدّث الشيخ الخولي عن الإعجازِ النفسي للقرآن، الذي ينبثق عن التفسير النفسي، وبيانِ ما يحدِثه القرآن من أثر بالغ في النفس البشرية، وطبيعةِ تذوّق هذا النصّ والتفاعل معه. وشدّد على ضرورة الاستعانة بعلم النفس في دراسة وتحليل ذلك، فإن "فهم الاعجاز الفني بالمعاني النفسية، يحوج إلى تناول القرآن بتفسير نفساني". وحدّد مفهومَ "الإعجاز النفسي لبلاغة القرآن الكريم، بمعنى أثره العظيم على النفس الإنسانية ووقعه عليها وفعله فيها".
رأى الخولي التفسيرَ النفساني الطريقَ الذي يخلّص التفسيرَ من الادّعاء والتمحّل، فهو لا غير يضيء لنا أبعاداً مهمة في بنية النصّ القرآني، ويخرجنا من سوء الفهم المكرّر لتعليل ما يسود المصحفَ من سماتٍ وخصائصَ بيانية. يلخّص الخولي رؤيتَه هذه قائلاً: "فبالأمور النفسية لا غير، يعلل إيجازه وإطنابه، وتوكيده وإشارته، وإجماله وتفصيله، وتكراره وإطالته، وتقسيمه وتفصيله، وترتيبه ومناسباته، وما قام من تعليل هذه الأشياء وغيرها، على ذلك الأصل فهو الدقيق المنضبط، وما جاوز ذلك فهو الإدعاء والتمحل، أو هو أشبه شيء به".
وتنبّه الشيخ الخولي مبكراً إلى خطأ الزعمِ بسبق القرآن لاكتشافات العلم ومكاسبه، أو الاشتغالِ على إسقاط هذه الاكتشافات على الآيات الكريمة، وحذّر من خطورة الإسراف في توظيف نتائج العلم الحديث في التفسير، وكيف أن ذلك ينتهي الى إهدار معاني القرآن، وهدفِه المحوري في هداية الناس إلى التي هي أقوم، إذ يشرح ذلك قائلاً: "وثمة معنى بعيد، قد سبقت إليه أوهام قوم في هذا العصر، فآثرت أن أنفي القصد إليه هنا، أو التعويل على شيء منه ... ذلك هو استخراج قضايا علم النفس ونظرياته من القرآن، تدعيماً للزعم بأنه يتضمن كل شيء... ولا نناقش هؤلاء المسرفين هنا، وانما ننفي أنا نريد إلى شيء من هذا في تبين الاعجاز وتفهمه. فنحن ندع علماء النفس، في تجاربهم العلمية، ومشاهداتهم الواقعية، أو تأملاتهم النظرية... ولا نرى سبق القرآن اليه، أو تقدمه على الأجيال بأصله، وما إلى ذلك، بل نتلقاه منهم، لنعتمد عليه من بيان الوجه النفسي للإعجاز". لو تدبّرنا هذا البيانَ الواضحَ للخولي لما استهلكنا جهوداً كثيرةً وأموالاً هائلة في الإصرارِ على سبق القرآن لما جاء به العلمُ والمعرفةُ الحديثة، وتقويلِ الآيات ما لا تقوله في مجالات العلوم الطبيعية والإنسانية المختلفة، والعملِ على خلط الدين بالعلم، وإهدارِ طاقات الكثير من الباحثين الشباب، وتضييعِ عقولهم في متاهات بناء: علم نفس إسلامي، وعلم اجتماع إسلامي، وعلم اقتصاد إسلامي، وأدب إسلامي، وفن إسلامي، وغير ذلك مما ورطتنا فيه أقلامُ كتّاب الجماعات الدينية، وكدّسته من كتابات تثير هويةً جائعةً للالتحاق بقطار تقدّم العلوم والمعارف والتكنولوجيا، وتحرّض نفساً يعذّبها الغيابُ عن العصر، فتعِدُها باللحاق بقطار التقدّم بل والتفوّق عليهم، من خلال ما يسمى بـ"أسلمة المعرفة".
وواصل الجيل الثاني، ممثلاً بنصر حامد أبو زيد، نهج "مدرسة الأمناء" التي أشاد لبناتها الفكرية أمين الخولي، وكان أبو زيد الأكثر براعة في تطوير مدرسة الشيخ الخولي والجيل الأول من تلامذته، عبر توظيفه الهرمنيوطيقا في فهم القرآن وتفسيره.
كلُّ إنسان واحدٌ في حين أنه متعددٌ، ومتعددٌ في حين أنه واحدٌ. الإنسانُ كائنٌ غريب، في كيانه تتوحدُ: متطلباتُ جسد بكل ما يُشبعُ حاجاته المادية، ومتطلباتُ عقل بكل ما ينشده من لذة المعرفة، وشغف باكتشاف ما حوله من ألغاز عالم مجسد لا يكف عن الامتداد والاتساع، وعالمٍ مجرد تظل الأسئلة حيال أسراره مفتوحة على الدوام، ومتطلباتُ نفس بكل ما تبوح به وتضمره من عواطف ومشاعر وأحاسيس وقلق، ومتطلباتُ روح بكل ما تبوح به وتضمره من ظمأ أنطولوجي وأشواق توَّاقة لصلة وجودية بالمطلق؛ لذلك تنوعت العلوم والمعارف والآداب والفنون بجوار الأديان والفلسفات، تبعًا لتنوع تلك المتطلبات.
أمينُ الخولي والهِرْمِنيوطيقا
عبدالجبار الرفاعي
فرادةُ الشيخ أمين الخولي تظهر في محاولته الرائدة لتوطين الهِرْمِنيوطيقا والمناهجِ الجديدةِ في تفسير النصوص في مجال الدراسات الدينية بالعربية. بعد استقراءٍ وتتبعٍ يمكن القولُ: إن الخولي هو أولُ هرمنيوطيقي بالعربية، وربما في عالَم الإسلام. إذ لا أعرف أحدًا سبقه إلى ذلك، حتى في بلاد الإسلام غير العربية.
لقد رأيتُ ذلك منذ ربع قرن، حين كنتُ أُدرّس "الاتجاهات الجديدة في التفسير" لمجموعة من تلامذتي في الحوزة: أن المنحى الذي يدعو إليه أمين الخولي في تفسير القرآن يهتم بالتعرف على الطريقة التي يفكر بها المفسِّر، وكيف يُسقط المفسِّر رؤيته للعالم وثقافته وفهمه على ما يريد تفسيره من الآيات. وهذا هو المدخل لكل من يدعو إلى استئناف النظر في مناهج التفسير وتجديدها، إذ "يتحدد مدخل التجديد عند الخولي والمدرسة الحديثة كلها في وظيفة المفسِّر أوّلاً، وفي مكانة النصّ المفسَّر ثانيًا، فليس مقبولاً عند الخولي أن يظلّ التفسير المعاصر مجرّد أداة لاختيارات مذهبيّة وتوظيفات دعويّة مهما كانت أهمّيتها". وعند اطلاعي على التعقيب الذي كتبه أمين الخولي على مقالة "التفسير" في: "دائرة المعارف الإسلامية"، وجدتُه يتحدّث عن أفقٍ مختلف ومنهجٍ بديل لتفسيرِ النصّ القرآني وتأويلِه، في ضوء أدواتٍ ومفاهيمَ جديدة، يستعيرها من الهِرْمِنيوطيقا الألمانية.
عمل أمين الخولي في شبابه إمامًا بالمفوضية المصرية في روما، وفي وقتٍ لاحق ببرلين في ألمانيا. وعند عودته من ألمانيا سنة ١٩٢٧ باشر التدريسَ في الأزهر. ويبدو أن مكوثَه في ألمانيا أتاح له فرصةَ التعرّفِ على الهِرْمِنيوطيقا ودراستِها. وهو ما تجلّى في حديثِه عنها وتقديمِها بإيجاز ووضوح. ومعروف أن الهِرْمِنيوطيقا في العصر الحديث ألمانيةُ المنشأ والمسيرة، فمع شلايرماخر نهاية القرن الثامن عشر تبلور مفهومٌ مختلفٌ للهرمنيوطيقا في العصر الحديث، وتطوّر هذا المفهومُ مع وليم دلتي، ومارتن هيدغر، حتى بلغت أوجَ تطوّرها مع هانز جورج غادامير تلميذ مارتن هيدغر. مع أن أهم الأعمال في الهِرْمِنيوطيقا لم تترجم للعربية إلا بعد ذلك بعشرات السنين.
كانت ومازالت الفلسفةُ الألمانيةُ مرجعيةَ التفكير الهِرْمِنيوطيقي في عالم الإسلام، فما حدث مع الشيخ أمين الخولي في الماضي، حدث بعده مع الشيخ محمد مجتهد شبستري، الذي ذهب إلى ألمانيا، بعد رحلة الشيخ أمين الخولي بأربعين عامًا تقريبًا، فعمل إمامًا للمركز الإسلامي في هامبورغ، وتعلّم الهِرْمِنيوطيقا بالألمانية هناك، ليعود إلى إيران مبشرًا بها، ومؤلفًا وشارحًا لها بالفارسية.
وقد ذكرنا أكثر من مرة أن اعادة بناء التفكير الديني تتطلب أن ينهض بها رجال الدين قبل غيرهم، لأنهم الأكثر دراية بالتراث، والأكثر ادراكًا لهذه الحاجة الملحة، والأكثر اهتمامًا بمصائر التفكير الديني ومآلاته. لذلك ليس مصادفة أن تعرف العربية الهِرْمِنيوطيقا في النصف الأول من القرن العشرين عبر جهود الشيخ أمين الخولي، وهو رجل دين كان مكلفًا بمهمة دينية في ايطاليا وألمانيا، وهكذا تعرفت الفارسية على الهِرْمِنيوطيقا عبر جهود الشيخ محمد مجتهد شبستري، وهو رجل دين كان مكلفًا بمهمة دينية في ألمانيا. وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر تعرفت العربية على ملامح من صورة الغرب وتقدمهه عبر كتاب "تخليص الابريز في تلخيص باريز"، الذي ألفه الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي "1801-1873"، وهو رجل دين أيضًا كان إمامًا لبعثة الطلاب المصرية في باريس.
لم يتحدث الخولي عن المرحلة والكيفية التي تعرف بها على الهِرْمِنيوطيقا، ولم تخبرنا الكتابات التي اطلعنا عليها بما يوضح ذلك. على الرغم من أن أكثر الباحثين المعاصرين من الألمان والعرب يتحدثون عن ريادته وبعض تلامذته في هذا المضمار. وأقنعتني مطالعة آثاره بذلك، خاصة ما تحدث فيها عن التفسير، وعزز قناعتي ما كتبه السيد أحمد خليل من تأثير شلايرماخر على الخولي، وتبنيه للنهج الجديد الذي اختطه شلايرماخر في تعريف عملية التفسير بوصفها "فناً للفهم"، عبر النظر إلى المفسِّر وطريقة فهمه، والعوامل المؤثرة في كيفية فهم النص، وأفقه التاريخي. ونبه خليل إلى أن العوامل التي تبناها الخولي في التفسير هي ذاتها التي نبه إليها شلايرماخر قبل ذلك.
ويبدو لي أن اطلاعَ الخولي توقّف عند شلايرماخر وأتباعِه في القرن التاسع عشر، ولم يشأ، أو لم تسمح له ظروفُه، أن يتعمّق في استلهام الهِرْمِنيوطيقا الفلسفية، الذي أضحت عمليةُ التفسير على وفقها: "حدثًا أنطولوجيًا"، يتسع للنصوص والوجود أيضًا،كما شرحها هيدغر وتلميذُه غادامير.
عبدالجبار الرفاعي
فرادةُ الشيخ أمين الخولي تظهر في محاولته الرائدة لتوطين الهِرْمِنيوطيقا والمناهجِ الجديدةِ في تفسير النصوص في مجال الدراسات الدينية بالعربية. بعد استقراءٍ وتتبعٍ يمكن القولُ: إن الخولي هو أولُ هرمنيوطيقي بالعربية، وربما في عالَم الإسلام. إذ لا أعرف أحدًا سبقه إلى ذلك، حتى في بلاد الإسلام غير العربية.
لقد رأيتُ ذلك منذ ربع قرن، حين كنتُ أُدرّس "الاتجاهات الجديدة في التفسير" لمجموعة من تلامذتي في الحوزة: أن المنحى الذي يدعو إليه أمين الخولي في تفسير القرآن يهتم بالتعرف على الطريقة التي يفكر بها المفسِّر، وكيف يُسقط المفسِّر رؤيته للعالم وثقافته وفهمه على ما يريد تفسيره من الآيات. وهذا هو المدخل لكل من يدعو إلى استئناف النظر في مناهج التفسير وتجديدها، إذ "يتحدد مدخل التجديد عند الخولي والمدرسة الحديثة كلها في وظيفة المفسِّر أوّلاً، وفي مكانة النصّ المفسَّر ثانيًا، فليس مقبولاً عند الخولي أن يظلّ التفسير المعاصر مجرّد أداة لاختيارات مذهبيّة وتوظيفات دعويّة مهما كانت أهمّيتها". وعند اطلاعي على التعقيب الذي كتبه أمين الخولي على مقالة "التفسير" في: "دائرة المعارف الإسلامية"، وجدتُه يتحدّث عن أفقٍ مختلف ومنهجٍ بديل لتفسيرِ النصّ القرآني وتأويلِه، في ضوء أدواتٍ ومفاهيمَ جديدة، يستعيرها من الهِرْمِنيوطيقا الألمانية.
عمل أمين الخولي في شبابه إمامًا بالمفوضية المصرية في روما، وفي وقتٍ لاحق ببرلين في ألمانيا. وعند عودته من ألمانيا سنة ١٩٢٧ باشر التدريسَ في الأزهر. ويبدو أن مكوثَه في ألمانيا أتاح له فرصةَ التعرّفِ على الهِرْمِنيوطيقا ودراستِها. وهو ما تجلّى في حديثِه عنها وتقديمِها بإيجاز ووضوح. ومعروف أن الهِرْمِنيوطيقا في العصر الحديث ألمانيةُ المنشأ والمسيرة، فمع شلايرماخر نهاية القرن الثامن عشر تبلور مفهومٌ مختلفٌ للهرمنيوطيقا في العصر الحديث، وتطوّر هذا المفهومُ مع وليم دلتي، ومارتن هيدغر، حتى بلغت أوجَ تطوّرها مع هانز جورج غادامير تلميذ مارتن هيدغر. مع أن أهم الأعمال في الهِرْمِنيوطيقا لم تترجم للعربية إلا بعد ذلك بعشرات السنين.
كانت ومازالت الفلسفةُ الألمانيةُ مرجعيةَ التفكير الهِرْمِنيوطيقي في عالم الإسلام، فما حدث مع الشيخ أمين الخولي في الماضي، حدث بعده مع الشيخ محمد مجتهد شبستري، الذي ذهب إلى ألمانيا، بعد رحلة الشيخ أمين الخولي بأربعين عامًا تقريبًا، فعمل إمامًا للمركز الإسلامي في هامبورغ، وتعلّم الهِرْمِنيوطيقا بالألمانية هناك، ليعود إلى إيران مبشرًا بها، ومؤلفًا وشارحًا لها بالفارسية.
وقد ذكرنا أكثر من مرة أن اعادة بناء التفكير الديني تتطلب أن ينهض بها رجال الدين قبل غيرهم، لأنهم الأكثر دراية بالتراث، والأكثر ادراكًا لهذه الحاجة الملحة، والأكثر اهتمامًا بمصائر التفكير الديني ومآلاته. لذلك ليس مصادفة أن تعرف العربية الهِرْمِنيوطيقا في النصف الأول من القرن العشرين عبر جهود الشيخ أمين الخولي، وهو رجل دين كان مكلفًا بمهمة دينية في ايطاليا وألمانيا، وهكذا تعرفت الفارسية على الهِرْمِنيوطيقا عبر جهود الشيخ محمد مجتهد شبستري، وهو رجل دين كان مكلفًا بمهمة دينية في ألمانيا. وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر تعرفت العربية على ملامح من صورة الغرب وتقدمهه عبر كتاب "تخليص الابريز في تلخيص باريز"، الذي ألفه الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي "1801-1873"، وهو رجل دين أيضًا كان إمامًا لبعثة الطلاب المصرية في باريس.
لم يتحدث الخولي عن المرحلة والكيفية التي تعرف بها على الهِرْمِنيوطيقا، ولم تخبرنا الكتابات التي اطلعنا عليها بما يوضح ذلك. على الرغم من أن أكثر الباحثين المعاصرين من الألمان والعرب يتحدثون عن ريادته وبعض تلامذته في هذا المضمار. وأقنعتني مطالعة آثاره بذلك، خاصة ما تحدث فيها عن التفسير، وعزز قناعتي ما كتبه السيد أحمد خليل من تأثير شلايرماخر على الخولي، وتبنيه للنهج الجديد الذي اختطه شلايرماخر في تعريف عملية التفسير بوصفها "فناً للفهم"، عبر النظر إلى المفسِّر وطريقة فهمه، والعوامل المؤثرة في كيفية فهم النص، وأفقه التاريخي. ونبه خليل إلى أن العوامل التي تبناها الخولي في التفسير هي ذاتها التي نبه إليها شلايرماخر قبل ذلك.
ويبدو لي أن اطلاعَ الخولي توقّف عند شلايرماخر وأتباعِه في القرن التاسع عشر، ولم يشأ، أو لم تسمح له ظروفُه، أن يتعمّق في استلهام الهِرْمِنيوطيقا الفلسفية، الذي أضحت عمليةُ التفسير على وفقها: "حدثًا أنطولوجيًا"، يتسع للنصوص والوجود أيضًا،كما شرحها هيدغر وتلميذُه غادامير.
ما يقوله الشيخُ الخولي يحيل إلى الهِرْمِنيوطيقا، وهو ما تجلّى بوضوح في حديثه عن "أفق المفسِّر"، فلم تعد عمليةُ التفسير في مفهومه تلقّيًا سلبيًا صامتًا للمفسّر، وإصغاءً من المفسِّر لما يمليه عليه النصّ، لا دورَ فيه للمفسّر سوى الكشف عن المعنى الكامن في النصّ، بل أصبح التفسيرُ في رأي الخولي عمليةَ حوارٍ وإنتاجٍ متبادَل للمعنى، يشترك فيها المفسِّر مع النصّ. وذلك ما شرحته الهِرْمِنيوطيقا الحديثة، بوصفها "فنًا للفهم"، أو قراءةً للقراءة، أو فهمًا للفهم، أو تفسيرًا لكيفيةِ تلقي المفسِّر للنصّ، وطريقةِ إنتاجه للمعنى المقتنَص منه، في ضوء: أفقِ انتظاره، ورؤيتِه للعالم، وإطارِ ثقافته، ومسلّماتِه وأحكامِه المسبقة. وبذلك يصبح التفسيرُ لدى الخولي مقاربةً هِرْمِنيوطيقية للنصّ.
ظهرت كتاباتٌ هِرْمِنيوطيقيةٌ متعدّدة بالعربية في فترات لاحقة، غير أنها انشغلت بتطبيقاتِها على النصوص الأدبية وغيرها، وتوظيفِها أداةً في النقد الأدبي، فقد كان ومازال كل الخبراء بالهرمنيوطيقيا في عالَم الإسلام يحذرون من تطبيقها في تفسير القرآن، وتوظيفها في فهم النصوص الدينية، لئلا يثيرون ضغينة رجال الدين الذين يتشبثون بالمناهج التراثية للتفسير، وتقلقهم أية مناهج جديدة في فهم الدين وتفسير نصوصه.
مضى الشيخ أمين الخولي بشجاعة لوحده، في وقت مبكر في هذا الطريق، فكان رائدًا، لم ينفرد بريادته للكتابة والتعريف بهذا الفن فقط، بل بادر أيضًا لتوجيه تلامذته لتطبيقه على تفسير القرآن، كما أسّس فريقًا للدراسات الأدبية والهِرْمِنيوطيقية يضمّ جماعةً من تلامذته، مثل محمد أحمد خلف الله، وعائشة عبدالرحمن "بنت الشاطئ"، ومحمد العلائي. واشتهرت هذه الجماعة باسم "الأمناء".
لم يقتصر أمين الخولي على الهِرْمِنيوطيقيا والدعوةِ لتوظيفها في التفسير، بل رأى ضرورةَ الانفتاح على علمِ الاجتماع وعلمِ النفس والعلوم الإنسانية الحديثة، لأجل بناء نهج مختلف للفهم والتفسير.
تتمة المقال والهوامش على هذا الرابط:
http://www.almothaqaf.com/a/qadaya2019/935170
ظهرت كتاباتٌ هِرْمِنيوطيقيةٌ متعدّدة بالعربية في فترات لاحقة، غير أنها انشغلت بتطبيقاتِها على النصوص الأدبية وغيرها، وتوظيفِها أداةً في النقد الأدبي، فقد كان ومازال كل الخبراء بالهرمنيوطيقيا في عالَم الإسلام يحذرون من تطبيقها في تفسير القرآن، وتوظيفها في فهم النصوص الدينية، لئلا يثيرون ضغينة رجال الدين الذين يتشبثون بالمناهج التراثية للتفسير، وتقلقهم أية مناهج جديدة في فهم الدين وتفسير نصوصه.
مضى الشيخ أمين الخولي بشجاعة لوحده، في وقت مبكر في هذا الطريق، فكان رائدًا، لم ينفرد بريادته للكتابة والتعريف بهذا الفن فقط، بل بادر أيضًا لتوجيه تلامذته لتطبيقه على تفسير القرآن، كما أسّس فريقًا للدراسات الأدبية والهِرْمِنيوطيقية يضمّ جماعةً من تلامذته، مثل محمد أحمد خلف الله، وعائشة عبدالرحمن "بنت الشاطئ"، ومحمد العلائي. واشتهرت هذه الجماعة باسم "الأمناء".
لم يقتصر أمين الخولي على الهِرْمِنيوطيقيا والدعوةِ لتوظيفها في التفسير، بل رأى ضرورةَ الانفتاح على علمِ الاجتماع وعلمِ النفس والعلوم الإنسانية الحديثة، لأجل بناء نهج مختلف للفهم والتفسير.
تتمة المقال والهوامش على هذا الرابط:
http://www.almothaqaf.com/a/qadaya2019/935170