عبدالجبار الرفاعي
3.67K subscribers
725 photos
59 videos
284 files
1.25K links
مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضۚ
Download Telegram
الدين والظمأ الأنطولوجي

بقلم: كرار البديري
كتاب في تحديث التفكير الديني للمفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة الأسلامية اكاديمياً، والذي قضى أكثر من ثمانية وثلاثين سنة في الحوزة العلمية تلميذاً وأستاذاً.
خمسة أيام كانت رحلتي الممتعة جداً مع كتاب الرفاعي، الذي بدا وكأنه مجموعة رؤى وأفكار وحلول لما هو نتاج تجربة شخصية، أكثر منه تأصيل منهجي للباحثين في ذلك.
نجح الدكتور الرفاعي وببراعة في أخذي الى عالمٍ آخر، ليشبع أسئلتي ويقدم أجابات وحلول غير جاهزة، لمشكلة المجتمعات مع الدين والتدين،
وفي ظل حرصه وتأكيده على ضرورة الدين في الأشباع المعنوي الوجودي لحياة الأنسان، كما يكشف هو وبإيجاز( ص٥) عن معنى عنوانه حيث يقول: "بأنه حنين للوجود وظمأ الكينونة البشرية بوصف وجود الأنسان وجوداً محتاجاً الى ما يثريه، وهو كائن متعطش على الدوام الى ما يرتوي به".
فأنه ينقد أحد أنماط التدين الذي يؤدلج الدين، كما يأتي ذلك حين ينقد الدكتور علي شريعتي في تحويله الدين من الانطولوجيا الى الأيديولوجيا، حيث وصفها في(ص١٢٠) بقوله: "الايديولوجيا نسقٌ مغلقٌ، يغذي الرأس بمصفوفة معتقداتٍ ومفاهيم ومقولات نهائيةٍ، تعلن الحرب على أيّة فكرةٍ لا تشبهها، حتى تفضي الى إنتاج نسخ متشابه من البشر".
وفي منطقة أخرى من تحفته نراه يؤكد على ضرورة مراجعة أرثنا في المعارف الدينية من علم الكلام وأصول الفقه، كما يعبر في (ص٢٠١) حيث يقول: "منطلق التجديد هو التفتيش في البنية العميقة المولدة للمقولات الاعتقادية في عقل المتكلم، وما يوجه عقل الفقيه في الفتوى واستنباط الأحكام، فأن نمط فهم النصوص يرتبط بالأحكام المسبقة للانسان، وأفق انتظاره، ورؤيته للعالم، ومفهومه للدين".
في فصله (نسيان الذات) يتحدث الدكتور الرفاعي عن الأنا الخاصة، مؤكداً على الأهمية البالغة للذات الفردية والهوية الخاصة. كما أنتقد الجماعات الأسلامية، لأنها كما يعبر في (ص١٧-١٨): "تتعاطى مع الفرد بوصفه عنصراً يذوب في مركب هو الجماعة، ليس له وجود حقيقي مستقل خارج إطارها، وتشدد في مقولاتها وشعاراتها وتربيتها على أن مهمة كل شخص في الحياة هي: الامتثال لما يؤمر به، والتنكر لذاته، والذوبان في المركب، والكف عن أية محاولة لاستبطان الذات، واكتشاف فضاءات ومديات عالمها الجواني. أما قيمة الفرد، ومكانته، وحاجاته الذاتية، الروحية، والعاطفية، والوجدانية، والعقلية، فلا أهمية لها، إلا في سياق تموضعها في إطار هذا المركب، الذي هو الجماعة ومتطلباتها”.
وفي فصله (نسيان الأنسان) نراه يسرد سيرته الذاتية، مع اعترافه بصعوبة الأعتراف، وأكثر ما شدّني في ذلك نقده للدراسة الحوزوية التي تدور في دائرة مغلقة ضيقة، غيرت الهدف الأسمى للدين، ولربما تسببت في حدوث شرخ كبير بين الأنسان والدين، وفي هذا السياق يقول في (ص٦٩): "الوفاء للموروث والارتهان في مداراته ،بكل ما يكتنفه ويحتويه، هو السمة الطاغية في كل ما تهتم به الحوزة، وما يسود مشاغلها. إنها تحرص على صيانة وحراسة التراث وتناهض المساعي للتفلت من شباكه، والتحرر من مداراته المغلقة. من هنا تحذر من توظيف المعارف والعلوم الانسانية الحديثة في نقد وغربلة وتشريح الموروث، أو أستخدام مناهجها ومفاهيمها في قراءة النصوص الدينية".
من ذلك يتبين ان نصوص الكتاب والحوار الذي أجري مع الدكتور الرفاعي، وتجربته الشخصية، كلها شروح ومعالجات للعطش والافتقار الوجودي للمقدس، فالدين وحده ما يقدم تفسيرا وتبريرا لتأبيد الحياة، وهو المصدر الأخصب والأثرى لمعنى حياة الأنسان وحتى موته.
أخيرا مع أعتذاري للإطالة التي لابدّ منها لغزارة الكتاب، دعوني أنقل لكم قوله الجميل جداً، حيث يقول في ص١٦٦: " لا خلاص إلا بالخلاص من تديين الدنيوي، فما يؤمنه العقل، وتنجزه الخبره البشرية، لا ضرورة لإقحامه في الدين، أو إقحام الدين فيه".
شكراً للدكتور الرفاعي الذي لا غنى عن مؤلفاته، التي توفر مقاربة في فلسفة الدين لكل من يبحث عن تجديد التفكير الديني.
تصدرُ الأسبوع القادم ببيروت الطبعةُ الثانية المنقحة والمزيدة من كتابنا:
"الدين والاغتراب الميتافيزيقي"... تمتازُ هذه الطبعة بإغناءِ الكتاب بثلاثة فصول جديدة، تعالج أفكارَه من مداخل أخرى، وتكشف عن خرائط صلاتها بغيرها من الأفكار التي تتحدّث لغتَها نفسَها، ورفدِ بعض فصوله بإضافات تفصّل ما هو مجمل، وتشرح ما هو مبهم، وتفصح عن الغموض الذي رآه قرّاءٌ نابهون في بعض عباراته، وتحاول أن تكشف الالتباسَ الذي يكتنف شيئًا من مصطلحاته.
مع الأصدقاء مساء أمس بتونس في المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون "بيت الحكمة"، أثناء محاضرتي التي تحدثتُ فيها عن: "مفهوم الوحي خارج المدونة الكلامية"... وكانت بحضور: د. هشام جعيط، د. عبدالمجيد الشرفي، د. أبو يعرب المرزوقي، د. احميده النيفر، د. مقداد عرفة منسية، د. محمد بوهلال، د. ناجيه الوريمي، وغيرهم من الباحثين في العلوم الإسلامية.
احياء علوم الدنيا يتكفل بإحياء علوم الدين.

حوار مع:
عبدالجبار الرفاعي

يعيد موقع اسلام مغربي نشر هذا الحوار المنشور في القسم الثقافي في موقع وصحيفة “العربي الجديد” يوم 25-10-2018 في زاوية “وقفة مع” التي يحررها شوقي بن حسن. وتناولت هذه الزاوية مع المبدع العربي عبدالجبار الرفاعي مجموعة من الأسئلة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع قرّائه.
حاوره: شوقي بن حسن

- ما الذي يشغلك أمس وهذه الأيام؟
ما كان يشغلني، منذ مرحلة الدراسة الثانوية من عمري، حضورُ الدين بوصفه حاجةً سياسيةً لا يكتمل تكوينُ دولة بدونها، بعد أن اشتعلتْ مشاعري فنام عقلي بكتابات سيد قطب وأدبيات الجماعات الدينية.
ومنذ أكثر من ثلاثين عامًا تبدّل مفهومُ الدين عندي، بعد أن استيقظ عقلي وصمتتْ في التفكير مشاعري، إذ وجدتُ أن الدينَ الكلامي والفقهي يتعذّر عليه بناءُ مفهومٍ لدولة يتساوى فيها المسلمُ وغيرُه بكلّ الحقوق الطبيعية والمدنية والسياسية على أساس التساوي بالمواطنة. تعلمتُ من تخصّصي في معارف الدين وعلم الكلام والفقه أن بنيةَ الدولة الحديثة لا يمكن أن تبتني إلا على مفهوم المواطنة الذي يتساوى فيه الكلّ، والذي يكون نصابُ الحقوق فيه الانتماءَ لوطن واحد. نعم، الدينُ بمضمونه الروحي والأخلاقي والجمالي يمنح حياةَ الفرد معنى، ويكون من أهمّ منابع الأمن العائلي والمجتمعي في الدولة.
أما اليوم فيشغلني حضورُ الدين بوصفه حاجةً وجوديةً للإنسان، لا يكتمل تكوينُ معنىً للحياة من دونها. لقد خلصتُ إلى أن الإنسانَ لا يصنع حاجتَه للدين، بل يصنعُ أنماطَ تديّنهِ وتعبيراتِه وتمثّلاتِه المتنوعةَ والمختلفةَ للدين، على وفق اختلاف أحوال البشر وبيئاتهم وثقافاتهم.
لكن الدينَ قد يتحول إلى تهديدٍ عاصفٍ لحياة الفرد والجماعة، لو لم يتموضع في حقله الروحي والأخلاقي والجمالي خاصة، إذ يصبح الدينُ أخطرَ ما يهدّد بنيةَ المجتمعات البشرية، لأنه عندما يخرج من حقله الطبيعي ويجتاح حقولَ الحياة الأخرى خارج اختصاصه، يتغلّب على ما هو من اختصاص العقل والعلوم والمعارف والتجارب البشرية ويعمل على تقويضها. ويتحوّل من كونه حلًا للحاجة الوجودية، وضامنًا للحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، إلى مشكلة تبدّد العقلَ، وتحول دون تراكم الخبرة البشرية. وهو ما نشاهد آثارَه الفتاكةَ وصورَه المفزعةَ في العالم اليوم.
- ما هو آخر عمل صدر لك وما هو عملك القادم؟
صدر قبل أيام ببيروت كتابي "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، وتأتي أفكارُ هذا الكتاب في سياق ما جاء في كتابَيّ السابقين: "الدين والظمأ الأنطولوجي"، و" الدين والنزعة الإنسانية"، من ضرورة دراسةِ الدين في مجاله الأنطولوجي الخاص، وتموضعِه في حقله الروحي والأخلاقي والجمالي، والخلاصِ من تلاعب الجماعات الدينية بوظيفته التي ورطته في صراعات السلطة والثروة العنيفة، بعد أن عملتْ على تحويله إلى أيديولوجيا سياسية.

- هل أنت راضٍ عن إنتاجك ولماذا؟
ما دمتُ أحلم بالكمال فلا يمكن أن يرضيني بشكل كامل أيُّ منجز. الرضا نسبي، حتى لو رضيتُ اليوم عن كتاب أصدرتُه أو مقالة نشرتُها، فحين أعود إليها بعد سنوات أشعر بالحزن أحيانًا من بعض ما كتبتُه فيها، فمثلا حين أقرأ ما كتبتُه قبل ثلاثين عامًا أجدني كتبتُ أحلامًا وأوهامًا تنتمي إلى مخيلة الجماعة وهويتها وسردياتها ويقينياتها غير المبرهنة، بلا أن أفكر فيها بعمق أو أُمحصها. كنتُ أعتقد بأن إحياءَ علوم الدين يتكفل بإحياءَ علوم الدنيا، لكني اكتشفتُ لاحقًا أن هذه المعادلةَ مقلوبة، إذ إن إحياءَ علوم الدنيا هو الذي يتكفل بإحياء علوم الدين.
فرضتْ عليّ: طبيعةُ شخصيتي ومطالعاتي المزمنة، وتكويني التربوي وتعليمي الديني والفلسفي، أن أكون في سفر عقلي لا سكون فيه، وغالبًا لم يكرّر هذا السفرُ محطاتِه. لعل محطةَ اليوم غيرُ محطة أمس، وربما لا ألبثُ في هذه المحطة للغد. الثابتُ الوحيدُ لدي هو السفرُ الأبدي، والقيمُ الروحية والأخلاقية الملهِمة، ومقدرتي على تذوق مختلف تجليات الجمال في العالم.

- لو قيّض لك البدءُ من جديد، أيَّ مسار كنتَ ستختار؟
لا أعرف، لأني لم أكن مختارًا وقتئذ. فمسيرةُ حياتي في الطفولة صنعتْها أقدارٌ شقية. أنا ابنُ فلاح من قريةٍ متخلفة في جنوب العراق، تفتقر الحياةُ فيها لأدنى متطلبات الحياة. لا أعرف كيف استمرتْ حياتي فيها، وإن كنتُ حتى اليوم أدفع فاتورةً قاسيةً لسوءِ التغذية الحادّ والحرمانِ من المواد الأساسية للغذاء في مرحلة الطفولة، وضعفِ البصر في أحدى عيني إثر عبث الأمهات بتطبيبهن البدائي عند إصابتي بالرمد.
أجد نفسي كلَّ مرة في بلدٍ لم أفكر في الحياة فيه، ولم أخطّط للإقامة فيه من قبل.
فرضتْ عليّ الأقدارُ الشقية ضرائبَ قبل وبعد ولادتي، مازلتُ حتى اليوم أدفع شيئًا من فاتورتها الباهضة، لانتمائي لمجتمع تسوده تراتبيةٌ دينيةٌ وعشائريةٌ هرمية، تستمدّ قيمتَها من النسبِ الوراثي، والانتماءِ كرهًا لطبقةٍ تضع الفردَ فيها أقدارُ أبويه.

- ما التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟
أثق بالعقل الحديث، على الرغم من كل النقد الذي صوّبه له الفلاسفة، منذ نيتشه، وجماعة معهد العلوم الاجتماعية في فرانكفورت، ومفكري ما بعد الحداثة في الغرب. العقل الحديث يضيء لنا كلّ يوم أفقًا في العلم و مجالات المعرفة المختلفة، لينتقل بنا من الخطأ إلى الصواب ومن الظلام إلى النور. ميزةُ العقل الحديث تكمن في أنه يمتلك شجاعةً فذّةً في مراجعةِ ونقدِ نفسه وغربلةِ ما يقوله على الدوام. لا أترقّب ظهورَ أنبياء أو فلاسفة أو مصلحين اليوم يغيّرون العالم، لأن صيرورةَ التاريخ ومعادلات التغيير تبدّلت، بعد أن دخلت التقنياتُ الجديدةُ للجينات والمعلومات والاتصالات والنانو بوصفها عناصر حاسمة في صيرورة التاريخ ومعادلات التغيير. ومن يعاندُ صيروةَ التاريخ تعانده وتقضي عليه.
شخصية من الماضي تودّ لقاءها، ولماذا هي بالذات؟
نموذجي في المستقبل وليس في الماضي. غيرُ متحمّس للقاء أحد في الماضي، لأني عشتُ في التراث كلَّ حياتي الماضية، وتعرفتُ بشكل جيد على أديانه ومعتقداته وثقافاته وشخصياته.
أتمنى أن أرى إنسانَ الغد، الإنسان في القرن 22 الميلادي. كيف يفكر إنسانُ القرن الثاني والعشرين، كيف يرى العالمَ، كيف يعمل، كيف يعيش، كيف يتحدّث، كيف يحلم، كيف يرى أسلافَه نحن، كيف ينظر لمنجزات الأسلاف ومعتقداتهم وثقافاتهم؟

- صديق يخطر على بالك أو كتاب تعود إليه دائماً؟
علاقاتي الاجتماعية واسعة متنوعة، وأحيانًا متضادّة. لدي أصدقاء من جيلي ومن أجيال أخرى: مسلمون وغير مسلمين، مؤمنون وملحدون، عقلانيون وخرافيون. أجملُ صداقاتي مع من تتفاعل كيمياءُ روحه مع روحي، ويقترب مزاجُه مع مزاجي، ويثير أسئلةً مشاغبةً لم أفكر بها، وإن كان ملحدًا وأنا مؤمن. صداقاتي الأثرى هي مع الشباب الذين أرى أجملَ صورةٍ للغد في أحلامهم. جذوةُ الشباب تلهمني أكثرَ من حكمة الشيوخ. يصعب عليّ القولُ بوجود صديق يختصر كلّ الأصدقاء، كلُّ صديق صدوق ملهم على شاكلته. كذلك يصعب القولُ بوجود كتاب يختصر كلّ الكتب. وإن كنتُ أحيانًا أصغي لألحان صوتِ الروح في شيءٍ من أغاني مثنوي صديق الروح جلال الدين الرومي.

- ماذا تقرأ الآن؟
أقرأ الصحافةَ كلَّ يوم، أقرؤها لأرى كيف يرحل العالمُ للغد، ويرحّلنا معه "رغمًا عنا"، عساني ألمح ضوءًا في مصائره ومصائرنا. أقرأ ما أعثر عليه في المكتبات من جديد العلم والمعرفة، أقرأ ما لم أتعرّف عليه من كتاباتٍ عن الأديان والفلسفة والآداب والفنون وعلوم الإنسان والمجتمع.
لدي صلةٌ عاطفيةٌ بالورق والكتب منذ المرحلة الابتدائية، وهذا ما يجعلها تملأ بالتدريج كلَّ بيت أسكنه، وتتكدّس في غرف المنزل، حتى عند وسادتي بشكل فوضوي يزعج عائلتي أحيانًا. لا أبالغ عندما أقول إني اتحسّس الكتبَ ككائنات حية ينبض بنبضها شيءٌ من روحي.

- ماذا تسمع الآن؟ وهل تقترح علينا تجربةً غنائيةً أو موسيقيةً يمكننا أن نشاركك سماعَها؟
أستمع شيئًا من تجويد المنشاوي للقرآن الكريم عند الصباح أحيانًا. وأحيانًا، حيث تتعب الروحُ في اليوم، أستمع "المواقف والمخاطبات" للنفري مسجلة صوتيًا، وتراتيلَ وأناشيدَ وموسيقى روحية. استمتعتُ قبل أشهر بحضور حفلة إنشاد موسيقى روحية في عمان بالأردن للراهبة اللبنانية ماري كيروز، ابتهجتْ روحي بإنشادها وفرقتها الموسيقية أشعارَ رابعة العدوية في العشق الإلهي. ومذ سمعتُها مازلتُ أعود لها بين حين وآخر.

الحوار منشور في القسم الثقافي / في موقع وصحيفة "العربي الجديد"، يوم 25-10-2018
في زاوية "وقفة مع" التي يحررها : شوقي بن حسن.
تقف هذه الزاوية، مع مبدع عربي في أسئلة سريعة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع قرّائه.

حول مفهوم مدنية الدولة

عبدالجبار الرفاعي
التفكيرُ في الدولة الحديثة لدى الجماعاتِ الدينية يستوحي البنى القديمة لمرحلة ما قبل الدولة في تاريخنا، ويحيل إلى ميراث دولة الخلافة وغيرها في عالَم الإسلام، لذلك افتقرت أدبياتُ هذه الجماعاتِ إلى مفاهيم ومصطلحاتِ ولغة الدولة الحديثة. لا أتذكرُ في ما أطلعتُ عليه من كتاباتٍ سرّية ومُعلَنة لهذه الجماعات لغةً تتكلّمُ مفاهيمَ ومصطلحاتِ دولة حديثة. وكنتُ أظنّ بأنهم أعادوا النظرَ بلغتهم بعد أن تسلّموا السلطةَ في دول عدّة، لكني راقبتُ كتاباتِ وأحاديثَ بعض قادة العراق اليوم، التي تُنشر وتُبثّ على الهواء مباشرة، فقلما أقرأ أو أسمع فيها تكرّر كلمات: الوطن، الوطنية، المسؤولية الوطنية، الدولة، بلاد ما بين النهرين، حضارة الرافدين، العراق، حضارة عراقية، وغيرها. وما كنتُ أقرأه وأسمعه لغةً تغرقها مصطلحاتُ كلامية وفقهية: واجب شرعي، تكليف شرعي، مسؤولية شرعية، وظيفة شرعية، حرام، وجوب، أمر بمعروف ونهي عن منكر، بيعة، وغيرها من كلمات تحيل إلى مصطلحات المتكلّمين والفقهاء ومؤلّفات الأحكام السلطانية.
وقد أثار استغرابي حديثُ أحد هؤلاء مع مجموعة من الأساتذة الجامعيين ببغداد بهذه اللغة، فتكلّمتُ مع مستشار مقرّب منه، وقلت له: من الضروري أن يعيدَ صاحبُك النظرَ في لغته، لأنه اليوم ليس واعظًا يلقي عظتَه بمسجد، بل هو قائدٌ يمثّلُ كلَّ العراقيين بمختلف معتقداتهم وانتماءاتهم وإثنياتهم. إن ثقافةَ الوعظ غير فكر الدولة الحديثة. فكرُ الدولة يبتني على نظريات الدولة وآراء المفكرين في أسسها وأنواعها ونظمها، وكيفية بنائها في سياق معطيات الواقع، ونسيجِ شبكات المصالح المعقّد والمتحرّك، ومهاراتِ التسويات البراغماتية، بينما ثقافة الوعظ تبتني على مُثُلٍ وقيمٍ وأخلاقياتٍ عامة، وأحكامٍ فقهية تقوم على نظرية التكليف.
إن العملَ بموجب منطقِ التكليف الكلامي في المجال السياسي لا يبني دولةً حديثة، بل غالبًا ما ينتهي إلى نتائج تُخرّب الحياةَ السياسية، وتهدم الدولةَ الحديثة، ذلك أن للفعلِ المكلف به العبد، على وفق منطق التكليف، نتائجَ تنتهي أحيانًا إلى الضدّ من مصلحة الوطن والمواطن، ولا تسهم في بناء الدولة. المكلفُ بالتكليف الشرعي مسؤول أن يبرئ ذمتَه من التكليف، بقطع النظر عن نتائجِ الفعل وآثارِه. لذلك نجد أكثرَ الاسلاميين في السلطة يكرّر هذه المقولة: يهمني إداءُ التكليف الشرعي، وابراءُ الذمة أمامَ الله من الفعل المكلف به، لأنه يعتقد أنه مسؤولٌ أمام الله، ومن ينوب عنه من الخلفاء. وقلما نسمع من يقول: مسؤوليتي حيالَ الوطن والمواطن تفرض عليّ العملَ من أجل مصلحة الوطن والمواطن، والسعيَ لاستثمار كلّ الامكانات والفرص المتاحة من أجل بناءِ الدولة واسعادِ المواطن. أما في الدولة الحديثة فكلُّ من هو في السلطة يعتقدُ أنه مسؤولٌ أمام المواطن والوطن، لذلك ينهضُ بوظيفته في تأمين متطلبات المواطن والوطن المسؤولِ عنها.
الهروبُ من تسميةِ الاشياءِ بأسمائها إحدى المشكلات العميقة في التفكير الديني عند الإسلاميين في العصر الحديث، فهناك تسمياتٌ متنوّعة للدولة التي ينشدونها اليوم، على الرغم من إيمان كلِّ هؤلاء بأن الدينَ يهدف إلى بناءِ دولةٍ في سياق مدوّنتِه الفقهية وأحكامِها. ويختلف دعاةُ هذه الدولة، فمنهم من يتبنّى النموذجَ الذي ظهر في تاريخ الإسلام على شكل: خلافة إسلامية، دولة إمامة، سلطنة إسلامية، دولة إسلامية، إمارة إسلامية. وربما نفى بعضُهم مشروعيةَ تمثيل هذه الدول للدين، فخصَّ بذلك الخلافةَ الراشدةَ مُلحِقًا مدّةَ خلافة عمر ابن عبدالعزيز في العصر الأموي أيضًا، أو رأى بعضٌ آخر أن دولةَ الإسلام مثّلتها دول خلافة وسلطنة أخرى. كما تشير إلى ذلك أدبياتُ الجماعات الدينية، على اختلافٍ بينها في ضيق وسعة صدق هذه العناوين على كلِّ هذه الأمثلة أو بعضها، لذلك يدخل بعضُهم كلَّ هذه الدول فيما يقتصر آخرون على بعضها.
لكن بعد تحدّي الدولة الحديثة وكلِّ ما تعدُ به، من تمثيلٍ شعبي وانتخاباتٍ وتداولٍ سلمي للسلطة، وفصلٍ بين السلطات، وغيرِ ذلك من مكاسب مهمّة في الحقول المختلفة، اضطر الإسلاميون للانتقال منذ ربع قرن تقريبًا الى اقتراح أسماء بديلة، مثل: دولة الإنسان، الدولة الحضارية، الدولة المدنية... وغير ذلك. وأكثر هذه التسميات شيوعًا في خطابات وكتابات الجماعات الدينية أخيرًا هو "الدولة المدنية"، ولعل معظمَ من يتداولون هذه التسمية لم يدركوا مغزاها، ولم يتعرّفوا على سياقات ولادة مفهوم "المدنية" وتشكّله كمصطلح، ومتى وُصِفت الدولة به.
الدولة لم توصف في أدبيات الفكر السياسي الحديث بالمدنية، ولا ينتمي هذا المصطلح إلى (مصطلحات الفلسفة السياسية القديمة أو الحديثة، فباستثناء ما نقرأه في عنوان كتاب الفيلسوف الانجليزي جون لوك: "مقالتان في الحكم المدني"، فإن كلَّ ما نقرأه في اللغات الغربية، الفرنسية والإنجليزية خاصة، هو الألفاظ الآتية: "الحالة المدنية"، ويقصد منها حالة المواطن المدنية، من حيث تاريخ الميلاد، ونسبه "الاسم واللقب"، والوضع العائلي. كما نجد استعمالًا لصفة المدني في أربع حالات، هي: المجتمع المدني أو المنظمات والجمعيات التي يشكّلها المواطنون في استقلال عن مؤسّسات الدولة. والقانون المدني الخاص بالحالات المدنية للأفراد. والأخلاق المدنية التي تقوم على مجموعةٍ من القيم التي يجب أن يتحلّى بها المواطنون في المجال العام. وأخيرًا التصنيف القائم على التمييز بين المدني والعسكري... إن الفكرَ السياسي الأوروبي قد استعمل هذا المفهوم في سياق الصراع بين التسامح والتعصّب، وبين الحرية والاضطهاد الذي عرفته الامبراطورية الرومانية في مرحلة اعتمادها للعقيدة المسيحية عقيدة رسمية) .
إن تسميات مثل: "دولة الإنسان، الدولة الحضارية، الدولة المدنية..." في خطابات وكتابات الجماعات الدينية اليوم ملتبسةٌ غامضةٌ، تشوّش فهمَ المتلقّي، وتصعّب عليه أن يتعرّف على دلالةِ كلِّ تسميةٍ وتوصيفِها بوضوح، وما الذي يحيل إليه الفرقُ بين النموذجين، فإن كان مقصودُ بعض الإسلاميين من مضامين هذه التسمياتِ: أن الدولةَ ظاهرةٌ إلهيةٌ وحيانيةٌ نبويةٌ، تبتني على أحكام المدونة الفقهية، ويقترح أمثلةً تاريخية لشرح هذا النموذج تمثّلت بالخلافة الراشدة والأموية والعباسية، والسلطنة العثمانية، ودولة الإمامة الزيدية، والإمامة الاباضية العمانية، فمن الواضح أن هذه التسميات لا تنطبق على الدول التي ظهرت قبل الدولة الحديثة.
وإن كان مقصودُ بعضٍ آخر من الإسلاميين من تسميات: "دولة الإنسان، الدولة الحضارية، الدولة المدنية..." هي الدولة الحديثة بكلِّ رؤيتها الفلسفية للإنسانِ والعالَم، ومرتكزاتِها النظرية، وهياكلِها التنظيمية والإدارية، فلماذا الاختباء خلف أسماء مبهمة، لا تعبّر عن الدولة الحديثة بصراحة، خاصة وان بعضَ الكتّاب والمتحدّثين من الجماعات الدينية يحشد كلَّ شيء يظنّه سببًا لبناء دولةٍ حديثةٍ تحت مظلة المسمّى الذي يستعمله، وغالبًا ما يطعّمه بشيءٍ من التوابل الدينية، كانتقاء بعض النصوص والفتاوى الملتقطة من المدوّنة الفقهية، وشيءٍ مما تحكية تمثّلاتُ السلطة في السياقات الإسلامية.
على الرغم من أن الذي يُفهَم من مضامين توصيفات النموذج الثاني أن الدولةَ ظاهرةٌ بشرية أنتجها الإنسانُ ولا علاقةَ لها بالوحي والأنبياء، وكلُّ ما هو بشري في السياسة والحكم لا علاقةَ له بالوحي. وهو ما لا يريده الكثيرُون ممن يتداولون هذه التسميات من كتّاب الأدبيات الدينية السياسية، كما تؤشّر إليه كلماتُهم. وهذه مفارقةٌ يقع فيها بعضُ دعاة الدولة الدينية، ممن يختبئون خلف تسميات تحظى بقبول أكثر المواطنين، بغية تسويقها، وفي محاولةٍ منهم للفرار من تركة النماذج الأولى للأسماء التي أفشلتها تجاربُ التطبيق اليوم، مضافًا إلى البراءة من تشوّهات أمثلتها في التاريخ.
المعرفةُ الدينية حقلٌ من حقول المعرفة العامة، وهي محكومةٌ بمنطق الخطأ والصواب وتطوّر الوعي البشري المحكومةِ بها المعارفُ والعلومُ كلّها. المعرفةُ الدينية التي تضعنا في أفق العصر وأسئلته ومتطلباته تبتني على مُسلّمات معرفية، مضمونها: لا نهائية المعرفة الدينية ولا أبديتها، وعدم بلوغ هذه المعرفة مدياتِها القصوى في أيّ زمان، وليس هناك أصولٌ وقواعد أبدية يمكن استعمالها لكلّ زمان في فهمِ الدين وقراءةِ نصوصه، فكلُّ عصر ينتج أصولَ فهمه للدين وقواعدَ تفسيره لنصوصه في سياق تطوّر علوم الإنسان ومعارفه.
لم يدرك أكثر الإسلاميين أن حركةَ التاريخ وتطورَ الوعي البشري تكفلان نسيانَ مفاهيم ونسخَ أحكام لبثت راسخةً لقرون. على الرغم من أنها على وفق منطق قواعد استنباط الأحكام وأصول الفقه وعلوم القرآن أحكامٌ أبديةٌ وليست منسوخة، تتسع لكل الحالات والأزمان. كما حدث مع الرقّ مثلًا، إذ كانت ظاهرةُ الرقّ متفشيةً في مجتمعات عالَم الإسلام، وما زالت أحكامُها ماثلةً في الآيات والأحاديث، ومنبثةً في مختلف أبواب كتب الفقه، لكن التاريخَ ألغى هذه الظاهرةَ ونسخ أحكامَها عمليًا . أي تعطلت دلالات أدلتها عمليًا، ولم تعد تطبق عليها قواعد استنباط الأحكام وأصول الفقه وعلوم القرآن، التي تثبت انها أبدية وليست مختصة بزمان أو حالة.
وقد لاحظت أن أكثر الجماعات الدينية في السلطة تؤكد على مظلوميتها واضطهادها والتعسف في معاملتها من كل الأنظمة السياسية، وتتخذ من ذلك ذريعة لكل أشكال التمييز بين المواطنين، والسطو على المال العام، والانتهاكات الواسعة لحق المواطنة. وكأنها تطلب من الوطن تعويضًا لما تعرضت له، وإن كان لا مشروعًا، وإن كان يؤدي إلى انتهاكات شنيعة للقوانين وتخريبًا للدولة. وكأنه مثلما يحتاجُ بعضُ الأشخاصِ لتمثيلِ دورِ الضحيةِ تعويضًا لما فاته من الاعتراف، بسبب ما تعرّضَ له من تهميشٍ واضطهادٍ في حياته، كذلك تحتاجُ بعضُ الجماعاتِ لتمثيل دور الضحية لتعويض ما فاتها من اعتراف، بسبب ما تعرضتْ له من تهميشٍ واضطهادٍ في تاريخها، ومثلُ هذه الجماعات غالبًا ما تتعاطى مع الوطن بوصفه غنيمةً، تجهز عليها وتفترسها، عندما تمتلكُ السلطةَ السياسيةَ.

الهوامش:
د. الزواوي بغورة: "في مفهوم الدولة المدنية"، مقال في مجلة العربي "الكويت"، ع 708 "نوفمبر، 2017".

2 قيل كان للزبير بن العوام ألفُ مملوك يؤدون إليه الخراج. الاستيعاب مج 2: ص 514، أُسد الغابة، مج 2: ص 252. "وقيل كان للرشيد 2000 جارية". الأغاني، مج 9: ص 88. وقيل "بلغت غنائم موسى بن نصير فاتح المغرب سنة 91 هجرية: ثلاثمائة ألف رأس سبي، بعث خمسها إلى الخليفة الوليد بن عبدالملك، أي ستين ألفًا". الكامل في التاريخ لابن الأثير، مج 4: ص 259 .



http://www.islammaghribi.com/2019/01/25/%D8%AD%D9%88%D9%84-%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D9%85-%D9%85%D8%AF%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9/?fbclid=IwAR3Es_aQZpsqR9YJRkS06A8AqW-ImGo58v2imt4rnMutdok8R-iMA_1BS0g
كتاب الدين والاغتراب الميتافيزيقي

د. حمزة النهيري
وصل إلى ديارنا المغربية حرسها الله كتاب "الدين والاغتراب الميتافيزيقي" لفضيلة الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وهو كتاب جميل يأتي تكميلا لدراسته السابقة "الدين والظمأ الانطلوجي".
وهو كتاب كما يقول صاحبه: مختلف عن باقي الكتابات في موضوع الدين... فالدين حاجة وجودية لكينونة الانسان بوصفه إنسانا، وأن الانسان لايصنع حاجته للدين، وإنما يصنع أنماط تدينه وتعبيراته وتمثلاثه المتنوعة والمختلفة للدين، على وفق اختلاف أحوال البشر وبيناتهم وبيئاتهم وثقافتهم.
تيسر لي قراءة هذا البحث الجليل من أستاذنا الجليل، وهو بحق من أكابر علماء علم الكلام في هذا العصر بدون منازع. وقد اقترن علمه بالأخلاق الجميلة التي أبداها الله في محياه، ومن خلال رسائله الجميلة التي يبعثها لي بين الفينة والأخرى، رغم بعد المسافة التي تفصل بيننا، لكن الارواح تستطيع أن تلغي قوانين المسافة إذا أتلفت وتحابت في الله العظيم الرحيم.
وأنا أدعو الاصدقاء لاقتناء هذا الكتاب، وباقي كتبه لينعموا بجمال القراءة وروح العلم المحقق.
حفظ الله أستاذنا الجليل ودمت موفقا.
إن الإنسانَ لا يصنع حاجتَه للدين، بل يصنعُ أنماطَ تديّنهِ وتعبيراتِه وتمثّلاتِه المتنوعةَ والمختلفةَ للدين، على وفق اختلاف أحوال البشر وبيئاتهم وثقافاتهم. ولا تختفي هذه الحاجةُ العميقةُ مع تطور الوعي البشري، وما ينجزه الإنسانُ من مكاسب كبيرة في المعارف والعلوم والتكنولوجيا. كلُّ ما تتضمنه أفكارُ هذا الكتاب يقوم على فهم الدين بوصفه حاجةً وجودية، بمعنى أن الدينَ ليس حاجةً ظرفيةً أو عابرةً أو طارئةً. كما يجدُ القارئ في موضوعاته كيف يخرج الدينُ من حقله، بوصفه حاجةً أنطولوجية، ليهيمن على حقول الحياة الأخرى التي هي من اختصاص العقل والعلوم والمعارف، فيتحوّل الدينُ من كونه حلًا للحاجة الوجودية إلى مشكلة تهدّد العقلَ وتحول دون تراكم الخبرة البشرية. من كتابنا: الدين والاغتراب الميتافيزيقي.
الديمقراطيةُ ليستْ محايدةً

د. عبدالجبار الرفاعي
فرضت "قوةُ الواقعِ" على من كانوا ينادون بتطبيقِ المدونةِ الفقهية عند تأسيس دولتهم الدينية التنازلَ بالتدريج عن أهم شعاراتهم الأساسية. وأعني بـ "قوةِ الواقع" شيوع ثقافة الحقوق والحريات في مجتمعات عالَم الإسلام اليوم، اثر غزارة ما يتدفقُ من الفضائياتِ ووسائلِ الإتصال والاعلام المتنوعة. لذلك لم تعدْ الدعوةُ لتطبيقِ الشريعة وإقامةِ الحدود حاضرةً في أحاديث وكتابات الجماعات الدينية، فقد تعاطتْ هذه الجماعاتُ معها بمنطقٍ ذرائعي بعد شيوع ثقافة الحريات والحقوق، إذ فرضتْ "قوةُ الواقع" عليها أن تُؤجّل أو تُترك الدعوةَ لتطبيق الحدود والتعزيرات المعروفة في المدونة الفقهية، كقطع اليد والرجم والجلد وغيرها، بل لم نقرأْ أو نسمعْ من معظم الإسلاميين في السلطة منذ سنوات حديثًا يردّد شعارَ تطبيق الشريعة في مؤسّسات الدولة والمجتمع. مع ان هذا الشعارَ كان وما زال أهمَّ مبرّر في أدبياتهم لإقامة الدولة الدينية، والهدفَ المحوري لتأسيسِ هذه الجماعات وانخراطِها في العمل السياسي وصراعِها المزمن على السلطة والثروة
لكن بموازاة هذا الموقف اللافت لا نعثر على ما يؤشر لتحوّل فكري تعكسه مراجعاتٌ نقديةٌ لمؤلفات كتّابهم، أو رؤيةٍ نظرية تحدّد الأسسَ الأولية لخارطة طريق بناء دولة حديثة خارج أحكام الفقه ومقولات علم الكلام القديم، أو وثيقةٍ فكرية تعلن انتقالَهم إلى محطة أخرى تتصالح مع أصوات الحريات والحقوق التي أرغمتهم على الصمت، وفرضتْ عليهم نسيانَ حدِّ الرجمِ والجلد وقطعِ يد السارق وغيرِ ذلك من الحدود والتعزيرات.
ميزةُ الدولة الحديثة أنها دولةُ متخصصين وخبراء في مجالات العلوم والمعارف البشرية المختلفة. يتعذّر بناءُ أية دولة حديثة من دون هؤلاء المتخصّصين والخبراء، وإن عدمَ الاكتراث بالعلوم والمعارف البشرية، وتجاهلَ أهمية الخبراء المتخصّصين في بناء الدولة، هو بمثابة من يريد تأسيسَ مستشفى بلا أطباء. الموقفُ الارتيابي من المعارف والعلوم الحديثة، تشبّع به الكثيرُ من أدبيات الجماعات الدينية، وعلى الرغم من اختلاف أشكال وأساليب تعبيرها عنه، فإنها تشترك في حالة سوء الظن من أية معرفةٍ في مجال العلوم السياسية والحقوقِ والحرياتِ لم ينتجها مسلمون، على الرغم من كونيتها واشتراك كل البشر فيها.
واحدةٌ من الثغرات التي يُمنى بها التفكيرُ الديني في الإسلام اليوم كثرةُ المتحدّثين والكتّاب باسم الدين، رغم أن معظمهم من غير الخبراء، فكثيرون منهم لم يتعلّموا في الحوزاتِ والحواضر والمدارس والجامعات ومعاهد التعليم المتخصّصة بالدراسات الدينية، ولم يكتسبوا تكوينًا تراثيًا يستوعبون فيه معارفَ الدين. مضافًا إلى أن هؤلاء المتحدّثين والكتّاب "غير الخبراء بالدين"، هم أيضًا لم يتكوّنوا تكوينًا حديثًا في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع، ومع ذلك نجدهم يُفتون بما لا يعلمون في مختلف الوقائع، ويتحدّثون بما لا يعرفون، ويكتبون ما لا يفقهون.
أذكر هنا مثالًا لذلك في كتابات وأحاديث من يشدّد على ضرورة دمج الديمقراطية بالدين، فقد تكرّر كلامٌ مبسّط يصفُ الديمقراطيةَ بأنها مجرّد ظرف وآلية، يمكن الاستعانةُ بها لوضع كلّ مظروف تتطلّبه الحياةُ اليوم بداخلها، وإلباسُها لأيّ ديانةٍ أو مُعتقَد أو أيديولوجيا. وكأنها بمثابة الأوعية الفارغة التي يمكننا أن نستعملها لشرب الماء، فيما يستعملها غيرُنا لشرب الخمر. وهذا ضربٌ من الفهم ينطوي على الكثير من التبسيط، ذلك أن الديمقراطيةَ ترتكز على رؤيةٍ للعالَم وللإنسان مشتقةٍ من فلسفة تقدّم تفسيرًا يقوم على مركزيةِ الإنسان في الوجود مقابل مركزيةِ الله، وتقدّم فهمًا في إطار رؤيتها هذه للشخص البشري ولحقوقِه وحرياته، وهي رؤيةٌ تختلف كليًّا عن رؤيةِ العالَم في علمِ الكلام أو الفقه في تراث الإسلام. فمثلًا لا يتطابق مفهومُ الحقوق لدينا بالضرورة مع كل ما تتضمنه الحقوقُ بالمفهوم الحديث، لأن مدلولَه في نصوصنا وتراثنا الديني أخلاقي، مثل: حقوق الوالدين والأرحام والجيران والمؤمنين والمسلمين، وغيرها. وهي غير الحقوق الطبيعية والمدنية والسياسية الحديثة التي يشرحها الفكر السياسي الحديث وينصّ عليها الميثاقُ العالمي لحقوق الإنسان، وتُمنح للإنسان بوصفه إنسانًا، بلا أيّ قيد أو شرط يخصّص إنسانيتَه ويطبعها بمعنى اعتقادي أو ديني أو عرقي، أي تُمنح له من حيث هو إنسان، وليس بوصفه منتميًا إلى معتقد أو جنس أو عرق أو جماعة.
ليس في عالمنا ما هو آلياتٌ وأوعيةٌ محايدة، حتى التكنولوجيا ليست محايدة، ذلك أن التكنولوجيا تحدّد نمطَ حضورنا في العالم، وتخلق لنا الكيفيةَ التي يتحقّق فيها وجودُنا على وفق تفسير الفيلسوف مارتن هايدغر.
التكنولوجيا ليست آلاتٍ وأشياءَ مادية صمّاء ميتة، التكنولوجيا تمتلك لغتَها التي تحكي رؤيتَها البديلة للعالَم، ومنظومةَ القيم التي يفرضها الطورُ الوجودي الذي تعدُ به، لذلك تفضي استعارةُ التكنولوجيا إلى تصدّعِ البنى التقليدية، وتهشيمِها لاحقًا. تكنولوجيا المعلومات مثلًا، تحقّقَت من خلالها كيفيةُ حضورٍ مختلفة لنا اليوم في العالَم. الإنسان مثلما يبتكر التكنولوجيا ويصنعها، هي أيضًا تعيد ابتكارَ حضوره في العالَم، وتصنع له نمطَ حياته الجديد؛ المشتقَّ منها، والمحاكي لها.
وهذا النمطُ الجديدُ للحياة أضحى فيه الإنسانُ في صيرورة أبدية، لا تكفّ عن التحوّل، ولا تتوانى عن العبور، ولا تتوقف في محطة إلّا لتلتقط أنفاسَها فتواصل الرحيل. لم يعد الإنسانُ كما عرفته أكثرُ الفلسفات القديمة؛ كائنًا عاقلًا يلبث حيث هو، لا يكون جزءًا من شيء أو يكون جزءًا لشيء، بل صار الإنسانُ في المفهوم الحديث كأنه جزءٌ من كلّ، هو محصّلةٌ لما حوله، أي إنه في "حالة المابين"، كأن الإنسانَ مسافرٌ أبدي، لا ينفكّ عن الترحال، لا يمكث بمحلٍّ إلّا ليغادرَه الى محلٍّ غيره، تبعًا لنمطِ الوجود السيّار المتحرّك لكلّ ما هو حوله، فكلّ ما حوله يسير به، ويسير معه.
إنسانُ اليوم كائنٌ سندبادي، يتلقّي مختلفَ الثقافات في الآنِ نفسِه، من دون أن يغادرَ موطنَه. إنه يعيش جغرافيا جديدة، تضاريسُها هلاميةٌ، حدودُها واهيةٌ، أمكنتُها متداخلةٌ، ثقافتُها ملوّنةٌ، هويتُها تركيبيةٌ. شكلُ حياته هو الأشدُّ غرابة منذ فجر التاريخ.
http://www.almothaqaf.com/a/b1d/934235