الدولة ظاهرة بشرية قديمة، وأول دولة هي دولة المدينة، حيثما تكون دولة تكون مدينة، وليس بالضرورة حيثما تكون مدينة تكون دولة.
الدينُ الذي يرثه الإنسانُ من أبويه وعائلته ومحيطه، يصيرُ عنصرًا فاعلًا في التربية والتنشئة العائلية والمجتمعية، ويكون أحدَ العناصر المكونة للذات، ويدخل كأحد أهم مكونات الهوية المجتمعية للإنسان. ولا يمكن افتراضُ تلاشي أثر الدين بوصفه عنصرًا مكوّنًا للذات في فهم الإنسان، وغياب تأثيره في مواقفه، لأنه غالبًا ما يترك أثرًا، وإن كان لاواعيًا، في بناء رؤية الإنسان للعالم، وطريقة فهمه للنصوص، ويتدخل في اختياراته واتخاذه مختلف المواقف في حياته. وذلك ما نراه عندما نفكّك فهم الناس ونحلّل مواقفهم، إذ نلمح ضربًا من التأثير من الترسبات العميقة للدين في التفكير والقرارات والمواقف التي يتبناها أكثر السياسيين في بلادنا.
http://www.islammaghribi.com/2018/12/30/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9%D9%8F-%D9%83%D8%A7%D8%A6%D9%86%D9%8C-%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A/
الدينُ الذي يرثه الإنسانُ من أبويه وعائلته ومحيطه، يصيرُ عنصرًا فاعلًا في التربية والتنشئة العائلية والمجتمعية، ويكون أحدَ العناصر المكونة للذات، ويدخل كأحد أهم مكونات الهوية المجتمعية للإنسان. ولا يمكن افتراضُ تلاشي أثر الدين بوصفه عنصرًا مكوّنًا للذات في فهم الإنسان، وغياب تأثيره في مواقفه، لأنه غالبًا ما يترك أثرًا، وإن كان لاواعيًا، في بناء رؤية الإنسان للعالم، وطريقة فهمه للنصوص، ويتدخل في اختياراته واتخاذه مختلف المواقف في حياته. وذلك ما نراه عندما نفكّك فهم الناس ونحلّل مواقفهم، إذ نلمح ضربًا من التأثير من الترسبات العميقة للدين في التفكير والقرارات والمواقف التي يتبناها أكثر السياسيين في بلادنا.
http://www.islammaghribi.com/2018/12/30/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9%D9%8F-%D9%83%D8%A7%D8%A6%D9%86%D9%8C-%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A/
تناغم القانون والقيم في الدولة الحديثة
د. عبدالجبار الرفاعي
الكلُّ يعرف أن نموذجَ الدولة الحديثة بُني على الفكرِ السياسي ونظرياتِ الدولةِ التي صاغها المفكرون في عصرَي النهضةِ والأنوار. ودولةُ الغرب الحديثة هي الدولةُ التي ما زلنا نتمناها، ويلوذُ بها الهاربون من جورِ حكوماتِنا وعسفِها، منذ أن حدّثنا عنها رجلُ الدين الأزهري رفاعة رافع الطهطاوي "1801 – 1873"، الذي انبهر بنظامِ الحكمِ والتربيةِ والتعليمِ والثقافةِ والفنونِ والآدابِ في فرنسا، واهتمّ بالتأليفِ والترجمةِ لنقلِ ما تعلّمه وعاشه بباريس بعد عودته لوطنِه مصر، ويمكن الاطلاعُ على شيء من تجربته وانطباعاته في كتابِه الأثير: "تخليص الإبريز في تلخيص باريز".
ما زلنا حتى اليوم نحاولُ اقتباسَ أشكالِ دساتير دولةِ الغرب الحديثة وتعدّديّتِها السياسية وتداولِها السلمي للسلطة ومشاركتها الشعبية وانتخاباتِها، وعملها على الفصلِ بين السلطات، وتفكيكِ تمركزها بيد شخص واحد، وقدرتِها على تحريرِ المجتمع من تغوّلِ السلطةِ وطغيانِها، وحمايتها لأموالِ الشعب وثرواتِه من لصوصيةِ رجالِ السلطة.
لم تتأسّس دولةُ الغرب الحديثة إلّا على القانونِ الذي صنعه الإنسان، والقيم التي تتناغم مع روح هذا القانون، وتركّزت استراتيجياتُها وبرامجُها في التربيةِ والتعليمِ والثقافةِ والإعلامِ على بناءِ شخصيةِ المواطنِ الذي يحترمُ القانون، ويكون مسؤولًا حيالَ المجتمع والدولة، ويكفل له القانونُ حرياتِه وحقوقَه بوصفه إنسانًا. ولذلك نجحتْ بإدارةِ التعدّد وتدبيرِ التنوع، وحسمِ أكثر النزاعات بشكل سلمي.
ولما كان بناءُ الدولة الحديثة لا ينجزه إلّا القانون والقيم المتناغمة معه، يصبحّ الرهانُ في بناء دولتِنا على أساسِ حياةٍ روحية خاوية أو ضميرٍ أخلاقيّ هشّ، هو رهانٌ على أمرٍ لم يتحقّق بعد، ولن يولد غدًا في فضاءِ تديّن شكلي، لم ينجز هذا التديّنُ وعودَه في بناءِ حياةٍ دينية سليمة، بعد أن فشلَ في تربية الروح وإيقاظِ جذوة الضمير الأخلاقي.
الدولةُ الحديثةُ تُبنى على القانونِ الحديثِ والقيم المتناغمة معه، والصرامةِ العادلةِ في تطبيقه، أما التدينُ والتقوى فيمكن أن يساعدا في تطبيقِ القانون، بل لو انتفى التدينُ والتقوى لتمكنَ الإنسانُ من بناءِ هذه الدولةِ، ما دام هناك قانونٌ حديثٌ وقيمٌ متناغمةٌ معه، وعدالةٌ في تطبيقه على الكلِّ بالمساواةِ، كما نجد نموذجَ هذه الدولة اليوم ماثلًا في العديد من البلدان، فقد تأسّست الدولةُ الحديثةُ على أساسِ القانون ببلدانٍ مختلفة في أوروبا وكندا واستراليا والولايات المتحدة.
رهانُنا على بناء الإنسان الروحي والأخلاقي الداخلي، الذي تتعهده جماعاتٌ دينيةٌ ومعاهدُ تعليم ديني ومدارسُ ومدوناتٌ كلاميةٌ وفقهية، لا يبني دولةً حديثة. لم تترقب المجتمعاتُ الأخرى جهودَ الكنائس والأديرة والمعابد والمدارس والجماعات الدينية ومدوّنات الدين واللاهوت لتبني لها دولَها. الدولةُ التي أسّسها الكهنوتُ الكنسي في العصور الوسطى استعبدت الإنسان، وتحكّمت بكل شيء في حياته، فلم تترقب المجتمعاتُ من الكنيسة بناءَ دولة حديثة، ولم تنشغل ببناء الإنسان الداخلي أولًا، ليبني بعد ذلك هذا الإنسانُ الدولة، بل انشغلت بتأسيس دولةٍ على أساس فكرٍ سياسي جديد، ولوائح للحريات والحقوق وضعها فلاسفةٌ ومفكرون ومشرّعون.
أدركت هذه المجتمعاتُ ديناميكيةَ التغيير الاجتماعي العميقة، وكيف أنها جدليةٌ تفاعليةٌ بين الخارج والداخل، فبناءُ دولةٍ متينة في الخارج من شأنه أن يعملَ على بناء الإنسان من الداخل، وبناءُ الإنسان في الداخل من شأنه أن يعزّز قدراتِ مؤسّساتِ وأجهزةِ الدولة وفاعليتِها.
إن بناءَ الدولة الحديثة على أساس القانون لم يكن على الضدِّ من نظامِ القيمِ والثقافة العامة في المجتمع، بل كانت القيمُ على الدوام متناغمةً مع القانون المطبق فيها والثقافة العامة للمجتمع، بنحو صارت القيمُ في حياة المجتمع تتحدّث لغةَ القانون، والقانونُ يتحدث لغةَ القيم، وكلاهما يتحدثان لغة ثقافة المجتمع، وكأن الكلَّ ألحانُ سيمفونية واحدة.
التناغمُ بين نظام القيم والقانون والثقافة العامة في الدولة الحديثة يعودُ إلى أنها كلها تنبثق من رؤيةٍ واحدة للعالم، وتنتمي إلى فضاء العقل الحديث ومكتسباته، لذلك لا نرى تناشزًا بين سلوك المواطن وبين القانون والقيم المتناغمة معه والثقافة العامة.
د. عبدالجبار الرفاعي
الكلُّ يعرف أن نموذجَ الدولة الحديثة بُني على الفكرِ السياسي ونظرياتِ الدولةِ التي صاغها المفكرون في عصرَي النهضةِ والأنوار. ودولةُ الغرب الحديثة هي الدولةُ التي ما زلنا نتمناها، ويلوذُ بها الهاربون من جورِ حكوماتِنا وعسفِها، منذ أن حدّثنا عنها رجلُ الدين الأزهري رفاعة رافع الطهطاوي "1801 – 1873"، الذي انبهر بنظامِ الحكمِ والتربيةِ والتعليمِ والثقافةِ والفنونِ والآدابِ في فرنسا، واهتمّ بالتأليفِ والترجمةِ لنقلِ ما تعلّمه وعاشه بباريس بعد عودته لوطنِه مصر، ويمكن الاطلاعُ على شيء من تجربته وانطباعاته في كتابِه الأثير: "تخليص الإبريز في تلخيص باريز".
ما زلنا حتى اليوم نحاولُ اقتباسَ أشكالِ دساتير دولةِ الغرب الحديثة وتعدّديّتِها السياسية وتداولِها السلمي للسلطة ومشاركتها الشعبية وانتخاباتِها، وعملها على الفصلِ بين السلطات، وتفكيكِ تمركزها بيد شخص واحد، وقدرتِها على تحريرِ المجتمع من تغوّلِ السلطةِ وطغيانِها، وحمايتها لأموالِ الشعب وثرواتِه من لصوصيةِ رجالِ السلطة.
لم تتأسّس دولةُ الغرب الحديثة إلّا على القانونِ الذي صنعه الإنسان، والقيم التي تتناغم مع روح هذا القانون، وتركّزت استراتيجياتُها وبرامجُها في التربيةِ والتعليمِ والثقافةِ والإعلامِ على بناءِ شخصيةِ المواطنِ الذي يحترمُ القانون، ويكون مسؤولًا حيالَ المجتمع والدولة، ويكفل له القانونُ حرياتِه وحقوقَه بوصفه إنسانًا. ولذلك نجحتْ بإدارةِ التعدّد وتدبيرِ التنوع، وحسمِ أكثر النزاعات بشكل سلمي.
ولما كان بناءُ الدولة الحديثة لا ينجزه إلّا القانون والقيم المتناغمة معه، يصبحّ الرهانُ في بناء دولتِنا على أساسِ حياةٍ روحية خاوية أو ضميرٍ أخلاقيّ هشّ، هو رهانٌ على أمرٍ لم يتحقّق بعد، ولن يولد غدًا في فضاءِ تديّن شكلي، لم ينجز هذا التديّنُ وعودَه في بناءِ حياةٍ دينية سليمة، بعد أن فشلَ في تربية الروح وإيقاظِ جذوة الضمير الأخلاقي.
الدولةُ الحديثةُ تُبنى على القانونِ الحديثِ والقيم المتناغمة معه، والصرامةِ العادلةِ في تطبيقه، أما التدينُ والتقوى فيمكن أن يساعدا في تطبيقِ القانون، بل لو انتفى التدينُ والتقوى لتمكنَ الإنسانُ من بناءِ هذه الدولةِ، ما دام هناك قانونٌ حديثٌ وقيمٌ متناغمةٌ معه، وعدالةٌ في تطبيقه على الكلِّ بالمساواةِ، كما نجد نموذجَ هذه الدولة اليوم ماثلًا في العديد من البلدان، فقد تأسّست الدولةُ الحديثةُ على أساسِ القانون ببلدانٍ مختلفة في أوروبا وكندا واستراليا والولايات المتحدة.
رهانُنا على بناء الإنسان الروحي والأخلاقي الداخلي، الذي تتعهده جماعاتٌ دينيةٌ ومعاهدُ تعليم ديني ومدارسُ ومدوناتٌ كلاميةٌ وفقهية، لا يبني دولةً حديثة. لم تترقب المجتمعاتُ الأخرى جهودَ الكنائس والأديرة والمعابد والمدارس والجماعات الدينية ومدوّنات الدين واللاهوت لتبني لها دولَها. الدولةُ التي أسّسها الكهنوتُ الكنسي في العصور الوسطى استعبدت الإنسان، وتحكّمت بكل شيء في حياته، فلم تترقب المجتمعاتُ من الكنيسة بناءَ دولة حديثة، ولم تنشغل ببناء الإنسان الداخلي أولًا، ليبني بعد ذلك هذا الإنسانُ الدولة، بل انشغلت بتأسيس دولةٍ على أساس فكرٍ سياسي جديد، ولوائح للحريات والحقوق وضعها فلاسفةٌ ومفكرون ومشرّعون.
أدركت هذه المجتمعاتُ ديناميكيةَ التغيير الاجتماعي العميقة، وكيف أنها جدليةٌ تفاعليةٌ بين الخارج والداخل، فبناءُ دولةٍ متينة في الخارج من شأنه أن يعملَ على بناء الإنسان من الداخل، وبناءُ الإنسان في الداخل من شأنه أن يعزّز قدراتِ مؤسّساتِ وأجهزةِ الدولة وفاعليتِها.
إن بناءَ الدولة الحديثة على أساس القانون لم يكن على الضدِّ من نظامِ القيمِ والثقافة العامة في المجتمع، بل كانت القيمُ على الدوام متناغمةً مع القانون المطبق فيها والثقافة العامة للمجتمع، بنحو صارت القيمُ في حياة المجتمع تتحدّث لغةَ القانون، والقانونُ يتحدث لغةَ القيم، وكلاهما يتحدثان لغة ثقافة المجتمع، وكأن الكلَّ ألحانُ سيمفونية واحدة.
التناغمُ بين نظام القيم والقانون والثقافة العامة في الدولة الحديثة يعودُ إلى أنها كلها تنبثق من رؤيةٍ واحدة للعالم، وتنتمي إلى فضاء العقل الحديث ومكتسباته، لذلك لا نرى تناشزًا بين سلوك المواطن وبين القانون والقيم المتناغمة معه والثقافة العامة.
المواطنُ في هذه الدولة قلّما يكذبُ أو يلجأ للتمويهِ والخداعِ والنفاق في سلوكِه ومواقفِه المختلفة، وقلّما يلجأ للمراوغة والتسويف والإهمال والكسل في أداء وظيفته، سواءٌ أكان يعملُ في وظيفة حكومية أم غير حكومية، للتناغم بين نظام القيم والقانون والثقافة العامة، ولأن نظامَ الحقوق والحريات يُمنَح للإنسان بوصفه إنسانًا، ويضمنُ له حرياتِه وحقوقَه مهما كان لونُه أو جنسُه أو معتقدُه، فلا يجد المواطنُ عندئذٍ حاجةً للكذب، أو السلوك غير المسؤول الذي يعمل على تصدّع بنية المجتمع والدولة. أما ما يُلاحَظ على سلوك بعض المهاجرين الجدد لهذه الدول، ممن يتورطون في ممارسات لا أخلاقية أحيانًا مثل الكذب والتمويه والخداع والسرقة، فيعود إلى التناشز الذي يحدث بين نظام القيم وثقافة المهاجر التي تبتني على رؤيته للعالَم، واختلافها عن نظام القيم والقانون السائد في البلاد التي هاجر حديثًا اليها.
إن التناغمَ بين نظام القيم والقانون والثقافة العامة يشكّلُ أرضية صلبة لبناء أية مؤسّسة في الحياة. فلو لم يتناغم نظامُ القيم مع القانونِ والثقافة العامة أو حدث بينها فصامٌ، سيؤدّي ذلك إلى حدوث اختلالاتٍ عميقة، وتهشّم بنية هذه المؤسّسة وتبدّدها.
وتحضرُ الثقةُ كقيمة عليا في الدولِ المتقدّمةِ. والمعروف أن رأسَ المال الاجتماعي يتراكم برصيد الثقة، لذلك نجد تطوّرَ الدول يقاسُ بمدى بناء الثقة وتجذّرها بوصفها قيمةً مجتمعيةً محوريةً في حياة مواطنيها. ففي الدول المتقدّمة ترتفعُ بدرجات قياسية معدلاتُ: الصدقِ، والأمانة، والإخلاص، والنزاهة، وتقدير قيمة الوقت، والمثابرة على العمل، والتعامل مع المواطن بوصفه مواطنًا وكفى، من دون النظر لمعتقده أو إثنيته أو عشيرته أو طبقته، وذلك ما يدعو أكثرَ الناس الذين يتعاملون مع المؤسّسات الحكومية وغيرِها للشعور بالرضا وعدم المظلومية. ويتناسب معدلُ النمو في كلّ دولة مع قوة حضور هذه القيم في المجتمع، ويتراجع تبعًا لهشاشة حضورها. وتوفِّرُ الثقةُ وهذه القيمُ بمجموعها حاضنةً حيوية لانسجام المجتمع مع القانون، وتظهرُ فاعليتُها بوضوح في تطبيقِه وتنفيذِه بأقل كلفة، وتخفّضُ بدرجة كبيرة حالةَ التناشز بين المجتمع والدولة.
هناك فصامٌ بين نُظمِ الدولة الحديثة التي نطمح إلى أن نبنيها ونظامِ القيم المشتق من ثقافتنا وتقاليدنا العشائرية والتديّن الشكلي في مجتمعنا. لذلك يتكرّر باستمرار إخفاقُ محاولاتنا لبناء هذه الدولة، منذ خلاص بلادنا من الاستعمار المباشر حتى اليوم، ففي كلّ مرة نبدأ ببناء دولتنا الحديثة ننتهي إلى انتكاسات مريعة، نرتدّ معها إلى حيث بدأنا، ونعودُ لموقعنا الذي كنا فيه، وكأننا ندور في مدارات مغلقة. لقد عجزنا عن توطين الدولة الحديثة في بلادنا، إثر عجزنا عن إعادة بناء نظام القيم في ثقافتنا بما يتواءم ونُظم هذه الدولة، فانهارت تجربةُ بناء الدولة بعد كلّ محاولة جديدة، وعُدنا حيث كنا إلى نظامِ قيمِ بداوتنا وقبائلنا وتديّننا الشكلي الذي هو على الضدّ من الدولة الحديثة.
وبغية إعادة بناء نظام القيم في ثقافتنا بما يتواءم ونُظم الدولة الحديثة من الضروري استئنافُ قراءةِ النصّ الديني في سياق مناهجَ التأويلِ والمعارفِ الجديدة، ومتطلباتِ مجتمعات عالَم الإسلامِ اليوم. هذه القراءة يفرضها إنتاجُ تناغمٍ بين نظام القيم والقانون والثقافة الذي نحن بحاجة ماسّة إليه لإنجازِ دولتنا الحديثة، وإعادة بناء مجتمعنا في ضوء الأفق التاريخي لعصرنا.
من الضروري أن تتبصّرَ القراءةُ الجديدةُ مقاصدَ النصّ، وتكتشفَ دلالاتِه العميقة، كي يضيءَ معناهُ حياتَنا، فننتقل مع هذا المعنى من أفقٍ ماضٍ الى أفقٍ راهن. معنى تحضر فيه الدلالاتُ الروحيّة والأخلاقيّة والجماليّة المحوريّة لبناء حياتِنا ومجتمعاتِنا، ويحرّرنا من الدلالاتِ التي أسقطتها حاجاتٌ وأحلامٌ ورغباتٌ مكبوتةٌ لجماعاتٍ منفيّةٍ في تاريخِ الإسلام، تلك الدلالاتُ الغريبة عن روح النصِّ ومراميه، والتي أخفقتْ حتى اليوم في تشييد نظامِ قيمٍ يعمل على تربيةِ الروح وبعثِ الضميرِ الأخلاقي لدى معظم من يأتمنه الشعبُ على بناءِ الأوطان وعمارةِ البلدان.
http://www.islammaghribi.com/2019/01/04/%D8%AA%D9%86%D8%A7%D8%BA%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8A%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB/
إن التناغمَ بين نظام القيم والقانون والثقافة العامة يشكّلُ أرضية صلبة لبناء أية مؤسّسة في الحياة. فلو لم يتناغم نظامُ القيم مع القانونِ والثقافة العامة أو حدث بينها فصامٌ، سيؤدّي ذلك إلى حدوث اختلالاتٍ عميقة، وتهشّم بنية هذه المؤسّسة وتبدّدها.
وتحضرُ الثقةُ كقيمة عليا في الدولِ المتقدّمةِ. والمعروف أن رأسَ المال الاجتماعي يتراكم برصيد الثقة، لذلك نجد تطوّرَ الدول يقاسُ بمدى بناء الثقة وتجذّرها بوصفها قيمةً مجتمعيةً محوريةً في حياة مواطنيها. ففي الدول المتقدّمة ترتفعُ بدرجات قياسية معدلاتُ: الصدقِ، والأمانة، والإخلاص، والنزاهة، وتقدير قيمة الوقت، والمثابرة على العمل، والتعامل مع المواطن بوصفه مواطنًا وكفى، من دون النظر لمعتقده أو إثنيته أو عشيرته أو طبقته، وذلك ما يدعو أكثرَ الناس الذين يتعاملون مع المؤسّسات الحكومية وغيرِها للشعور بالرضا وعدم المظلومية. ويتناسب معدلُ النمو في كلّ دولة مع قوة حضور هذه القيم في المجتمع، ويتراجع تبعًا لهشاشة حضورها. وتوفِّرُ الثقةُ وهذه القيمُ بمجموعها حاضنةً حيوية لانسجام المجتمع مع القانون، وتظهرُ فاعليتُها بوضوح في تطبيقِه وتنفيذِه بأقل كلفة، وتخفّضُ بدرجة كبيرة حالةَ التناشز بين المجتمع والدولة.
هناك فصامٌ بين نُظمِ الدولة الحديثة التي نطمح إلى أن نبنيها ونظامِ القيم المشتق من ثقافتنا وتقاليدنا العشائرية والتديّن الشكلي في مجتمعنا. لذلك يتكرّر باستمرار إخفاقُ محاولاتنا لبناء هذه الدولة، منذ خلاص بلادنا من الاستعمار المباشر حتى اليوم، ففي كلّ مرة نبدأ ببناء دولتنا الحديثة ننتهي إلى انتكاسات مريعة، نرتدّ معها إلى حيث بدأنا، ونعودُ لموقعنا الذي كنا فيه، وكأننا ندور في مدارات مغلقة. لقد عجزنا عن توطين الدولة الحديثة في بلادنا، إثر عجزنا عن إعادة بناء نظام القيم في ثقافتنا بما يتواءم ونُظم هذه الدولة، فانهارت تجربةُ بناء الدولة بعد كلّ محاولة جديدة، وعُدنا حيث كنا إلى نظامِ قيمِ بداوتنا وقبائلنا وتديّننا الشكلي الذي هو على الضدّ من الدولة الحديثة.
وبغية إعادة بناء نظام القيم في ثقافتنا بما يتواءم ونُظم الدولة الحديثة من الضروري استئنافُ قراءةِ النصّ الديني في سياق مناهجَ التأويلِ والمعارفِ الجديدة، ومتطلباتِ مجتمعات عالَم الإسلامِ اليوم. هذه القراءة يفرضها إنتاجُ تناغمٍ بين نظام القيم والقانون والثقافة الذي نحن بحاجة ماسّة إليه لإنجازِ دولتنا الحديثة، وإعادة بناء مجتمعنا في ضوء الأفق التاريخي لعصرنا.
من الضروري أن تتبصّرَ القراءةُ الجديدةُ مقاصدَ النصّ، وتكتشفَ دلالاتِه العميقة، كي يضيءَ معناهُ حياتَنا، فننتقل مع هذا المعنى من أفقٍ ماضٍ الى أفقٍ راهن. معنى تحضر فيه الدلالاتُ الروحيّة والأخلاقيّة والجماليّة المحوريّة لبناء حياتِنا ومجتمعاتِنا، ويحرّرنا من الدلالاتِ التي أسقطتها حاجاتٌ وأحلامٌ ورغباتٌ مكبوتةٌ لجماعاتٍ منفيّةٍ في تاريخِ الإسلام، تلك الدلالاتُ الغريبة عن روح النصِّ ومراميه، والتي أخفقتْ حتى اليوم في تشييد نظامِ قيمٍ يعمل على تربيةِ الروح وبعثِ الضميرِ الأخلاقي لدى معظم من يأتمنه الشعبُ على بناءِ الأوطان وعمارةِ البلدان.
http://www.islammaghribi.com/2019/01/04/%D8%AA%D9%86%D8%A7%D8%BA%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8A%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB/
islamaghribi
تناغم القانون والقيم في الدولة الحديثة
د. عبدالجبار الرفاعي الكلُّ يعرف أن نموذجَ الدولة الحديثة بُني على الفكرِ السياسي ونظرياتِ الدولةِ التي صاغها المفكرون في عصرَي النهضةِ والأنوار. ودولةُ الغرب الحديثة هي الدولةُ التي ما زلنا نتمناها، ويلوذُ بها الهاربون من جورِ حكوماتِنا وعسفِها، منذ أن حدّثنا…
الدين ليس نصوصًا مقدسة فقط، الدين كائن حي منخرط في التاريخ ومشروطياته، يخضع لنواميس التغيير والتحوّل والتطور، وفقًا للزمان والمكان والبيئة المجتمعية الحاضنة له، لذلك تختلف تجلياته باختلاف المجتمعات وثقافاتها ودرجة تطورها الحضاري، بل يختلف التعبير عنه أحيانًا باختلاف الأفراد في مجتمع واحد.
فاذا اردنا انتاج فهم انساني للدين، وقراءة أخلاقية لنصوصه المقدسة، يجب العمل أولًا على تغيير وعي الانسان وظروفه المادية وثقافته.
فاذا اردنا انتاج فهم انساني للدين، وقراءة أخلاقية لنصوصه المقدسة، يجب العمل أولًا على تغيير وعي الانسان وظروفه المادية وثقافته.
دولة المسلمين
وتمثلاتها عبر التاريخ
عبدالجبار الرفاعي
حين تحدّثت الجماعاتُ الدينيةُ عن إسلاميةِ الدولة لم تفسّر ما الذي تريده بتوصيف "الإسلامية" هنا، إذ إن كلمةَ "الإسلام" تحيلُ تارةً إلى النصّ الأوّل المقدّس "القرآن الكريم"، وثانيةً تحيلُ كلمةُ "الإسلام" إلى النصّ الثاني الذي هو "تفسيرات وتأويلات وشروح وقراءات النصّ الأول"، أو ما نعبّر عنه بـ"التراث الإسلامي" مثل: التفسير وعلوم القرآن، والفقه وأصوله، وعلم الكلام، والفلسفة، والتصوف... وغيرها، وثالثةً تحيلُ كلمةُ "الإسلام" إلى تمثّلاتِ الإسلامِ العملية وتجسيدِه في الواقع في مسيرته الطويلة، بوصفه تجربةً بشريةً تفاعلتْ مع المعطيات المتنوّعة لكلّ عصر، وتشكّلت تبعًا لثقافاتِ الشعوبِ المختلفة، وأنماطِ عيش المجتمعاتِ المتنوّعة عبر التاريخ، وتجلياتِ حضارات المجتمعات التي آمنت بالإسلام.
الصنفان الثاني والثالث من الإسلام تشكّلا بحسب طبائعِ وأحوالِ وثقافاتِ المجتمعات التي دخلت الإسلام، ما يعني أن الإسلامَ وأيَّ دين آخر لا يتحقّق إلّا في التاريخ، فليست هناك ديانةٌ عابرةٌ للزمانِ والمكانِ وطبائعِ البشر ودرجةِ تمدّنِ الإنسان، وليست هناك ديانةٌ تتحقّق في الحياة خارجَ التاريخِ البشري وصيروتِه ومشروطياتِه، وليس هناك دينٌ بلا تديّن أو تديّنٌ بلا دين. حركةُ التاريخ بطبيعتها لا تكفّ عن الصيرورةِ والتحوّل والتبدّل، وتحقّقُ الإسلام في التاريخ يعني الصيرورةَ والتحوّلَ والتبدّلَ في أنماطِ تمثّلاتِ الإسلامِ وتجلياتِه في حياةِ المجتمعات.
لا يميز كثيرٌ من أتباعِ الجماعاتِ الدينيةِ بين إسلامِ الوحي، وإسلامِ التراث، وإسلامِ تجارب المسلمين عبر التاريخ، على الرغم من أن إسلامَ التراث وإسلامَ تجارب المسلمين لم يتحقّق بهما إسلامُ الوحي على الدوام، بل أحيانًا يكونُ إسلامُ التراثِ وإسلامُ تجارب المسلمين ضدًّا لإسلامِ الوحي في المفهوماتِ والممارسات والمواقف. إسلامُ التراث وإسلامُ تجارب المسلمين ينطقان باسمِ كلِّ ملابسات التاريخ ومقولاتِه وإكراهاته وصراعاتِه. إسلامُ الوحي هو إسلامُ النبي محمد (ص) والقرآن الكريم، هو إسلامٌ يمتلكُ طاقاتٍ روحية وأخلاقية مُلهمة للمسلم في كلّ زمان لو تبصّرها المسلمُ بدراية في ضوء الأفق التاريخي لعصره. إسلامُ التراثِ وإسلامُ تجارب المسلمين هما إسلامان تحقّقا في التاريخ، ما يعني أن دولةَ المسلمين في الماضي كانت ناطقةً باسمِ تاريخ الإسلام السياسي، الذي تمثّلَ شكلُ الدولة فيه بالدولةِ السلطانية ودولةِ الخلافة، وهي تختلف كليًا عن الدولةِ الحديثة.
أما مثالُ الدولةِ الدينية الذي تحيل إليه أدبياتُ الجماعات الدينية فنجده يستأنف دولةَ المسلمين في التاريخ. علمًا أن دولةَ المسلمين، منذ عصر الخلفاء الراشدين حتى إلغاءِ أتاتورك الخلافة العثمانية عام 1924، لم تتشكّل وتتأطر وتتّسع وتتقلّص في أفق النصِّ المقدّس، أي إنها كانت دولةً دنيوية أنتجها البشرُ، ولم تكن مشتقّةً من النصّ. لم تكن دولةً إلهيةً ربّانيةً، ولم يكن حضورُ الدين وتشريعاتُه ومنظومتُه القيمية لدى الخلفاء الأمويين والعباسيين، والسلاطين العثمانيين، سوى طلاءٍ خارجي باهتٍ وقشورٍ واهيةٍ، لصياغةِ رسومِ دار الخلافة، وتلوينِ بروتوكولات قصورِ الخلفاء والأمراءِ والسلاطين. كلُّ من يتأملُ الحضورَ الشكلي للدين في سلطة الخلفاء والسلاطين يجدُ تضادًا بين دين السلطة ودين الناس. وكلُّ من يقرأ تجربةَ السلطة في تاريخ الإسلام لا يرى تطابقًا بين الدين والدولة، بل يجدُ المجالَ السياسي على الضدّ من المجال الديني بمضمونه الروحي والأخلاقي.
إذًا، لم يكن مضمونُ دولةِ المسلمين إسلاميًا، بمعنى إسلام الوحي، في ظلِّ الخلفاء الأمويين والعباسيين، والسلاطين العثمانيين، والأمراء في دويلات المسلمين كما تدّعي بعضُ أدبيات الجماعات الدينية. ولم تكن مدوناتُ "الأحكام السلطانية" سوى مفاهيم وآراء وفتاوى أكثرها صدىً لمخيلة فقهاءَ ورجالِ دينٍ وكتّابِ سلاطين، لم يبتعدوا عن فضاءِ قصورِ الخلفاءِ والأمراءِ وبلاطِ السلاطين. وهي في الأعمِّ الغالب لا تعدو أن تكونَ تسويغاتٍ تضفي المشروعيةَ على ما هو كائنٌ ومتحقِّق من تدبيراتٍ وقراراتٍ وبروتوكولاتٍ ورسومٍ في دارِ الخلافة، وفرماناتِ قصورِ السلطنة. لذلك لا يصحُّ نعتُها بالإسلامية إلّا بوصفها وُلدتْ في سياقاتِ إسلامية.
وتمثلاتها عبر التاريخ
عبدالجبار الرفاعي
حين تحدّثت الجماعاتُ الدينيةُ عن إسلاميةِ الدولة لم تفسّر ما الذي تريده بتوصيف "الإسلامية" هنا، إذ إن كلمةَ "الإسلام" تحيلُ تارةً إلى النصّ الأوّل المقدّس "القرآن الكريم"، وثانيةً تحيلُ كلمةُ "الإسلام" إلى النصّ الثاني الذي هو "تفسيرات وتأويلات وشروح وقراءات النصّ الأول"، أو ما نعبّر عنه بـ"التراث الإسلامي" مثل: التفسير وعلوم القرآن، والفقه وأصوله، وعلم الكلام، والفلسفة، والتصوف... وغيرها، وثالثةً تحيلُ كلمةُ "الإسلام" إلى تمثّلاتِ الإسلامِ العملية وتجسيدِه في الواقع في مسيرته الطويلة، بوصفه تجربةً بشريةً تفاعلتْ مع المعطيات المتنوّعة لكلّ عصر، وتشكّلت تبعًا لثقافاتِ الشعوبِ المختلفة، وأنماطِ عيش المجتمعاتِ المتنوّعة عبر التاريخ، وتجلياتِ حضارات المجتمعات التي آمنت بالإسلام.
الصنفان الثاني والثالث من الإسلام تشكّلا بحسب طبائعِ وأحوالِ وثقافاتِ المجتمعات التي دخلت الإسلام، ما يعني أن الإسلامَ وأيَّ دين آخر لا يتحقّق إلّا في التاريخ، فليست هناك ديانةٌ عابرةٌ للزمانِ والمكانِ وطبائعِ البشر ودرجةِ تمدّنِ الإنسان، وليست هناك ديانةٌ تتحقّق في الحياة خارجَ التاريخِ البشري وصيروتِه ومشروطياتِه، وليس هناك دينٌ بلا تديّن أو تديّنٌ بلا دين. حركةُ التاريخ بطبيعتها لا تكفّ عن الصيرورةِ والتحوّل والتبدّل، وتحقّقُ الإسلام في التاريخ يعني الصيرورةَ والتحوّلَ والتبدّلَ في أنماطِ تمثّلاتِ الإسلامِ وتجلياتِه في حياةِ المجتمعات.
لا يميز كثيرٌ من أتباعِ الجماعاتِ الدينيةِ بين إسلامِ الوحي، وإسلامِ التراث، وإسلامِ تجارب المسلمين عبر التاريخ، على الرغم من أن إسلامَ التراث وإسلامَ تجارب المسلمين لم يتحقّق بهما إسلامُ الوحي على الدوام، بل أحيانًا يكونُ إسلامُ التراثِ وإسلامُ تجارب المسلمين ضدًّا لإسلامِ الوحي في المفهوماتِ والممارسات والمواقف. إسلامُ التراث وإسلامُ تجارب المسلمين ينطقان باسمِ كلِّ ملابسات التاريخ ومقولاتِه وإكراهاته وصراعاتِه. إسلامُ الوحي هو إسلامُ النبي محمد (ص) والقرآن الكريم، هو إسلامٌ يمتلكُ طاقاتٍ روحية وأخلاقية مُلهمة للمسلم في كلّ زمان لو تبصّرها المسلمُ بدراية في ضوء الأفق التاريخي لعصره. إسلامُ التراثِ وإسلامُ تجارب المسلمين هما إسلامان تحقّقا في التاريخ، ما يعني أن دولةَ المسلمين في الماضي كانت ناطقةً باسمِ تاريخ الإسلام السياسي، الذي تمثّلَ شكلُ الدولة فيه بالدولةِ السلطانية ودولةِ الخلافة، وهي تختلف كليًا عن الدولةِ الحديثة.
أما مثالُ الدولةِ الدينية الذي تحيل إليه أدبياتُ الجماعات الدينية فنجده يستأنف دولةَ المسلمين في التاريخ. علمًا أن دولةَ المسلمين، منذ عصر الخلفاء الراشدين حتى إلغاءِ أتاتورك الخلافة العثمانية عام 1924، لم تتشكّل وتتأطر وتتّسع وتتقلّص في أفق النصِّ المقدّس، أي إنها كانت دولةً دنيوية أنتجها البشرُ، ولم تكن مشتقّةً من النصّ. لم تكن دولةً إلهيةً ربّانيةً، ولم يكن حضورُ الدين وتشريعاتُه ومنظومتُه القيمية لدى الخلفاء الأمويين والعباسيين، والسلاطين العثمانيين، سوى طلاءٍ خارجي باهتٍ وقشورٍ واهيةٍ، لصياغةِ رسومِ دار الخلافة، وتلوينِ بروتوكولات قصورِ الخلفاء والأمراءِ والسلاطين. كلُّ من يتأملُ الحضورَ الشكلي للدين في سلطة الخلفاء والسلاطين يجدُ تضادًا بين دين السلطة ودين الناس. وكلُّ من يقرأ تجربةَ السلطة في تاريخ الإسلام لا يرى تطابقًا بين الدين والدولة، بل يجدُ المجالَ السياسي على الضدّ من المجال الديني بمضمونه الروحي والأخلاقي.
إذًا، لم يكن مضمونُ دولةِ المسلمين إسلاميًا، بمعنى إسلام الوحي، في ظلِّ الخلفاء الأمويين والعباسيين، والسلاطين العثمانيين، والأمراء في دويلات المسلمين كما تدّعي بعضُ أدبيات الجماعات الدينية. ولم تكن مدوناتُ "الأحكام السلطانية" سوى مفاهيم وآراء وفتاوى أكثرها صدىً لمخيلة فقهاءَ ورجالِ دينٍ وكتّابِ سلاطين، لم يبتعدوا عن فضاءِ قصورِ الخلفاءِ والأمراءِ وبلاطِ السلاطين. وهي في الأعمِّ الغالب لا تعدو أن تكونَ تسويغاتٍ تضفي المشروعيةَ على ما هو كائنٌ ومتحقِّق من تدبيراتٍ وقراراتٍ وبروتوكولاتٍ ورسومٍ في دارِ الخلافة، وفرماناتِ قصورِ السلطنة. لذلك لا يصحُّ نعتُها بالإسلامية إلّا بوصفها وُلدتْ في سياقاتِ إسلامية.
وإن كان نموذجُ الجماعاتِ الدينية الذي تحلُم به، وتتحدّت عنه، وتبشّر به، هو تجربةُ دولةِ الأنبياء، فلا دليل تاريخيًا على قيامِ دولةٍ على يد نبي قبل الإسلام، لا دليلَ في الكتاب الكريم على ذلك، وما قد يفهم من قصة النبي سليمان في القرآن من وجود دولة، فهو ليس دولةً بالمعنى الذي عرفه تاريخُ الدولة بوصفها ظاهرةً مجتمعية أنتجها البشر، لأن القرآنَ تحدّث عن دعاء سليمان أن يهب له الرب "مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي" ، وهو مُلْك يدير شيئًا من شؤونه "عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ" ، ومن الواضح أن القرآنَ هنا لا يتحدّث عن دولة بالمعنى السياسي للدولة المتزامن مع لحظة مُلْك سليمان. ولعل في مدلول "المُلْك" هنا إشارةً إلى معنى رمزي يؤشر إلى هالة وسطوةٍ روحية عظمى لسليمان، تحقّقتْ من خلال النبوة، وما ورثه من مكانة معنوية كبيرة من أبيه داود، وهو ما وضعه في مقامٍ استثنائي فرض على الكلّ احترامَه وتبجيلَه، بنحوٍ صار فيه حتى من لا يعرفه ينصاع لسطوته، بعد أن ينكشف له ما يمتلكه من هالةٍ روحيةٍ وسطوة معنويةٍ كبرى.
كما أن مصطلحَ "الحكم" الوارد في الآيات الأخرى في القرآن، وهي: "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"، "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"، "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" ، يدل على الحكم في القضاء، ولا يدل على الحكومة والسلطة السياسية بالمعنى المتداول اليوم باللغة العربية، كما تكشف عنه دلالةُ الآيات الوارد في سياقها. مضافًا إلى أن هذه الآيات تخاطب أهل الكتاب خاصة، لذلك تدعوهم للتمسك بحكم التواراةَ والانجيل، ولم ترد أيةُ إشارة في سياقها للمسلمين أو كتابِهم القرآن . لكن بعضَ كتّاب أدبيات الجماعات الدينية أسقط المعنى المتأخر للحكم على مصطلح "حكم" الوارد في تلك الآيات باشتقاقاته المختلفة: "حَكَمَ، يحْكُمُ، حاكِم، يحكمون، حاكمين، حُكْم"، والذي تكرر وروده 108 مائة وثمانية مرات، ولم أفهم من سياق استعمالاته في مختلف الموارد انه يستعمل بمعنى الحكومة والسلطة السياسية. وقد تتبعتُ استعمالاتِ كلمة "الحُكْم" في عصر البعثة، فوجدتُها مستعملةً في القضاء وفصل النزاعات، "قَضَى يَقضي قَضاءً وقَضيّةً أي حَكَمَ"، "وَالْحَاكِم هُنَا هُوَ الَّذِي يتولَّى فصْل قَضاياهم بأَحكامه" . وكانت كلمةُ "المُلك" هي ما يستعمل بالمعنى السياسي.
أما القول بأن فكرةَ الدولة ظاهرةٌ نبويةٌ فلا تؤكّدها الوثائق، ولا الدراساتُ المتنوعةُ حول نشأة الدولة وتطورها عبر التاريخ، إذ إنها تكشف عن أن نشوءَ الدولة سببه تعقيدُ الحياة الاجتماعية، وصراعاتُ السلطة والثروة بين البشر، وحاجاتُهم إلى تنظيم عملية الانتاج وإدارة التوزيع. وبعبارة أخرى: إن البشرَ لم يتعرفوا على الدولة من خلال الأنبياء، كما هو الحال مثلًا مع مفهوم التوحيد، فقد ظهر الأنبياءُ داخل مجتمعات بلا دولة، أو في مجتمعات تحكمها دولة. وسياقُ الآيات القرآنية واضحٌ بشأن هذه القضية؛ إذ أعلن بعضُ الأنبياء دعواتِهم داخل تجمعات مدينية عرفت الدولةَ وعاشت في ظلّ أنظمة سياسية قبل دعواتهم .
دولةُ الخلافة والسلطنة في التاريخ، فإنها ليست معبّرةً عن المضمونِ الروحيّ والأخلاقيّ للقرآن الكريم، بل إن تجربةَ الخلافةِ الأموية والعباسية والعثمانية تضجّ بالانتهاكات المثيرة للقيمِ الأخلاقيةِ والمضامينِ الروحية في القرآن، كما يحدّثنا عن ذلك التاريخُ المنسيّ للمضطَهدين في تاريخِنا، الذين كانوا ضحيةَ قمعٍ وتنكيلٍ وانتهاكٍ مريع للكرامة أمثال: الثوّارِ الأحرار، والسبايا، والرقيق، والذمّيين، واستخدامِ الأساليب المخجلة في بيع البشر وشرائهم في أسواقِ النخاسة، والمعاملةِ غير الانسانية للرقيقِ والإماءِ، وشرهِ أكثر الخلفاء بالجواري، إذ يذكر بعضُ المؤرخين أن خليفةً واحدًا هو المتوكّل من خلفاء بني العباس كان يمتلك 4000 جاريةٍ . فكيف يعبّر ذلك عن رسالةٍ تنشد حمايةَ الكرامة البشرية، وبناءَ حياة روحية وأخلاقية وجمالية سامية. http://www.islammaghribi.com/2019/01/10/%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%AA%D9%85%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D8%B9%D8%A8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE/?fbclid=IwAR3xxFyeGbgD_X4cTroAIJjxWuyos28vk6RZvwXO4NEcBOXr54CzY9t4DIw
كما أن مصطلحَ "الحكم" الوارد في الآيات الأخرى في القرآن، وهي: "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"، "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"، "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" ، يدل على الحكم في القضاء، ولا يدل على الحكومة والسلطة السياسية بالمعنى المتداول اليوم باللغة العربية، كما تكشف عنه دلالةُ الآيات الوارد في سياقها. مضافًا إلى أن هذه الآيات تخاطب أهل الكتاب خاصة، لذلك تدعوهم للتمسك بحكم التواراةَ والانجيل، ولم ترد أيةُ إشارة في سياقها للمسلمين أو كتابِهم القرآن . لكن بعضَ كتّاب أدبيات الجماعات الدينية أسقط المعنى المتأخر للحكم على مصطلح "حكم" الوارد في تلك الآيات باشتقاقاته المختلفة: "حَكَمَ، يحْكُمُ، حاكِم، يحكمون، حاكمين، حُكْم"، والذي تكرر وروده 108 مائة وثمانية مرات، ولم أفهم من سياق استعمالاته في مختلف الموارد انه يستعمل بمعنى الحكومة والسلطة السياسية. وقد تتبعتُ استعمالاتِ كلمة "الحُكْم" في عصر البعثة، فوجدتُها مستعملةً في القضاء وفصل النزاعات، "قَضَى يَقضي قَضاءً وقَضيّةً أي حَكَمَ"، "وَالْحَاكِم هُنَا هُوَ الَّذِي يتولَّى فصْل قَضاياهم بأَحكامه" . وكانت كلمةُ "المُلك" هي ما يستعمل بالمعنى السياسي.
أما القول بأن فكرةَ الدولة ظاهرةٌ نبويةٌ فلا تؤكّدها الوثائق، ولا الدراساتُ المتنوعةُ حول نشأة الدولة وتطورها عبر التاريخ، إذ إنها تكشف عن أن نشوءَ الدولة سببه تعقيدُ الحياة الاجتماعية، وصراعاتُ السلطة والثروة بين البشر، وحاجاتُهم إلى تنظيم عملية الانتاج وإدارة التوزيع. وبعبارة أخرى: إن البشرَ لم يتعرفوا على الدولة من خلال الأنبياء، كما هو الحال مثلًا مع مفهوم التوحيد، فقد ظهر الأنبياءُ داخل مجتمعات بلا دولة، أو في مجتمعات تحكمها دولة. وسياقُ الآيات القرآنية واضحٌ بشأن هذه القضية؛ إذ أعلن بعضُ الأنبياء دعواتِهم داخل تجمعات مدينية عرفت الدولةَ وعاشت في ظلّ أنظمة سياسية قبل دعواتهم .
دولةُ الخلافة والسلطنة في التاريخ، فإنها ليست معبّرةً عن المضمونِ الروحيّ والأخلاقيّ للقرآن الكريم، بل إن تجربةَ الخلافةِ الأموية والعباسية والعثمانية تضجّ بالانتهاكات المثيرة للقيمِ الأخلاقيةِ والمضامينِ الروحية في القرآن، كما يحدّثنا عن ذلك التاريخُ المنسيّ للمضطَهدين في تاريخِنا، الذين كانوا ضحيةَ قمعٍ وتنكيلٍ وانتهاكٍ مريع للكرامة أمثال: الثوّارِ الأحرار، والسبايا، والرقيق، والذمّيين، واستخدامِ الأساليب المخجلة في بيع البشر وشرائهم في أسواقِ النخاسة، والمعاملةِ غير الانسانية للرقيقِ والإماءِ، وشرهِ أكثر الخلفاء بالجواري، إذ يذكر بعضُ المؤرخين أن خليفةً واحدًا هو المتوكّل من خلفاء بني العباس كان يمتلك 4000 جاريةٍ . فكيف يعبّر ذلك عن رسالةٍ تنشد حمايةَ الكرامة البشرية، وبناءَ حياة روحية وأخلاقية وجمالية سامية. http://www.islammaghribi.com/2019/01/10/%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%AA%D9%85%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D8%B9%D8%A8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE/?fbclid=IwAR3xxFyeGbgD_X4cTroAIJjxWuyos28vk6RZvwXO4NEcBOXr54CzY9t4DIw
islamaghribi
دولة المسلمين وتمثلاتها عبر التاريخ
د. عبدالجبار الرفاعي حين تحدّثت الجماعاتُ الدينيةُ عن إسلاميةِ الدولة لم تفسّر ما الذي تريده بتوصيف "الإسلامية" هنا، إذ إن كلمةَ "الإسلام" تحيلُ تارةً إلى النصّ الأوّل المقدّس "القرآن الكريم"، وثانيةً تحيلُ كلمةُ "الإسلام" إلى النصّ الثاني الذي هو "تفسيرات…
الدين ليس نصوصًا مقدسة فقط، الدين كائن حي منخرط في التاريخ ومشروطياته، يخضع لنواميس التغيير والتحوّل والتطور، وفقًا للزمان والمكان والبيئة المجتمعية الحاضنة له، لذلك تختلف تجلياته باختلاف المجتمعات وثقافاتها ودرجة تطورها الحضاري، بل يختلف التعبير عنه أحيانًا باختلاف الأفراد في مجتمع واحد. فاذا اردنا انتاج فهم انساني للدين، وقراءة أخلاقية لنصوصه المقدسة، يجب العمل أولًا على تغيير: وعي الانسان، وثقافته، وظروفه المادية.
من كتابنا: الدين والاغتراب الميتافيزيقي.
من كتابنا: الدين والاغتراب الميتافيزيقي.
الدين والظمأ الأنطولوجي
بقلم: كرار البديري
كتاب في تحديث التفكير الديني للمفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة الأسلامية اكاديمياً، والذي قضى أكثر من ثمانية وثلاثين سنة في الحوزة العلمية تلميذاً وأستاذاً.
خمسة أيام كانت رحلتي الممتعة جداً مع كتاب الرفاعي، الذي بدا وكأنه مجموعة رؤى وأفكار وحلول لما هو نتاج تجربة شخصية، أكثر منه تأصيل منهجي للباحثين في ذلك.
نجح الدكتور الرفاعي وببراعة في أخذي الى عالمٍ آخر، ليشبع أسئلتي ويقدم أجابات وحلول غير جاهزة، لمشكلة المجتمعات مع الدين والتدين،
وفي ظل حرصه وتأكيده على ضرورة الدين في الأشباع المعنوي الوجودي لحياة الأنسان، كما يكشف هو وبإيجاز( ص٥) عن معنى عنوانه حيث يقول: "بأنه حنين للوجود وظمأ الكينونة البشرية بوصف وجود الأنسان وجوداً محتاجاً الى ما يثريه، وهو كائن متعطش على الدوام الى ما يرتوي به".
فأنه ينقد أحد أنماط التدين الذي يؤدلج الدين، كما يأتي ذلك حين ينقد الدكتور علي شريعتي في تحويله الدين من الانطولوجيا الى الأيديولوجيا، حيث وصفها في(ص١٢٠) بقوله: "الايديولوجيا نسقٌ مغلقٌ، يغذي الرأس بمصفوفة معتقداتٍ ومفاهيم ومقولات نهائيةٍ، تعلن الحرب على أيّة فكرةٍ لا تشبهها، حتى تفضي الى إنتاج نسخ متشابه من البشر".
وفي منطقة أخرى من تحفته نراه يؤكد على ضرورة مراجعة أرثنا في المعارف الدينية من علم الكلام وأصول الفقه، كما يعبر في (ص٢٠١) حيث يقول: "منطلق التجديد هو التفتيش في البنية العميقة المولدة للمقولات الاعتقادية في عقل المتكلم، وما يوجه عقل الفقيه في الفتوى واستنباط الأحكام، فأن نمط فهم النصوص يرتبط بالأحكام المسبقة للانسان، وأفق انتظاره، ورؤيته للعالم، ومفهومه للدين".
في فصله (نسيان الذات) يتحدث الدكتور الرفاعي عن الأنا الخاصة، مؤكداً على الأهمية البالغة للذات الفردية والهوية الخاصة. كما أنتقد الجماعات الأسلامية، لأنها كما يعبر في (ص١٧-١٨): "تتعاطى مع الفرد بوصفه عنصراً يذوب في مركب هو الجماعة، ليس له وجود حقيقي مستقل خارج إطارها، وتشدد في مقولاتها وشعاراتها وتربيتها على أن مهمة كل شخص في الحياة هي: الامتثال لما يؤمر به، والتنكر لذاته، والذوبان في المركب، والكف عن أية محاولة لاستبطان الذات، واكتشاف فضاءات ومديات عالمها الجواني. أما قيمة الفرد، ومكانته، وحاجاته الذاتية، الروحية، والعاطفية، والوجدانية، والعقلية، فلا أهمية لها، إلا في سياق تموضعها في إطار هذا المركب، الذي هو الجماعة ومتطلباتها”.
وفي فصله (نسيان الأنسان) نراه يسرد سيرته الذاتية، مع اعترافه بصعوبة الأعتراف، وأكثر ما شدّني في ذلك نقده للدراسة الحوزوية التي تدور في دائرة مغلقة ضيقة، غيرت الهدف الأسمى للدين، ولربما تسببت في حدوث شرخ كبير بين الأنسان والدين، وفي هذا السياق يقول في (ص٦٩): "الوفاء للموروث والارتهان في مداراته ،بكل ما يكتنفه ويحتويه، هو السمة الطاغية في كل ما تهتم به الحوزة، وما يسود مشاغلها. إنها تحرص على صيانة وحراسة التراث وتناهض المساعي للتفلت من شباكه، والتحرر من مداراته المغلقة. من هنا تحذر من توظيف المعارف والعلوم الانسانية الحديثة في نقد وغربلة وتشريح الموروث، أو أستخدام مناهجها ومفاهيمها في قراءة النصوص الدينية".
من ذلك يتبين ان نصوص الكتاب والحوار الذي أجري مع الدكتور الرفاعي، وتجربته الشخصية، كلها شروح ومعالجات للعطش والافتقار الوجودي للمقدس، فالدين وحده ما يقدم تفسيرا وتبريرا لتأبيد الحياة، وهو المصدر الأخصب والأثرى لمعنى حياة الأنسان وحتى موته.
أخيرا مع أعتذاري للإطالة التي لابدّ منها لغزارة الكتاب، دعوني أنقل لكم قوله الجميل جداً، حيث يقول في ص١٦٦: " لا خلاص إلا بالخلاص من تديين الدنيوي، فما يؤمنه العقل، وتنجزه الخبره البشرية، لا ضرورة لإقحامه في الدين، أو إقحام الدين فيه".
شكراً للدكتور الرفاعي الذي لا غنى عن مؤلفاته، التي توفر مقاربة في فلسفة الدين لكل من يبحث عن تجديد التفكير الديني.
بقلم: كرار البديري
كتاب في تحديث التفكير الديني للمفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة الأسلامية اكاديمياً، والذي قضى أكثر من ثمانية وثلاثين سنة في الحوزة العلمية تلميذاً وأستاذاً.
خمسة أيام كانت رحلتي الممتعة جداً مع كتاب الرفاعي، الذي بدا وكأنه مجموعة رؤى وأفكار وحلول لما هو نتاج تجربة شخصية، أكثر منه تأصيل منهجي للباحثين في ذلك.
نجح الدكتور الرفاعي وببراعة في أخذي الى عالمٍ آخر، ليشبع أسئلتي ويقدم أجابات وحلول غير جاهزة، لمشكلة المجتمعات مع الدين والتدين،
وفي ظل حرصه وتأكيده على ضرورة الدين في الأشباع المعنوي الوجودي لحياة الأنسان، كما يكشف هو وبإيجاز( ص٥) عن معنى عنوانه حيث يقول: "بأنه حنين للوجود وظمأ الكينونة البشرية بوصف وجود الأنسان وجوداً محتاجاً الى ما يثريه، وهو كائن متعطش على الدوام الى ما يرتوي به".
فأنه ينقد أحد أنماط التدين الذي يؤدلج الدين، كما يأتي ذلك حين ينقد الدكتور علي شريعتي في تحويله الدين من الانطولوجيا الى الأيديولوجيا، حيث وصفها في(ص١٢٠) بقوله: "الايديولوجيا نسقٌ مغلقٌ، يغذي الرأس بمصفوفة معتقداتٍ ومفاهيم ومقولات نهائيةٍ، تعلن الحرب على أيّة فكرةٍ لا تشبهها، حتى تفضي الى إنتاج نسخ متشابه من البشر".
وفي منطقة أخرى من تحفته نراه يؤكد على ضرورة مراجعة أرثنا في المعارف الدينية من علم الكلام وأصول الفقه، كما يعبر في (ص٢٠١) حيث يقول: "منطلق التجديد هو التفتيش في البنية العميقة المولدة للمقولات الاعتقادية في عقل المتكلم، وما يوجه عقل الفقيه في الفتوى واستنباط الأحكام، فأن نمط فهم النصوص يرتبط بالأحكام المسبقة للانسان، وأفق انتظاره، ورؤيته للعالم، ومفهومه للدين".
في فصله (نسيان الذات) يتحدث الدكتور الرفاعي عن الأنا الخاصة، مؤكداً على الأهمية البالغة للذات الفردية والهوية الخاصة. كما أنتقد الجماعات الأسلامية، لأنها كما يعبر في (ص١٧-١٨): "تتعاطى مع الفرد بوصفه عنصراً يذوب في مركب هو الجماعة، ليس له وجود حقيقي مستقل خارج إطارها، وتشدد في مقولاتها وشعاراتها وتربيتها على أن مهمة كل شخص في الحياة هي: الامتثال لما يؤمر به، والتنكر لذاته، والذوبان في المركب، والكف عن أية محاولة لاستبطان الذات، واكتشاف فضاءات ومديات عالمها الجواني. أما قيمة الفرد، ومكانته، وحاجاته الذاتية، الروحية، والعاطفية، والوجدانية، والعقلية، فلا أهمية لها، إلا في سياق تموضعها في إطار هذا المركب، الذي هو الجماعة ومتطلباتها”.
وفي فصله (نسيان الأنسان) نراه يسرد سيرته الذاتية، مع اعترافه بصعوبة الأعتراف، وأكثر ما شدّني في ذلك نقده للدراسة الحوزوية التي تدور في دائرة مغلقة ضيقة، غيرت الهدف الأسمى للدين، ولربما تسببت في حدوث شرخ كبير بين الأنسان والدين، وفي هذا السياق يقول في (ص٦٩): "الوفاء للموروث والارتهان في مداراته ،بكل ما يكتنفه ويحتويه، هو السمة الطاغية في كل ما تهتم به الحوزة، وما يسود مشاغلها. إنها تحرص على صيانة وحراسة التراث وتناهض المساعي للتفلت من شباكه، والتحرر من مداراته المغلقة. من هنا تحذر من توظيف المعارف والعلوم الانسانية الحديثة في نقد وغربلة وتشريح الموروث، أو أستخدام مناهجها ومفاهيمها في قراءة النصوص الدينية".
من ذلك يتبين ان نصوص الكتاب والحوار الذي أجري مع الدكتور الرفاعي، وتجربته الشخصية، كلها شروح ومعالجات للعطش والافتقار الوجودي للمقدس، فالدين وحده ما يقدم تفسيرا وتبريرا لتأبيد الحياة، وهو المصدر الأخصب والأثرى لمعنى حياة الأنسان وحتى موته.
أخيرا مع أعتذاري للإطالة التي لابدّ منها لغزارة الكتاب، دعوني أنقل لكم قوله الجميل جداً، حيث يقول في ص١٦٦: " لا خلاص إلا بالخلاص من تديين الدنيوي، فما يؤمنه العقل، وتنجزه الخبره البشرية، لا ضرورة لإقحامه في الدين، أو إقحام الدين فيه".
شكراً للدكتور الرفاعي الذي لا غنى عن مؤلفاته، التي توفر مقاربة في فلسفة الدين لكل من يبحث عن تجديد التفكير الديني.
تصدرُ الأسبوع القادم ببيروت الطبعةُ الثانية المنقحة والمزيدة من كتابنا:
"الدين والاغتراب الميتافيزيقي"... تمتازُ هذه الطبعة بإغناءِ الكتاب بثلاثة فصول جديدة، تعالج أفكارَه من مداخل أخرى، وتكشف عن خرائط صلاتها بغيرها من الأفكار التي تتحدّث لغتَها نفسَها، ورفدِ بعض فصوله بإضافات تفصّل ما هو مجمل، وتشرح ما هو مبهم، وتفصح عن الغموض الذي رآه قرّاءٌ نابهون في بعض عباراته، وتحاول أن تكشف الالتباسَ الذي يكتنف شيئًا من مصطلحاته.
"الدين والاغتراب الميتافيزيقي"... تمتازُ هذه الطبعة بإغناءِ الكتاب بثلاثة فصول جديدة، تعالج أفكارَه من مداخل أخرى، وتكشف عن خرائط صلاتها بغيرها من الأفكار التي تتحدّث لغتَها نفسَها، ورفدِ بعض فصوله بإضافات تفصّل ما هو مجمل، وتشرح ما هو مبهم، وتفصح عن الغموض الذي رآه قرّاءٌ نابهون في بعض عباراته، وتحاول أن تكشف الالتباسَ الذي يكتنف شيئًا من مصطلحاته.
مع الأصدقاء مساء أمس بتونس في المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون "بيت الحكمة"، أثناء محاضرتي التي تحدثتُ فيها عن: "مفهوم الوحي خارج المدونة الكلامية"... وكانت بحضور: د. هشام جعيط، د. عبدالمجيد الشرفي، د. أبو يعرب المرزوقي، د. احميده النيفر، د. مقداد عرفة منسية، د. محمد بوهلال، د. ناجيه الوريمي، وغيرهم من الباحثين في العلوم الإسلامية.
عبد الجبار الرفاعي لاهوتي يتكلم لغة المعنى والإيمان والحب والرجاء
الكارينال لويس ساكو "بطريرك الكلدان الكاثوليك"
عبد الجبار الرفاعي لاهوتي يتكلم لغة المعنى والإيمان والحب والرجاء http://www.almothaqaf.com/a/b8/913306-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%84%D8%A7%D9%87%D9%88%D8%AA%D9%8A-%D9%8A%D8%AA%D9%83%D9%84%D9%85-%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AC%D8%A7%D8%A1#.XEXbskSscXY.whatsapp
الكارينال لويس ساكو "بطريرك الكلدان الكاثوليك"
عبد الجبار الرفاعي لاهوتي يتكلم لغة المعنى والإيمان والحب والرجاء http://www.almothaqaf.com/a/b8/913306-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%84%D8%A7%D9%87%D9%88%D8%AA%D9%8A-%D9%8A%D8%AA%D9%83%D9%84%D9%85-%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AC%D8%A7%D8%A1#.XEXbskSscXY.whatsapp
Almothaqaf
عبد الجبار الرفاعي لاهوتي يتكلم لغة المعنى والإيمان والحب والرجاء
المثقف، صحيفة ثقافية – سياسية، تصدر عن مؤسسة المثقف
احياء علوم الدنيا يتكفل بإحياء علوم الدين
حوار مع عبدالجبار الرفاعي
https://www.alaraby.co.uk/culturalstops/2018/10/25/%D9%88%D9%82%D9%81%D8%A9-%D9%85%D8%B9-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A?fbclid=IwAR1sjLrNmjhTTfNfBpowfUztAXSenZH0Nv6Tf4hHpcBCIJK2jQBCw1vimDQ
حوار مع عبدالجبار الرفاعي
https://www.alaraby.co.uk/culturalstops/2018/10/25/%D9%88%D9%82%D9%81%D8%A9-%D9%85%D8%B9-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A?fbclid=IwAR1sjLrNmjhTTfNfBpowfUztAXSenZH0Nv6Tf4hHpcBCIJK2jQBCw1vimDQ
alaraby
وقفة مع عبد الجبار الرفاعي
تقف هذه الزاوية مع مبدع عربي في أسئلة سريعة حول انشغالاته الإبداعية...
احياء علوم الدنيا يتكفل بإحياء علوم الدين.
حوار مع:
عبدالجبار الرفاعي
يعيد موقع اسلام مغربي نشر هذا الحوار المنشور في القسم الثقافي في موقع وصحيفة “العربي الجديد” يوم 25-10-2018 في زاوية “وقفة مع” التي يحررها شوقي بن حسن. وتناولت هذه الزاوية مع المبدع العربي عبدالجبار الرفاعي مجموعة من الأسئلة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع قرّائه.
حاوره: شوقي بن حسن
- ما الذي يشغلك أمس وهذه الأيام؟
ما كان يشغلني، منذ مرحلة الدراسة الثانوية من عمري، حضورُ الدين بوصفه حاجةً سياسيةً لا يكتمل تكوينُ دولة بدونها، بعد أن اشتعلتْ مشاعري فنام عقلي بكتابات سيد قطب وأدبيات الجماعات الدينية.
ومنذ أكثر من ثلاثين عامًا تبدّل مفهومُ الدين عندي، بعد أن استيقظ عقلي وصمتتْ في التفكير مشاعري، إذ وجدتُ أن الدينَ الكلامي والفقهي يتعذّر عليه بناءُ مفهومٍ لدولة يتساوى فيها المسلمُ وغيرُه بكلّ الحقوق الطبيعية والمدنية والسياسية على أساس التساوي بالمواطنة. تعلمتُ من تخصّصي في معارف الدين وعلم الكلام والفقه أن بنيةَ الدولة الحديثة لا يمكن أن تبتني إلا على مفهوم المواطنة الذي يتساوى فيه الكلّ، والذي يكون نصابُ الحقوق فيه الانتماءَ لوطن واحد. نعم، الدينُ بمضمونه الروحي والأخلاقي والجمالي يمنح حياةَ الفرد معنى، ويكون من أهمّ منابع الأمن العائلي والمجتمعي في الدولة.
أما اليوم فيشغلني حضورُ الدين بوصفه حاجةً وجوديةً للإنسان، لا يكتمل تكوينُ معنىً للحياة من دونها. لقد خلصتُ إلى أن الإنسانَ لا يصنع حاجتَه للدين، بل يصنعُ أنماطَ تديّنهِ وتعبيراتِه وتمثّلاتِه المتنوعةَ والمختلفةَ للدين، على وفق اختلاف أحوال البشر وبيئاتهم وثقافاتهم.
لكن الدينَ قد يتحول إلى تهديدٍ عاصفٍ لحياة الفرد والجماعة، لو لم يتموضع في حقله الروحي والأخلاقي والجمالي خاصة، إذ يصبح الدينُ أخطرَ ما يهدّد بنيةَ المجتمعات البشرية، لأنه عندما يخرج من حقله الطبيعي ويجتاح حقولَ الحياة الأخرى خارج اختصاصه، يتغلّب على ما هو من اختصاص العقل والعلوم والمعارف والتجارب البشرية ويعمل على تقويضها. ويتحوّل من كونه حلًا للحاجة الوجودية، وضامنًا للحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، إلى مشكلة تبدّد العقلَ، وتحول دون تراكم الخبرة البشرية. وهو ما نشاهد آثارَه الفتاكةَ وصورَه المفزعةَ في العالم اليوم.
- ما هو آخر عمل صدر لك وما هو عملك القادم؟
صدر قبل أيام ببيروت كتابي "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، وتأتي أفكارُ هذا الكتاب في سياق ما جاء في كتابَيّ السابقين: "الدين والظمأ الأنطولوجي"، و" الدين والنزعة الإنسانية"، من ضرورة دراسةِ الدين في مجاله الأنطولوجي الخاص، وتموضعِه في حقله الروحي والأخلاقي والجمالي، والخلاصِ من تلاعب الجماعات الدينية بوظيفته التي ورطته في صراعات السلطة والثروة العنيفة، بعد أن عملتْ على تحويله إلى أيديولوجيا سياسية.
- هل أنت راضٍ عن إنتاجك ولماذا؟
ما دمتُ أحلم بالكمال فلا يمكن أن يرضيني بشكل كامل أيُّ منجز. الرضا نسبي، حتى لو رضيتُ اليوم عن كتاب أصدرتُه أو مقالة نشرتُها، فحين أعود إليها بعد سنوات أشعر بالحزن أحيانًا من بعض ما كتبتُه فيها، فمثلا حين أقرأ ما كتبتُه قبل ثلاثين عامًا أجدني كتبتُ أحلامًا وأوهامًا تنتمي إلى مخيلة الجماعة وهويتها وسردياتها ويقينياتها غير المبرهنة، بلا أن أفكر فيها بعمق أو أُمحصها. كنتُ أعتقد بأن إحياءَ علوم الدين يتكفل بإحياءَ علوم الدنيا، لكني اكتشفتُ لاحقًا أن هذه المعادلةَ مقلوبة، إذ إن إحياءَ علوم الدنيا هو الذي يتكفل بإحياء علوم الدين.
فرضتْ عليّ: طبيعةُ شخصيتي ومطالعاتي المزمنة، وتكويني التربوي وتعليمي الديني والفلسفي، أن أكون في سفر عقلي لا سكون فيه، وغالبًا لم يكرّر هذا السفرُ محطاتِه. لعل محطةَ اليوم غيرُ محطة أمس، وربما لا ألبثُ في هذه المحطة للغد. الثابتُ الوحيدُ لدي هو السفرُ الأبدي، والقيمُ الروحية والأخلاقية الملهِمة، ومقدرتي على تذوق مختلف تجليات الجمال في العالم.
- لو قيّض لك البدءُ من جديد، أيَّ مسار كنتَ ستختار؟
لا أعرف، لأني لم أكن مختارًا وقتئذ. فمسيرةُ حياتي في الطفولة صنعتْها أقدارٌ شقية. أنا ابنُ فلاح من قريةٍ متخلفة في جنوب العراق، تفتقر الحياةُ فيها لأدنى متطلبات الحياة. لا أعرف كيف استمرتْ حياتي فيها، وإن كنتُ حتى اليوم أدفع فاتورةً قاسيةً لسوءِ التغذية الحادّ والحرمانِ من المواد الأساسية للغذاء في مرحلة الطفولة، وضعفِ البصر في أحدى عيني إثر عبث الأمهات بتطبيبهن البدائي عند إصابتي بالرمد.
أجد نفسي كلَّ مرة في بلدٍ لم أفكر في الحياة فيه، ولم أخطّط للإقامة فيه من قبل.
حوار مع:
عبدالجبار الرفاعي
يعيد موقع اسلام مغربي نشر هذا الحوار المنشور في القسم الثقافي في موقع وصحيفة “العربي الجديد” يوم 25-10-2018 في زاوية “وقفة مع” التي يحررها شوقي بن حسن. وتناولت هذه الزاوية مع المبدع العربي عبدالجبار الرفاعي مجموعة من الأسئلة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع قرّائه.
حاوره: شوقي بن حسن
- ما الذي يشغلك أمس وهذه الأيام؟
ما كان يشغلني، منذ مرحلة الدراسة الثانوية من عمري، حضورُ الدين بوصفه حاجةً سياسيةً لا يكتمل تكوينُ دولة بدونها، بعد أن اشتعلتْ مشاعري فنام عقلي بكتابات سيد قطب وأدبيات الجماعات الدينية.
ومنذ أكثر من ثلاثين عامًا تبدّل مفهومُ الدين عندي، بعد أن استيقظ عقلي وصمتتْ في التفكير مشاعري، إذ وجدتُ أن الدينَ الكلامي والفقهي يتعذّر عليه بناءُ مفهومٍ لدولة يتساوى فيها المسلمُ وغيرُه بكلّ الحقوق الطبيعية والمدنية والسياسية على أساس التساوي بالمواطنة. تعلمتُ من تخصّصي في معارف الدين وعلم الكلام والفقه أن بنيةَ الدولة الحديثة لا يمكن أن تبتني إلا على مفهوم المواطنة الذي يتساوى فيه الكلّ، والذي يكون نصابُ الحقوق فيه الانتماءَ لوطن واحد. نعم، الدينُ بمضمونه الروحي والأخلاقي والجمالي يمنح حياةَ الفرد معنى، ويكون من أهمّ منابع الأمن العائلي والمجتمعي في الدولة.
أما اليوم فيشغلني حضورُ الدين بوصفه حاجةً وجوديةً للإنسان، لا يكتمل تكوينُ معنىً للحياة من دونها. لقد خلصتُ إلى أن الإنسانَ لا يصنع حاجتَه للدين، بل يصنعُ أنماطَ تديّنهِ وتعبيراتِه وتمثّلاتِه المتنوعةَ والمختلفةَ للدين، على وفق اختلاف أحوال البشر وبيئاتهم وثقافاتهم.
لكن الدينَ قد يتحول إلى تهديدٍ عاصفٍ لحياة الفرد والجماعة، لو لم يتموضع في حقله الروحي والأخلاقي والجمالي خاصة، إذ يصبح الدينُ أخطرَ ما يهدّد بنيةَ المجتمعات البشرية، لأنه عندما يخرج من حقله الطبيعي ويجتاح حقولَ الحياة الأخرى خارج اختصاصه، يتغلّب على ما هو من اختصاص العقل والعلوم والمعارف والتجارب البشرية ويعمل على تقويضها. ويتحوّل من كونه حلًا للحاجة الوجودية، وضامنًا للحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، إلى مشكلة تبدّد العقلَ، وتحول دون تراكم الخبرة البشرية. وهو ما نشاهد آثارَه الفتاكةَ وصورَه المفزعةَ في العالم اليوم.
- ما هو آخر عمل صدر لك وما هو عملك القادم؟
صدر قبل أيام ببيروت كتابي "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، وتأتي أفكارُ هذا الكتاب في سياق ما جاء في كتابَيّ السابقين: "الدين والظمأ الأنطولوجي"، و" الدين والنزعة الإنسانية"، من ضرورة دراسةِ الدين في مجاله الأنطولوجي الخاص، وتموضعِه في حقله الروحي والأخلاقي والجمالي، والخلاصِ من تلاعب الجماعات الدينية بوظيفته التي ورطته في صراعات السلطة والثروة العنيفة، بعد أن عملتْ على تحويله إلى أيديولوجيا سياسية.
- هل أنت راضٍ عن إنتاجك ولماذا؟
ما دمتُ أحلم بالكمال فلا يمكن أن يرضيني بشكل كامل أيُّ منجز. الرضا نسبي، حتى لو رضيتُ اليوم عن كتاب أصدرتُه أو مقالة نشرتُها، فحين أعود إليها بعد سنوات أشعر بالحزن أحيانًا من بعض ما كتبتُه فيها، فمثلا حين أقرأ ما كتبتُه قبل ثلاثين عامًا أجدني كتبتُ أحلامًا وأوهامًا تنتمي إلى مخيلة الجماعة وهويتها وسردياتها ويقينياتها غير المبرهنة، بلا أن أفكر فيها بعمق أو أُمحصها. كنتُ أعتقد بأن إحياءَ علوم الدين يتكفل بإحياءَ علوم الدنيا، لكني اكتشفتُ لاحقًا أن هذه المعادلةَ مقلوبة، إذ إن إحياءَ علوم الدنيا هو الذي يتكفل بإحياء علوم الدين.
فرضتْ عليّ: طبيعةُ شخصيتي ومطالعاتي المزمنة، وتكويني التربوي وتعليمي الديني والفلسفي، أن أكون في سفر عقلي لا سكون فيه، وغالبًا لم يكرّر هذا السفرُ محطاتِه. لعل محطةَ اليوم غيرُ محطة أمس، وربما لا ألبثُ في هذه المحطة للغد. الثابتُ الوحيدُ لدي هو السفرُ الأبدي، والقيمُ الروحية والأخلاقية الملهِمة، ومقدرتي على تذوق مختلف تجليات الجمال في العالم.
- لو قيّض لك البدءُ من جديد، أيَّ مسار كنتَ ستختار؟
لا أعرف، لأني لم أكن مختارًا وقتئذ. فمسيرةُ حياتي في الطفولة صنعتْها أقدارٌ شقية. أنا ابنُ فلاح من قريةٍ متخلفة في جنوب العراق، تفتقر الحياةُ فيها لأدنى متطلبات الحياة. لا أعرف كيف استمرتْ حياتي فيها، وإن كنتُ حتى اليوم أدفع فاتورةً قاسيةً لسوءِ التغذية الحادّ والحرمانِ من المواد الأساسية للغذاء في مرحلة الطفولة، وضعفِ البصر في أحدى عيني إثر عبث الأمهات بتطبيبهن البدائي عند إصابتي بالرمد.
أجد نفسي كلَّ مرة في بلدٍ لم أفكر في الحياة فيه، ولم أخطّط للإقامة فيه من قبل.