لذلك تألمتُ من الحكم السلبي لتلميذ الفصوص صديقي على شرح عفيفي، وإن كان مثلُ هذا الحكم ليس غريبًا عليَّ في بيئةٍ عشتُ فيها أكثرَ من أربعين عامًا تلميذًا وأستاذًا، وأعرفُ نرجسيةَ الفهم التي تتوالد في لاوعينا، نحن الذين نغوص في الكتب القديمة، ونمضي العمرَ في فضاء متونها وهوامشها، حتى نصلَ إلى حالةٍ لا نكاد نرى فيها أسلوبًا للتعليم متفوّقًا على أسلوبنا، أو نظن بأن منهجًا للفهم متفوّقٌ على منهجنا، ولا نعتقد بوجود فهمٍ موازٍ لفهمنا لهذه المتون التي ندرسها، فضلًا عن أن يكون متجاوزًا له.
لم يترك لنا الخبراءُ بابن عربي مدخلًا ميسرًا لدراستِه والتعرّفِ على رؤيته لله والإنسان والعالم، وهذا الكتابُ، على صغر حجمه، يوفر على المهتمّ بابن عربي الكثيرَ من الزمن والجهد اللذين يتطلبهما التعرّفُ على خلاصة لرؤيته المحورية، من خلال غوصِ المؤلف في أعماله العميقة، وملاحقةِ تفسيراتها وما كُتب عنه وعنها. هذا الكتابُ يمكن أن يكون مدخلًا أوليًّا لدراسةِ الرؤية التوحيدية للشيخ محيي الدين واكتشاف معالمها في آثاره المتنوعة، إذ استطاع الدكتور الديري أن يدلّنا على خارطةِ هذه الرؤية لدى الشيخ الأكبر، والتي يمكن أن تكون مُلهمة لحياتنا الدينية اليوم، ذلك أن الحياة الدينية وما يتشكّل في سياقها من قيم روحية وأخلاقية تولد وتتكّون في رحم الكيفية التي تحضر فيها صورةُ الله في الضمير.
الديري يدرك المحنةَ التي يعيشها المسلمُ اليوم، وكيف صار العنفُ والقتلُ لغةً يتداولها كثيرٌ من أبناء الإسلام الذين سقطوا في شراك الرؤية السلفية للتوحيد، وسجنت سلوكَهم الفتاوى المشتقّة من تلك الرؤية، فضاع في ضجيج تلك الرؤية صوتُ السلام والحق والعدل والإحسان والرحمة في القرآن. وكأن الإسلامَ لا يعرف أن يتحدّث لغةً أخرى غير العنف والقتل والموت. حرص الكاتبُ أن يدلّنا على الكنز المنسيّ للغة أخرى للإسلام يجهلها أكثرُ الشباب المسلم. لغة يمكن أن تؤسّس لتديّن يعرف أن يتكلّم لغةَ السلام والحق والعدل والاحسان والتراحم، ويعرف أن يتذوّق تجلياتِ الجمال الإلهي في الوجود. وما أشدّ حاجتنا لهذه اللغة بعد أن تفشّى في لغتنا الدينية كثيرٌ من الكلمات المسمومة.
تقديم لكتاب: "لماذا نكفّر: ابن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن". تأليف: د. علي الديري. الكتاب تحت الطبع. ننشر القسم الأول في هذا العدد، والقسم الثاني من التقديم في عدد قادم.
http://www.almothaqaf.com/a/b8/933095
لم يترك لنا الخبراءُ بابن عربي مدخلًا ميسرًا لدراستِه والتعرّفِ على رؤيته لله والإنسان والعالم، وهذا الكتابُ، على صغر حجمه، يوفر على المهتمّ بابن عربي الكثيرَ من الزمن والجهد اللذين يتطلبهما التعرّفُ على خلاصة لرؤيته المحورية، من خلال غوصِ المؤلف في أعماله العميقة، وملاحقةِ تفسيراتها وما كُتب عنه وعنها. هذا الكتابُ يمكن أن يكون مدخلًا أوليًّا لدراسةِ الرؤية التوحيدية للشيخ محيي الدين واكتشاف معالمها في آثاره المتنوعة، إذ استطاع الدكتور الديري أن يدلّنا على خارطةِ هذه الرؤية لدى الشيخ الأكبر، والتي يمكن أن تكون مُلهمة لحياتنا الدينية اليوم، ذلك أن الحياة الدينية وما يتشكّل في سياقها من قيم روحية وأخلاقية تولد وتتكّون في رحم الكيفية التي تحضر فيها صورةُ الله في الضمير.
الديري يدرك المحنةَ التي يعيشها المسلمُ اليوم، وكيف صار العنفُ والقتلُ لغةً يتداولها كثيرٌ من أبناء الإسلام الذين سقطوا في شراك الرؤية السلفية للتوحيد، وسجنت سلوكَهم الفتاوى المشتقّة من تلك الرؤية، فضاع في ضجيج تلك الرؤية صوتُ السلام والحق والعدل والإحسان والرحمة في القرآن. وكأن الإسلامَ لا يعرف أن يتحدّث لغةً أخرى غير العنف والقتل والموت. حرص الكاتبُ أن يدلّنا على الكنز المنسيّ للغة أخرى للإسلام يجهلها أكثرُ الشباب المسلم. لغة يمكن أن تؤسّس لتديّن يعرف أن يتكلّم لغةَ السلام والحق والعدل والاحسان والتراحم، ويعرف أن يتذوّق تجلياتِ الجمال الإلهي في الوجود. وما أشدّ حاجتنا لهذه اللغة بعد أن تفشّى في لغتنا الدينية كثيرٌ من الكلمات المسمومة.
تقديم لكتاب: "لماذا نكفّر: ابن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن". تأليف: د. علي الديري. الكتاب تحت الطبع. ننشر القسم الأول في هذا العدد، والقسم الثاني من التقديم في عدد قادم.
http://www.almothaqaf.com/a/b8/933095
صحيفة المثقف
محيي الدين بن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن (1)
فرغتُ من مطالعةِ مخطوطةِ كتاب
كلُّ من يعرف الأديان، سواء كانت وحيانيةً أو غيرها، يعرف الأثرَ السحري الذي تحدثه كتبُها المقدسة في أرواح وقلوب المؤمنين بها، لكن ليس كلُّ كتب الأديان تمكنت من إنتاج حضارات رائدة.
الحضورُ الشديد الأثر للقرآن في العالم يكشف عن فرادةِ صوت الله فيه، وقدرتِه الاستثنائية على أسر القلوب والأرواح.
لقد كان وسيظل الفعلُ الحضاري للقرآن عظيماً، وتعكس مكاسبُ الحضارة الإسلامية للبشرية الصورةَ الناطقة للقرآن في التاريخ، فلا نجدُ كتابًا مقدسًا أشدَّ حضوراً وتأثيراً من هذا الكتاب في الأرض منذ عرفه الإنسان.
الحضورُ الشديد الأثر للقرآن في العالم يكشف عن فرادةِ صوت الله فيه، وقدرتِه الاستثنائية على أسر القلوب والأرواح.
لقد كان وسيظل الفعلُ الحضاري للقرآن عظيماً، وتعكس مكاسبُ الحضارة الإسلامية للبشرية الصورةَ الناطقة للقرآن في التاريخ، فلا نجدُ كتابًا مقدسًا أشدَّ حضوراً وتأثيراً من هذا الكتاب في الأرض منذ عرفه الإنسان.
كتاب يفعل بالانسان أثراً هو أكثر من فعل السحر على المسحور
بقلم: د. حمزة النهيري
شرفني فضيلة الدكتور العلامة عبد الجبار الرفاعي حفظه الله، بمراسلة شخصية على الخاص، أعرب فيها فضيلته عن امتنانه واهتمامه بما كتبته من منشور، ينوه بكتابه: "الدين والظمأ الأنطولوجي".
وأحب أن أقول لفضيلته: إن كتابكم أسمى من أن يحظى بإعجاب باحث مغمور مثلي، له قصة طويلة مع الكتاب، ربما تروى لاحقا بحول الله.. ولكن كتابكم الرائع، أحسب أنه قد نفخ فيه من روح الجمال والجلال، فأضحى مضيئاً بهذه الأنوار.
تعود معرفتي بفضيلة الدكتور عبد الجبار الرفاعي إلى مرحلة ماقبل الماجستير والدكتوراه. فقد عرفته من خلال منشورات دار الهادي، ومنشورات مركز دراسات فلسفة الدين، التي اعتنت بالفكر الكلامي والدرس الفلسفي.
ولعل كتاباته كانت سبباً في إقبالي على كتب العلامة الفيلسوف طه عبد الرحمن، فكانت كتبه مدخلا لكتب الأخير، كانت البداية مع كتاب طه عبد الرحمن في أصول الحوار وتجديد علم الكلام..إلى أن أسفرت عن كتابي "سؤال الدين في الغرب الاسلامي بين مشروعي طه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري".
لم يهدني أحد إلى كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" سوى الله جل جلاله، فهو الوحيد الذي يعرف ما أشعر به تجاه الكتاب اليوم، وهو الوحيد الذي يعرف طبيعة الكتب التي من شأنها أن تروي الظمأ الانطولوجي في فكري ووجداني..
لما رمقت عيني الكتاب، وقلبت صفحاته الاولى، لأشم منه عبق العلم والعرفان . لم أساوم الكتبي كما هي عادتي في مباشرة طقوس القراءة. اشتريته فرحاً مسروراً، لتبدأ رحلة الابحار في ملكوت معارفه، وتجارب مؤلف الكتاب الوجدانية والمعرفية.
لا أخفي على سيادتكم أن الكتاب لامس شيئا من فكري ووجداني، وكأنه يتكلم عن تجربتي.
قليلة هي الكتب، التي تستطيع أن تفعل بالانسان أثراً هو أكثر من فعل السحر على المسحور.
كما أسلفت؛ لم أسمع بالكتاب من قبل، ولا سمعت بنقاده الكثر، ويطيب لي أن أنخرط في سلك كوكبة النقاد الأماجد، الذين نقدوا الكتاب، وأبدوا مشاعرهم نحوه.
قبل ذلك، لابد أن أهمس في أذن أصدقائي: أن حبي للكتاب وشخصية الكاتب، لاتعني اتفاقي مع كل آرائه.
لوفعلت لأغضبت نفسي، وأغضبت الدكتور عبد الجبار الرفاعي، فانا امرؤ يكره التقليد وينفر منه، بل أنا رجل يكره المقلدة كرهاً معرفياً إلى أبعد حدود، فجناية التقليد على العقل، أشد من جناية الجماعات المتوحشة على الانسانية والاسلام.
الدكتور عبد الجبار الرفاعي ممن يكره التقليد والاجترار، وحبه للنقد العلمي البناء يفوق كل حب. يصف الرفاعي النقد بقوله: "يهمني النقد، لأن تفكيري يخصبه ويثريه النقد .. النقد للتفكير كالأوكسجين للكائن الحي، إذ لا حياة للتفكير الحي من دون نقد .. وان كان يسود ثقافتنا تخويف من النقد، بوصفه هدماً وتقويضاً، كما ننعته على الدوام، وربما يتحوّل التخويف أحيانا إلى تخوين، من دون أن نعرف أن النقد هو الذي يبعث الروح في التفكير، وهو ما يكفل انبعاثه بعد موته، وتجديده بعد تبديده .. بتوقف النقد ينغلق العقل، ويتحجر التفكير، بل يمسي التفكير ضداً للتفكير".
النقد الذي أبديته لفضيلة الدكتور الرفاعي، يتعلق برأيه في شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله، فقد حمّل تراثه كل الممارسات المكرسة لظاهرة التوحش والعنف الديني.
يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي:
"لم يزل تراث ابن تيمية وسواه حاضراً فاعلاً مؤثراً، عبر دراسته وتدريسه، وتبني آثاره في البحث والكتابة والمناظرة، واتخاذه مرجعية للتقليد في التدين والسلوك... لا تغيب آثاره عن الكثير من المدارس والمعاهد والكليات المتخصصة بالشريعة والدراسات الاسلامية، سواء كانت تقليدية أو حديثة.. ولم يجرؤ معظم الباحثين في الاسلام المعاصر على الاشارة إلى ما ينبعث من آثاره من تكفير المختلف عقائديا وفكريا، والتنبيه إلى أن تراثه منجم معظم ما تشبعت به أدبيات الجماعة الاسلامية من السموم. بل تحمس بعض المفكرين في بلادنا العربية بالاعلان عن ضرورة العودة إليه، بوصفه أهم مفكر وفقيه ظهر في تاريخ الاسلام، وأي محاولة تقفز عليه أو تتخطاه، إنما تغامر بفقدانها أصالتها وافتقارها لتمثيل الامة والاسلام وحضارته". كتاب: "الدين والظمأ الأنطولوجي". ص157.
هذا هو النص الذي يمكن أن أجعله موطنا للنقد والنظر.. ليس دفاعا عن ابن تيمية بقدر ما هو دفاع عن حقوق المعرفة.. فمن حقوق العلماء علينا، أن ندب عنهم وننصفهم، أيا كانت وجهتهم الدينية والعقائدية. فهذا من العدل الذي تعبدنا القرآن به أكثر من غيره.. (إن الله يأمر بالعدل والاحسان)..النحل.
هناك جانب مشرق في تراث ابن تيمية حجبت أنواره الخصومات الكلامية والعقائدية التي خاضها ابن تيمية على جبهات متعددة:
فهو فيلسوف ناقد لآراء ابن رشد والفارابي والغزالي ..بل ناقد لأرسطو وافلاطون.
وهو منطقي حين يذكر المنطق باعتباره مقدمة للفلسفة والعلوم كلها.
بقلم: د. حمزة النهيري
شرفني فضيلة الدكتور العلامة عبد الجبار الرفاعي حفظه الله، بمراسلة شخصية على الخاص، أعرب فيها فضيلته عن امتنانه واهتمامه بما كتبته من منشور، ينوه بكتابه: "الدين والظمأ الأنطولوجي".
وأحب أن أقول لفضيلته: إن كتابكم أسمى من أن يحظى بإعجاب باحث مغمور مثلي، له قصة طويلة مع الكتاب، ربما تروى لاحقا بحول الله.. ولكن كتابكم الرائع، أحسب أنه قد نفخ فيه من روح الجمال والجلال، فأضحى مضيئاً بهذه الأنوار.
تعود معرفتي بفضيلة الدكتور عبد الجبار الرفاعي إلى مرحلة ماقبل الماجستير والدكتوراه. فقد عرفته من خلال منشورات دار الهادي، ومنشورات مركز دراسات فلسفة الدين، التي اعتنت بالفكر الكلامي والدرس الفلسفي.
ولعل كتاباته كانت سبباً في إقبالي على كتب العلامة الفيلسوف طه عبد الرحمن، فكانت كتبه مدخلا لكتب الأخير، كانت البداية مع كتاب طه عبد الرحمن في أصول الحوار وتجديد علم الكلام..إلى أن أسفرت عن كتابي "سؤال الدين في الغرب الاسلامي بين مشروعي طه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري".
لم يهدني أحد إلى كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" سوى الله جل جلاله، فهو الوحيد الذي يعرف ما أشعر به تجاه الكتاب اليوم، وهو الوحيد الذي يعرف طبيعة الكتب التي من شأنها أن تروي الظمأ الانطولوجي في فكري ووجداني..
لما رمقت عيني الكتاب، وقلبت صفحاته الاولى، لأشم منه عبق العلم والعرفان . لم أساوم الكتبي كما هي عادتي في مباشرة طقوس القراءة. اشتريته فرحاً مسروراً، لتبدأ رحلة الابحار في ملكوت معارفه، وتجارب مؤلف الكتاب الوجدانية والمعرفية.
لا أخفي على سيادتكم أن الكتاب لامس شيئا من فكري ووجداني، وكأنه يتكلم عن تجربتي.
قليلة هي الكتب، التي تستطيع أن تفعل بالانسان أثراً هو أكثر من فعل السحر على المسحور.
كما أسلفت؛ لم أسمع بالكتاب من قبل، ولا سمعت بنقاده الكثر، ويطيب لي أن أنخرط في سلك كوكبة النقاد الأماجد، الذين نقدوا الكتاب، وأبدوا مشاعرهم نحوه.
قبل ذلك، لابد أن أهمس في أذن أصدقائي: أن حبي للكتاب وشخصية الكاتب، لاتعني اتفاقي مع كل آرائه.
لوفعلت لأغضبت نفسي، وأغضبت الدكتور عبد الجبار الرفاعي، فانا امرؤ يكره التقليد وينفر منه، بل أنا رجل يكره المقلدة كرهاً معرفياً إلى أبعد حدود، فجناية التقليد على العقل، أشد من جناية الجماعات المتوحشة على الانسانية والاسلام.
الدكتور عبد الجبار الرفاعي ممن يكره التقليد والاجترار، وحبه للنقد العلمي البناء يفوق كل حب. يصف الرفاعي النقد بقوله: "يهمني النقد، لأن تفكيري يخصبه ويثريه النقد .. النقد للتفكير كالأوكسجين للكائن الحي، إذ لا حياة للتفكير الحي من دون نقد .. وان كان يسود ثقافتنا تخويف من النقد، بوصفه هدماً وتقويضاً، كما ننعته على الدوام، وربما يتحوّل التخويف أحيانا إلى تخوين، من دون أن نعرف أن النقد هو الذي يبعث الروح في التفكير، وهو ما يكفل انبعاثه بعد موته، وتجديده بعد تبديده .. بتوقف النقد ينغلق العقل، ويتحجر التفكير، بل يمسي التفكير ضداً للتفكير".
النقد الذي أبديته لفضيلة الدكتور الرفاعي، يتعلق برأيه في شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله، فقد حمّل تراثه كل الممارسات المكرسة لظاهرة التوحش والعنف الديني.
يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي:
"لم يزل تراث ابن تيمية وسواه حاضراً فاعلاً مؤثراً، عبر دراسته وتدريسه، وتبني آثاره في البحث والكتابة والمناظرة، واتخاذه مرجعية للتقليد في التدين والسلوك... لا تغيب آثاره عن الكثير من المدارس والمعاهد والكليات المتخصصة بالشريعة والدراسات الاسلامية، سواء كانت تقليدية أو حديثة.. ولم يجرؤ معظم الباحثين في الاسلام المعاصر على الاشارة إلى ما ينبعث من آثاره من تكفير المختلف عقائديا وفكريا، والتنبيه إلى أن تراثه منجم معظم ما تشبعت به أدبيات الجماعة الاسلامية من السموم. بل تحمس بعض المفكرين في بلادنا العربية بالاعلان عن ضرورة العودة إليه، بوصفه أهم مفكر وفقيه ظهر في تاريخ الاسلام، وأي محاولة تقفز عليه أو تتخطاه، إنما تغامر بفقدانها أصالتها وافتقارها لتمثيل الامة والاسلام وحضارته". كتاب: "الدين والظمأ الأنطولوجي". ص157.
هذا هو النص الذي يمكن أن أجعله موطنا للنقد والنظر.. ليس دفاعا عن ابن تيمية بقدر ما هو دفاع عن حقوق المعرفة.. فمن حقوق العلماء علينا، أن ندب عنهم وننصفهم، أيا كانت وجهتهم الدينية والعقائدية. فهذا من العدل الذي تعبدنا القرآن به أكثر من غيره.. (إن الله يأمر بالعدل والاحسان)..النحل.
هناك جانب مشرق في تراث ابن تيمية حجبت أنواره الخصومات الكلامية والعقائدية التي خاضها ابن تيمية على جبهات متعددة:
فهو فيلسوف ناقد لآراء ابن رشد والفارابي والغزالي ..بل ناقد لأرسطو وافلاطون.
وهو منطقي حين يذكر المنطق باعتباره مقدمة للفلسفة والعلوم كلها.
وكتابه "الرد على المنطقيين" شاهد بذلك، بل إن مقولاته النقدية لم يتجاوزها الشيخ علي آل كاشف الغطاء في "نقد الآراء المنطقية"، ولا السيد محمد حسين الطباطبائي وغيرهما من علماء الشيعة المناطقة.
فقد عرف التيار الشيعي عند المدرسة السنية باهتمامه الشديد بدروس المنطق والحكمة.
وهو فقيه مجتهد حين يذكر الاجتهاد والفقه، ومحدث ناقد للمتون حين تذكر الاسانيد والعلل.
وهو مورخ ومستشرف لأحداث المستقبل كما تمليه السنن الكونية موازاة مع السنن التشريعية.
هذا الجانب المشرق المتمثل في زهده وورعه وتعبده لله تعالى بشكل لا يذكرإلا عند العباد و الزهاد الكبار.
وقد سطر الامام عماد الدين الواسطي شيئا من سيرته في رسالته الواسطية..وقد كان صاحب العماديات شيخا صوفيا و تلميذا لابن تيمية رغم أنه أسن منه .. ومع كونه شيخاً للطائفة الرفاعية، عارفاً بكتب ابن عربي، والكتابة الصوفية بمختلف أطيافها..فقد ذكره بأوصاف عظيمة لعلها تبرز الوجه العرفاني والمشرق لهذه الشخصية العلمية العظيمة.
وبعد..
لقد سررت كثيرا بمقال الدكتور عبد الجبار الرفاعي الموسوم: "لكل من الدين والفن والعلم سياقاته الخاصة"، وهو مقال رد فيه على نقود الدكتور ناظم عودة لكتابه، حيث اشار فيه إلى ضرورة مراعاة السياق في كل خطاب ومثاقفة .. ومنها سياق الدين من الوجهة الانطولوجية كما عبر عنها الكتاب.
يمكن أن أقول للدكتور الرفاعي: نفس الامر ينبغي مراعاته في تراث ابن تيمية، فابن تيمية جاء في عصر هجمة المغول على بغداد ودمشق، ورحيله من حران صغيراً مع أبيه، جراء وحشية المغول، وترسخ ثقافة التقليد في المجتمع، وثقافة الاستبداد والظلم، كان حافزاً لهذا الرجل أن يمارس المعرفة من جهات متعددة...من الفقه إلى الفلسفة مرورا بالعرفان.
يكفي أن الرجل توفي في سجن القلعة بعد أن ختم القرآن، مترنما مرات عديدة، نادماً عن انصرافه المعرفي نحو تفسير القرآن.
وهو الذي فسر القرآن مرتين، وعمره 18 سنة، وكتب كتابه العظيم "تفسير آيات أشكلت"، إذ كان رأيه أن كتب التفسير طافحة بالمكرر والاسرائيليات.
لقد كان ابن تيمية مفتيا للحنابلة وعمره 18 وكان شيخ الحنابلة يفتخر بوجود مثله.
فالسياق يقتضي مراعاة تطوره الفكري، فهو قاض وفقيه وفيلسوف.
لقد كان القرافي من أوائل الناس الذين اشتغلوا ببيان تصرفات النبي عليه الصلاة والسلام وتنوعها.
وهكذا ينبغي أن ننظر في كل فكر حينما ينسب لصاحبه.
قدرة ابن تيمية على أسلمة المعرفة تحتاج إلى وقفات...اشرت إلى بعضها من خلال حكاية البالسي 718 هجرية عنه.
ابن تيمية غير مسؤول عما تقوم به الجماعات المتطرفة، ومن الظلم تحميله وزر كل عمل مشين تقوم به هذه الحركات.
يكفي أن أشير إلى رسائل ابن تيمية في بيان علة قتال الكفار، وأنها لأجل الحرابة لا لأجل الكفر.
رأيه في رجوعه عن تكفير غلاة الشيعة والطوائف المنحرفة عقائديا.. رأيه المعتدل في المعتزلة.. إلى غير ذلك من الآراء التي تراكمت من خلال تجربته وحياته التي مازجت بين السياسة والفقه والعرفان والحكمة.
أخيرا أحب أن أختم بما سطرته من باب الانصاف والعدل لهذا الرجل، إذ يقول الدكتور عبدالجبار الرفاعي: "أتحدث عن ابن تيمية، ليس بوصفه متفرداً في ذلك، فإن مدونة علم الكلام والفقه في الاسلام لدى كافة الفرق والمذاهب لا تخلو من تلك المعتقدات والفتاوى".
ختاما:
يبقى كتاب الدين والظما الانطولوجي أكبر هدية جعلها الله للمفكرين والانسانية.
فقد عرف التيار الشيعي عند المدرسة السنية باهتمامه الشديد بدروس المنطق والحكمة.
وهو فقيه مجتهد حين يذكر الاجتهاد والفقه، ومحدث ناقد للمتون حين تذكر الاسانيد والعلل.
وهو مورخ ومستشرف لأحداث المستقبل كما تمليه السنن الكونية موازاة مع السنن التشريعية.
هذا الجانب المشرق المتمثل في زهده وورعه وتعبده لله تعالى بشكل لا يذكرإلا عند العباد و الزهاد الكبار.
وقد سطر الامام عماد الدين الواسطي شيئا من سيرته في رسالته الواسطية..وقد كان صاحب العماديات شيخا صوفيا و تلميذا لابن تيمية رغم أنه أسن منه .. ومع كونه شيخاً للطائفة الرفاعية، عارفاً بكتب ابن عربي، والكتابة الصوفية بمختلف أطيافها..فقد ذكره بأوصاف عظيمة لعلها تبرز الوجه العرفاني والمشرق لهذه الشخصية العلمية العظيمة.
وبعد..
لقد سررت كثيرا بمقال الدكتور عبد الجبار الرفاعي الموسوم: "لكل من الدين والفن والعلم سياقاته الخاصة"، وهو مقال رد فيه على نقود الدكتور ناظم عودة لكتابه، حيث اشار فيه إلى ضرورة مراعاة السياق في كل خطاب ومثاقفة .. ومنها سياق الدين من الوجهة الانطولوجية كما عبر عنها الكتاب.
يمكن أن أقول للدكتور الرفاعي: نفس الامر ينبغي مراعاته في تراث ابن تيمية، فابن تيمية جاء في عصر هجمة المغول على بغداد ودمشق، ورحيله من حران صغيراً مع أبيه، جراء وحشية المغول، وترسخ ثقافة التقليد في المجتمع، وثقافة الاستبداد والظلم، كان حافزاً لهذا الرجل أن يمارس المعرفة من جهات متعددة...من الفقه إلى الفلسفة مرورا بالعرفان.
يكفي أن الرجل توفي في سجن القلعة بعد أن ختم القرآن، مترنما مرات عديدة، نادماً عن انصرافه المعرفي نحو تفسير القرآن.
وهو الذي فسر القرآن مرتين، وعمره 18 سنة، وكتب كتابه العظيم "تفسير آيات أشكلت"، إذ كان رأيه أن كتب التفسير طافحة بالمكرر والاسرائيليات.
لقد كان ابن تيمية مفتيا للحنابلة وعمره 18 وكان شيخ الحنابلة يفتخر بوجود مثله.
فالسياق يقتضي مراعاة تطوره الفكري، فهو قاض وفقيه وفيلسوف.
لقد كان القرافي من أوائل الناس الذين اشتغلوا ببيان تصرفات النبي عليه الصلاة والسلام وتنوعها.
وهكذا ينبغي أن ننظر في كل فكر حينما ينسب لصاحبه.
قدرة ابن تيمية على أسلمة المعرفة تحتاج إلى وقفات...اشرت إلى بعضها من خلال حكاية البالسي 718 هجرية عنه.
ابن تيمية غير مسؤول عما تقوم به الجماعات المتطرفة، ومن الظلم تحميله وزر كل عمل مشين تقوم به هذه الحركات.
يكفي أن أشير إلى رسائل ابن تيمية في بيان علة قتال الكفار، وأنها لأجل الحرابة لا لأجل الكفر.
رأيه في رجوعه عن تكفير غلاة الشيعة والطوائف المنحرفة عقائديا.. رأيه المعتدل في المعتزلة.. إلى غير ذلك من الآراء التي تراكمت من خلال تجربته وحياته التي مازجت بين السياسة والفقه والعرفان والحكمة.
أخيرا أحب أن أختم بما سطرته من باب الانصاف والعدل لهذا الرجل، إذ يقول الدكتور عبدالجبار الرفاعي: "أتحدث عن ابن تيمية، ليس بوصفه متفرداً في ذلك، فإن مدونة علم الكلام والفقه في الاسلام لدى كافة الفرق والمذاهب لا تخلو من تلك المعتقدات والفتاوى".
ختاما:
يبقى كتاب الدين والظما الانطولوجي أكبر هدية جعلها الله للمفكرين والانسانية.
محيي الدين بن عربي: من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن (1 ـ2)
http://www.islammaghribi.com/2018/12/20/محيي-الدين-بن-عربي-من-عنف-الأسماء-إلى-ن-2/
http://www.islammaghribi.com/2018/12/20/محيي-الدين-بن-عربي-من-عنف-الأسماء-إلى-ن-2/
لا يمكن استئناف تراث المتصوّفة كما هو في عالمنا اليوم
د. عبد الجبار الرفاعي
وجدتُ هذا الكتابَ يحاولُ أن يعيد قراءةَ نصوص الشيخ محيي الدين في سياق مختلف، وكأننا معًا نفكر بطريقة متقاربة، فأنا أيضًا منذ ثلاثين عامًا ضقتُ بـ "تحجير" اللاهوت الصراطي للرحمة الإلهية، لذلك عملتُ على إعادة قراءة بعض نصوص التصوّف الفلسفي، وفي مقدمتها أعمال ابن عربي، من أجل بناء رؤيةٍ للتوحيد لا تكرّر رؤيةَ المتكلمين، ولأول مرة أنشر نموذجًا لتفكيري هذا قبل سنة، على الرغم من أن بذورَ الفكرة توالدتْ في ذهني قبل أكثر من ربع قرن، وتطورتْ ونضجتْ قبل سنوات حتى ارتسمت في ذهني ملامحُ صورتها الكاملة، لكن الإعلانَ عنها تأخّر إلى العام الماضي عندما نشرتُ صورةً أوليةً لها في مقالة، ثم شرحتُها بتفصيلٍ أكثر وتنويعاتٍ أشمل في كتابي الجديد: "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، الذي صدر أخيرًا ببيروت.
فقد تناولتُ في أحد فصوله كيف تخفق الرؤيةُ التوحيديةُ للمتكلمين في رسم ملامح الصورة القرآنية لله، وكيف تمكّن محيي الدين بنُ عربي وبعضُ أعلام التصوّف الفلسفي من بناء رؤيةٍ توحيديةٍ تضيء الملامحَ التي يرسمها القرآنُ لصورةِ الله، ويتطلب اكتشافها قراءة تغور في طبقات المعنى المكتنز فيه. كذلك تحدّثتُ في فصل آخر عن الرحمة الإلهية بوصفها مفتاحًا دلاليًّا لفهم المنطق الذاتي للقرآن، بوصف الرحمة تهيمنُ على مضمونه وتتحكمُ بتوجيه بوصلة دلالاته. وكيف كان الشيخ الأكبر وفيًّا للقرآن في بناء صورة الله، فصاغ رؤيتَه التوحيديةَ في قراءة أخرى لآياته، قراءة تخرج على القراءة الحرفية للآيات، وتبرع في عبور القشرة اللفظية للكلمات التي لم يغادرها أكثرُ المفسّرين إلى خزائن القرآن وجواهره. ولا يمتلك مفاتيحَ خزائن القرآن إلّا من يمتلكُ موهبةً استثنائية وبصيرةً روحية كموهبة وبصيرة الشيخ الأكبر. وذلك ما ألمح إليه الشيخُ بقوله: "فجميع ما نتكلم فيه في مجالسي وتصانيفي إنما هو من حضرة القرآن وخزائنه".
قرأتُ كتابَ الديري بشغف، وأمتعتني قراءتُه، ولا أشكّ في أني تعلمتُ منه مثلما تعلمتُ قبله من كتابات مماثلة، فالأثرُ الجميلُ الذي أطالعه أعيش معه أحيانًا وكأني أتذوّق مائدةً شهيةً بعد جوع شديد. أكثرُ الكتابات التي أتذوّقها هي ما تكون مرآةً أرى فيها ملامحَ من صورتي، وأستمع فيها إلى نغم من صوتي، وأقرأ فيها شيئًا من مفاهيمي، وتعكس آفاقَ رؤيتي للعالم. لقد كنتُ مع هذا الكتاب كأني ومؤلفَه نعزف معًا لحنًا على قيثارة واحدة، لحنًا جميلًا لا نسمع فيه إلّا نداءَ الأرواح.
إن المنجز الأهم للشيخ الأكبر وكل أعلام التصوف الفلسفي تمثل في انتاج رؤية للتوحيد تحدد للدين وظيفته كحاجة وجودية لن تستغني عنها هوية الكائن البشري بوصفه موجودًا، ولن يكون هذا الكائن قادرًا على اشباعها إلّا عبر الصلة الوجودية بالحق، هذه الصلة التي تظهر بأنماط متنوعة تتنوع بتنوع الأديان. ولم يفكّر ابنُ عربي أو غيره من متصوفة الإسلام في وضع الدولة تحت وصاية الدين كما فعلت جماعاتُ الإسلام السياسي، أو وضع الدين تحت وصاية الدولة كما فعل فقهاء السلطان. كما شدد الشيخُ محيي الدين بن عربي على أن الطاقةَ الروحية للدين تكمنُ في فاعليته وأثره الكبير بتفجيرِ قدراتٍ كامنةٍ لروح الكائن البشري، وبعثِ وترسيخِ إرادته، بشكلٍ لا يتأتى للعقل وحده فعلُ كلّ ذلك، ويحقق الدينُ ذلك لما يتلفّع به من سحرٍ ميتافيزيقي. ويعود الفضل إليه في الكشف عن تنويعات هذا السحر الميتافيزيقي للدين، وبيان الحياة الروحية والقيم الأخلاقية في القرآن الكريم، وانقاذ المعرفة الدينية من تقنينات المتكلمين والفقهاء الصارمة، وما تنتجه تلك التقنينات من سلطة معرفية وتسلط يبدّد الطاقة المعنوية للدين ويطفئ جذوتَه الخلاقة.
لم ينشغل محيي الدين بنُ عربي ببناء نظرية للثورة انطلاقًا من العقيدة، كما فعل لاهوتُ التحرير في الكنيسة، ومن قلده واقتفى أثره في عالم الإسلام، المولع بتحويل الإسلام إلى أيديولوجيا للنضال والمقاومة المسلحة، وانما أعادَ الشيخُ الأكبر الدينَ إلى مجاله الروحي والأخلاقي، واهتم ببناء رؤيةٍ توحيدية لا تستنسخ الرؤيةَ التوحيديةَ للمتكلمين بفرقهم المختلفة. لم تُكره هذه الرؤيةُ المختلفَ في المعتقد على اعتناق دينها، ولم تفرض عليه نمطَ اعتقادها. وقدمت فهمًا عميقًا للتنوع في الاعتقاد بوصفه تنوعًا لصورِ الله في مختلف الأديان، وانعكاسًا لتجليات أسمائه وصفاته المتنوعة في العالم.
د. عبد الجبار الرفاعي
وجدتُ هذا الكتابَ يحاولُ أن يعيد قراءةَ نصوص الشيخ محيي الدين في سياق مختلف، وكأننا معًا نفكر بطريقة متقاربة، فأنا أيضًا منذ ثلاثين عامًا ضقتُ بـ "تحجير" اللاهوت الصراطي للرحمة الإلهية، لذلك عملتُ على إعادة قراءة بعض نصوص التصوّف الفلسفي، وفي مقدمتها أعمال ابن عربي، من أجل بناء رؤيةٍ للتوحيد لا تكرّر رؤيةَ المتكلمين، ولأول مرة أنشر نموذجًا لتفكيري هذا قبل سنة، على الرغم من أن بذورَ الفكرة توالدتْ في ذهني قبل أكثر من ربع قرن، وتطورتْ ونضجتْ قبل سنوات حتى ارتسمت في ذهني ملامحُ صورتها الكاملة، لكن الإعلانَ عنها تأخّر إلى العام الماضي عندما نشرتُ صورةً أوليةً لها في مقالة، ثم شرحتُها بتفصيلٍ أكثر وتنويعاتٍ أشمل في كتابي الجديد: "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، الذي صدر أخيرًا ببيروت.
فقد تناولتُ في أحد فصوله كيف تخفق الرؤيةُ التوحيديةُ للمتكلمين في رسم ملامح الصورة القرآنية لله، وكيف تمكّن محيي الدين بنُ عربي وبعضُ أعلام التصوّف الفلسفي من بناء رؤيةٍ توحيديةٍ تضيء الملامحَ التي يرسمها القرآنُ لصورةِ الله، ويتطلب اكتشافها قراءة تغور في طبقات المعنى المكتنز فيه. كذلك تحدّثتُ في فصل آخر عن الرحمة الإلهية بوصفها مفتاحًا دلاليًّا لفهم المنطق الذاتي للقرآن، بوصف الرحمة تهيمنُ على مضمونه وتتحكمُ بتوجيه بوصلة دلالاته. وكيف كان الشيخ الأكبر وفيًّا للقرآن في بناء صورة الله، فصاغ رؤيتَه التوحيديةَ في قراءة أخرى لآياته، قراءة تخرج على القراءة الحرفية للآيات، وتبرع في عبور القشرة اللفظية للكلمات التي لم يغادرها أكثرُ المفسّرين إلى خزائن القرآن وجواهره. ولا يمتلك مفاتيحَ خزائن القرآن إلّا من يمتلكُ موهبةً استثنائية وبصيرةً روحية كموهبة وبصيرة الشيخ الأكبر. وذلك ما ألمح إليه الشيخُ بقوله: "فجميع ما نتكلم فيه في مجالسي وتصانيفي إنما هو من حضرة القرآن وخزائنه".
قرأتُ كتابَ الديري بشغف، وأمتعتني قراءتُه، ولا أشكّ في أني تعلمتُ منه مثلما تعلمتُ قبله من كتابات مماثلة، فالأثرُ الجميلُ الذي أطالعه أعيش معه أحيانًا وكأني أتذوّق مائدةً شهيةً بعد جوع شديد. أكثرُ الكتابات التي أتذوّقها هي ما تكون مرآةً أرى فيها ملامحَ من صورتي، وأستمع فيها إلى نغم من صوتي، وأقرأ فيها شيئًا من مفاهيمي، وتعكس آفاقَ رؤيتي للعالم. لقد كنتُ مع هذا الكتاب كأني ومؤلفَه نعزف معًا لحنًا على قيثارة واحدة، لحنًا جميلًا لا نسمع فيه إلّا نداءَ الأرواح.
إن المنجز الأهم للشيخ الأكبر وكل أعلام التصوف الفلسفي تمثل في انتاج رؤية للتوحيد تحدد للدين وظيفته كحاجة وجودية لن تستغني عنها هوية الكائن البشري بوصفه موجودًا، ولن يكون هذا الكائن قادرًا على اشباعها إلّا عبر الصلة الوجودية بالحق، هذه الصلة التي تظهر بأنماط متنوعة تتنوع بتنوع الأديان. ولم يفكّر ابنُ عربي أو غيره من متصوفة الإسلام في وضع الدولة تحت وصاية الدين كما فعلت جماعاتُ الإسلام السياسي، أو وضع الدين تحت وصاية الدولة كما فعل فقهاء السلطان. كما شدد الشيخُ محيي الدين بن عربي على أن الطاقةَ الروحية للدين تكمنُ في فاعليته وأثره الكبير بتفجيرِ قدراتٍ كامنةٍ لروح الكائن البشري، وبعثِ وترسيخِ إرادته، بشكلٍ لا يتأتى للعقل وحده فعلُ كلّ ذلك، ويحقق الدينُ ذلك لما يتلفّع به من سحرٍ ميتافيزيقي. ويعود الفضل إليه في الكشف عن تنويعات هذا السحر الميتافيزيقي للدين، وبيان الحياة الروحية والقيم الأخلاقية في القرآن الكريم، وانقاذ المعرفة الدينية من تقنينات المتكلمين والفقهاء الصارمة، وما تنتجه تلك التقنينات من سلطة معرفية وتسلط يبدّد الطاقة المعنوية للدين ويطفئ جذوتَه الخلاقة.
لم ينشغل محيي الدين بنُ عربي ببناء نظرية للثورة انطلاقًا من العقيدة، كما فعل لاهوتُ التحرير في الكنيسة، ومن قلده واقتفى أثره في عالم الإسلام، المولع بتحويل الإسلام إلى أيديولوجيا للنضال والمقاومة المسلحة، وانما أعادَ الشيخُ الأكبر الدينَ إلى مجاله الروحي والأخلاقي، واهتم ببناء رؤيةٍ توحيدية لا تستنسخ الرؤيةَ التوحيديةَ للمتكلمين بفرقهم المختلفة. لم تُكره هذه الرؤيةُ المختلفَ في المعتقد على اعتناق دينها، ولم تفرض عليه نمطَ اعتقادها. وقدمت فهمًا عميقًا للتنوع في الاعتقاد بوصفه تنوعًا لصورِ الله في مختلف الأديان، وانعكاسًا لتجليات أسمائه وصفاته المتنوعة في العالم.
من مدونة علم الكلام والفقه تمكنت جماعاتُ الإسلام السياسي اشتقاق فهمٍ للدين يختزلُ كلَّ أهدافه في إنتاجِ دولة دينية، وفقًا لقراءة "كلامية فقهية"، وتفسيرٍ سياسي لنصوصه، لكن لم تسمح مدونةُ التصوّف الفلسفي والرؤيةُ للعالم التي رسمها ابنُ عربي ومن ترسّم نهجَه بذلك، لأنها اهتمت بالكشف عن الأبعادِ الغيبيةِ المتنوعة للدين، وتمحور بحثُها حول ايقاظ سحره الميتافيزيقي. لذلك لم تعثر الأدبياتُ التي أنتجتْها جماعاتُ الإسلام السياسي على رافدٍ يغذّي مراميها في هذه المدونة، فخاصمتْها وتعاطتْ معها بتجاهلٍ وفهمٍ مبتذل ساذج، وحثّتْ أتباعَها على الابتعاد عنها، إلّا أنها عثرتْ في مدونة علم الكلام والفقه على ما تنشده من أحلام تأسيس دولة دينية "كلامية فقهية"، تنفي المختلفَ في الدين، ولا تسمح بحرية الضمير الديني، وتسوّغ إعلانَ التفوق على أصحاب المعتقدات الأخرى، وتشرّع للتعاملِ معهم "أحكامَ أهل الذمة" التي هي على الضد من حق كل مواطن في الاعتقاد، وتفرض على مواطنيها من غير المسلمين التزاماتٍ وواجباتٍ تختص بهم، لا تُفرض على غيرهم من المواطنين المسلمين، ورأت من حقها أن تعلن الحربَ على آخرين وتسوّغ قتلَهم، إن كانوا من غير ذوي الذمة.
وأودّ تذكيرَ الصديق علي الديري وكلَّ من يهتمّ بالكشف عن القيم الروحية والأخلاقية والجمالية المُلهِمة في ميراث المتصوّفة إلى أني نبهتُ أكثرَ من مرة إلى أن تراثَ التصوّف سيفٌ ذو حدين، وذلك يفرض على الباحثِ أن يتنبه للثغراتِ في كتب المتصوّفة والوهنِ الذي يتغلغل في طياتها، وأن يتعاطى بيقظة مع آثارهم، فهي اجتهاداتٌ بشريةٌ وليست نصوصًا مقدّسة. وليعلم أن شيوخَ التصوّف بشرٌ تورّطَ مريدوهم في تقديسِ آرائهم وتوثينِ سلوكهم وتحويلِ شخصياتهم إلى أصنام. وتمادى المريدُ في سجن نفسه بعبوديةٍ طوعيةٍ لشيخه، وتعالتْ تعاليمُ الشيخ في وجدان الأتباع فصارت سجنًا لهم، بنحو صار المريدُ يرضخُ لها حدّ محو شخصيته ونسيان ذاته، وانتهت إلى تكبيلِهم وشلِّ حركتهم.
على الباحث في نصوص التصوّف أن ينتبه إلى أن تراثَ المتصوّفة لا يمكن استئنافُه كما هو في عالمنا اليوم، لأنه كأيّ تراث آخر صنعه البشرُ ينتمي للأفق التاريخي الذي وُلد فيه، وهو مرآةٌ للعصر الذي تكوّن فيه، إذ ترتسمُ في هذا التراث أحوالُ ذلك العصر ومختلفُ ملابساته. وهو تراثٌ يتضمن كثيرًا من المقولاتِ المناهِضة للعقل، والمفاهيمِ التي تعطّلُ إرادةَ الإنسان وتشلّ فاعليتَه، وتسلبه حريةَ العودة إلى عقله واستعمال تفكيره النقدي. وأن بعضَ أنماط التربية الروحية التي يعتمدها التصوّفُ العملي تسرف في ترويضِ الجسد، وتتنكّرُ للطبيعة البشرية، باعتمادِ أشكالٍ من الارتياض الذي يكون الجسدُ فيها ضحيةَ الجوعِ والسهرِ والبكاءِ والعزلةِ والصمتِ، فهذه الأساليب من أهمّ أركان تربية السالك لدى أغلبهم. ومثلُ هذا الارتياض العنيف طالما فرضَ على المتصوّف الانسحابَ من المجتمع والانطواءَ على الذات، وقد يفضي أيضًا إلى أمراض نفسية وحتى أخلاقية. لذلك ينبغي أن نتعاطى مع مفاهيم التصوّف بيقظة، وأن نحذر من تقليدِ أحدٍ من أعلام التصوّف في سلوكه أو نتقمص حياتَه الخاصة، وألا نقع في أسرِ أفكارِه مهما كان.
ومع كلِّ ذلك نقرأ في مؤلفات التصوّف الفلسفي ما لا نقرأه في غيرها من تراثنا، فهذه المؤلفات لا تفتقر إلى رؤًى يمكن أن تصير منطلقاتٍ لما يتطلبه عصرُنا من فهمٍ للدين ينبثق من رسمِ صورةٍ بديلةٍ لله، يضيئها السلامُ والحق والعدلُ والإحسانُ والرحمةُ والمحبةُ والجمالُ. ولا أظن أننا، خارج إشراقات صورة الله هذه، نستطيع أن ننتج تديّنًا يداوي جروحَ أرواح شبابنا الذين اختنقوا في تديّن متوحش، ويحمي مجتمعاتنا من القتل العبثي، وينقذ أوطاننا من الانهيار.
القسم الثاني من تقديمنا لكتاب: "لماذا نكفّر: ابن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن". تأليف: د. علي الديري. الكتاب تحت الطبع. نشرنا القسم الأول من التقديم قبل أيام، وكان بعنوان: محيي الدين بن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن.
http://www.almothaqaf.com/a/b8/933229
وأودّ تذكيرَ الصديق علي الديري وكلَّ من يهتمّ بالكشف عن القيم الروحية والأخلاقية والجمالية المُلهِمة في ميراث المتصوّفة إلى أني نبهتُ أكثرَ من مرة إلى أن تراثَ التصوّف سيفٌ ذو حدين، وذلك يفرض على الباحثِ أن يتنبه للثغراتِ في كتب المتصوّفة والوهنِ الذي يتغلغل في طياتها، وأن يتعاطى بيقظة مع آثارهم، فهي اجتهاداتٌ بشريةٌ وليست نصوصًا مقدّسة. وليعلم أن شيوخَ التصوّف بشرٌ تورّطَ مريدوهم في تقديسِ آرائهم وتوثينِ سلوكهم وتحويلِ شخصياتهم إلى أصنام. وتمادى المريدُ في سجن نفسه بعبوديةٍ طوعيةٍ لشيخه، وتعالتْ تعاليمُ الشيخ في وجدان الأتباع فصارت سجنًا لهم، بنحو صار المريدُ يرضخُ لها حدّ محو شخصيته ونسيان ذاته، وانتهت إلى تكبيلِهم وشلِّ حركتهم.
على الباحث في نصوص التصوّف أن ينتبه إلى أن تراثَ المتصوّفة لا يمكن استئنافُه كما هو في عالمنا اليوم، لأنه كأيّ تراث آخر صنعه البشرُ ينتمي للأفق التاريخي الذي وُلد فيه، وهو مرآةٌ للعصر الذي تكوّن فيه، إذ ترتسمُ في هذا التراث أحوالُ ذلك العصر ومختلفُ ملابساته. وهو تراثٌ يتضمن كثيرًا من المقولاتِ المناهِضة للعقل، والمفاهيمِ التي تعطّلُ إرادةَ الإنسان وتشلّ فاعليتَه، وتسلبه حريةَ العودة إلى عقله واستعمال تفكيره النقدي. وأن بعضَ أنماط التربية الروحية التي يعتمدها التصوّفُ العملي تسرف في ترويضِ الجسد، وتتنكّرُ للطبيعة البشرية، باعتمادِ أشكالٍ من الارتياض الذي يكون الجسدُ فيها ضحيةَ الجوعِ والسهرِ والبكاءِ والعزلةِ والصمتِ، فهذه الأساليب من أهمّ أركان تربية السالك لدى أغلبهم. ومثلُ هذا الارتياض العنيف طالما فرضَ على المتصوّف الانسحابَ من المجتمع والانطواءَ على الذات، وقد يفضي أيضًا إلى أمراض نفسية وحتى أخلاقية. لذلك ينبغي أن نتعاطى مع مفاهيم التصوّف بيقظة، وأن نحذر من تقليدِ أحدٍ من أعلام التصوّف في سلوكه أو نتقمص حياتَه الخاصة، وألا نقع في أسرِ أفكارِه مهما كان.
ومع كلِّ ذلك نقرأ في مؤلفات التصوّف الفلسفي ما لا نقرأه في غيرها من تراثنا، فهذه المؤلفات لا تفتقر إلى رؤًى يمكن أن تصير منطلقاتٍ لما يتطلبه عصرُنا من فهمٍ للدين ينبثق من رسمِ صورةٍ بديلةٍ لله، يضيئها السلامُ والحق والعدلُ والإحسانُ والرحمةُ والمحبةُ والجمالُ. ولا أظن أننا، خارج إشراقات صورة الله هذه، نستطيع أن ننتج تديّنًا يداوي جروحَ أرواح شبابنا الذين اختنقوا في تديّن متوحش، ويحمي مجتمعاتنا من القتل العبثي، وينقذ أوطاننا من الانهيار.
القسم الثاني من تقديمنا لكتاب: "لماذا نكفّر: ابن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن". تأليف: د. علي الديري. الكتاب تحت الطبع. نشرنا القسم الأول من التقديم قبل أيام، وكان بعنوان: محيي الدين بن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن.
http://www.almothaqaf.com/a/b8/933229
Almothaqaf
لا يمكن استئناف تراث المتصوّفة كما هو في عالمنا اليوم
المثقف، صحيفة ثقافية – سياسية، تصدر عن مؤسسة المثقف
تراثَ التصوّف سيفٌ ذو حدين
د. عبدالجبار الرفاعي
نبهتُ أكثرَ من مرة إلى أن تراثَ التصوّف سيفٌ ذو حدين، وذلك يفرض على الباحثِ أن يتنبه للثغراتِ في كتب المتصوّفة، والوهنِ الذي يتغلغل في طياتها، وأن يتعاطى بيقظة مع آثارهم، فهي اجتهاداتٌ بشريةٌ وليست نصوصًا مقدّسة. وليعلم أن شيوخَ التصوّف بشرٌ تورّطَ مريدوهم في تقديسِ آرائهم، وتوثينِ سلوكهم، وتحويلِ شخصياتهم إلى أصنام. وتمادى المريدُ في سجن نفسه بعبوديةٍ طوعيةٍ لشيخه، وتعالتْ تعاليمُ الشيخ في وجدان الأتباع فصارت سجنًا لهم، بنحو صار المريدُ يرضخُ لها حدّ محو شخصيته ونسيان ذاته، وانتهت إلى تكبيلِهم وشلِّ حركتهم... على الباحث في نصوص التصوّف أن ينتبه إلى أن تراثَ المتصوّفة لا يمكن استئنافُه كما هو في عالمنا اليوم، لأنه كأيّ تراث آخر صنعه البشرُ ينتمي للأفق التاريخي الذي وُلد فيه، وهو مرآةٌ للعصر الذي تكوّن فيه، إذ ترتسمُ في هذا التراث أحوالُ ذلك العصر ومختلفُ ملابساته. وهو تراثٌ يتضمن كثيرًا من المقولاتِ المناهِضة للعقل، والمفاهيمِ التي تعطّلُ إرادةَ الإنسان وتشلّ فاعليتَه، وتسلبه حريةَ العودة إلى عقله واستعمال تفكيره النقدي. وأن بعضَ أنماط التربية الروحية التي يعتمدها التصوّفُ العملي تسرف في ترويضِ الجسد، وتتنكّرُ للطبيعة البشرية، باعتمادِ أشكالٍ من الارتياض الذي يكون الجسدُ فيها ضحيةَ الجوعِ والسهرِ والبكاءِ والعزلةِ والصمتِ، فهذه الأساليب من أهمّ أركان تربية السالك لدى أغلبهم. ومثلُ هذا الارتياض العنيف طالما فرضَ على المتصوّف الانسحابَ من المجتمع والانطواءَ على الذات، وقد يفضي أيضًا إلى أمراض نفسية وحتى أخلاقية. لذلك ينبغي أن نتعاطى مع مفاهيم التصوّف بيقظة، وأن نحذر من تقليدِ أحدٍ من أعلام التصوّف في سلوكه، أو نتقمص حياتَه الخاصة، وألا نقع في أسرِ أفكارِه مهما كان.
د. عبدالجبار الرفاعي
نبهتُ أكثرَ من مرة إلى أن تراثَ التصوّف سيفٌ ذو حدين، وذلك يفرض على الباحثِ أن يتنبه للثغراتِ في كتب المتصوّفة، والوهنِ الذي يتغلغل في طياتها، وأن يتعاطى بيقظة مع آثارهم، فهي اجتهاداتٌ بشريةٌ وليست نصوصًا مقدّسة. وليعلم أن شيوخَ التصوّف بشرٌ تورّطَ مريدوهم في تقديسِ آرائهم، وتوثينِ سلوكهم، وتحويلِ شخصياتهم إلى أصنام. وتمادى المريدُ في سجن نفسه بعبوديةٍ طوعيةٍ لشيخه، وتعالتْ تعاليمُ الشيخ في وجدان الأتباع فصارت سجنًا لهم، بنحو صار المريدُ يرضخُ لها حدّ محو شخصيته ونسيان ذاته، وانتهت إلى تكبيلِهم وشلِّ حركتهم... على الباحث في نصوص التصوّف أن ينتبه إلى أن تراثَ المتصوّفة لا يمكن استئنافُه كما هو في عالمنا اليوم، لأنه كأيّ تراث آخر صنعه البشرُ ينتمي للأفق التاريخي الذي وُلد فيه، وهو مرآةٌ للعصر الذي تكوّن فيه، إذ ترتسمُ في هذا التراث أحوالُ ذلك العصر ومختلفُ ملابساته. وهو تراثٌ يتضمن كثيرًا من المقولاتِ المناهِضة للعقل، والمفاهيمِ التي تعطّلُ إرادةَ الإنسان وتشلّ فاعليتَه، وتسلبه حريةَ العودة إلى عقله واستعمال تفكيره النقدي. وأن بعضَ أنماط التربية الروحية التي يعتمدها التصوّفُ العملي تسرف في ترويضِ الجسد، وتتنكّرُ للطبيعة البشرية، باعتمادِ أشكالٍ من الارتياض الذي يكون الجسدُ فيها ضحيةَ الجوعِ والسهرِ والبكاءِ والعزلةِ والصمتِ، فهذه الأساليب من أهمّ أركان تربية السالك لدى أغلبهم. ومثلُ هذا الارتياض العنيف طالما فرضَ على المتصوّف الانسحابَ من المجتمع والانطواءَ على الذات، وقد يفضي أيضًا إلى أمراض نفسية وحتى أخلاقية. لذلك ينبغي أن نتعاطى مع مفاهيم التصوّف بيقظة، وأن نحذر من تقليدِ أحدٍ من أعلام التصوّف في سلوكه، أو نتقمص حياتَه الخاصة، وألا نقع في أسرِ أفكارِه مهما كان.
انتهى النموذجُ الذي صنعه التدين الشكلي الى المبالغة في التشديد على السلوك الظاهري للمتديّن، وأسرف كثيراً بالاهتمام بالشعائر والطقوس والاحتفالات الجماعية، وانشغلَ بشكلِ اللباس، ولغةِ الجسد، وتعبيراتِ الوجه، ونوعِ الحركة والمشي، ونبرة الصوت. ما دعى أكثرَ المتديّنين بهذا النمط من التديّن لصناعة جدارٍ سميك بين شخصيته الحقيقية في باطنه، وبين ما يُظهره للخارج من سلوك، وأفضى ذلك إلى انشطار الشخصية إلى كيانين: خارجي لا يشبه الداخلي، وداخلي لا يشبه الخارجي، وربما حاول البعضُ أن يظهر بملامح غامضة، بغية إخفاء شخصيته الباطنية وتلبيسها. وربما أسرف بعضٌ آخر بالتمثيل بغية إخفاء أكثر ملامح شخصيته، حتى صار ذلك الشخص لفرط التمثيل بلا ملامح. تعرفتُ في حياتي على شباب أصبحوا متدينين بهذا النمط من التدين، وعندما تدينوا افتقدوا بالتدريج الكثيرَ من وضوحهم وبساطتهم وعفويتهم وتلقائيتهم ومباشرتهم في التعبير عن أنفسهم. بعد أن فرضتْ عليهم بيئةُ التدين الشكلي محاكاتَها بكلّ ما يتفشى بها من تمثيل زائف... من كتابي: الدين والاغتراب الميتافيزيقي.
لا يولد السلامُ بين الأديان في فضاء الاعتقاد، بل يولد السلامُ بين الأديان في فضاء الإيمان، لأن المؤمنين في كلّ الأديان يستقون إيمانَهم من منبع مشترَك هو الحق، وإن تجلّى لكلّ منهم في صور تتنوّع بتنوّعِ دياناتِهم، وبصمةِ بيئاتهم، غير أنهم يعيشون التجاربَ الروحيةَ الملهِمةَ للطمأنينة والسكينة والسلام ذاتها. الإيمانُ حقيقة يتجلّى فيها جوهرُ الأديان، والأرضيةُ المشتركة التي تتوحّد في فضائها، والشلّالُ الملهِم للحياة الدينية فيها. لا يتخلّص الإنسانُ من نزاعات الأديان وحروبها إلّا في فضاء الإيمان. في الإيمان تلتقي الأديانُ وتتعايش وتأتلف، بعد أن تكتشف شفرةَ اللغة الروحية الواحدة المشتركة التي يتكلّم بها إيمانُها، وإن كانت في الاعتقاد تتكلّم لغاتٍ شتى لا تفقه كلٌّ منها الأخرى.
"نسيانُ الإنسان" ظاهرةٌ استبدّت في حقول عدة من تراثنا، نراها في الكثير مما أنجزه المحدّثون والمفسّرون والمتكلّمون والفقهاء وغيرُهم، وساعدتْ ظاهرةُ نسيان الإنسان على إنتاجِ قراءةٍ مُغلَقة للنصوص الدينية، لا تنفي الإنسانَ باسم الله فقط، بل تنفي الحياةَ باسم الآخرة، وتنفي العمرانَ البشري باسم الاستخلاف، وتنفي الذاتَ باسم التكليف، وتنفي الأخلاقَ باسم الفقه، وتنفي الحرياتِ باسم العبودية لله، وتنفي حقوقَ الإنسان باسم حقوق الله، وتمحو الصورةَ الروحانيةَ والأخلاقيةَ والجماليةَ لله باسم التمسك بدين السلف ومحاربة البدع والمستحدثات.
لكلِّ مجتمع ديانتُه ولغتُه وثقافتُه وتاريخُه وجغرافيتُه، لكن لا ينفرد كلُّ مجتمعٍ بقوانين تطوّره الخاصة. قوانينُ تطوّر المجتمعات كليةٌ لا يختصُّ بها مجتمعٌ دون سواه. المجتمعاتُ جميعًا تشتركُ في أنها تنمو وتراكم تجاربَها وتتطوّر لو توافرت عواملُ نهوضها، كما أنها تتخلفُ وتتدهور وتنهار لو لم تتخلّص من عوامل انهيارها. المجتمعاتُ كلُّها تسري عليها قوانينُ البناء والتطور ذاتُها، وتشتركُ في العناصر الأساسية التي يُنتجُ النهوضَ توافرُها والانهيارَ غيابُها.
منطقُ التاريخ وقوانينُه شاملة، لكنْ هناك شعور كامن في لاوعي كثيرين من الناس في مجتمعنا، بأنه استثناءٌ في حضارتِه وهويتِه ومعتقدِه وثقافتِه وتاريخِه، وكأن تاريخَه لا يخضع لما يخضع له تاريخُ المجتمعات من قوانين، وثقافتُه تتفوقُ على كلّ الثقافات، وتراثُه يختلفُ عن كلّ تراث، وهويتُه تنفرد بخصوصيات استثنائية. وظلّ الشعورُ بالخصوصية والاستثناء يغذّي الهويةَ باستمرار، حتى تصلّبتْ وانغلقتْ على نفسها، فبلغت حالةً تتخيّل فيها أنها مكتفيةٌ بذاتها، لأن كلَّ ما تحتاجه في حاضرها ومستقبلها يمدّها به ماضيها. تراثُها منجمٌ زاخرٌ بكلّ ما هو ضروري لكلّ عملية بناء ونهوض، وعلومُها ومعارفُها الموروثةُ تغنيها عن كلّ علم ومعرفة تبتكرها المجتمعاتُ الأخرى، وهي ليست بحاجة إلى استيراد ما أبدعه غيرُها، لأنه منتجٌ لمجتمع أجنبي، ينتهك خصوصيتَها، ويهدّد هويتَها، وتتغرّب به. وكانت أكثرُ أدبيات الجماعات القومية والدينية تغذّي هذا الشعور، وتلحّ على الإعلاءِ من مكانة التراث، والايحاءِ بأن بعثَه كما هو يكفل نهوضَ مجتمعنا، ولا حاجةَ للإفادة من علوم ومعارف وثقافات غريبة عنه. وقد بالغت هذه الجماعاتُ في التشديد على ثقافة الخصوصية والاستثناء، حتى انتهى ذلك إلى موقفٍ خائفٍ من كلّ ما ينتمي للآخر ومنجزاته وعلومه ومعارفه وثقافته.
منطقُ التاريخ وقوانينُه شاملة، لكنْ هناك شعور كامن في لاوعي كثيرين من الناس في مجتمعنا، بأنه استثناءٌ في حضارتِه وهويتِه ومعتقدِه وثقافتِه وتاريخِه، وكأن تاريخَه لا يخضع لما يخضع له تاريخُ المجتمعات من قوانين، وثقافتُه تتفوقُ على كلّ الثقافات، وتراثُه يختلفُ عن كلّ تراث، وهويتُه تنفرد بخصوصيات استثنائية. وظلّ الشعورُ بالخصوصية والاستثناء يغذّي الهويةَ باستمرار، حتى تصلّبتْ وانغلقتْ على نفسها، فبلغت حالةً تتخيّل فيها أنها مكتفيةٌ بذاتها، لأن كلَّ ما تحتاجه في حاضرها ومستقبلها يمدّها به ماضيها. تراثُها منجمٌ زاخرٌ بكلّ ما هو ضروري لكلّ عملية بناء ونهوض، وعلومُها ومعارفُها الموروثةُ تغنيها عن كلّ علم ومعرفة تبتكرها المجتمعاتُ الأخرى، وهي ليست بحاجة إلى استيراد ما أبدعه غيرُها، لأنه منتجٌ لمجتمع أجنبي، ينتهك خصوصيتَها، ويهدّد هويتَها، وتتغرّب به. وكانت أكثرُ أدبيات الجماعات القومية والدينية تغذّي هذا الشعور، وتلحّ على الإعلاءِ من مكانة التراث، والايحاءِ بأن بعثَه كما هو يكفل نهوضَ مجتمعنا، ولا حاجةَ للإفادة من علوم ومعارف وثقافات غريبة عنه. وقد بالغت هذه الجماعاتُ في التشديد على ثقافة الخصوصية والاستثناء، حتى انتهى ذلك إلى موقفٍ خائفٍ من كلّ ما ينتمي للآخر ومنجزاته وعلومه ومعارفه وثقافته.
الدولةُ كائنٌ اجتماعي
د. عبدالجبار الرفاعي
كما أنتج الإنسانُ العائلةَ تلبيةً لضرورات فرضتْها طبيعةُ حياته على الأرض، كذلك أنتج الإنسانُ الدولةَ تلبيةً لضرورات فرضتْها طبيعةُ حياته على الأرض. بعد أن بلغَ نضجُ الإنسان الذهني وثقافتُه مرحلةً متقدّمة، وتشعّبتْ علاقاتُه الاجتماعية وتشابكتْ وتعقّدتْ، وتطوّرتْ وتنوعت وسائلُ وأنماطُ إنتاجه، وتراكمَ رأسُ ماله، وازدادتْ ثرواتُه المادية والرمزية، اخترعَ الإنسانُ وقتئذ الدولةَ، بوصفها مؤسسةً تكفل احتكارَ العنف، على وفق تفسير ماكس فيبر، وتعمل على حمايةِ الأفراد والمجتمع من الظلم والتعسّف في استعمال الحق، وتعيد تنظيمَ شبكات العلاقات الاجتماعية وحمايتَها بما يرسّخُ بنيةَ المجتمعِ وأمنه، وتسهمُ في إدارةِ الثروات، وتنميةِ الإنتاج، وتضمن التوزيعَ العادلَ للثروة، وترسمُ خططًا للتنمية الشاملة، وتبتكرُ برامجَ للتطوير.
الدولةُ ظاهرةٌ اجتماعيةٌ مركّبةٌ، إنها أهمُّ وأعمقُ وأعقدُ مؤسّسةٍ ابتكرها الإنسان، فقد احتاجتِ البشريةُ، من خلال مسيرتِها الطويلة في تاريخها، إلى آلافِ التجارب الفاشلة حتى استطاعتْ أن تبتكرَ ظاهرةَ الدولة، ولم تولد هذه الظاهرةُ ناجزةً كاملةً نهائية، بل كانت وما زالت، مثلَ أيّ ظاهرةٍ اجتماعية مشتقةً من احتياجات البشر، تتوالد وتتكيّف وتترسّخ؛ تبعًا لنمطِ الاجتماع البشري ورتبتِه في سلّم التطوّر الحضاري.
لبثتِ الدولة يُعاد إنتاجُها وتتطوّر من خلال نموِّ معارفِ البشر واتساعِها، وتنوّع تجاربِ المجتمعات، وتراكمِ الخبرات، عبر التغلب على الثغرات واكتشاف الأخطاء ، فمنذ ظهورِ الدويلات في الحضارات الأولى، مثل دولِ المدن في سومر وغيرها، تنامتِ الدولةُ وترسّختْ ببطء عموديًا وأفقيًا. ومع كلِّ مرحلةٍ تضيف خبراتُ البشر ومعارفُهم قوانين وقيم ومفاهيم جديدةً لبناء الدولة، وتحذف أخرى لم تعد قادرةً على الوفاء بمتطلبات الواقعِ ومستجداتِه. ولم يصل الإنسانُ الى بناءِ الدولةِ الحديثة إلّا بعد مضيّ آلافِ السنين، من العبورِ المتواصلِ لأشكال للدولة تفشلُ في الصمودِ أمام تطوّر العلومِ والمعارف وتنوّع خبراتِ الحياةِ وثرائها، وتقدّمها على الدوام، فلا يعود إطارُ الدول القديم يتّسع لاستيعابِ كلّ ذلك التمدّد والنمو، لذلك يبدع البشرُ في كلّ محطة نموذجَهم المتناغمَ مع إيقاع اجتماعِهم البشري، والرتبةِ التي بلغها تطوّرُهم الحضاري ونمطِ تمدّنهم، ولا يحسبون كلَّ محطة يصلون اليها خاتمةَ المطاف أو "نهايةَ التاريخ"، إنما هي حلقةٌ في مسارٍ متواصل لن يتوقف، ذلك أن مدياتِ وآفاقَ العقل البشري والخبراتِ التي تراكمها تجاربُ الإنسان لن تتوقف عند محطةٍ إلّا لتلتقطَ أنفاسَها وتعودَ للانطلاق من جديد إلى محطةٍ جديدة. في عمود الزمان يتغيرُ كلُّ شيء، لا شيء نهائيًا ما دام لا زمان نهائيًا، لا شيء أخيرًا ما دام لا زمان أخيرًا، ففي السياسةِ ليس هناك موقفٌ أخير، وفي الدولةِ ليس هناك نمطُ دولةٍ أخير. ما دام هناك مجتمع بشري يعيش على الأرض فلا نهاية للتاريخ إلّا بنهاية الانسان، وتعطّل الحياة البشرية على الأرض بشكل كامل.
الدولةُ ظاهرةٌ حيّةٌ، تنمو وتتطورُ مفاهيمُها، ويُعاد تكوينها تبعًا لتراكم تجربتها وتنوّعها عبر الزمان.
وعندما نقرأ في هذا السياق مفهومَ الجماعات الدينية للدولةِ الحديثةِ نجده مفهومًا ثابتًا مبسّطًا، يتلفع غالبًا بإنشاء وشعاراتٍ، تتكلمُ لغةَ المشاعر المكبوتة، وتوقدُ العواطفَ المختبئة، وتهرب من الأسئلة الصعبة، وتلوذ بإجابات مسطحة على الأسئلة العميقة، وتفشل في تفكيك المشكلات المعقّدة، وتُفكّر في حلول خارج فضاء التحديات الصعبة الراهنة، ولا ترى الحاضر إلّا بعين الماضي، فهي تُحيل على الدوام إلى نماذج في التاريخ، ومفاهيم وأحكام ولدت في عصور دولة الخلافة بالأمس البعيد. وتفكيرُها في الدولة لا يتخطّى حدودَ الفقه، ففي كلّ أدبيات الجماعات الدينية التي طالعتُها وجدتُ التفكيرَ في الدولة مرجعيتُه مدوّنة الفقه الواسعة، ولم أعثر في هذه الأدبيات على أية إشارة للفلسفة السياسية للفارابي وغيره مثلًا، أو الفلسفة الاجتماعية لابن خلدون، مع معرفتي سلفًا بأن المدونةَ في هذين الحقلين شحيحة، إذ لم تتطور الفلسفةُ السياسية والاجتماعيةُ وتتراكم في المجال الإسلامي، إثر عدمِ اهتمام المتقدّمين والمتأخّرين في بحثها، فقد ظلّ الفيلسوفُ في دول الإسلام منفيًا خارج الدولة، ولم يعتمد الخليفة على فهمه في تفسير ظاهرة الدولة والكشف عن نشأتها وتطوّرها، وبحثِ مشكلات السلطة، وبيانِ طبيعتها وحدودها، والإجابةِ عن أسئلتها الحرجة. واستبدله الخلفاءُ والسلاطينُ بوعّاظِ السلاطين لتسويغ سلوكهم ومواقفهم، وبعضِ الفقهاء الذين يفتون بما يوافق أهواءَ ونزواتِ السلطة ونواياها.
د. عبدالجبار الرفاعي
كما أنتج الإنسانُ العائلةَ تلبيةً لضرورات فرضتْها طبيعةُ حياته على الأرض، كذلك أنتج الإنسانُ الدولةَ تلبيةً لضرورات فرضتْها طبيعةُ حياته على الأرض. بعد أن بلغَ نضجُ الإنسان الذهني وثقافتُه مرحلةً متقدّمة، وتشعّبتْ علاقاتُه الاجتماعية وتشابكتْ وتعقّدتْ، وتطوّرتْ وتنوعت وسائلُ وأنماطُ إنتاجه، وتراكمَ رأسُ ماله، وازدادتْ ثرواتُه المادية والرمزية، اخترعَ الإنسانُ وقتئذ الدولةَ، بوصفها مؤسسةً تكفل احتكارَ العنف، على وفق تفسير ماكس فيبر، وتعمل على حمايةِ الأفراد والمجتمع من الظلم والتعسّف في استعمال الحق، وتعيد تنظيمَ شبكات العلاقات الاجتماعية وحمايتَها بما يرسّخُ بنيةَ المجتمعِ وأمنه، وتسهمُ في إدارةِ الثروات، وتنميةِ الإنتاج، وتضمن التوزيعَ العادلَ للثروة، وترسمُ خططًا للتنمية الشاملة، وتبتكرُ برامجَ للتطوير.
الدولةُ ظاهرةٌ اجتماعيةٌ مركّبةٌ، إنها أهمُّ وأعمقُ وأعقدُ مؤسّسةٍ ابتكرها الإنسان، فقد احتاجتِ البشريةُ، من خلال مسيرتِها الطويلة في تاريخها، إلى آلافِ التجارب الفاشلة حتى استطاعتْ أن تبتكرَ ظاهرةَ الدولة، ولم تولد هذه الظاهرةُ ناجزةً كاملةً نهائية، بل كانت وما زالت، مثلَ أيّ ظاهرةٍ اجتماعية مشتقةً من احتياجات البشر، تتوالد وتتكيّف وتترسّخ؛ تبعًا لنمطِ الاجتماع البشري ورتبتِه في سلّم التطوّر الحضاري.
لبثتِ الدولة يُعاد إنتاجُها وتتطوّر من خلال نموِّ معارفِ البشر واتساعِها، وتنوّع تجاربِ المجتمعات، وتراكمِ الخبرات، عبر التغلب على الثغرات واكتشاف الأخطاء ، فمنذ ظهورِ الدويلات في الحضارات الأولى، مثل دولِ المدن في سومر وغيرها، تنامتِ الدولةُ وترسّختْ ببطء عموديًا وأفقيًا. ومع كلِّ مرحلةٍ تضيف خبراتُ البشر ومعارفُهم قوانين وقيم ومفاهيم جديدةً لبناء الدولة، وتحذف أخرى لم تعد قادرةً على الوفاء بمتطلبات الواقعِ ومستجداتِه. ولم يصل الإنسانُ الى بناءِ الدولةِ الحديثة إلّا بعد مضيّ آلافِ السنين، من العبورِ المتواصلِ لأشكال للدولة تفشلُ في الصمودِ أمام تطوّر العلومِ والمعارف وتنوّع خبراتِ الحياةِ وثرائها، وتقدّمها على الدوام، فلا يعود إطارُ الدول القديم يتّسع لاستيعابِ كلّ ذلك التمدّد والنمو، لذلك يبدع البشرُ في كلّ محطة نموذجَهم المتناغمَ مع إيقاع اجتماعِهم البشري، والرتبةِ التي بلغها تطوّرُهم الحضاري ونمطِ تمدّنهم، ولا يحسبون كلَّ محطة يصلون اليها خاتمةَ المطاف أو "نهايةَ التاريخ"، إنما هي حلقةٌ في مسارٍ متواصل لن يتوقف، ذلك أن مدياتِ وآفاقَ العقل البشري والخبراتِ التي تراكمها تجاربُ الإنسان لن تتوقف عند محطةٍ إلّا لتلتقطَ أنفاسَها وتعودَ للانطلاق من جديد إلى محطةٍ جديدة. في عمود الزمان يتغيرُ كلُّ شيء، لا شيء نهائيًا ما دام لا زمان نهائيًا، لا شيء أخيرًا ما دام لا زمان أخيرًا، ففي السياسةِ ليس هناك موقفٌ أخير، وفي الدولةِ ليس هناك نمطُ دولةٍ أخير. ما دام هناك مجتمع بشري يعيش على الأرض فلا نهاية للتاريخ إلّا بنهاية الانسان، وتعطّل الحياة البشرية على الأرض بشكل كامل.
الدولةُ ظاهرةٌ حيّةٌ، تنمو وتتطورُ مفاهيمُها، ويُعاد تكوينها تبعًا لتراكم تجربتها وتنوّعها عبر الزمان.
وعندما نقرأ في هذا السياق مفهومَ الجماعات الدينية للدولةِ الحديثةِ نجده مفهومًا ثابتًا مبسّطًا، يتلفع غالبًا بإنشاء وشعاراتٍ، تتكلمُ لغةَ المشاعر المكبوتة، وتوقدُ العواطفَ المختبئة، وتهرب من الأسئلة الصعبة، وتلوذ بإجابات مسطحة على الأسئلة العميقة، وتفشل في تفكيك المشكلات المعقّدة، وتُفكّر في حلول خارج فضاء التحديات الصعبة الراهنة، ولا ترى الحاضر إلّا بعين الماضي، فهي تُحيل على الدوام إلى نماذج في التاريخ، ومفاهيم وأحكام ولدت في عصور دولة الخلافة بالأمس البعيد. وتفكيرُها في الدولة لا يتخطّى حدودَ الفقه، ففي كلّ أدبيات الجماعات الدينية التي طالعتُها وجدتُ التفكيرَ في الدولة مرجعيتُه مدوّنة الفقه الواسعة، ولم أعثر في هذه الأدبيات على أية إشارة للفلسفة السياسية للفارابي وغيره مثلًا، أو الفلسفة الاجتماعية لابن خلدون، مع معرفتي سلفًا بأن المدونةَ في هذين الحقلين شحيحة، إذ لم تتطور الفلسفةُ السياسية والاجتماعيةُ وتتراكم في المجال الإسلامي، إثر عدمِ اهتمام المتقدّمين والمتأخّرين في بحثها، فقد ظلّ الفيلسوفُ في دول الإسلام منفيًا خارج الدولة، ولم يعتمد الخليفة على فهمه في تفسير ظاهرة الدولة والكشف عن نشأتها وتطوّرها، وبحثِ مشكلات السلطة، وبيانِ طبيعتها وحدودها، والإجابةِ عن أسئلتها الحرجة. واستبدله الخلفاءُ والسلاطينُ بوعّاظِ السلاطين لتسويغ سلوكهم ومواقفهم، وبعضِ الفقهاء الذين يفتون بما يوافق أهواءَ ونزواتِ السلطة ونواياها.
الذي أعنيه بالدين الذي يتعذّر معه بناءُ "دولة حديثة" هو الدين بمعناه الكلامي والفقهي، الذي ينص على التمييز بين المسلم وغير المسلم، والرجل والمرأة، والسيد والعبد. مثل هذا المفهوم للدين يتعذّر في منطقه الفقهي والكلامي اشتقاقُ المفهوم الحديث للمواطنة الذي يفرضه بناءُ "دولة حديثة"، ومفهوم المواطنة يعني أن تتساوى حقوق الكلّ بوصفهم منتمين لوطن واحد، من دون فرق بين البشر على أساس معتقدهم أو جنسهم أو لونهم أو طبقتهم.
وأظن بأن أكثرَ الإسلاميين الذين في السلطة اليوم ومن يطالبون بها، ويحلمون في بناء دولة حديثة، لم يتنبّهوا إلى أن مفهومَ "مسلم" الذي تقوم عليه الدولةُ الدينية غيرُ مفهوم "مواطن" الذي تقوم عليه الدولةُ الحديثة. مفهومُ المسلم يتحدّث لغةً وينتمي الى مجال تداولي غيرِ اللغة التي يتحدّث بها مفهومُ المواطن والمجالُ التداولي الذي يتموضع فيه. ذلك أن الدولةَ الدينيةَ تقوم على الإسلام بمعناه الكلامي والفقهي، الذي يصنّف الرعايا على وفق ديانتهم وجنسهم، ويلزم الرعيةَ بالطاعة، كما يشدّد على ذلك أكثرُ كتّاب الأحكام السلطانية، ويمنح الراعي حقوقًا وصلاحيات من دون حدود تقيّد سلطاتِه، أو تفوّض غيرَه من الرعية في محاسبته، أو تفرض رقابة عليا عليه. ولا تدخل الهويةُ الروحية والأخلاقية في تحديد هوية الدولة الدينية، ولا يحضر الإسلامُ بمعناه الروحي والأخلاقي في التجارب العملية لهذه الدول إلّا بوصفه طلاءً شكليًا.
أما الدولةُ الحديثة فهي تقوم على القوانين والحقوق والحريات الحديثة، التي تنصّ على المساواة التامة بين المواطنين، بغضّ النظر عن دينِ أيّ شخص ومعتقدِه وجنسِه، وتكفل قوانينُها المساواة بين المواطنين جميعًا. الكلُّ متساوون في الانتماء للوطن، وكلُّ من ينتمي لهذه الدولة يمتلك النصابَ ذاتَه في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص، ويتساوى مع غيره في المُواطَنة بغض النظر عن معتقده وجنسه ولونه.
مشكلةُ من يريد أن يبني دولةً حديثة في بلادنا أنه يفكّرُ داخلَ أسوار التراث والمعتقدات الدينية والهويات العرقية، بينما الدولةُ الحديثةُ لا تبتني على التراث والمعتقدات الدينية والهويات العرقية، وانما تبتني على المواطنة التي يُحدّدُ نصابَها الدستورُ، أي "المواطنة الدستورية" بمصطلح هابرماس.
إن الإنسانَ الذي هو موضوع دولة المسلمين أمس هو الإنسان بوصفه مسلمًا، بالمعنى الكلامي والفقهي، أما الإنسان الذي هو موضوع الدولة الحديثة فهو الإنسان بوصفه مواطنًا في الفكر السياسي الحديث. الانسانُ بوصفه مسلمًا هو الذي كان يحدّدُ هويةَ الدولة، ويتحكّم توصيفُ هويته بتوصيف هويتها، فكلّ تشريع وقرار وموقف يُتخذ في إطار توصيف مسلم ينبغي أن يكونَ معيارُه الانتماءَ للإسلام، وكلّ ما لا ينتمي للإسلام يُفترض ألا يكون مكوّنًا لماهية هذه الدولة. والإنسانُ بوصفه مواطنًا هو الذي يحدّد هويةَ الدولة اليوم، ويتحكّمُ توصيفُ هويته بتوصيف هويتها، فكلّ تشريع وقرار وموقف يُتخذ في إطار توصيف مواطن ينبغي أن يكونَ معيارُه الانتماءَ للوطن، وكلّ ما لا ينتمي للوطن بوصفه وطنًا يُفترض ألا يكون مكوّنًا لماهية الدولة الحديثة.
الفرق بين نمط الوعي في مرحلة ما قبل الدولة الحديثة، ونمط الوعي في مرحلة الدولة الحديثة: ان العقل اليوم هو عقل علمي، والعقل العلمي لم يعد خائفًا من أسرار الطبيعة، أي ان الانسان صار يقرأ كل شيء في الطبيعة بالعقل وحده من دون حاجة الى السماء، لأنه أدرك ان أسرار الطبيعة مودعة في قوانينها، وهكذا ادرك ان اسرار تدبير حياة الانسان في الارض مودعة في تفكيره وقدرته على صياغة القوانين والقيم التي تنظم حياته، وما تمنحه خبراته وتجاربه واكتشافاته لأفضل الوسائل في بناء الدولة، وأنجح النظم لإدارتها، وأحدث التنظيمات لبناء المؤسسات المجتمعية المتنوعة.
أما العقل غير العلمي القديم فيعتقد أن أسرار الطبيعة ألغاز مودعة حلولها في السماء، لذلك يشعر بالعجز عن تفسير أية ظاهرة فيحيل تفسيرها للسماء، كما يشعر بالعجز عن حل الكثير من المشاكل التي تواجهه في حياته الفردية والمجتمعية على الارض فيحيل حلها للسماء. قبل عصر العلم كانت أكثر قوانين الطبيعة تبدو للإنسان ألغازًا، لذلك كان عبدًا خاضعًا للطبيعة، بينما صار اليوم هو المستعبد للطبيعة والمُسخّر لقوانينها.
كان الدين، الى ما قبل الدولة الحديثة، مكونًا أساسيًا لهوية الدولة ومنبعًا لمشروعية السلطة، بمعنى ان السلطة والدولة والمشروعية كان مصدرها السماء، أما في الدولة الحديثة فمصدرها الأرض. السلطة والدولة والمشروعية في الدولة الحديثة مستمدة من الإنسان، لأنه هو من أنتج هذه الدولة، ووضع كل نظمها قوانينها وبرامجها، وهو من يتولى تنفيذها وتقويمها وتصويبها.
الدين أقدم من الدولة، ظهر الدينُ مع ظهور الإنسان العاقل على الأرض، لكن لم تظهر الدولة مع ظهور ذلك الإنسان.
وأظن بأن أكثرَ الإسلاميين الذين في السلطة اليوم ومن يطالبون بها، ويحلمون في بناء دولة حديثة، لم يتنبّهوا إلى أن مفهومَ "مسلم" الذي تقوم عليه الدولةُ الدينية غيرُ مفهوم "مواطن" الذي تقوم عليه الدولةُ الحديثة. مفهومُ المسلم يتحدّث لغةً وينتمي الى مجال تداولي غيرِ اللغة التي يتحدّث بها مفهومُ المواطن والمجالُ التداولي الذي يتموضع فيه. ذلك أن الدولةَ الدينيةَ تقوم على الإسلام بمعناه الكلامي والفقهي، الذي يصنّف الرعايا على وفق ديانتهم وجنسهم، ويلزم الرعيةَ بالطاعة، كما يشدّد على ذلك أكثرُ كتّاب الأحكام السلطانية، ويمنح الراعي حقوقًا وصلاحيات من دون حدود تقيّد سلطاتِه، أو تفوّض غيرَه من الرعية في محاسبته، أو تفرض رقابة عليا عليه. ولا تدخل الهويةُ الروحية والأخلاقية في تحديد هوية الدولة الدينية، ولا يحضر الإسلامُ بمعناه الروحي والأخلاقي في التجارب العملية لهذه الدول إلّا بوصفه طلاءً شكليًا.
أما الدولةُ الحديثة فهي تقوم على القوانين والحقوق والحريات الحديثة، التي تنصّ على المساواة التامة بين المواطنين، بغضّ النظر عن دينِ أيّ شخص ومعتقدِه وجنسِه، وتكفل قوانينُها المساواة بين المواطنين جميعًا. الكلُّ متساوون في الانتماء للوطن، وكلُّ من ينتمي لهذه الدولة يمتلك النصابَ ذاتَه في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص، ويتساوى مع غيره في المُواطَنة بغض النظر عن معتقده وجنسه ولونه.
مشكلةُ من يريد أن يبني دولةً حديثة في بلادنا أنه يفكّرُ داخلَ أسوار التراث والمعتقدات الدينية والهويات العرقية، بينما الدولةُ الحديثةُ لا تبتني على التراث والمعتقدات الدينية والهويات العرقية، وانما تبتني على المواطنة التي يُحدّدُ نصابَها الدستورُ، أي "المواطنة الدستورية" بمصطلح هابرماس.
إن الإنسانَ الذي هو موضوع دولة المسلمين أمس هو الإنسان بوصفه مسلمًا، بالمعنى الكلامي والفقهي، أما الإنسان الذي هو موضوع الدولة الحديثة فهو الإنسان بوصفه مواطنًا في الفكر السياسي الحديث. الانسانُ بوصفه مسلمًا هو الذي كان يحدّدُ هويةَ الدولة، ويتحكّم توصيفُ هويته بتوصيف هويتها، فكلّ تشريع وقرار وموقف يُتخذ في إطار توصيف مسلم ينبغي أن يكونَ معيارُه الانتماءَ للإسلام، وكلّ ما لا ينتمي للإسلام يُفترض ألا يكون مكوّنًا لماهية هذه الدولة. والإنسانُ بوصفه مواطنًا هو الذي يحدّد هويةَ الدولة اليوم، ويتحكّمُ توصيفُ هويته بتوصيف هويتها، فكلّ تشريع وقرار وموقف يُتخذ في إطار توصيف مواطن ينبغي أن يكونَ معيارُه الانتماءَ للوطن، وكلّ ما لا ينتمي للوطن بوصفه وطنًا يُفترض ألا يكون مكوّنًا لماهية الدولة الحديثة.
الفرق بين نمط الوعي في مرحلة ما قبل الدولة الحديثة، ونمط الوعي في مرحلة الدولة الحديثة: ان العقل اليوم هو عقل علمي، والعقل العلمي لم يعد خائفًا من أسرار الطبيعة، أي ان الانسان صار يقرأ كل شيء في الطبيعة بالعقل وحده من دون حاجة الى السماء، لأنه أدرك ان أسرار الطبيعة مودعة في قوانينها، وهكذا ادرك ان اسرار تدبير حياة الانسان في الارض مودعة في تفكيره وقدرته على صياغة القوانين والقيم التي تنظم حياته، وما تمنحه خبراته وتجاربه واكتشافاته لأفضل الوسائل في بناء الدولة، وأنجح النظم لإدارتها، وأحدث التنظيمات لبناء المؤسسات المجتمعية المتنوعة.
أما العقل غير العلمي القديم فيعتقد أن أسرار الطبيعة ألغاز مودعة حلولها في السماء، لذلك يشعر بالعجز عن تفسير أية ظاهرة فيحيل تفسيرها للسماء، كما يشعر بالعجز عن حل الكثير من المشاكل التي تواجهه في حياته الفردية والمجتمعية على الارض فيحيل حلها للسماء. قبل عصر العلم كانت أكثر قوانين الطبيعة تبدو للإنسان ألغازًا، لذلك كان عبدًا خاضعًا للطبيعة، بينما صار اليوم هو المستعبد للطبيعة والمُسخّر لقوانينها.
كان الدين، الى ما قبل الدولة الحديثة، مكونًا أساسيًا لهوية الدولة ومنبعًا لمشروعية السلطة، بمعنى ان السلطة والدولة والمشروعية كان مصدرها السماء، أما في الدولة الحديثة فمصدرها الأرض. السلطة والدولة والمشروعية في الدولة الحديثة مستمدة من الإنسان، لأنه هو من أنتج هذه الدولة، ووضع كل نظمها قوانينها وبرامجها، وهو من يتولى تنفيذها وتقويمها وتصويبها.
الدين أقدم من الدولة، ظهر الدينُ مع ظهور الإنسان العاقل على الأرض، لكن لم تظهر الدولة مع ظهور ذلك الإنسان.
الدولة ظاهرة بشرية قديمة، وأول دولة هي دولة المدينة، حيثما تكون دولة تكون مدينة، وليس بالضرورة حيثما تكون مدينة تكون دولة.
الدينُ الذي يرثه الإنسانُ من أبويه وعائلته ومحيطه، يصيرُ عنصرًا فاعلًا في التربية والتنشئة العائلية والمجتمعية، ويكون أحدَ العناصر المكونة للذات، ويدخل كأحد أهم مكونات الهوية المجتمعية للإنسان. ولا يمكن افتراضُ تلاشي أثر الدين بوصفه عنصرًا مكوّنًا للذات في فهم الإنسان، وغياب تأثيره في مواقفه، لأنه غالبًا ما يترك أثرًا، وإن كان لاواعيًا، في بناء رؤية الإنسان للعالم، وطريقة فهمه للنصوص، ويتدخل في اختياراته واتخاذه مختلف المواقف في حياته. وذلك ما نراه عندما نفكّك فهم الناس ونحلّل مواقفهم، إذ نلمح ضربًا من التأثير من الترسبات العميقة للدين في التفكير والقرارات والمواقف التي يتبناها أكثر السياسيين في بلادنا.
http://www.islammaghribi.com/2018/12/30/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9%D9%8F-%D9%83%D8%A7%D8%A6%D9%86%D9%8C-%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A/
الدينُ الذي يرثه الإنسانُ من أبويه وعائلته ومحيطه، يصيرُ عنصرًا فاعلًا في التربية والتنشئة العائلية والمجتمعية، ويكون أحدَ العناصر المكونة للذات، ويدخل كأحد أهم مكونات الهوية المجتمعية للإنسان. ولا يمكن افتراضُ تلاشي أثر الدين بوصفه عنصرًا مكوّنًا للذات في فهم الإنسان، وغياب تأثيره في مواقفه، لأنه غالبًا ما يترك أثرًا، وإن كان لاواعيًا، في بناء رؤية الإنسان للعالم، وطريقة فهمه للنصوص، ويتدخل في اختياراته واتخاذه مختلف المواقف في حياته. وذلك ما نراه عندما نفكّك فهم الناس ونحلّل مواقفهم، إذ نلمح ضربًا من التأثير من الترسبات العميقة للدين في التفكير والقرارات والمواقف التي يتبناها أكثر السياسيين في بلادنا.
http://www.islammaghribi.com/2018/12/30/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9%D9%8F-%D9%83%D8%A7%D8%A6%D9%86%D9%8C-%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A/
تناغم القانون والقيم في الدولة الحديثة
د. عبدالجبار الرفاعي
الكلُّ يعرف أن نموذجَ الدولة الحديثة بُني على الفكرِ السياسي ونظرياتِ الدولةِ التي صاغها المفكرون في عصرَي النهضةِ والأنوار. ودولةُ الغرب الحديثة هي الدولةُ التي ما زلنا نتمناها، ويلوذُ بها الهاربون من جورِ حكوماتِنا وعسفِها، منذ أن حدّثنا عنها رجلُ الدين الأزهري رفاعة رافع الطهطاوي "1801 – 1873"، الذي انبهر بنظامِ الحكمِ والتربيةِ والتعليمِ والثقافةِ والفنونِ والآدابِ في فرنسا، واهتمّ بالتأليفِ والترجمةِ لنقلِ ما تعلّمه وعاشه بباريس بعد عودته لوطنِه مصر، ويمكن الاطلاعُ على شيء من تجربته وانطباعاته في كتابِه الأثير: "تخليص الإبريز في تلخيص باريز".
ما زلنا حتى اليوم نحاولُ اقتباسَ أشكالِ دساتير دولةِ الغرب الحديثة وتعدّديّتِها السياسية وتداولِها السلمي للسلطة ومشاركتها الشعبية وانتخاباتِها، وعملها على الفصلِ بين السلطات، وتفكيكِ تمركزها بيد شخص واحد، وقدرتِها على تحريرِ المجتمع من تغوّلِ السلطةِ وطغيانِها، وحمايتها لأموالِ الشعب وثرواتِه من لصوصيةِ رجالِ السلطة.
لم تتأسّس دولةُ الغرب الحديثة إلّا على القانونِ الذي صنعه الإنسان، والقيم التي تتناغم مع روح هذا القانون، وتركّزت استراتيجياتُها وبرامجُها في التربيةِ والتعليمِ والثقافةِ والإعلامِ على بناءِ شخصيةِ المواطنِ الذي يحترمُ القانون، ويكون مسؤولًا حيالَ المجتمع والدولة، ويكفل له القانونُ حرياتِه وحقوقَه بوصفه إنسانًا. ولذلك نجحتْ بإدارةِ التعدّد وتدبيرِ التنوع، وحسمِ أكثر النزاعات بشكل سلمي.
ولما كان بناءُ الدولة الحديثة لا ينجزه إلّا القانون والقيم المتناغمة معه، يصبحّ الرهانُ في بناء دولتِنا على أساسِ حياةٍ روحية خاوية أو ضميرٍ أخلاقيّ هشّ، هو رهانٌ على أمرٍ لم يتحقّق بعد، ولن يولد غدًا في فضاءِ تديّن شكلي، لم ينجز هذا التديّنُ وعودَه في بناءِ حياةٍ دينية سليمة، بعد أن فشلَ في تربية الروح وإيقاظِ جذوة الضمير الأخلاقي.
الدولةُ الحديثةُ تُبنى على القانونِ الحديثِ والقيم المتناغمة معه، والصرامةِ العادلةِ في تطبيقه، أما التدينُ والتقوى فيمكن أن يساعدا في تطبيقِ القانون، بل لو انتفى التدينُ والتقوى لتمكنَ الإنسانُ من بناءِ هذه الدولةِ، ما دام هناك قانونٌ حديثٌ وقيمٌ متناغمةٌ معه، وعدالةٌ في تطبيقه على الكلِّ بالمساواةِ، كما نجد نموذجَ هذه الدولة اليوم ماثلًا في العديد من البلدان، فقد تأسّست الدولةُ الحديثةُ على أساسِ القانون ببلدانٍ مختلفة في أوروبا وكندا واستراليا والولايات المتحدة.
رهانُنا على بناء الإنسان الروحي والأخلاقي الداخلي، الذي تتعهده جماعاتٌ دينيةٌ ومعاهدُ تعليم ديني ومدارسُ ومدوناتٌ كلاميةٌ وفقهية، لا يبني دولةً حديثة. لم تترقب المجتمعاتُ الأخرى جهودَ الكنائس والأديرة والمعابد والمدارس والجماعات الدينية ومدوّنات الدين واللاهوت لتبني لها دولَها. الدولةُ التي أسّسها الكهنوتُ الكنسي في العصور الوسطى استعبدت الإنسان، وتحكّمت بكل شيء في حياته، فلم تترقب المجتمعاتُ من الكنيسة بناءَ دولة حديثة، ولم تنشغل ببناء الإنسان الداخلي أولًا، ليبني بعد ذلك هذا الإنسانُ الدولة، بل انشغلت بتأسيس دولةٍ على أساس فكرٍ سياسي جديد، ولوائح للحريات والحقوق وضعها فلاسفةٌ ومفكرون ومشرّعون.
أدركت هذه المجتمعاتُ ديناميكيةَ التغيير الاجتماعي العميقة، وكيف أنها جدليةٌ تفاعليةٌ بين الخارج والداخل، فبناءُ دولةٍ متينة في الخارج من شأنه أن يعملَ على بناء الإنسان من الداخل، وبناءُ الإنسان في الداخل من شأنه أن يعزّز قدراتِ مؤسّساتِ وأجهزةِ الدولة وفاعليتِها.
إن بناءَ الدولة الحديثة على أساس القانون لم يكن على الضدِّ من نظامِ القيمِ والثقافة العامة في المجتمع، بل كانت القيمُ على الدوام متناغمةً مع القانون المطبق فيها والثقافة العامة للمجتمع، بنحو صارت القيمُ في حياة المجتمع تتحدّث لغةَ القانون، والقانونُ يتحدث لغةَ القيم، وكلاهما يتحدثان لغة ثقافة المجتمع، وكأن الكلَّ ألحانُ سيمفونية واحدة.
التناغمُ بين نظام القيم والقانون والثقافة العامة في الدولة الحديثة يعودُ إلى أنها كلها تنبثق من رؤيةٍ واحدة للعالم، وتنتمي إلى فضاء العقل الحديث ومكتسباته، لذلك لا نرى تناشزًا بين سلوك المواطن وبين القانون والقيم المتناغمة معه والثقافة العامة.
د. عبدالجبار الرفاعي
الكلُّ يعرف أن نموذجَ الدولة الحديثة بُني على الفكرِ السياسي ونظرياتِ الدولةِ التي صاغها المفكرون في عصرَي النهضةِ والأنوار. ودولةُ الغرب الحديثة هي الدولةُ التي ما زلنا نتمناها، ويلوذُ بها الهاربون من جورِ حكوماتِنا وعسفِها، منذ أن حدّثنا عنها رجلُ الدين الأزهري رفاعة رافع الطهطاوي "1801 – 1873"، الذي انبهر بنظامِ الحكمِ والتربيةِ والتعليمِ والثقافةِ والفنونِ والآدابِ في فرنسا، واهتمّ بالتأليفِ والترجمةِ لنقلِ ما تعلّمه وعاشه بباريس بعد عودته لوطنِه مصر، ويمكن الاطلاعُ على شيء من تجربته وانطباعاته في كتابِه الأثير: "تخليص الإبريز في تلخيص باريز".
ما زلنا حتى اليوم نحاولُ اقتباسَ أشكالِ دساتير دولةِ الغرب الحديثة وتعدّديّتِها السياسية وتداولِها السلمي للسلطة ومشاركتها الشعبية وانتخاباتِها، وعملها على الفصلِ بين السلطات، وتفكيكِ تمركزها بيد شخص واحد، وقدرتِها على تحريرِ المجتمع من تغوّلِ السلطةِ وطغيانِها، وحمايتها لأموالِ الشعب وثرواتِه من لصوصيةِ رجالِ السلطة.
لم تتأسّس دولةُ الغرب الحديثة إلّا على القانونِ الذي صنعه الإنسان، والقيم التي تتناغم مع روح هذا القانون، وتركّزت استراتيجياتُها وبرامجُها في التربيةِ والتعليمِ والثقافةِ والإعلامِ على بناءِ شخصيةِ المواطنِ الذي يحترمُ القانون، ويكون مسؤولًا حيالَ المجتمع والدولة، ويكفل له القانونُ حرياتِه وحقوقَه بوصفه إنسانًا. ولذلك نجحتْ بإدارةِ التعدّد وتدبيرِ التنوع، وحسمِ أكثر النزاعات بشكل سلمي.
ولما كان بناءُ الدولة الحديثة لا ينجزه إلّا القانون والقيم المتناغمة معه، يصبحّ الرهانُ في بناء دولتِنا على أساسِ حياةٍ روحية خاوية أو ضميرٍ أخلاقيّ هشّ، هو رهانٌ على أمرٍ لم يتحقّق بعد، ولن يولد غدًا في فضاءِ تديّن شكلي، لم ينجز هذا التديّنُ وعودَه في بناءِ حياةٍ دينية سليمة، بعد أن فشلَ في تربية الروح وإيقاظِ جذوة الضمير الأخلاقي.
الدولةُ الحديثةُ تُبنى على القانونِ الحديثِ والقيم المتناغمة معه، والصرامةِ العادلةِ في تطبيقه، أما التدينُ والتقوى فيمكن أن يساعدا في تطبيقِ القانون، بل لو انتفى التدينُ والتقوى لتمكنَ الإنسانُ من بناءِ هذه الدولةِ، ما دام هناك قانونٌ حديثٌ وقيمٌ متناغمةٌ معه، وعدالةٌ في تطبيقه على الكلِّ بالمساواةِ، كما نجد نموذجَ هذه الدولة اليوم ماثلًا في العديد من البلدان، فقد تأسّست الدولةُ الحديثةُ على أساسِ القانون ببلدانٍ مختلفة في أوروبا وكندا واستراليا والولايات المتحدة.
رهانُنا على بناء الإنسان الروحي والأخلاقي الداخلي، الذي تتعهده جماعاتٌ دينيةٌ ومعاهدُ تعليم ديني ومدارسُ ومدوناتٌ كلاميةٌ وفقهية، لا يبني دولةً حديثة. لم تترقب المجتمعاتُ الأخرى جهودَ الكنائس والأديرة والمعابد والمدارس والجماعات الدينية ومدوّنات الدين واللاهوت لتبني لها دولَها. الدولةُ التي أسّسها الكهنوتُ الكنسي في العصور الوسطى استعبدت الإنسان، وتحكّمت بكل شيء في حياته، فلم تترقب المجتمعاتُ من الكنيسة بناءَ دولة حديثة، ولم تنشغل ببناء الإنسان الداخلي أولًا، ليبني بعد ذلك هذا الإنسانُ الدولة، بل انشغلت بتأسيس دولةٍ على أساس فكرٍ سياسي جديد، ولوائح للحريات والحقوق وضعها فلاسفةٌ ومفكرون ومشرّعون.
أدركت هذه المجتمعاتُ ديناميكيةَ التغيير الاجتماعي العميقة، وكيف أنها جدليةٌ تفاعليةٌ بين الخارج والداخل، فبناءُ دولةٍ متينة في الخارج من شأنه أن يعملَ على بناء الإنسان من الداخل، وبناءُ الإنسان في الداخل من شأنه أن يعزّز قدراتِ مؤسّساتِ وأجهزةِ الدولة وفاعليتِها.
إن بناءَ الدولة الحديثة على أساس القانون لم يكن على الضدِّ من نظامِ القيمِ والثقافة العامة في المجتمع، بل كانت القيمُ على الدوام متناغمةً مع القانون المطبق فيها والثقافة العامة للمجتمع، بنحو صارت القيمُ في حياة المجتمع تتحدّث لغةَ القانون، والقانونُ يتحدث لغةَ القيم، وكلاهما يتحدثان لغة ثقافة المجتمع، وكأن الكلَّ ألحانُ سيمفونية واحدة.
التناغمُ بين نظام القيم والقانون والثقافة العامة في الدولة الحديثة يعودُ إلى أنها كلها تنبثق من رؤيةٍ واحدة للعالم، وتنتمي إلى فضاء العقل الحديث ومكتسباته، لذلك لا نرى تناشزًا بين سلوك المواطن وبين القانون والقيم المتناغمة معه والثقافة العامة.
المواطنُ في هذه الدولة قلّما يكذبُ أو يلجأ للتمويهِ والخداعِ والنفاق في سلوكِه ومواقفِه المختلفة، وقلّما يلجأ للمراوغة والتسويف والإهمال والكسل في أداء وظيفته، سواءٌ أكان يعملُ في وظيفة حكومية أم غير حكومية، للتناغم بين نظام القيم والقانون والثقافة العامة، ولأن نظامَ الحقوق والحريات يُمنَح للإنسان بوصفه إنسانًا، ويضمنُ له حرياتِه وحقوقَه مهما كان لونُه أو جنسُه أو معتقدُه، فلا يجد المواطنُ عندئذٍ حاجةً للكذب، أو السلوك غير المسؤول الذي يعمل على تصدّع بنية المجتمع والدولة. أما ما يُلاحَظ على سلوك بعض المهاجرين الجدد لهذه الدول، ممن يتورطون في ممارسات لا أخلاقية أحيانًا مثل الكذب والتمويه والخداع والسرقة، فيعود إلى التناشز الذي يحدث بين نظام القيم وثقافة المهاجر التي تبتني على رؤيته للعالَم، واختلافها عن نظام القيم والقانون السائد في البلاد التي هاجر حديثًا اليها.
إن التناغمَ بين نظام القيم والقانون والثقافة العامة يشكّلُ أرضية صلبة لبناء أية مؤسّسة في الحياة. فلو لم يتناغم نظامُ القيم مع القانونِ والثقافة العامة أو حدث بينها فصامٌ، سيؤدّي ذلك إلى حدوث اختلالاتٍ عميقة، وتهشّم بنية هذه المؤسّسة وتبدّدها.
وتحضرُ الثقةُ كقيمة عليا في الدولِ المتقدّمةِ. والمعروف أن رأسَ المال الاجتماعي يتراكم برصيد الثقة، لذلك نجد تطوّرَ الدول يقاسُ بمدى بناء الثقة وتجذّرها بوصفها قيمةً مجتمعيةً محوريةً في حياة مواطنيها. ففي الدول المتقدّمة ترتفعُ بدرجات قياسية معدلاتُ: الصدقِ، والأمانة، والإخلاص، والنزاهة، وتقدير قيمة الوقت، والمثابرة على العمل، والتعامل مع المواطن بوصفه مواطنًا وكفى، من دون النظر لمعتقده أو إثنيته أو عشيرته أو طبقته، وذلك ما يدعو أكثرَ الناس الذين يتعاملون مع المؤسّسات الحكومية وغيرِها للشعور بالرضا وعدم المظلومية. ويتناسب معدلُ النمو في كلّ دولة مع قوة حضور هذه القيم في المجتمع، ويتراجع تبعًا لهشاشة حضورها. وتوفِّرُ الثقةُ وهذه القيمُ بمجموعها حاضنةً حيوية لانسجام المجتمع مع القانون، وتظهرُ فاعليتُها بوضوح في تطبيقِه وتنفيذِه بأقل كلفة، وتخفّضُ بدرجة كبيرة حالةَ التناشز بين المجتمع والدولة.
هناك فصامٌ بين نُظمِ الدولة الحديثة التي نطمح إلى أن نبنيها ونظامِ القيم المشتق من ثقافتنا وتقاليدنا العشائرية والتديّن الشكلي في مجتمعنا. لذلك يتكرّر باستمرار إخفاقُ محاولاتنا لبناء هذه الدولة، منذ خلاص بلادنا من الاستعمار المباشر حتى اليوم، ففي كلّ مرة نبدأ ببناء دولتنا الحديثة ننتهي إلى انتكاسات مريعة، نرتدّ معها إلى حيث بدأنا، ونعودُ لموقعنا الذي كنا فيه، وكأننا ندور في مدارات مغلقة. لقد عجزنا عن توطين الدولة الحديثة في بلادنا، إثر عجزنا عن إعادة بناء نظام القيم في ثقافتنا بما يتواءم ونُظم هذه الدولة، فانهارت تجربةُ بناء الدولة بعد كلّ محاولة جديدة، وعُدنا حيث كنا إلى نظامِ قيمِ بداوتنا وقبائلنا وتديّننا الشكلي الذي هو على الضدّ من الدولة الحديثة.
وبغية إعادة بناء نظام القيم في ثقافتنا بما يتواءم ونُظم الدولة الحديثة من الضروري استئنافُ قراءةِ النصّ الديني في سياق مناهجَ التأويلِ والمعارفِ الجديدة، ومتطلباتِ مجتمعات عالَم الإسلامِ اليوم. هذه القراءة يفرضها إنتاجُ تناغمٍ بين نظام القيم والقانون والثقافة الذي نحن بحاجة ماسّة إليه لإنجازِ دولتنا الحديثة، وإعادة بناء مجتمعنا في ضوء الأفق التاريخي لعصرنا.
من الضروري أن تتبصّرَ القراءةُ الجديدةُ مقاصدَ النصّ، وتكتشفَ دلالاتِه العميقة، كي يضيءَ معناهُ حياتَنا، فننتقل مع هذا المعنى من أفقٍ ماضٍ الى أفقٍ راهن. معنى تحضر فيه الدلالاتُ الروحيّة والأخلاقيّة والجماليّة المحوريّة لبناء حياتِنا ومجتمعاتِنا، ويحرّرنا من الدلالاتِ التي أسقطتها حاجاتٌ وأحلامٌ ورغباتٌ مكبوتةٌ لجماعاتٍ منفيّةٍ في تاريخِ الإسلام، تلك الدلالاتُ الغريبة عن روح النصِّ ومراميه، والتي أخفقتْ حتى اليوم في تشييد نظامِ قيمٍ يعمل على تربيةِ الروح وبعثِ الضميرِ الأخلاقي لدى معظم من يأتمنه الشعبُ على بناءِ الأوطان وعمارةِ البلدان.
http://www.islammaghribi.com/2019/01/04/%D8%AA%D9%86%D8%A7%D8%BA%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8A%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB/
إن التناغمَ بين نظام القيم والقانون والثقافة العامة يشكّلُ أرضية صلبة لبناء أية مؤسّسة في الحياة. فلو لم يتناغم نظامُ القيم مع القانونِ والثقافة العامة أو حدث بينها فصامٌ، سيؤدّي ذلك إلى حدوث اختلالاتٍ عميقة، وتهشّم بنية هذه المؤسّسة وتبدّدها.
وتحضرُ الثقةُ كقيمة عليا في الدولِ المتقدّمةِ. والمعروف أن رأسَ المال الاجتماعي يتراكم برصيد الثقة، لذلك نجد تطوّرَ الدول يقاسُ بمدى بناء الثقة وتجذّرها بوصفها قيمةً مجتمعيةً محوريةً في حياة مواطنيها. ففي الدول المتقدّمة ترتفعُ بدرجات قياسية معدلاتُ: الصدقِ، والأمانة، والإخلاص، والنزاهة، وتقدير قيمة الوقت، والمثابرة على العمل، والتعامل مع المواطن بوصفه مواطنًا وكفى، من دون النظر لمعتقده أو إثنيته أو عشيرته أو طبقته، وذلك ما يدعو أكثرَ الناس الذين يتعاملون مع المؤسّسات الحكومية وغيرِها للشعور بالرضا وعدم المظلومية. ويتناسب معدلُ النمو في كلّ دولة مع قوة حضور هذه القيم في المجتمع، ويتراجع تبعًا لهشاشة حضورها. وتوفِّرُ الثقةُ وهذه القيمُ بمجموعها حاضنةً حيوية لانسجام المجتمع مع القانون، وتظهرُ فاعليتُها بوضوح في تطبيقِه وتنفيذِه بأقل كلفة، وتخفّضُ بدرجة كبيرة حالةَ التناشز بين المجتمع والدولة.
هناك فصامٌ بين نُظمِ الدولة الحديثة التي نطمح إلى أن نبنيها ونظامِ القيم المشتق من ثقافتنا وتقاليدنا العشائرية والتديّن الشكلي في مجتمعنا. لذلك يتكرّر باستمرار إخفاقُ محاولاتنا لبناء هذه الدولة، منذ خلاص بلادنا من الاستعمار المباشر حتى اليوم، ففي كلّ مرة نبدأ ببناء دولتنا الحديثة ننتهي إلى انتكاسات مريعة، نرتدّ معها إلى حيث بدأنا، ونعودُ لموقعنا الذي كنا فيه، وكأننا ندور في مدارات مغلقة. لقد عجزنا عن توطين الدولة الحديثة في بلادنا، إثر عجزنا عن إعادة بناء نظام القيم في ثقافتنا بما يتواءم ونُظم هذه الدولة، فانهارت تجربةُ بناء الدولة بعد كلّ محاولة جديدة، وعُدنا حيث كنا إلى نظامِ قيمِ بداوتنا وقبائلنا وتديّننا الشكلي الذي هو على الضدّ من الدولة الحديثة.
وبغية إعادة بناء نظام القيم في ثقافتنا بما يتواءم ونُظم الدولة الحديثة من الضروري استئنافُ قراءةِ النصّ الديني في سياق مناهجَ التأويلِ والمعارفِ الجديدة، ومتطلباتِ مجتمعات عالَم الإسلامِ اليوم. هذه القراءة يفرضها إنتاجُ تناغمٍ بين نظام القيم والقانون والثقافة الذي نحن بحاجة ماسّة إليه لإنجازِ دولتنا الحديثة، وإعادة بناء مجتمعنا في ضوء الأفق التاريخي لعصرنا.
من الضروري أن تتبصّرَ القراءةُ الجديدةُ مقاصدَ النصّ، وتكتشفَ دلالاتِه العميقة، كي يضيءَ معناهُ حياتَنا، فننتقل مع هذا المعنى من أفقٍ ماضٍ الى أفقٍ راهن. معنى تحضر فيه الدلالاتُ الروحيّة والأخلاقيّة والجماليّة المحوريّة لبناء حياتِنا ومجتمعاتِنا، ويحرّرنا من الدلالاتِ التي أسقطتها حاجاتٌ وأحلامٌ ورغباتٌ مكبوتةٌ لجماعاتٍ منفيّةٍ في تاريخِ الإسلام، تلك الدلالاتُ الغريبة عن روح النصِّ ومراميه، والتي أخفقتْ حتى اليوم في تشييد نظامِ قيمٍ يعمل على تربيةِ الروح وبعثِ الضميرِ الأخلاقي لدى معظم من يأتمنه الشعبُ على بناءِ الأوطان وعمارةِ البلدان.
http://www.islammaghribi.com/2019/01/04/%D8%AA%D9%86%D8%A7%D8%BA%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8A%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB/
islamaghribi
تناغم القانون والقيم في الدولة الحديثة
د. عبدالجبار الرفاعي الكلُّ يعرف أن نموذجَ الدولة الحديثة بُني على الفكرِ السياسي ونظرياتِ الدولةِ التي صاغها المفكرون في عصرَي النهضةِ والأنوار. ودولةُ الغرب الحديثة هي الدولةُ التي ما زلنا نتمناها، ويلوذُ بها الهاربون من جورِ حكوماتِنا وعسفِها، منذ أن حدّثنا…
الدين ليس نصوصًا مقدسة فقط، الدين كائن حي منخرط في التاريخ ومشروطياته، يخضع لنواميس التغيير والتحوّل والتطور، وفقًا للزمان والمكان والبيئة المجتمعية الحاضنة له، لذلك تختلف تجلياته باختلاف المجتمعات وثقافاتها ودرجة تطورها الحضاري، بل يختلف التعبير عنه أحيانًا باختلاف الأفراد في مجتمع واحد.
فاذا اردنا انتاج فهم انساني للدين، وقراءة أخلاقية لنصوصه المقدسة، يجب العمل أولًا على تغيير وعي الانسان وظروفه المادية وثقافته.
فاذا اردنا انتاج فهم انساني للدين، وقراءة أخلاقية لنصوصه المقدسة، يجب العمل أولًا على تغيير وعي الانسان وظروفه المادية وثقافته.
دولة المسلمين
وتمثلاتها عبر التاريخ
عبدالجبار الرفاعي
حين تحدّثت الجماعاتُ الدينيةُ عن إسلاميةِ الدولة لم تفسّر ما الذي تريده بتوصيف "الإسلامية" هنا، إذ إن كلمةَ "الإسلام" تحيلُ تارةً إلى النصّ الأوّل المقدّس "القرآن الكريم"، وثانيةً تحيلُ كلمةُ "الإسلام" إلى النصّ الثاني الذي هو "تفسيرات وتأويلات وشروح وقراءات النصّ الأول"، أو ما نعبّر عنه بـ"التراث الإسلامي" مثل: التفسير وعلوم القرآن، والفقه وأصوله، وعلم الكلام، والفلسفة، والتصوف... وغيرها، وثالثةً تحيلُ كلمةُ "الإسلام" إلى تمثّلاتِ الإسلامِ العملية وتجسيدِه في الواقع في مسيرته الطويلة، بوصفه تجربةً بشريةً تفاعلتْ مع المعطيات المتنوّعة لكلّ عصر، وتشكّلت تبعًا لثقافاتِ الشعوبِ المختلفة، وأنماطِ عيش المجتمعاتِ المتنوّعة عبر التاريخ، وتجلياتِ حضارات المجتمعات التي آمنت بالإسلام.
الصنفان الثاني والثالث من الإسلام تشكّلا بحسب طبائعِ وأحوالِ وثقافاتِ المجتمعات التي دخلت الإسلام، ما يعني أن الإسلامَ وأيَّ دين آخر لا يتحقّق إلّا في التاريخ، فليست هناك ديانةٌ عابرةٌ للزمانِ والمكانِ وطبائعِ البشر ودرجةِ تمدّنِ الإنسان، وليست هناك ديانةٌ تتحقّق في الحياة خارجَ التاريخِ البشري وصيروتِه ومشروطياتِه، وليس هناك دينٌ بلا تديّن أو تديّنٌ بلا دين. حركةُ التاريخ بطبيعتها لا تكفّ عن الصيرورةِ والتحوّل والتبدّل، وتحقّقُ الإسلام في التاريخ يعني الصيرورةَ والتحوّلَ والتبدّلَ في أنماطِ تمثّلاتِ الإسلامِ وتجلياتِه في حياةِ المجتمعات.
لا يميز كثيرٌ من أتباعِ الجماعاتِ الدينيةِ بين إسلامِ الوحي، وإسلامِ التراث، وإسلامِ تجارب المسلمين عبر التاريخ، على الرغم من أن إسلامَ التراث وإسلامَ تجارب المسلمين لم يتحقّق بهما إسلامُ الوحي على الدوام، بل أحيانًا يكونُ إسلامُ التراثِ وإسلامُ تجارب المسلمين ضدًّا لإسلامِ الوحي في المفهوماتِ والممارسات والمواقف. إسلامُ التراث وإسلامُ تجارب المسلمين ينطقان باسمِ كلِّ ملابسات التاريخ ومقولاتِه وإكراهاته وصراعاتِه. إسلامُ الوحي هو إسلامُ النبي محمد (ص) والقرآن الكريم، هو إسلامٌ يمتلكُ طاقاتٍ روحية وأخلاقية مُلهمة للمسلم في كلّ زمان لو تبصّرها المسلمُ بدراية في ضوء الأفق التاريخي لعصره. إسلامُ التراثِ وإسلامُ تجارب المسلمين هما إسلامان تحقّقا في التاريخ، ما يعني أن دولةَ المسلمين في الماضي كانت ناطقةً باسمِ تاريخ الإسلام السياسي، الذي تمثّلَ شكلُ الدولة فيه بالدولةِ السلطانية ودولةِ الخلافة، وهي تختلف كليًا عن الدولةِ الحديثة.
أما مثالُ الدولةِ الدينية الذي تحيل إليه أدبياتُ الجماعات الدينية فنجده يستأنف دولةَ المسلمين في التاريخ. علمًا أن دولةَ المسلمين، منذ عصر الخلفاء الراشدين حتى إلغاءِ أتاتورك الخلافة العثمانية عام 1924، لم تتشكّل وتتأطر وتتّسع وتتقلّص في أفق النصِّ المقدّس، أي إنها كانت دولةً دنيوية أنتجها البشرُ، ولم تكن مشتقّةً من النصّ. لم تكن دولةً إلهيةً ربّانيةً، ولم يكن حضورُ الدين وتشريعاتُه ومنظومتُه القيمية لدى الخلفاء الأمويين والعباسيين، والسلاطين العثمانيين، سوى طلاءٍ خارجي باهتٍ وقشورٍ واهيةٍ، لصياغةِ رسومِ دار الخلافة، وتلوينِ بروتوكولات قصورِ الخلفاء والأمراءِ والسلاطين. كلُّ من يتأملُ الحضورَ الشكلي للدين في سلطة الخلفاء والسلاطين يجدُ تضادًا بين دين السلطة ودين الناس. وكلُّ من يقرأ تجربةَ السلطة في تاريخ الإسلام لا يرى تطابقًا بين الدين والدولة، بل يجدُ المجالَ السياسي على الضدّ من المجال الديني بمضمونه الروحي والأخلاقي.
إذًا، لم يكن مضمونُ دولةِ المسلمين إسلاميًا، بمعنى إسلام الوحي، في ظلِّ الخلفاء الأمويين والعباسيين، والسلاطين العثمانيين، والأمراء في دويلات المسلمين كما تدّعي بعضُ أدبيات الجماعات الدينية. ولم تكن مدوناتُ "الأحكام السلطانية" سوى مفاهيم وآراء وفتاوى أكثرها صدىً لمخيلة فقهاءَ ورجالِ دينٍ وكتّابِ سلاطين، لم يبتعدوا عن فضاءِ قصورِ الخلفاءِ والأمراءِ وبلاطِ السلاطين. وهي في الأعمِّ الغالب لا تعدو أن تكونَ تسويغاتٍ تضفي المشروعيةَ على ما هو كائنٌ ومتحقِّق من تدبيراتٍ وقراراتٍ وبروتوكولاتٍ ورسومٍ في دارِ الخلافة، وفرماناتِ قصورِ السلطنة. لذلك لا يصحُّ نعتُها بالإسلامية إلّا بوصفها وُلدتْ في سياقاتِ إسلامية.
وتمثلاتها عبر التاريخ
عبدالجبار الرفاعي
حين تحدّثت الجماعاتُ الدينيةُ عن إسلاميةِ الدولة لم تفسّر ما الذي تريده بتوصيف "الإسلامية" هنا، إذ إن كلمةَ "الإسلام" تحيلُ تارةً إلى النصّ الأوّل المقدّس "القرآن الكريم"، وثانيةً تحيلُ كلمةُ "الإسلام" إلى النصّ الثاني الذي هو "تفسيرات وتأويلات وشروح وقراءات النصّ الأول"، أو ما نعبّر عنه بـ"التراث الإسلامي" مثل: التفسير وعلوم القرآن، والفقه وأصوله، وعلم الكلام، والفلسفة، والتصوف... وغيرها، وثالثةً تحيلُ كلمةُ "الإسلام" إلى تمثّلاتِ الإسلامِ العملية وتجسيدِه في الواقع في مسيرته الطويلة، بوصفه تجربةً بشريةً تفاعلتْ مع المعطيات المتنوّعة لكلّ عصر، وتشكّلت تبعًا لثقافاتِ الشعوبِ المختلفة، وأنماطِ عيش المجتمعاتِ المتنوّعة عبر التاريخ، وتجلياتِ حضارات المجتمعات التي آمنت بالإسلام.
الصنفان الثاني والثالث من الإسلام تشكّلا بحسب طبائعِ وأحوالِ وثقافاتِ المجتمعات التي دخلت الإسلام، ما يعني أن الإسلامَ وأيَّ دين آخر لا يتحقّق إلّا في التاريخ، فليست هناك ديانةٌ عابرةٌ للزمانِ والمكانِ وطبائعِ البشر ودرجةِ تمدّنِ الإنسان، وليست هناك ديانةٌ تتحقّق في الحياة خارجَ التاريخِ البشري وصيروتِه ومشروطياتِه، وليس هناك دينٌ بلا تديّن أو تديّنٌ بلا دين. حركةُ التاريخ بطبيعتها لا تكفّ عن الصيرورةِ والتحوّل والتبدّل، وتحقّقُ الإسلام في التاريخ يعني الصيرورةَ والتحوّلَ والتبدّلَ في أنماطِ تمثّلاتِ الإسلامِ وتجلياتِه في حياةِ المجتمعات.
لا يميز كثيرٌ من أتباعِ الجماعاتِ الدينيةِ بين إسلامِ الوحي، وإسلامِ التراث، وإسلامِ تجارب المسلمين عبر التاريخ، على الرغم من أن إسلامَ التراث وإسلامَ تجارب المسلمين لم يتحقّق بهما إسلامُ الوحي على الدوام، بل أحيانًا يكونُ إسلامُ التراثِ وإسلامُ تجارب المسلمين ضدًّا لإسلامِ الوحي في المفهوماتِ والممارسات والمواقف. إسلامُ التراث وإسلامُ تجارب المسلمين ينطقان باسمِ كلِّ ملابسات التاريخ ومقولاتِه وإكراهاته وصراعاتِه. إسلامُ الوحي هو إسلامُ النبي محمد (ص) والقرآن الكريم، هو إسلامٌ يمتلكُ طاقاتٍ روحية وأخلاقية مُلهمة للمسلم في كلّ زمان لو تبصّرها المسلمُ بدراية في ضوء الأفق التاريخي لعصره. إسلامُ التراثِ وإسلامُ تجارب المسلمين هما إسلامان تحقّقا في التاريخ، ما يعني أن دولةَ المسلمين في الماضي كانت ناطقةً باسمِ تاريخ الإسلام السياسي، الذي تمثّلَ شكلُ الدولة فيه بالدولةِ السلطانية ودولةِ الخلافة، وهي تختلف كليًا عن الدولةِ الحديثة.
أما مثالُ الدولةِ الدينية الذي تحيل إليه أدبياتُ الجماعات الدينية فنجده يستأنف دولةَ المسلمين في التاريخ. علمًا أن دولةَ المسلمين، منذ عصر الخلفاء الراشدين حتى إلغاءِ أتاتورك الخلافة العثمانية عام 1924، لم تتشكّل وتتأطر وتتّسع وتتقلّص في أفق النصِّ المقدّس، أي إنها كانت دولةً دنيوية أنتجها البشرُ، ولم تكن مشتقّةً من النصّ. لم تكن دولةً إلهيةً ربّانيةً، ولم يكن حضورُ الدين وتشريعاتُه ومنظومتُه القيمية لدى الخلفاء الأمويين والعباسيين، والسلاطين العثمانيين، سوى طلاءٍ خارجي باهتٍ وقشورٍ واهيةٍ، لصياغةِ رسومِ دار الخلافة، وتلوينِ بروتوكولات قصورِ الخلفاء والأمراءِ والسلاطين. كلُّ من يتأملُ الحضورَ الشكلي للدين في سلطة الخلفاء والسلاطين يجدُ تضادًا بين دين السلطة ودين الناس. وكلُّ من يقرأ تجربةَ السلطة في تاريخ الإسلام لا يرى تطابقًا بين الدين والدولة، بل يجدُ المجالَ السياسي على الضدّ من المجال الديني بمضمونه الروحي والأخلاقي.
إذًا، لم يكن مضمونُ دولةِ المسلمين إسلاميًا، بمعنى إسلام الوحي، في ظلِّ الخلفاء الأمويين والعباسيين، والسلاطين العثمانيين، والأمراء في دويلات المسلمين كما تدّعي بعضُ أدبيات الجماعات الدينية. ولم تكن مدوناتُ "الأحكام السلطانية" سوى مفاهيم وآراء وفتاوى أكثرها صدىً لمخيلة فقهاءَ ورجالِ دينٍ وكتّابِ سلاطين، لم يبتعدوا عن فضاءِ قصورِ الخلفاءِ والأمراءِ وبلاطِ السلاطين. وهي في الأعمِّ الغالب لا تعدو أن تكونَ تسويغاتٍ تضفي المشروعيةَ على ما هو كائنٌ ومتحقِّق من تدبيراتٍ وقراراتٍ وبروتوكولاتٍ ورسومٍ في دارِ الخلافة، وفرماناتِ قصورِ السلطنة. لذلك لا يصحُّ نعتُها بالإسلامية إلّا بوصفها وُلدتْ في سياقاتِ إسلامية.