2- سقوط جماعة من الباحثين في الفلسفة في فخ الأيديولوجيا
تارة يقع الدرس الفلسفي في الجامعة العراقية تحت سطوة الأيديولوجيا اليسارية، وأخرى القومية، وثالثة الاسلامية. فقد خضع الباحثون في الفلسفة لغوايات أيديولوجيا السلطة، وتشوهت كتاباتُهم بتزوير الأيديولوجيا لكل شيء، حتى أضحت هذه الكتابات ليست مفرغةً من أي مضمون فلسفي وحسب، بل هي الضدُّ للفلسفة.
الفلسفةُ معرفةٌ كونية، لا تتحيّز لمعتقد أو أيديولوجيا، وإلّا ستنفي ذاتَها إن تحيزت فاتخذت مرجعيةً لها من: المعتقد الديني، أو الأيديولوجيا، أو الهوية، أو ما هو قومي، أو محلي، أو جغرافي. الفلسفةُ لا تستمدّ حياتَها من كلِّ ذلك، ولا تفتقر إلى مشروعية غير العقل تستعيرها من المعتقدات. لا مشروعيةَ للفلسفة خارج عقلانيتها النقدية، وتحرّرها من تسلّط أية مرجعية على العقل[2].
من نتائج السقوط في فخ الأيديولوجيا ظهور ما أسميتُهُ: "موضةَ الفلسفة"، أي إن غواياتِ أيديولوجيا السلطة أفضت إلى شيوع موضات تعصف بالدرس والكتابة في الفلسفة، تبدأ تلك الموضة بهيمنة السلطة الجديدة، وتتنامى تبعاً لتغولها، حتى تبلغَ بعضُ الكتابات حدّاً تصبح فيه مرآةً لأيديولوجيا السلطة وأدبياتها وشعاراتها، لحظةَ يتورط بعضُ الباحثين بتصنيف شيء من كتابات يساريين وبعثيين واسلامين - تبعاً لحقبة السلطة - بوصفها كتابات فلسفية، رغم انها يمكن أن تقول كل شيء، من دون أن تقول شيئًا له معنى فلسفي.
وتفرض "موضةُ الفلسفة" في كل حقبة سياسية عناوين ووجهة عدد غير قليل من رسائل واطروحات الدراسات العليا والبحوث الجامعية، التي تسعى للتعاطي مع كتابات "لافلسفية" لمؤسسي الأحزاب الحاكمة وكتّاب أدبياتِها وتصنفها بوصفها نصوصًا فلسفية[3].
كذلك فرضت "موضةُ الفلسفة" التباس الانشاء الفلسفي في العراق، وغرقه في تهويمات وفائض لفظي، من شأنه أن يشوّه ذائقة المبتدئين في دراسة الفلسفة. كما نقرأ ذلك في كتابات أساتذة فلسفة، يلتمسون المستحيل من أجل افتعال معنى فلسفي في كلمات صدام حسين وشيء من هذياناته. ومن الطريف ان بعض من كتبوا رسائلهم الماجستير واطروحاتهم الدكتوراه في فكر ميشيل عفلق وصدام حسين وأدبيات البعث أمسوا اليوم "كتّابا تحت الطلب"، يكتبون المفاهيم التي تنشدها جماعات دينية في السلطة.
3 – الحضور الهامشي للفلسفة الناطقة بالألمانية
مازال حضور الفلسفة الألمانية ضئيلا في الدرس الفلسفي في العراق، فمثلا تعرّف الباحثون والدارسون في جامعاتنا على الوجودية عبر جان بول سارتر "1905-1980"، وليس عبر مؤسسها سورين كيركغورد "1813-1855"، وأعمق فلاسفتها في القرن العشرين مارتن هايدغر "1889-1976"، وتعرّفوا على إيمانويل كانط "1724-1804" عبر ترجماته العربية أو الأنجليزية أو الفرنسية، وليس عبر لغته الأم الألمانية.
الفلسفةُ الناطقة بالألمانية، منذ إيمانويل كانط، كان لها تأثيرٌ حاسمٌ في رسم اتجاهات التفكير الفلسفي الحديث وتوجيه العلوم والمعارف في الغرب. يصف ديورانت في قصة الفلسفة كانط بقوله: "لم يشهد تاريخُ الفكر فلسفةً بلغت من السيادة والنفوذ في عصر من العصور ما بلغته فلسفةُ إيمانويل كانط، لقد قام بهزّ العالم وإيقاظه من نومه العقائدي، عندما نشر كتابه نقد العقل المحض. إن كل الفلسفات التي أتت من بعده ما هي إلا تطويرات سطحية يتدفق من تحتها تيار فلسفة كانط القوي والثابت والأشد عمقًا واتساعًا، ولا تزال فلسفةُ كانط إلى يومنا هذا القاعدة والركيزة الأساسية لكل فلسفة أخرى. لقد سلّم نيتشه بكل ما جاء به كانط واعتبره من المسلّمات، كما ان الفيلسوف الكبير شوبنهاور اعتبر كتاب نقد العقل المحض أهم وأعظم كتاب وضع يوما بالألمانية على مر العصور. إن الإنسان يبقى من حيث المعرفة طفلًا إلى أن يفهم كانط". وكان كانط قد استغرق 12 سنةً فى تأمل فكرة: "نقد العقل المحض". يصف موسى مندلسون أحدُ زملاء كانط هذا الكتابَ بأنه: "عمل موتّر للأعصاب". وقد كتب إيمانويل كانط إلى موسى مندلسون في 16 أغسطس 1783 يقول: مع أن الكتاب "ثمرة تأمل شغلني على الأقل اثني عشر عامًا، فإنني أكملته بأقصى سرعة في أربعة أشهر أو خمسة، باذلًا أبلغ العناية بمحتوياته، ولكن من دون اهتمام يذكر بالعرض أو بتيسير فهمه للقارئ، وهو قرار لم أندم عليه قط، وإلا فلو تباطأت وحاولت صوغه في شكل أكثر شعبية لما اكتمل العمل إطلاقًا في غالب الظن"[4].
الفلسفةُ الناطقة بالألمانية فلسفةٌ دقيقةٌ، شديدةُ التركيب والوعورة، حتى إن بدتْ لأول وهلة في متناول القارئ، غير المتمرّس، فإنه يخدع عقلَه، لأنه لم يتأمل النسيجَ الغامضَ لمفاهيمها، إنها لا تبوح بأسرارِها بقراءةٍ عابرة، أو نظرةٍ عاجلة، بل يتطلّب الفهمُ والاستيعابُ الدقيقُ لأحد اتجاهاتها سنوات طويلة من الدراسة على يد خبراء، كما يتطلّب تفكيكُها ونقدُها وغربلتُها الكثيرَ من المطالعات المتبصرة والنقاشات الصبورة.
تارة يقع الدرس الفلسفي في الجامعة العراقية تحت سطوة الأيديولوجيا اليسارية، وأخرى القومية، وثالثة الاسلامية. فقد خضع الباحثون في الفلسفة لغوايات أيديولوجيا السلطة، وتشوهت كتاباتُهم بتزوير الأيديولوجيا لكل شيء، حتى أضحت هذه الكتابات ليست مفرغةً من أي مضمون فلسفي وحسب، بل هي الضدُّ للفلسفة.
الفلسفةُ معرفةٌ كونية، لا تتحيّز لمعتقد أو أيديولوجيا، وإلّا ستنفي ذاتَها إن تحيزت فاتخذت مرجعيةً لها من: المعتقد الديني، أو الأيديولوجيا، أو الهوية، أو ما هو قومي، أو محلي، أو جغرافي. الفلسفةُ لا تستمدّ حياتَها من كلِّ ذلك، ولا تفتقر إلى مشروعية غير العقل تستعيرها من المعتقدات. لا مشروعيةَ للفلسفة خارج عقلانيتها النقدية، وتحرّرها من تسلّط أية مرجعية على العقل[2].
من نتائج السقوط في فخ الأيديولوجيا ظهور ما أسميتُهُ: "موضةَ الفلسفة"، أي إن غواياتِ أيديولوجيا السلطة أفضت إلى شيوع موضات تعصف بالدرس والكتابة في الفلسفة، تبدأ تلك الموضة بهيمنة السلطة الجديدة، وتتنامى تبعاً لتغولها، حتى تبلغَ بعضُ الكتابات حدّاً تصبح فيه مرآةً لأيديولوجيا السلطة وأدبياتها وشعاراتها، لحظةَ يتورط بعضُ الباحثين بتصنيف شيء من كتابات يساريين وبعثيين واسلامين - تبعاً لحقبة السلطة - بوصفها كتابات فلسفية، رغم انها يمكن أن تقول كل شيء، من دون أن تقول شيئًا له معنى فلسفي.
وتفرض "موضةُ الفلسفة" في كل حقبة سياسية عناوين ووجهة عدد غير قليل من رسائل واطروحات الدراسات العليا والبحوث الجامعية، التي تسعى للتعاطي مع كتابات "لافلسفية" لمؤسسي الأحزاب الحاكمة وكتّاب أدبياتِها وتصنفها بوصفها نصوصًا فلسفية[3].
كذلك فرضت "موضةُ الفلسفة" التباس الانشاء الفلسفي في العراق، وغرقه في تهويمات وفائض لفظي، من شأنه أن يشوّه ذائقة المبتدئين في دراسة الفلسفة. كما نقرأ ذلك في كتابات أساتذة فلسفة، يلتمسون المستحيل من أجل افتعال معنى فلسفي في كلمات صدام حسين وشيء من هذياناته. ومن الطريف ان بعض من كتبوا رسائلهم الماجستير واطروحاتهم الدكتوراه في فكر ميشيل عفلق وصدام حسين وأدبيات البعث أمسوا اليوم "كتّابا تحت الطلب"، يكتبون المفاهيم التي تنشدها جماعات دينية في السلطة.
3 – الحضور الهامشي للفلسفة الناطقة بالألمانية
مازال حضور الفلسفة الألمانية ضئيلا في الدرس الفلسفي في العراق، فمثلا تعرّف الباحثون والدارسون في جامعاتنا على الوجودية عبر جان بول سارتر "1905-1980"، وليس عبر مؤسسها سورين كيركغورد "1813-1855"، وأعمق فلاسفتها في القرن العشرين مارتن هايدغر "1889-1976"، وتعرّفوا على إيمانويل كانط "1724-1804" عبر ترجماته العربية أو الأنجليزية أو الفرنسية، وليس عبر لغته الأم الألمانية.
الفلسفةُ الناطقة بالألمانية، منذ إيمانويل كانط، كان لها تأثيرٌ حاسمٌ في رسم اتجاهات التفكير الفلسفي الحديث وتوجيه العلوم والمعارف في الغرب. يصف ديورانت في قصة الفلسفة كانط بقوله: "لم يشهد تاريخُ الفكر فلسفةً بلغت من السيادة والنفوذ في عصر من العصور ما بلغته فلسفةُ إيمانويل كانط، لقد قام بهزّ العالم وإيقاظه من نومه العقائدي، عندما نشر كتابه نقد العقل المحض. إن كل الفلسفات التي أتت من بعده ما هي إلا تطويرات سطحية يتدفق من تحتها تيار فلسفة كانط القوي والثابت والأشد عمقًا واتساعًا، ولا تزال فلسفةُ كانط إلى يومنا هذا القاعدة والركيزة الأساسية لكل فلسفة أخرى. لقد سلّم نيتشه بكل ما جاء به كانط واعتبره من المسلّمات، كما ان الفيلسوف الكبير شوبنهاور اعتبر كتاب نقد العقل المحض أهم وأعظم كتاب وضع يوما بالألمانية على مر العصور. إن الإنسان يبقى من حيث المعرفة طفلًا إلى أن يفهم كانط". وكان كانط قد استغرق 12 سنةً فى تأمل فكرة: "نقد العقل المحض". يصف موسى مندلسون أحدُ زملاء كانط هذا الكتابَ بأنه: "عمل موتّر للأعصاب". وقد كتب إيمانويل كانط إلى موسى مندلسون في 16 أغسطس 1783 يقول: مع أن الكتاب "ثمرة تأمل شغلني على الأقل اثني عشر عامًا، فإنني أكملته بأقصى سرعة في أربعة أشهر أو خمسة، باذلًا أبلغ العناية بمحتوياته، ولكن من دون اهتمام يذكر بالعرض أو بتيسير فهمه للقارئ، وهو قرار لم أندم عليه قط، وإلا فلو تباطأت وحاولت صوغه في شكل أكثر شعبية لما اكتمل العمل إطلاقًا في غالب الظن"[4].
الفلسفةُ الناطقة بالألمانية فلسفةٌ دقيقةٌ، شديدةُ التركيب والوعورة، حتى إن بدتْ لأول وهلة في متناول القارئ، غير المتمرّس، فإنه يخدع عقلَه، لأنه لم يتأمل النسيجَ الغامضَ لمفاهيمها، إنها لا تبوح بأسرارِها بقراءةٍ عابرة، أو نظرةٍ عاجلة، بل يتطلّب الفهمُ والاستيعابُ الدقيقُ لأحد اتجاهاتها سنوات طويلة من الدراسة على يد خبراء، كما يتطلّب تفكيكُها ونقدُها وغربلتُها الكثيرَ من المطالعات المتبصرة والنقاشات الصبورة.
4- التعاطي مع الفلسفة وكأنها فائضة عن الحاجة
اعتمدت وزارةُ التعليم العالي في وطننا تقليدًا في القبول صنّفت فيه الفلسفةَ بالمرتبة الدنيا من معدلات النجاح في الثانوية العامة، ووفقا لهذا المستوى من المعدلات يتم القبول في تخصصات علوم الانسان والمجتمع، بنحو أصبح معه معظمُ تلامذة الفلسفة وهذه العلوم هم الأضعف معدلًا بين جيلهم، ولم ينظر إلى استعداد التلميذ ورغبته ونوع قراءاته السابقة في قبوله. في حين تظفر الفروع الطبية والهندسية بتلامذة هم الأعلى معدلًا في نجاحهم، فصارت كأنها مقبرة للموهوبين من الأبناء. وأضحى حلمُ كل التلامذة القبول في هذه التخصصات، إثر تفشي تقاليد مجتمعية تبجّل من يتخصص بالطب والهندسة، ولا تعبأ بقيمة الفلسفة والآداب والفنون وعلوم الانسان والمجتمع.
وأكثر القراء يفضلون الكتابات المبسطة، لذلك تكتظ مكتباتنا بأعمال ليست ذات أهمية كبيرة في الثقافة العالمية، وينشغل شبابنا بالكتابات التعبوية التحريضية، وبما يشعل مشاعرهم بالأناشيد التحريضية. تلك الكتابات تفشّت في لغتنا، عبر كرّاسات الجماعات القومية واليسارية والإسلامية، والتلذّذ بالوصفات العاجلة الساذجة لتفسير المشكلات وعلاجها. أما المؤلفات العميقة للفلاسفة، والكتابات الجادة للمفكرين الكبار، فهي غريبة عنا ونحن غرباء عنها. لذلك انتشرت بعض الأسماء الغربية والشرقية التي تحترف الكتابة التعبوية، بنحو أصبحنا نحتفي بكولن ولسن وننسى مارتن هايدغر. ونحتفي بأبي الأعلى المودودي وننسى محمد إقبال... إلخ[5].
6 - القطيعة بين الدرس الفلسفي في الحوزة والجامعة
لا أعرف تواصلًا ديناميكيا بين الدرس الفلسفي في الحوزة في النجف وأقسام الفلسفة في الجامعات العراقية، فلكل منهما انشغالاتُه واهتماماتُه ومقرراتُه وأساليبُه في التعليم والكتابة والانشاء الفلسفي. وعلى العكس من الدرس الفلسفي الحوزوي، الذي يسرف في تدريس مؤلفات الملا صدرا الشيرازي وتلامذةِ مدرستِهِ، فإن الدرسَ الفلسفي في الجامعة قلما يهتم بدراسة مؤلفات الفلاسفة الغربيين وتلامذةِ مدارسهم، بينما يستنزف جهودَ التلامذة في دراسة تاريخ الفلسفة ومراحل تطورها، منذ العصر اليوناني حتى اليوم، بجوار الاتجاهات الحديثة والمعاصرة في الفكر العربي. ويمكن القول: إن مسارَي الدرس الفلسفي في الحوزةِ والجامعةِ متوازيان، أي إن كلا منهما متموضعٌ في مساره، لذلك لم يلتقيا حتى اليوم، وربما لن يلتقيا غدًا، إنْ لبث كلٌّ منهما مرتهنًا بآفاق رؤيته ومشاغلِهِ ومصطلحاتِهِ ومقولاتِه.
ويخشى كثيرُ من الدارسين والباحثين في الفلسفة وعلوم الانسان والمجتمع من البحث في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، وكلِّ ما يتصل بالمناهج الحديثة في قراءة النصوص الدينية، وتوظيفها في فهم الظواهر الدينية وأنماط التدين. في حين أن أخطر مأزق يهدّد حاضر هذا الوطن ومصيرَه هو شيوع القراءات المغلقة للنصوص الدينية، وتفشي أنماط تدين يتورط فيها الشباب بالعنف، ويغتربون عن عالمهم وزمانهم. ولا خلاص من دون فهم جديد للدين وقراءة بديلة لنصوصه من منظور الفلسفة الحديثة وعلوم الانسان والمجتمع.
كما يندر حضور التصوف الفلسفي وأعمال أعلامه أمثال محيي الدين بن عربي، في الدرس الفلسفي، وحتى لو حضر التصوف في هذا الدرس فإنه يحضر عبر متصوفة بغداد، الذين غلب على كثير منهم التصوفُ السني، والخبيرُ يعرف أن هذا الضرب من التصوف يختلف عن التصوّف الفلسفي. التصوّفُ السني تصوّفٌ عملي "طُرُقي" ينشغل بالعبادة والزهد، ويلتزم في سلوكه بما تقرّره المدونةُ الفقهية. رؤيته الاعتقادية كلامية أشعرية، خلافاً للتصوف الفلسفي الذي صاغ رؤيته التوحيدية المغايرة للرؤية الكلامية الأشعرية[6]. التصوّفُ السني انتهى عند أكثر أتباعه إلى ضربٍ من الرهبنة والغيابِ عن العالم، بل سقط أخيرًا في الشعوذة والدروشة البهلوانية. التصوّفُ العملي "الطرقي" تحوّل بمرور الزمن إلى ضربٍ من الزهدِ الهاربِ من الحياة، القابعِ في الزوايا والخانقاهات، والحائرِ بمواقفه المشوشة للواقع، ورؤيته المتشائمة للعالَم، والمختنقِ بضيق أفق بعض أحكام مدونة الفقه، والمتذبذبِ بين رؤية المتكلمين التوحيدية المغلقة، وتوق الروح المتّقد وأشواقها الحرة لدى المتصوفة[7].
الهوامش:
[1] تحرير للمحاضرة الافتتاحية في: "مؤتمر الفلسفة وأسئلة العقل العراقي"، الذي أقامه اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، بغداد 1 نيسان 2017.
[2] د. عبدالجبار الرفاعي. الدين والاغتراب الميتافيزيقي. بيروت: دار التنوير، ط1، ص 32.
[3] طالعتُ رسائل ماجستير واطروحات دكتوراه في الفلسفة تفتعل فلسفة لثرثرات صدام حسين، فتخصص مئات الصفحات للكتابة عنها، وتضعها أحيانًا برتبة أعمال فلاسفة مشهورين.
[4] ويكيبديا.
[5] د. عبدالجبار الرفاعي. الدين والظمأ الأنطولوجي. بيروت: دار التنوير، ط3، 2018 ، ص 125.
[6] وهو ما شرحناه في الفصل 11، المعنون: "التصوّف الفلسفي وعلم الكلام رؤيتان للتوحيد"، من كتابنا الأخير: الدين والاغتراب الميتافيزيقي.
اعتمدت وزارةُ التعليم العالي في وطننا تقليدًا في القبول صنّفت فيه الفلسفةَ بالمرتبة الدنيا من معدلات النجاح في الثانوية العامة، ووفقا لهذا المستوى من المعدلات يتم القبول في تخصصات علوم الانسان والمجتمع، بنحو أصبح معه معظمُ تلامذة الفلسفة وهذه العلوم هم الأضعف معدلًا بين جيلهم، ولم ينظر إلى استعداد التلميذ ورغبته ونوع قراءاته السابقة في قبوله. في حين تظفر الفروع الطبية والهندسية بتلامذة هم الأعلى معدلًا في نجاحهم، فصارت كأنها مقبرة للموهوبين من الأبناء. وأضحى حلمُ كل التلامذة القبول في هذه التخصصات، إثر تفشي تقاليد مجتمعية تبجّل من يتخصص بالطب والهندسة، ولا تعبأ بقيمة الفلسفة والآداب والفنون وعلوم الانسان والمجتمع.
وأكثر القراء يفضلون الكتابات المبسطة، لذلك تكتظ مكتباتنا بأعمال ليست ذات أهمية كبيرة في الثقافة العالمية، وينشغل شبابنا بالكتابات التعبوية التحريضية، وبما يشعل مشاعرهم بالأناشيد التحريضية. تلك الكتابات تفشّت في لغتنا، عبر كرّاسات الجماعات القومية واليسارية والإسلامية، والتلذّذ بالوصفات العاجلة الساذجة لتفسير المشكلات وعلاجها. أما المؤلفات العميقة للفلاسفة، والكتابات الجادة للمفكرين الكبار، فهي غريبة عنا ونحن غرباء عنها. لذلك انتشرت بعض الأسماء الغربية والشرقية التي تحترف الكتابة التعبوية، بنحو أصبحنا نحتفي بكولن ولسن وننسى مارتن هايدغر. ونحتفي بأبي الأعلى المودودي وننسى محمد إقبال... إلخ[5].
6 - القطيعة بين الدرس الفلسفي في الحوزة والجامعة
لا أعرف تواصلًا ديناميكيا بين الدرس الفلسفي في الحوزة في النجف وأقسام الفلسفة في الجامعات العراقية، فلكل منهما انشغالاتُه واهتماماتُه ومقرراتُه وأساليبُه في التعليم والكتابة والانشاء الفلسفي. وعلى العكس من الدرس الفلسفي الحوزوي، الذي يسرف في تدريس مؤلفات الملا صدرا الشيرازي وتلامذةِ مدرستِهِ، فإن الدرسَ الفلسفي في الجامعة قلما يهتم بدراسة مؤلفات الفلاسفة الغربيين وتلامذةِ مدارسهم، بينما يستنزف جهودَ التلامذة في دراسة تاريخ الفلسفة ومراحل تطورها، منذ العصر اليوناني حتى اليوم، بجوار الاتجاهات الحديثة والمعاصرة في الفكر العربي. ويمكن القول: إن مسارَي الدرس الفلسفي في الحوزةِ والجامعةِ متوازيان، أي إن كلا منهما متموضعٌ في مساره، لذلك لم يلتقيا حتى اليوم، وربما لن يلتقيا غدًا، إنْ لبث كلٌّ منهما مرتهنًا بآفاق رؤيته ومشاغلِهِ ومصطلحاتِهِ ومقولاتِه.
ويخشى كثيرُ من الدارسين والباحثين في الفلسفة وعلوم الانسان والمجتمع من البحث في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، وكلِّ ما يتصل بالمناهج الحديثة في قراءة النصوص الدينية، وتوظيفها في فهم الظواهر الدينية وأنماط التدين. في حين أن أخطر مأزق يهدّد حاضر هذا الوطن ومصيرَه هو شيوع القراءات المغلقة للنصوص الدينية، وتفشي أنماط تدين يتورط فيها الشباب بالعنف، ويغتربون عن عالمهم وزمانهم. ولا خلاص من دون فهم جديد للدين وقراءة بديلة لنصوصه من منظور الفلسفة الحديثة وعلوم الانسان والمجتمع.
كما يندر حضور التصوف الفلسفي وأعمال أعلامه أمثال محيي الدين بن عربي، في الدرس الفلسفي، وحتى لو حضر التصوف في هذا الدرس فإنه يحضر عبر متصوفة بغداد، الذين غلب على كثير منهم التصوفُ السني، والخبيرُ يعرف أن هذا الضرب من التصوف يختلف عن التصوّف الفلسفي. التصوّفُ السني تصوّفٌ عملي "طُرُقي" ينشغل بالعبادة والزهد، ويلتزم في سلوكه بما تقرّره المدونةُ الفقهية. رؤيته الاعتقادية كلامية أشعرية، خلافاً للتصوف الفلسفي الذي صاغ رؤيته التوحيدية المغايرة للرؤية الكلامية الأشعرية[6]. التصوّفُ السني انتهى عند أكثر أتباعه إلى ضربٍ من الرهبنة والغيابِ عن العالم، بل سقط أخيرًا في الشعوذة والدروشة البهلوانية. التصوّفُ العملي "الطرقي" تحوّل بمرور الزمن إلى ضربٍ من الزهدِ الهاربِ من الحياة، القابعِ في الزوايا والخانقاهات، والحائرِ بمواقفه المشوشة للواقع، ورؤيته المتشائمة للعالَم، والمختنقِ بضيق أفق بعض أحكام مدونة الفقه، والمتذبذبِ بين رؤية المتكلمين التوحيدية المغلقة، وتوق الروح المتّقد وأشواقها الحرة لدى المتصوفة[7].
الهوامش:
[1] تحرير للمحاضرة الافتتاحية في: "مؤتمر الفلسفة وأسئلة العقل العراقي"، الذي أقامه اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، بغداد 1 نيسان 2017.
[2] د. عبدالجبار الرفاعي. الدين والاغتراب الميتافيزيقي. بيروت: دار التنوير، ط1، ص 32.
[3] طالعتُ رسائل ماجستير واطروحات دكتوراه في الفلسفة تفتعل فلسفة لثرثرات صدام حسين، فتخصص مئات الصفحات للكتابة عنها، وتضعها أحيانًا برتبة أعمال فلاسفة مشهورين.
[4] ويكيبديا.
[5] د. عبدالجبار الرفاعي. الدين والظمأ الأنطولوجي. بيروت: دار التنوير، ط3، 2018 ، ص 125.
[6] وهو ما شرحناه في الفصل 11، المعنون: "التصوّف الفلسفي وعلم الكلام رؤيتان للتوحيد"، من كتابنا الأخير: الدين والاغتراب الميتافيزيقي.
أعيد نشر التعقيب الذي كتبه الصديق د. هلال الجهاد على مقالتي عن "الدرس الفلسفي في العراق"... د. هلال الجهاد دكتوراه فلسفة في الأدب العربي من كلية الآداب في جامعة الموصل 1998. من آثاره العلمية: "فلسفة الشعر الجاهلي"، وترجمة كتاب العلامة الياباني توشيهيكو ايزوتسو، والذي هو من أهم المراجع في الدراسات القرآنية، وقد صدر عن المنظمة العربية للترجمة ببيروت، بعنوان: "الله والإنسان في القرآن: علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم".
تعقيب د. هلال الجهاد:
(مقالك هذا مزعج جدًّا. لأنه يكشف ويسأل ويحاسب هذا التيار الجارف من التجهيل الذي يستمر رغم تغير الأنظمة والإيديولوجيات. وأنا لم أجد في حياتي كلمة مرعبة مستفزة للسلطات المختلفة التي فرضت نفسها دوريًّا على النموذج المعرفي العربي- الإسلامي التقليدي الذي ما زال يهيمن على الواقع مثل كلمة "فلسفة"، ونتج عنها فكرة: "من تفلسف فقد تمنطق ومن تمنطق فقد تزندق" التي ما زالت تشبه وصمة على جبين كل من يتجرأ على التفكير والنقد. أتذكر أني رأيت رسم كرافيتي التالي وصفه، على أحد الجدران في الموصل، أيام سيطرة الدواعش: "اليوم أكملت لكم دينكم...." وتحتها رسم لبسطال عسكري فوق مجموعة من الكتب، وإلى جانبها التعليق التالي: اليوم الذي ماتت فيه الفلسفة، وأسدل الستار على تخبطات العقل البشري." هذا الرسم يلخص موقفًا نهائيًّا من أي نوع من التفكير ليس لدى الدواعش فحسب، بل لدى كل سلطة متغلبة على واقعنا، مهما اختلفت التسميات والإيديولوجيات. لكن الزعم بأن إجابات هذا النموذج المعرفي كلية ونهائية ومطلقة، ولا داعي للتساؤل والتفكير، قد أثبت أنه مجرد زعم، لأنه في الواقع لا يعني سوى الاستعادة والخضوع والجمود. والنتيجة دائمًا هي التنكيل والقمع وقطع الرؤوس من جهة، وتحويل الناس إلى مجرد قطيع خاضع هامد من جهة ثانية، ريثما تأتي سلطة أخرى تفعل الشيء نفسه. هذه الدورة التي تبدو أبدية لن تنفتح على المستقبل سوى بطريقة واحدة نعرفها ويعرفها غيرنا لكن من يريد ذلك حقًّا؟ المتفلسفة العرب المحدثون اندثرت محاولاتهم المتفائلة في تفعيل دور الفلسفة والتفكير الحر أمام الردة التي تمثلت بموجات الخطاب الإيدويلوجي المغلق، والخطاب الوعظي الغوغائي، الذي كرست له كل وسائل الإعلام في عالمنا العربي خلال الأربعين سنة الماضية. أنت تحفر في الصخر، ومقالك هذا ناقوس الخطر الأخير، لو أن هناك من يعي. تحياتي دكتور).
رابط النشر لمقالتي:
https://afkaar.center/2018/11/29/%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82/
تعقيب د. هلال الجهاد:
(مقالك هذا مزعج جدًّا. لأنه يكشف ويسأل ويحاسب هذا التيار الجارف من التجهيل الذي يستمر رغم تغير الأنظمة والإيديولوجيات. وأنا لم أجد في حياتي كلمة مرعبة مستفزة للسلطات المختلفة التي فرضت نفسها دوريًّا على النموذج المعرفي العربي- الإسلامي التقليدي الذي ما زال يهيمن على الواقع مثل كلمة "فلسفة"، ونتج عنها فكرة: "من تفلسف فقد تمنطق ومن تمنطق فقد تزندق" التي ما زالت تشبه وصمة على جبين كل من يتجرأ على التفكير والنقد. أتذكر أني رأيت رسم كرافيتي التالي وصفه، على أحد الجدران في الموصل، أيام سيطرة الدواعش: "اليوم أكملت لكم دينكم...." وتحتها رسم لبسطال عسكري فوق مجموعة من الكتب، وإلى جانبها التعليق التالي: اليوم الذي ماتت فيه الفلسفة، وأسدل الستار على تخبطات العقل البشري." هذا الرسم يلخص موقفًا نهائيًّا من أي نوع من التفكير ليس لدى الدواعش فحسب، بل لدى كل سلطة متغلبة على واقعنا، مهما اختلفت التسميات والإيديولوجيات. لكن الزعم بأن إجابات هذا النموذج المعرفي كلية ونهائية ومطلقة، ولا داعي للتساؤل والتفكير، قد أثبت أنه مجرد زعم، لأنه في الواقع لا يعني سوى الاستعادة والخضوع والجمود. والنتيجة دائمًا هي التنكيل والقمع وقطع الرؤوس من جهة، وتحويل الناس إلى مجرد قطيع خاضع هامد من جهة ثانية، ريثما تأتي سلطة أخرى تفعل الشيء نفسه. هذه الدورة التي تبدو أبدية لن تنفتح على المستقبل سوى بطريقة واحدة نعرفها ويعرفها غيرنا لكن من يريد ذلك حقًّا؟ المتفلسفة العرب المحدثون اندثرت محاولاتهم المتفائلة في تفعيل دور الفلسفة والتفكير الحر أمام الردة التي تمثلت بموجات الخطاب الإيدويلوجي المغلق، والخطاب الوعظي الغوغائي، الذي كرست له كل وسائل الإعلام في عالمنا العربي خلال الأربعين سنة الماضية. أنت تحفر في الصخر، ومقالك هذا ناقوس الخطر الأخير، لو أن هناك من يعي. تحياتي دكتور).
رابط النشر لمقالتي:
https://afkaar.center/2018/11/29/%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82/
لم تتوحّد البشرية في دين واحد أو ثقافة واحدة على مر التاريخ، لذلك لا يمكن أن يتحقق العيشُ المشترك بلا احترام للمختلف عقائدياً وثقافياً.. الحق في الاختلاف يفرض علينا قبول من لا تشبه معتقداته معتقداتنا وثقافته ثقافتنا. القرآن الكريم يقول: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ". هود ١١٨.. لو حاولت ديانة أن تحتكر تمثيل الله في الأرض، وتفرض حضورها بالعمل على البشرية، عبر ابادة من يعتقد بغيرها، فإنه يتعذر عليها ذلك .. كل وقائع الحروب بين الأديان تكذب فناء الأديان، إذ يتعذر أن تفني عمليات الابادة مكوناً دينياً، وذلك ما نراه ماثلاً في بقاء ديانات صغيرة رغم ما تعرضت له من مذابح عبر التاريخ .. مضافاً إلى أنه لا يمكن أن يقتنع كل أتباع الديانة بححج الأديان الأخرى على بطلان ديانتهم، ذلك ألا نتيجة منطقية ينتهي إليها جدل تصورين مختلفين للحقيقة، ورؤيتين مختلفتين للعالَم.. ولا يمكن إعادة بناء تاريخ الديانات في ضوء الأفق التاريخي الذي نتموضع فيه، والتعرف على كل ظروف نشأتها وصيرورتها عبر الزمان، لأن تاريخ كل ديانة تعيد تكوينه وتغذيته باستمرار مخيلةُ الجماعة، بكل ما تمتلئ به هذه المخيلة من أحلام ومطامح ونرجسيات، لذلك تعمل الجماعة على رسم صورة خلابة لماضيها، وتظل على الدوام تبالغ في الاعلاء من معتقدها، واخيرا تكون هذه العناصر من المكونات العميقة للاوعي الجمعي، فتمسي سطوتها على أتباع الديانة شديدة، بنحو تتحكم في اختياراتها وأقدارها ومصائرها.
من كتابنا: "الدين والاغتراب الميتافيزيقي".
من كتابنا: "الدين والاغتراب الميتافيزيقي".
الفلسلفةُ لا عقيدةَ لها
د. عبدالجبار الرفاعي
من ينسى الفلسفةَ تنساه أعيادُ التاريخ. الفلسفةُ بصمةُ العقل في كلِّ الثقافات، الفلسفةُ لغةُ العقل المشتركة بين كلِّ المجتمعات. الفلسفةُ تفكيرٌ نقديّ بلا حدود وقيود، يتحرك خارجَ الأطر والأوعية والأسوار، وأيّةُ محاولة لتعليبه في أوعيةٍ جاهزةٍ تسجنه، وتنتهك حريتَه.
الفلسلفةُ لا عقيدةَ لها، الفلسلفةُ لا هويةَ لها، الفلسفةُ كونية، لا بوذية، ولا يهودية، ولا مسيحية، ولا إسلامية، ولا مذهبية، ولا قومية، ولا محلية، ولا جغرافية. نعم، وُلِدت الفلسفةُ في سياقاتٍ معرفية وميتافزيقية مختلفة، تنوّعت بتنوّع بيئات وعصور الفلاسفة، وعلى هذا يمكن التعبيرُ عن الديانة والموطن الجغرافي والزمن والثقافة والمجتمع الذي وُلِدت الفلسفةُ في فضائه، إذ نصفها بكونها: فلسفةَ مسلمين، أو فلسفةَ يهود، أو فلسفةَ مسيحيين، أو فلسفةَ بوذيين، أو فلسفةَ غربيين، أو فلسفةَ شرقيين، أو فلسفةً قديمة، أو فلسفةً حديثة، أو فلسفةً معاصرة. ولو كانت الفلسفةُ أسيرةَ معتقدات دينية أو مقولات أيديولوجية فإنها تصبح: لاهوتًا، أو علمَ كلام، أو عقيدة، أو أيديولوجيا.
ولا نريد أن ننفي أثرَ أنماط التربية والبيئة والثقافة والديانة في "لاوعي" الفيلسوف، وما يترسّب في أعماق شخصيته في المراحل المبكرة من حياته، وأن شيئًا من أثرها ربما لا يختفي كليًا من الانعكاس في تفكيره. ولكننا ننفي الاستسلامَ الطوعي لعقل الفيلسوف وانحيازَه الواعي للبيئة والثقافة والمعتقد والديانة، وتأثيرَ ذلك في طريقة تفكيره، وما ينتهي إليه من نتائج، كما يفعل المتكلم الذي يختصر الدفاعُ الواعي عن معتقداته مهمتَهُ.
وظيفةُ علم الكلام تجفيفُ منابعِ الأسئلةِ الحائرة، وتوطينُ العقل في جزميات وثوقيةٍ، ومناهضةُ اللايقينِ والتفكيرِ خارج أسوار المعتقدات، وتحريمُ الشك والأسئلة اللامكررة، وإسكاتُ صوت العقل حالة الدهشة، كي لا يسأل الأسئلةَ التي تبني الأرضيةَ الخصبة لنمو وازدهار التفكير الفلسفي.
عندما يتسلط اللاهوتُ على العقل تضمحل الفلسفة. في المجتمعات التي تحضر فيها الفلسفةُ ينحسر حضورُ اللاهوت. هكذا كان المجتمعُ اليوناني في عصر سقراط وافلاطون وأرسطو، وهكذا كان المجتمعُ الصيني في الشرق في عصر كونفوشيوس والحكماء، قبل أن يقدّسَ المجتمعُ الصيني نصوصَ الحكماء، ويتعاطى معهم بوصفهم قديسين.
وقد ظهرت محاولاتٌ في الإسلام تعمل على "أسلمة الفلسفة"، وتحاول أن تصوغَ فلسفةً مشتقة من الكتاب والسنة، ومؤطَّرةً بإطار وحياني. تبدأ هذه المحاولاتُ عادة بمقدّمات منطقية وفلسفية لكن تنتهي إلى نتائجَ كلامية. ويتجلى ذلك بوضوح في آثار صدر المتألهين محمد بن إبراهيم القوامي الشيرازي المعروف بـملا صدرا الشيرازي "980-1050هـ"، الذي صاغ نظامًا فلسفيًا يلتقي فيه القرآنُ بالبرهان والعرفان، وكان يحرص على تجنيس فلسفته بهوية اعتقادية، تستلهم العرفانَ النظري لمحيي الدين بن عربي، ومفهومَه عن الولاية والإنسان الكامل ورتبتِه في العوالم الربوبية.
"أسلمةُ الفلسفة" تعني أن تتحول الفلسفةُ في عالم الإسلام إلى علم كلام، وعلمُ الكلام يمتلك مقولاتٍ اعتقاديةً جاهزة، ومهمتُه تحصيلُ نتائجَ قطعية نهائية، في حين تحرص الفلسفةُ على اللايقين، وتحرّض على الأسئلة، ولا تقبل الأفكارَ الجاهزة من دون غربلة وتمحيص. علمُ الكلام يقوّض الفلسفةَ مثلما تقوّض الأيديولوجيا الفلسفة، الفلسفةُ تبحث عن التمايز والاختلاف والغَيريّة والتنوع. أما الأيديولوجيا فتشدّد على طمس الاختلافات وتتنكرُ للتنوع، وتحرص على المحاكاة والتماثل والمطابقة.
وكما لم يستطع الدرسُ الفلسفي في حواضر العلم التقليدية في عالم الإسلام، كالأزهر في القاهرة والحوزة في النجف وقم ، أن يتحررَ من أدوات المنطق الأرسطي في قراءة ونقد الفلسفة الغربية الحديثة، لم يستطع هذا الدرسُ أيضاً أن يتحررَ من مناهج علم الكلام في قراءة ونقد تلك الفلسفة، بل استعار بعضُ الباحثين علمَ أصول الفقه ومناهجَ استنباطِ الأحكام الشرعية في قراءة النص الفلسفي. إن قراءةَ كلِّ نص ترسمها أدواتُ القراءة، وكيفيتُها، وأفقُ المتلقي ورؤيتُه للعالم. لذلك تفضي القراءةُ الكلامية للنص الفلسفي إلى نتائج َكلامية، يغيب معها العقلُ في مدارات الاعتقاد، وتفضي القراءةُ بمنطق أصول الفقه أو القراءةُ الفقهيةُ للنص الفلسفي إلى نتائجَ فقهية يغيب فيها العقلُ في مدارات الأحكام ومسائل الحلال والحرام.
وكان الشيخُ مصطفي عبدالرازق "1885-1947" ، وتبعاً له تلميذُه د. علي سامي النشار "1917-1980" ، قد نبّها إلى أن فلسفةَ الإسلام هي علمُ أصول الفقه وعلمُ الكلام.
علمُ أصول الفقه جزمياتٌ تلتمس منطقَ الحجج الشرعية، وعلمُ الكلام يحيل على مسلّمات لاهوتية.
د. عبدالجبار الرفاعي
من ينسى الفلسفةَ تنساه أعيادُ التاريخ. الفلسفةُ بصمةُ العقل في كلِّ الثقافات، الفلسفةُ لغةُ العقل المشتركة بين كلِّ المجتمعات. الفلسفةُ تفكيرٌ نقديّ بلا حدود وقيود، يتحرك خارجَ الأطر والأوعية والأسوار، وأيّةُ محاولة لتعليبه في أوعيةٍ جاهزةٍ تسجنه، وتنتهك حريتَه.
الفلسلفةُ لا عقيدةَ لها، الفلسلفةُ لا هويةَ لها، الفلسفةُ كونية، لا بوذية، ولا يهودية، ولا مسيحية، ولا إسلامية، ولا مذهبية، ولا قومية، ولا محلية، ولا جغرافية. نعم، وُلِدت الفلسفةُ في سياقاتٍ معرفية وميتافزيقية مختلفة، تنوّعت بتنوّع بيئات وعصور الفلاسفة، وعلى هذا يمكن التعبيرُ عن الديانة والموطن الجغرافي والزمن والثقافة والمجتمع الذي وُلِدت الفلسفةُ في فضائه، إذ نصفها بكونها: فلسفةَ مسلمين، أو فلسفةَ يهود، أو فلسفةَ مسيحيين، أو فلسفةَ بوذيين، أو فلسفةَ غربيين، أو فلسفةَ شرقيين، أو فلسفةً قديمة، أو فلسفةً حديثة، أو فلسفةً معاصرة. ولو كانت الفلسفةُ أسيرةَ معتقدات دينية أو مقولات أيديولوجية فإنها تصبح: لاهوتًا، أو علمَ كلام، أو عقيدة، أو أيديولوجيا.
ولا نريد أن ننفي أثرَ أنماط التربية والبيئة والثقافة والديانة في "لاوعي" الفيلسوف، وما يترسّب في أعماق شخصيته في المراحل المبكرة من حياته، وأن شيئًا من أثرها ربما لا يختفي كليًا من الانعكاس في تفكيره. ولكننا ننفي الاستسلامَ الطوعي لعقل الفيلسوف وانحيازَه الواعي للبيئة والثقافة والمعتقد والديانة، وتأثيرَ ذلك في طريقة تفكيره، وما ينتهي إليه من نتائج، كما يفعل المتكلم الذي يختصر الدفاعُ الواعي عن معتقداته مهمتَهُ.
وظيفةُ علم الكلام تجفيفُ منابعِ الأسئلةِ الحائرة، وتوطينُ العقل في جزميات وثوقيةٍ، ومناهضةُ اللايقينِ والتفكيرِ خارج أسوار المعتقدات، وتحريمُ الشك والأسئلة اللامكررة، وإسكاتُ صوت العقل حالة الدهشة، كي لا يسأل الأسئلةَ التي تبني الأرضيةَ الخصبة لنمو وازدهار التفكير الفلسفي.
عندما يتسلط اللاهوتُ على العقل تضمحل الفلسفة. في المجتمعات التي تحضر فيها الفلسفةُ ينحسر حضورُ اللاهوت. هكذا كان المجتمعُ اليوناني في عصر سقراط وافلاطون وأرسطو، وهكذا كان المجتمعُ الصيني في الشرق في عصر كونفوشيوس والحكماء، قبل أن يقدّسَ المجتمعُ الصيني نصوصَ الحكماء، ويتعاطى معهم بوصفهم قديسين.
وقد ظهرت محاولاتٌ في الإسلام تعمل على "أسلمة الفلسفة"، وتحاول أن تصوغَ فلسفةً مشتقة من الكتاب والسنة، ومؤطَّرةً بإطار وحياني. تبدأ هذه المحاولاتُ عادة بمقدّمات منطقية وفلسفية لكن تنتهي إلى نتائجَ كلامية. ويتجلى ذلك بوضوح في آثار صدر المتألهين محمد بن إبراهيم القوامي الشيرازي المعروف بـملا صدرا الشيرازي "980-1050هـ"، الذي صاغ نظامًا فلسفيًا يلتقي فيه القرآنُ بالبرهان والعرفان، وكان يحرص على تجنيس فلسفته بهوية اعتقادية، تستلهم العرفانَ النظري لمحيي الدين بن عربي، ومفهومَه عن الولاية والإنسان الكامل ورتبتِه في العوالم الربوبية.
"أسلمةُ الفلسفة" تعني أن تتحول الفلسفةُ في عالم الإسلام إلى علم كلام، وعلمُ الكلام يمتلك مقولاتٍ اعتقاديةً جاهزة، ومهمتُه تحصيلُ نتائجَ قطعية نهائية، في حين تحرص الفلسفةُ على اللايقين، وتحرّض على الأسئلة، ولا تقبل الأفكارَ الجاهزة من دون غربلة وتمحيص. علمُ الكلام يقوّض الفلسفةَ مثلما تقوّض الأيديولوجيا الفلسفة، الفلسفةُ تبحث عن التمايز والاختلاف والغَيريّة والتنوع. أما الأيديولوجيا فتشدّد على طمس الاختلافات وتتنكرُ للتنوع، وتحرص على المحاكاة والتماثل والمطابقة.
وكما لم يستطع الدرسُ الفلسفي في حواضر العلم التقليدية في عالم الإسلام، كالأزهر في القاهرة والحوزة في النجف وقم ، أن يتحررَ من أدوات المنطق الأرسطي في قراءة ونقد الفلسفة الغربية الحديثة، لم يستطع هذا الدرسُ أيضاً أن يتحررَ من مناهج علم الكلام في قراءة ونقد تلك الفلسفة، بل استعار بعضُ الباحثين علمَ أصول الفقه ومناهجَ استنباطِ الأحكام الشرعية في قراءة النص الفلسفي. إن قراءةَ كلِّ نص ترسمها أدواتُ القراءة، وكيفيتُها، وأفقُ المتلقي ورؤيتُه للعالم. لذلك تفضي القراءةُ الكلامية للنص الفلسفي إلى نتائج َكلامية، يغيب معها العقلُ في مدارات الاعتقاد، وتفضي القراءةُ بمنطق أصول الفقه أو القراءةُ الفقهيةُ للنص الفلسفي إلى نتائجَ فقهية يغيب فيها العقلُ في مدارات الأحكام ومسائل الحلال والحرام.
وكان الشيخُ مصطفي عبدالرازق "1885-1947" ، وتبعاً له تلميذُه د. علي سامي النشار "1917-1980" ، قد نبّها إلى أن فلسفةَ الإسلام هي علمُ أصول الفقه وعلمُ الكلام.
علمُ أصول الفقه جزمياتٌ تلتمس منطقَ الحجج الشرعية، وعلمُ الكلام يحيل على مسلّمات لاهوتية.
وهناك تضادٌّ بين المناهج والنتائج في هذه المعارف الثلاث، فالنظامُ المعرفي في أصولِ الفقه تختلف فيه وجهة التفكير والنتائج عن وجهة التفكير الفلسفي ونتائجه.كما أن النظامَ المعرفي في التصوّف والعرفان يختلف عن الفلسفة، بوصف العرفان طريقُه القلب، أما الفلسفةُ فطريقُها العقل. وإن كان العرفانُ النظري يحاول أن يلتمسَ منطقَ الدليل العقلي للبرهنة على مقولاته في اللوحات التي يرسمها لعوالم الربوبية.
الحقيقةُ في المنطق الأرسطي محصلةٌ برهانيةٌ لتطبيق أحد أشكال القياس المعروفة باعتماد مقدّمات يقينية، في حين لا يتوقف إنتاجُ الحقيقة في عصر تكنولوجيا المعلومات على منطق الحجج والبراهين، بل يتلاعب بمفاعيلها منطقُ الصورة وبراعةُ الخطابات التي تثير العواطفَ، وتؤجج المشاعرَ، وتشحن الغرائز. الاقتصادُ السياسي للمعرفة يكشف – كما يقول فوكو تبعًا لنيتشه - عن النسيج المعقّد للتأثير المتبادَل بين المعرفة والسلطة، فكلُّ سلطة تنتج معرفةً من جنسها، تعمّمها وترسّخها، وكلُّ معرفة تنتج سلطةً من جنسها. الاقتصادُ السياسي للمعرفة مرهون بإرادة القوة والسلطة، فلم تعد المعرفةُ - حسب فوكو - محصَّلةَ طُرُقِ الوصول للحقيقية، والمنطقِ العقلاني في البرهنة عليها، بل هي نتاجُ أنظمةِ خطابٍ تبرع في ابتكارها السلطاتُ السياسية والروحية والاجتماعية. إرادةُ القوة للسلطة السياسية تبتكر معرفةً تمنحها الهيمنةَ على الحياة الدنيوية. وإرادةُ الهيمنة للسلطة الروحية تبرع في ابتكار نمطِ معرفة يحتكر أنظمةَ إنتاجِ معنىً مقدّس لحياةِ الناس وموتِهم، ويتحكم بأرواحهم ومصائرهم الأُخروية.
كان معظمُ مدرسي وتلامذةِ الفلسفة في حواضر العلم التقليدية في القرن الماضي يفتقرون إلى تكوين لغوي يمكّنهم من مطالعة نصوص الفلسفة الغربية بلغاتها الناطقة بها، ما اضطرهم لمطالعة نصوصها المترجمة. ولم تتوافر للنصوص الفلسفية قبل منتصف القرن الماضي ترجماتٌ دقيقة، فقد اعتمد العلامة محمدحسين الطباطبائي بشكل أساسي في فهمِ الفلسفة الغربية ومناقشة آراءِ الفلاسفة، وقت تدوينه لكتاب "أصول الفلسفة والمنهج الواقعي"، كتابَ: "تطور الحکمة في أوروبا" لمحمدعلی فروغی "ت 1952" . وكان فروغي مثقفًا سياسيًا وصحفيًا، ولم يكن متخصصًا في الفلسفة الغربية، وكتابُه هذا يمثّل معلوماتٍ عامةً وانطباعاتٍ سريعةً عن الفلسفة الغربية، ومما يؤسف أن فهمَه كان فهمًا سطحيًا مبسطًا، وملتبسًا أحيانًا، إذ كان يقرأ نصوصَ الفلاسفة ومقولاتِهم في سياق ثقافته المحلية، ولم تمكّنه أدواتُ قراءته من الغوصِ في أعماقها وإدراكِ كلياتها الكبرى، وتبصّرِ نسيج مفاهيمها وشبكاته المتشعبة، لذلك عمد الى خلع مصطلحات عليها لا تحكيها، وتقويلها ما لا تقوله.
وشكّل كتابُ فروغی هذا عقبةً أمام الفهم الصحيح للفلسفة الغربية، عندما فرضَ على التفكير الفلسفي في الحوزة فهمَهُ الملتبس لهذه الفلسفة في تلك المرحلة، وأضحى هذا الكتابُ منبعَ إلهامٍ رئيسٍ لبعض دارسي الفلسفة في الحوزة في مراحل لاحقة، ممن يهتمون بالتعرف على آراء الفلاسفة الغربيين، كما تشي بذلك الإحالاتُ المرجعية في كتاباتهم.
وتأثر بالفهم، الذي قدَّمه فروغي، العلامةُ الطباطبائي وتلميذُه الشيخ مرتضى المطهري وبعضُ تلامذته الآخرين، وظهر تأثيرُه على فهم الفلسفة الغربية في مدرسة النجف، فكان فهمُهم وبعضُ تفسيراتهم ونقدُهم للاتجاهات الفلسفية الغربية لا يخلو من التباس في الفهم أحيانا.
ونلاحظ مواردَ متعدّدةٍ من كتاب "أصول الفلسفة والمنهج الواقعي" لا تعبّر بدقة عن مضمونها، فقد كان فهمُ الفلسفة المثالية في هذا الكتاب ملتبسًا، إذ نُسب إلى المثالية نفي الواقعية وانكار كل شيء في الخارج. كما التبس الفهمُ لفلسفة كانط، وديالكتيك هيغل، وغيرِهما من فلاسفة الغرب الحديث. وهذا ما يشهد به تلميذُ الطباطبائي الشيخ مهدي الحائري اليزدي الذي كان مدرّسًا لامعًا للفلسفة في الحوزة، وخبيرًا بالفلسفة الغربية، إذ حصل الشيخ مهدي على دكتوراه في المنطق الرياضي من جامعة تورنتو في كندا. يقول الحائري اليزدي: "من يقتصر على دراسة واحدة من الفلسفتين، لن يفهم الأخرى؛ لأنهما موضوعان منفصلان، فلو درس الطالب الفلسفة الإسلامية ووفّاها حقها، من دون أن يطّلع على الفلسفة الغربية اطلاعاً منظّماً دقيقاً، لم يفهم كنه الفلسفة الغربية، والعكس صحيح أيضاً. مثال ذلك ترجمات أعمال كانط إلى الفارسية والعربية، التي أعتقد أنه حتّى حبراً كالعلامة الطباطبائي لن يستطيع تكوين فكرة جليّة عن فلسفة كانط من هذه الترجمات، ناهيك عن الأشخاص العاديين" .
الحقيقةُ في المنطق الأرسطي محصلةٌ برهانيةٌ لتطبيق أحد أشكال القياس المعروفة باعتماد مقدّمات يقينية، في حين لا يتوقف إنتاجُ الحقيقة في عصر تكنولوجيا المعلومات على منطق الحجج والبراهين، بل يتلاعب بمفاعيلها منطقُ الصورة وبراعةُ الخطابات التي تثير العواطفَ، وتؤجج المشاعرَ، وتشحن الغرائز. الاقتصادُ السياسي للمعرفة يكشف – كما يقول فوكو تبعًا لنيتشه - عن النسيج المعقّد للتأثير المتبادَل بين المعرفة والسلطة، فكلُّ سلطة تنتج معرفةً من جنسها، تعمّمها وترسّخها، وكلُّ معرفة تنتج سلطةً من جنسها. الاقتصادُ السياسي للمعرفة مرهون بإرادة القوة والسلطة، فلم تعد المعرفةُ - حسب فوكو - محصَّلةَ طُرُقِ الوصول للحقيقية، والمنطقِ العقلاني في البرهنة عليها، بل هي نتاجُ أنظمةِ خطابٍ تبرع في ابتكارها السلطاتُ السياسية والروحية والاجتماعية. إرادةُ القوة للسلطة السياسية تبتكر معرفةً تمنحها الهيمنةَ على الحياة الدنيوية. وإرادةُ الهيمنة للسلطة الروحية تبرع في ابتكار نمطِ معرفة يحتكر أنظمةَ إنتاجِ معنىً مقدّس لحياةِ الناس وموتِهم، ويتحكم بأرواحهم ومصائرهم الأُخروية.
كان معظمُ مدرسي وتلامذةِ الفلسفة في حواضر العلم التقليدية في القرن الماضي يفتقرون إلى تكوين لغوي يمكّنهم من مطالعة نصوص الفلسفة الغربية بلغاتها الناطقة بها، ما اضطرهم لمطالعة نصوصها المترجمة. ولم تتوافر للنصوص الفلسفية قبل منتصف القرن الماضي ترجماتٌ دقيقة، فقد اعتمد العلامة محمدحسين الطباطبائي بشكل أساسي في فهمِ الفلسفة الغربية ومناقشة آراءِ الفلاسفة، وقت تدوينه لكتاب "أصول الفلسفة والمنهج الواقعي"، كتابَ: "تطور الحکمة في أوروبا" لمحمدعلی فروغی "ت 1952" . وكان فروغي مثقفًا سياسيًا وصحفيًا، ولم يكن متخصصًا في الفلسفة الغربية، وكتابُه هذا يمثّل معلوماتٍ عامةً وانطباعاتٍ سريعةً عن الفلسفة الغربية، ومما يؤسف أن فهمَه كان فهمًا سطحيًا مبسطًا، وملتبسًا أحيانًا، إذ كان يقرأ نصوصَ الفلاسفة ومقولاتِهم في سياق ثقافته المحلية، ولم تمكّنه أدواتُ قراءته من الغوصِ في أعماقها وإدراكِ كلياتها الكبرى، وتبصّرِ نسيج مفاهيمها وشبكاته المتشعبة، لذلك عمد الى خلع مصطلحات عليها لا تحكيها، وتقويلها ما لا تقوله.
وشكّل كتابُ فروغی هذا عقبةً أمام الفهم الصحيح للفلسفة الغربية، عندما فرضَ على التفكير الفلسفي في الحوزة فهمَهُ الملتبس لهذه الفلسفة في تلك المرحلة، وأضحى هذا الكتابُ منبعَ إلهامٍ رئيسٍ لبعض دارسي الفلسفة في الحوزة في مراحل لاحقة، ممن يهتمون بالتعرف على آراء الفلاسفة الغربيين، كما تشي بذلك الإحالاتُ المرجعية في كتاباتهم.
وتأثر بالفهم، الذي قدَّمه فروغي، العلامةُ الطباطبائي وتلميذُه الشيخ مرتضى المطهري وبعضُ تلامذته الآخرين، وظهر تأثيرُه على فهم الفلسفة الغربية في مدرسة النجف، فكان فهمُهم وبعضُ تفسيراتهم ونقدُهم للاتجاهات الفلسفية الغربية لا يخلو من التباس في الفهم أحيانا.
ونلاحظ مواردَ متعدّدةٍ من كتاب "أصول الفلسفة والمنهج الواقعي" لا تعبّر بدقة عن مضمونها، فقد كان فهمُ الفلسفة المثالية في هذا الكتاب ملتبسًا، إذ نُسب إلى المثالية نفي الواقعية وانكار كل شيء في الخارج. كما التبس الفهمُ لفلسفة كانط، وديالكتيك هيغل، وغيرِهما من فلاسفة الغرب الحديث. وهذا ما يشهد به تلميذُ الطباطبائي الشيخ مهدي الحائري اليزدي الذي كان مدرّسًا لامعًا للفلسفة في الحوزة، وخبيرًا بالفلسفة الغربية، إذ حصل الشيخ مهدي على دكتوراه في المنطق الرياضي من جامعة تورنتو في كندا. يقول الحائري اليزدي: "من يقتصر على دراسة واحدة من الفلسفتين، لن يفهم الأخرى؛ لأنهما موضوعان منفصلان، فلو درس الطالب الفلسفة الإسلامية ووفّاها حقها، من دون أن يطّلع على الفلسفة الغربية اطلاعاً منظّماً دقيقاً، لم يفهم كنه الفلسفة الغربية، والعكس صحيح أيضاً. مثال ذلك ترجمات أعمال كانط إلى الفارسية والعربية، التي أعتقد أنه حتّى حبراً كالعلامة الطباطبائي لن يستطيع تكوين فكرة جليّة عن فلسفة كانط من هذه الترجمات، ناهيك عن الأشخاص العاديين" .
لقد وقعت الكتاباتُ النقدية في الحوزة للفلسفة الحديثة ضحيةَ مفارقة في فهمها ونقدها لتلك الفلسفة، فلم تستطع أن تقارب الفلسفةَ الغربية في سياق لغتها ومصطلحاتها ومقولاتها ومنطقها ورؤيتها الخاصة للعالم، بل درستها ونقدتها في سياق لغة فلاسفة الإسلام ومصطلحاتهم ومقولاتهم ومنطقهم الأرسطي ورؤيتهم الخاصة للعالم.
وهكذا تحوّل الفكرُ الغربي الى أزمة في ثقافتنا، بدلاً من أن يصبح حلاً، ومنطلقًا لتحديث التفكير الفلسفي لدينا، لأننا قرأناه وفهمناه في أفق المنطق الأرسطي، ومسلّماتنا، ورؤيتنا للعالم، ومعتقداتنا. فمثلاً قدّمنا تفسيراً لـ "ديالكتك هيغل" في قوالب المنطق الأرسطي من دون أن نتنبه إلى أن "ديالكتك هيغل" لا علاقةَ له بمفهوم التناقض والتضادّ بالمعنى الأرسطي. وهكذا تم تفسيرُ مفهوم الحقيقية والهوية في منطق هيغل الديالكتيكي في أفق تفكير الفلاسفة المسلمين. كما قرأنا "الكينونة والزمان" عند هايدغر في أفق مفهوم الوجود عند ابن سينا أو ابن عربي أو ملا صدرا.
إن من يقرأ ديفيد هيوم وكانط وهيغل وهايدغر بعدساتِ أرسطو وأفقِ تفكير الفلاسفة المسلمين كمن يقرأ الفلاسفةَ الغربيين في العصر الحديث بعدسات المتكلمين المسلمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ انظر: مصطفي عبدالرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة في الإسلام.
2 ـ انظر: د. علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام.
3 ـ صدر هذا الكتاب بالفارسية في طهران بعنوان: “سیر حکمت در اروپا”، ج1 سنة 1310= 1931، وج 2 سنة 1318=1939، وج3 سنة 1320=1941.
4 ـ كفت وكوهايي بادكتر مهدي حائري يزدي، طهران، 1379= 2000، ص 35. مسعود رضوي
5 ـ “الكينونة والزمان” عنوان كتاب مارتن هايدغر الشهير، الذي صدر عام 1927، وترجمه للعربية أخيرًا: د. فتحي المسكيني.
http://www.islammaghribi.com/2018/12/06/%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%81%D8%A9%D9%8F-%D9%84%D8%A7-%D8%B9%D9%82%D9%8A%D8%AF%D8%A9%D9%8E-%D9%84%D9%87%D8%A7/
وهكذا تحوّل الفكرُ الغربي الى أزمة في ثقافتنا، بدلاً من أن يصبح حلاً، ومنطلقًا لتحديث التفكير الفلسفي لدينا، لأننا قرأناه وفهمناه في أفق المنطق الأرسطي، ومسلّماتنا، ورؤيتنا للعالم، ومعتقداتنا. فمثلاً قدّمنا تفسيراً لـ "ديالكتك هيغل" في قوالب المنطق الأرسطي من دون أن نتنبه إلى أن "ديالكتك هيغل" لا علاقةَ له بمفهوم التناقض والتضادّ بالمعنى الأرسطي. وهكذا تم تفسيرُ مفهوم الحقيقية والهوية في منطق هيغل الديالكتيكي في أفق تفكير الفلاسفة المسلمين. كما قرأنا "الكينونة والزمان" عند هايدغر في أفق مفهوم الوجود عند ابن سينا أو ابن عربي أو ملا صدرا.
إن من يقرأ ديفيد هيوم وكانط وهيغل وهايدغر بعدساتِ أرسطو وأفقِ تفكير الفلاسفة المسلمين كمن يقرأ الفلاسفةَ الغربيين في العصر الحديث بعدسات المتكلمين المسلمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ انظر: مصطفي عبدالرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة في الإسلام.
2 ـ انظر: د. علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام.
3 ـ صدر هذا الكتاب بالفارسية في طهران بعنوان: “سیر حکمت در اروپا”، ج1 سنة 1310= 1931، وج 2 سنة 1318=1939، وج3 سنة 1320=1941.
4 ـ كفت وكوهايي بادكتر مهدي حائري يزدي، طهران، 1379= 2000، ص 35. مسعود رضوي
5 ـ “الكينونة والزمان” عنوان كتاب مارتن هايدغر الشهير، الذي صدر عام 1927، وترجمه للعربية أخيرًا: د. فتحي المسكيني.
http://www.islammaghribi.com/2018/12/06/%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%81%D8%A9%D9%8F-%D9%84%D8%A7-%D8%B9%D9%82%D9%8A%D8%AF%D8%A9%D9%8E-%D9%84%D9%87%D8%A7/
Time.now
Maghrib
Maghrib begins at sunset each day. Learn why it is easiest to time, how brief its window is, and how weather and geography affect sunset perception.
الفلسلفةُ لا عقيدةَ لها
عبدالجبار الرفاعي
الموضوع على الرابط التالي :
https://afkaar.center/2018/12/06/الفلسلفةُ-لا-عقيدةَ-لها/
عبدالجبار الرفاعي
الموضوع على الرابط التالي :
https://afkaar.center/2018/12/06/الفلسلفةُ-لا-عقيدةَ-لها/
Afkaar Centre
الفلسلفةُ لا عقيدةَ لها - Afkaar Centre
من ينسى الفلسفةَ تنساه أعيادُ التاريخ. الفلسفةُ بصمةُ العقل في كلِّ الثقافات، الفلسفةُ لغةُ العقل بين كلِّ المجتمعات. الفلسفةُ تفكيرٌ نقديّ بلا حدود وقيود، يتحرك خارجَ الأطر والأوعية والأسوار، وأيّةُ محاولة لتعليبه في أوعيةٍ جاهزةٍ تسجنه، وتنتهك حريتَه.…
هناك صلةٌ عضويةٌ بين أكثر الأمراض النفسية والأخلاقية، لكن الأمراضَ الأخلاقيةَ أشدُّ فتكًا في المجتمع من الأمراض النفسية والجسدية، والعدوى فيها لا تختلف عن عدوى الأمراض الجسدية المعدية، وتشتدُّ هذه العدوى إن سقط بعضُ الشباب ضحايا في أحضان معلّم مصاب بمرض أخلاقي... أعرف شبابًا مهذبين أمسوا من ذوي العاهات الأخلاقية، عندما تلمذوا على معلّمين مصابين بأمراض أخلاقية حادة.
الترجمةُ ضربٌ من امتحان الضمير الأخلاقي للمترجم
د. عبدالجبار الرفاعي
شكري الخاص لهذه الجائزةِ، لأنها فاجأتني العامَ الماضي بمنحي "الجائزةَ الأولى للإنجاز والتفاهم الدولي"، بينما لم يكرّمني وطني بأية جائزة، كما لم تكرّمني بلادٌ أخرى اضطررتُ للعيش فيها أكثر من نصف عمري، وترجمتُ ونشرتُ كتابات هامة من لغتها إلى العربية، وبفضل ذلك تعرّف عليها القراءُ بالعربية للمرة الأولى. وقد كنتُ ومازلتُ، في كل جهودي منذ أكثرَ من 30 عامًا، أنشد تكريس قواعد السلام والعيش المشترك في عالم الاسلام.
للمترجمين أثرٌ عظيمٌ في اثراء المعرفة وتطورها، وبناء جسور التواصل الحضاري، وتلاقح الثقافات ونضجها، وترسيخ قواعد السلام والعيش المشترك، وتكريس قيم الحوار الايجابي مع المختلف دينيًا وثقافيًا. لكن لا يقدّر كثيرون أهميةَ الترجمة في بلادنا، ولا يحتفون بمنجز المترجم، وربما يظن بعضهم أن الترجمةَ عمليةٌ ميكانيكية، ومنجزُ المترجم ليس إبداعيًا. الترجمةُ ضربٌ من الكتابة الذكية التي تتطلب تكوينًا ثقافيًا خاصًا وهي ليست عملية ميكانيكية.
حضارتُنا بادرت قبل أكثر من 1000 سنة بالاهتمامِ بالترجمة والاحتفاء بالمترجم ومنجزه، يقال: "كان الخليفةُ المأمونُ يعطي مترجمَ الكتابِ وزنَه ذهبًا"، ويقال: "كان الراتبُ الشهري للمترجم في عهد الخليفة المأمون ٥٠٠ دينار ذهب، أي ما يعادل ٢٤ ألف دولار شهرياً. وكان يعطي من يأتي بكتاب نفيس ضعف وزنه ذهب"."
ومهما كانت القيمةُ الماديةُ للجائزة فإنها لا تساوي المكافأةَ المعنويةَ للمترجم، لأنها تجعل منجزَه يفرض نفسه على التاريخ، عندما تضعه في الموقع الذي يستحقه في مسار حركةِ الأفكار وصيرورتِها عبر الزمان. وكلنا يعرف أن أرسطو أعاد اكتشافَه الغربُ عبر ترجمات ابن رشد. وهكذا صارت الترجماتُ من مختلف اللغات رافدًا أساسيا يغذّي شجرةَ الحضارات، ويجعل الأفكارَ الكبرى عصيةً على النسيان.
الترجمةُ أشدُّ وطأةً من التأليف. أنا مؤلفٌ ومترجم، وعلى الرغم من أن الكتابةَ تتعبني، لكن الترجمةَ تنهكني بل تعذّبني احيانًا، لذلك هجرتها منذ أكثر من عشرين عامًا. ذلك أن الترجمةَ ضربٌ من امتحان الضمير الأخلاقي للمترجم، إن كان كلام المؤلف ليس منطقيًا، أو لا يتفق مع معتقد المترجم وثقافته. كنت أتردد في ترجمةِ مفاهيمَ لا أرى صوابَها، وعباراتٍ لا اقتنع بمضمونها، فأنزعج وأتردّد في نقلها للقاريء العربي.
الترجمةُ موردُ رزقٍ لكثيرٍ من المترجمين، وقيمةُ الجائزةِ الماديةِ تسهم في دعمِ المترجم وحمايتِه من ترجمة كتابات لا تستحق الترجمة، وربما تضطرّه احوالُه المعيشيةُ فيتورط بترجمتها. أعرف مؤلفين ومترجمين مبدعين اضطرتهم أحوالُهم المعيشيةُ أن ينقلوا بعضَ الكتابات الهامشية من لغات اخرى للغة العربية، ولو كتبوا في الموضوعات نفسِها لتفوّقت كتاباتُهم على ما ترجموه كثيرًا. قيمةُ الجائزة الماديةُ تساعد في طردِ الأعمال الهامشية، وتجعل المترجمَ اكثرَ حذرًا في اختياراته، ودقةً في عمله.
جائزةُ الترجمة علامةٌ ثقافيةٌ مضيئةٌ تكشف للقراء عن الهويةِ المعرفية للمترجم وتعلن عن أعمالِه التي تستحق التبجيلَ والحضورَ الأبدي في المكتبة العربية.
كثيرًا ما نقرأ ترجماتٍ عديدةً ملتبسةً مشوشة، تُغرِق القاريءَ بفائضٍ لفظي من دون أن تفيد معنى واضحًا، ومن مكاسب هذه الجائزة أنها عملت على إشهار المترجمين المحترفين والكشف عن أعمالِهم الجادة، وحاصرت إلى حد ما حضورَ الترجمات الرديئة المتفشية بالعربية اليوم.
مقتبس من كلمتي باسم الضيوف العرب في حفل منح جائزة الترجمة والانجاز والتفاهم الدولي، في: "مؤتمر الترجمة واشكالات المثاقفة"، المنعقد في الدوحة بقطر، 11 و12 ديسمبر 2018.
د. عبدالجبار الرفاعي
شكري الخاص لهذه الجائزةِ، لأنها فاجأتني العامَ الماضي بمنحي "الجائزةَ الأولى للإنجاز والتفاهم الدولي"، بينما لم يكرّمني وطني بأية جائزة، كما لم تكرّمني بلادٌ أخرى اضطررتُ للعيش فيها أكثر من نصف عمري، وترجمتُ ونشرتُ كتابات هامة من لغتها إلى العربية، وبفضل ذلك تعرّف عليها القراءُ بالعربية للمرة الأولى. وقد كنتُ ومازلتُ، في كل جهودي منذ أكثرَ من 30 عامًا، أنشد تكريس قواعد السلام والعيش المشترك في عالم الاسلام.
للمترجمين أثرٌ عظيمٌ في اثراء المعرفة وتطورها، وبناء جسور التواصل الحضاري، وتلاقح الثقافات ونضجها، وترسيخ قواعد السلام والعيش المشترك، وتكريس قيم الحوار الايجابي مع المختلف دينيًا وثقافيًا. لكن لا يقدّر كثيرون أهميةَ الترجمة في بلادنا، ولا يحتفون بمنجز المترجم، وربما يظن بعضهم أن الترجمةَ عمليةٌ ميكانيكية، ومنجزُ المترجم ليس إبداعيًا. الترجمةُ ضربٌ من الكتابة الذكية التي تتطلب تكوينًا ثقافيًا خاصًا وهي ليست عملية ميكانيكية.
حضارتُنا بادرت قبل أكثر من 1000 سنة بالاهتمامِ بالترجمة والاحتفاء بالمترجم ومنجزه، يقال: "كان الخليفةُ المأمونُ يعطي مترجمَ الكتابِ وزنَه ذهبًا"، ويقال: "كان الراتبُ الشهري للمترجم في عهد الخليفة المأمون ٥٠٠ دينار ذهب، أي ما يعادل ٢٤ ألف دولار شهرياً. وكان يعطي من يأتي بكتاب نفيس ضعف وزنه ذهب"."
ومهما كانت القيمةُ الماديةُ للجائزة فإنها لا تساوي المكافأةَ المعنويةَ للمترجم، لأنها تجعل منجزَه يفرض نفسه على التاريخ، عندما تضعه في الموقع الذي يستحقه في مسار حركةِ الأفكار وصيرورتِها عبر الزمان. وكلنا يعرف أن أرسطو أعاد اكتشافَه الغربُ عبر ترجمات ابن رشد. وهكذا صارت الترجماتُ من مختلف اللغات رافدًا أساسيا يغذّي شجرةَ الحضارات، ويجعل الأفكارَ الكبرى عصيةً على النسيان.
الترجمةُ أشدُّ وطأةً من التأليف. أنا مؤلفٌ ومترجم، وعلى الرغم من أن الكتابةَ تتعبني، لكن الترجمةَ تنهكني بل تعذّبني احيانًا، لذلك هجرتها منذ أكثر من عشرين عامًا. ذلك أن الترجمةَ ضربٌ من امتحان الضمير الأخلاقي للمترجم، إن كان كلام المؤلف ليس منطقيًا، أو لا يتفق مع معتقد المترجم وثقافته. كنت أتردد في ترجمةِ مفاهيمَ لا أرى صوابَها، وعباراتٍ لا اقتنع بمضمونها، فأنزعج وأتردّد في نقلها للقاريء العربي.
الترجمةُ موردُ رزقٍ لكثيرٍ من المترجمين، وقيمةُ الجائزةِ الماديةِ تسهم في دعمِ المترجم وحمايتِه من ترجمة كتابات لا تستحق الترجمة، وربما تضطرّه احوالُه المعيشيةُ فيتورط بترجمتها. أعرف مؤلفين ومترجمين مبدعين اضطرتهم أحوالُهم المعيشيةُ أن ينقلوا بعضَ الكتابات الهامشية من لغات اخرى للغة العربية، ولو كتبوا في الموضوعات نفسِها لتفوّقت كتاباتُهم على ما ترجموه كثيرًا. قيمةُ الجائزة الماديةُ تساعد في طردِ الأعمال الهامشية، وتجعل المترجمَ اكثرَ حذرًا في اختياراته، ودقةً في عمله.
جائزةُ الترجمة علامةٌ ثقافيةٌ مضيئةٌ تكشف للقراء عن الهويةِ المعرفية للمترجم وتعلن عن أعمالِه التي تستحق التبجيلَ والحضورَ الأبدي في المكتبة العربية.
كثيرًا ما نقرأ ترجماتٍ عديدةً ملتبسةً مشوشة، تُغرِق القاريءَ بفائضٍ لفظي من دون أن تفيد معنى واضحًا، ومن مكاسب هذه الجائزة أنها عملت على إشهار المترجمين المحترفين والكشف عن أعمالِهم الجادة، وحاصرت إلى حد ما حضورَ الترجمات الرديئة المتفشية بالعربية اليوم.
مقتبس من كلمتي باسم الضيوف العرب في حفل منح جائزة الترجمة والانجاز والتفاهم الدولي، في: "مؤتمر الترجمة واشكالات المثاقفة"، المنعقد في الدوحة بقطر، 11 و12 ديسمبر 2018.
محيي الدين بن عربي
من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن
-1-
د. عبد الجبار الرفاعي
فرغتُ من مطالعةِ مخطوطةِ كتاب "لماذا نكفّر: ابن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن" للصديق د. علي الديري، وكتابُه هذا كأعماله السابقة يشدّ القارئ إليه بقوة ويفرض عليه أن يمضي معه حتى الختام، وألا يغادره إلى غيره إلا بعد أن يفرغ منه.
درستُ كتابَ "فصوص الحكم" في الحوزة، وطالعتُ كلَّ ما وقع بيدي من كتاباتٍ تشرح أفكارَ الشيخ محيي الدين بن عربي وأحوالَه ومكاشفاتِه وإشراقاتِه الروحية، ولكلّ شارحٍ من الشرّاح أسلوبُه وطريقةُ فهمه لنصوص الشيخ الأكبر، فمنهم من تماهى معه حدّ محاكاته بكلّ شيء، ومنهم من حاول أن يقدّم تأويلاتِه لما كتب في أفق رؤيته لله والإنسان والعالم، ومنهم من تورّط في سكب مقولاته في قوالب غُلاة المتصوّفة، ومنهم من سكبها في قوالب غُلاة الشيعة، ومنهم من وقع أسيرَ الأبعاد الجمالية في عباراته، ومنهم من فُتن بالأبعاد الرمزية لإشاراته، لكني قلّما طالعتُ كتابًا حاول أن يلخّص لنا الرؤيةَ التوحيديةَ للشيخ الأكبر بلغةٍ مقتصِدةٍ واضحةٍ تقترب من السهل الممتنِع، وتنتظم في سياقها المفاهيمُ المحوريةُ وما يتفرّع عنها بشكل منطقي. ولا تقود القارئ إلى منعرجات تفكير محيي الدين أو المناطق المبهمة فيه، وتقلل من الإحالة على رمزياته وإشاراته، وتبرع في اكتشاف ما بدّده وشتّته ابنُ عربي عمدًا مما يؤشرُ لكلّيات عقيدته، كما ينبه هو لذلك. إذ تعمّدَ ابنُ عربي الإبهامَ والغموضَ أحيانًا، لذلك حرص في بعض كتبه أن يتحدّث عن "عقيدة الخلاصة" في مواضع متفرّقة من كتاب واحد، فنجده يصرّح بذلك في الفتوحات المكية قائلًا: "وأما التصريح بعقيدة الخلاصة فما أفردتها على التعيين لما فيها من الغموض، ولكن جئت بها مبدّدة في أبواب هذا الكتاب، مستوفاة مبينة، ولكنها كما ذكرنا متفرقة". وهذا الضربُ من الكتابة المقتصِدة تتطلب فطنةً كفطنة الديري، وهي لا توهَب إلا لمن لم يتوقف عند العقل فقط، بل توغل في عوالم الروح أيضًا، فصار قادرًا على تذوّقِ مكاشفاتِ الشيخ محيي الدين والسياحةِ في معاني بحره العميق.
كتابُ الديري هذا يضعك مباشرةً في قلب عوالم معنى الحياة الروحية للشيخ الأكبر، بلا مقدماتٍ واستطراداتٍ وفائضٍ لفظي ومقتبساتٍ يترهل بها الكتابُ، ويضيع فيها القارئ في متاهات الكلمات.
اللافتُ في ما كتبه الديري عن المتصوّفة وبخاصة محيي الدين أنه تلخيصٌ واضح للرؤية التوحيدية للشيخ الأكبر، لأنه حاول أن يختصر علينا مسافاتٍ طويلةً نستنزف فيها سنواتٍ ثمينةً من شبابنا في دراسةِ فصوصِ الشيخِ الأكبر ومطالعة أعمالِه، فأنا أحدُ الذين خسروا مثلَ هذه السنوات، عندما كنتُ تلميذًا مولعًا بدراسةِ فصوصِ الحكم وفهمِهِ على متخصّصين في حوزة قم. وحتى اليوم أمضى بعضُ معلمي فصوص الحكم أكثرَ من اثنتي عشرة سنة في تدريس هذا الكتاب لتلامذته ومازال لم يفرغ منه، وهو كتابٌ لا يتجاوز نصُّه الأصلي، مجرّدًا من التعليقات والشروح، المائةَ وخمسين صفحة. وعلى الرغم من أن الديري لم يكن يومًا ما تلميذًا في الحوزة، ولم أعرف عنه أنه تلمذ على مثل شيوخها المتخصصين بابن عربي، لكن في كلّ مرة يفاجئني بفهمِه الذكي لابن عربي، وخبرتِه المتميزة في آثارِ المتصوّفة وأحوالِهم.
من قبل فوجئتُ بأطروحته للدكتوراه التي أرسل لي مخطوطتَها وطلب مني قراءتَها، مثلما فاجأني بعمله هذا اليوم، وأظن أن مفاجأتي تحيل إلى ما ترسّب في وعيي الباطن من حكايات نُلقّنها في مجالس المذاكرة في الحوزة، توحي لنا بأن ما ندرسه لا يمكن أن يفهمه أحدٌ بلا تلمذة مماثلة لتلمذتنا، بل إني سمعتُ قبل ربع قرن من صديق، كان تلميذًا يدرس "فصوص الحكم" في الحوزة عند أحد المدرسين، حُكمًا سلبيًّا على شرح د. أبو العُلا عفيفي للفصوص، إذ قال في سياق حديثه عن هذا الشرح: "إن أبا العُلا عفيفي لم يفهم الكتاب". ومن الطريف أني قبل ذلك بسنوات كنتُ أعرف بالتفصيل سيرةَ أبي العُلا عفيفي الفكرية وتكوينَه الأكاديمي الرصين، فقد تعلّمَ على أحد أبرز الخبراء في العالم بمحيي الدين، وهو أستاذه المعروف رينولد نيكلسون "1868 - 1945م"، الذي كتبَ أطروحتَه للدكتوراه تحت إشرافه في جامعة كامبريدج بعنوان: "فلسفة ابن عربي الصوفية" وناقشها سنة 1930م. وذلك ما أهّلَ عفيفي لأن يكون أبًا لجيل لامع من الأكاديميين العرب المتخصصين بالتصوّف وبابن عربي خاصة. كما قرأتُ شرحَ الدكتور عفيفي فرأيتُ كيف تمكّن أن يقدّم تفسيرًا علميًّا واضحًا لفصوص الحكم، يجعله في متناول كلّ دارس لديه إلمامٌ بألفباء التصوّف الفلسفي.
من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن
-1-
د. عبد الجبار الرفاعي
فرغتُ من مطالعةِ مخطوطةِ كتاب "لماذا نكفّر: ابن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن" للصديق د. علي الديري، وكتابُه هذا كأعماله السابقة يشدّ القارئ إليه بقوة ويفرض عليه أن يمضي معه حتى الختام، وألا يغادره إلى غيره إلا بعد أن يفرغ منه.
درستُ كتابَ "فصوص الحكم" في الحوزة، وطالعتُ كلَّ ما وقع بيدي من كتاباتٍ تشرح أفكارَ الشيخ محيي الدين بن عربي وأحوالَه ومكاشفاتِه وإشراقاتِه الروحية، ولكلّ شارحٍ من الشرّاح أسلوبُه وطريقةُ فهمه لنصوص الشيخ الأكبر، فمنهم من تماهى معه حدّ محاكاته بكلّ شيء، ومنهم من حاول أن يقدّم تأويلاتِه لما كتب في أفق رؤيته لله والإنسان والعالم، ومنهم من تورّط في سكب مقولاته في قوالب غُلاة المتصوّفة، ومنهم من سكبها في قوالب غُلاة الشيعة، ومنهم من وقع أسيرَ الأبعاد الجمالية في عباراته، ومنهم من فُتن بالأبعاد الرمزية لإشاراته، لكني قلّما طالعتُ كتابًا حاول أن يلخّص لنا الرؤيةَ التوحيديةَ للشيخ الأكبر بلغةٍ مقتصِدةٍ واضحةٍ تقترب من السهل الممتنِع، وتنتظم في سياقها المفاهيمُ المحوريةُ وما يتفرّع عنها بشكل منطقي. ولا تقود القارئ إلى منعرجات تفكير محيي الدين أو المناطق المبهمة فيه، وتقلل من الإحالة على رمزياته وإشاراته، وتبرع في اكتشاف ما بدّده وشتّته ابنُ عربي عمدًا مما يؤشرُ لكلّيات عقيدته، كما ينبه هو لذلك. إذ تعمّدَ ابنُ عربي الإبهامَ والغموضَ أحيانًا، لذلك حرص في بعض كتبه أن يتحدّث عن "عقيدة الخلاصة" في مواضع متفرّقة من كتاب واحد، فنجده يصرّح بذلك في الفتوحات المكية قائلًا: "وأما التصريح بعقيدة الخلاصة فما أفردتها على التعيين لما فيها من الغموض، ولكن جئت بها مبدّدة في أبواب هذا الكتاب، مستوفاة مبينة، ولكنها كما ذكرنا متفرقة". وهذا الضربُ من الكتابة المقتصِدة تتطلب فطنةً كفطنة الديري، وهي لا توهَب إلا لمن لم يتوقف عند العقل فقط، بل توغل في عوالم الروح أيضًا، فصار قادرًا على تذوّقِ مكاشفاتِ الشيخ محيي الدين والسياحةِ في معاني بحره العميق.
كتابُ الديري هذا يضعك مباشرةً في قلب عوالم معنى الحياة الروحية للشيخ الأكبر، بلا مقدماتٍ واستطراداتٍ وفائضٍ لفظي ومقتبساتٍ يترهل بها الكتابُ، ويضيع فيها القارئ في متاهات الكلمات.
اللافتُ في ما كتبه الديري عن المتصوّفة وبخاصة محيي الدين أنه تلخيصٌ واضح للرؤية التوحيدية للشيخ الأكبر، لأنه حاول أن يختصر علينا مسافاتٍ طويلةً نستنزف فيها سنواتٍ ثمينةً من شبابنا في دراسةِ فصوصِ الشيخِ الأكبر ومطالعة أعمالِه، فأنا أحدُ الذين خسروا مثلَ هذه السنوات، عندما كنتُ تلميذًا مولعًا بدراسةِ فصوصِ الحكم وفهمِهِ على متخصّصين في حوزة قم. وحتى اليوم أمضى بعضُ معلمي فصوص الحكم أكثرَ من اثنتي عشرة سنة في تدريس هذا الكتاب لتلامذته ومازال لم يفرغ منه، وهو كتابٌ لا يتجاوز نصُّه الأصلي، مجرّدًا من التعليقات والشروح، المائةَ وخمسين صفحة. وعلى الرغم من أن الديري لم يكن يومًا ما تلميذًا في الحوزة، ولم أعرف عنه أنه تلمذ على مثل شيوخها المتخصصين بابن عربي، لكن في كلّ مرة يفاجئني بفهمِه الذكي لابن عربي، وخبرتِه المتميزة في آثارِ المتصوّفة وأحوالِهم.
من قبل فوجئتُ بأطروحته للدكتوراه التي أرسل لي مخطوطتَها وطلب مني قراءتَها، مثلما فاجأني بعمله هذا اليوم، وأظن أن مفاجأتي تحيل إلى ما ترسّب في وعيي الباطن من حكايات نُلقّنها في مجالس المذاكرة في الحوزة، توحي لنا بأن ما ندرسه لا يمكن أن يفهمه أحدٌ بلا تلمذة مماثلة لتلمذتنا، بل إني سمعتُ قبل ربع قرن من صديق، كان تلميذًا يدرس "فصوص الحكم" في الحوزة عند أحد المدرسين، حُكمًا سلبيًّا على شرح د. أبو العُلا عفيفي للفصوص، إذ قال في سياق حديثه عن هذا الشرح: "إن أبا العُلا عفيفي لم يفهم الكتاب". ومن الطريف أني قبل ذلك بسنوات كنتُ أعرف بالتفصيل سيرةَ أبي العُلا عفيفي الفكرية وتكوينَه الأكاديمي الرصين، فقد تعلّمَ على أحد أبرز الخبراء في العالم بمحيي الدين، وهو أستاذه المعروف رينولد نيكلسون "1868 - 1945م"، الذي كتبَ أطروحتَه للدكتوراه تحت إشرافه في جامعة كامبريدج بعنوان: "فلسفة ابن عربي الصوفية" وناقشها سنة 1930م. وذلك ما أهّلَ عفيفي لأن يكون أبًا لجيل لامع من الأكاديميين العرب المتخصصين بالتصوّف وبابن عربي خاصة. كما قرأتُ شرحَ الدكتور عفيفي فرأيتُ كيف تمكّن أن يقدّم تفسيرًا علميًّا واضحًا لفصوص الحكم، يجعله في متناول كلّ دارس لديه إلمامٌ بألفباء التصوّف الفلسفي.
لذلك تألمتُ من الحكم السلبي لتلميذ الفصوص صديقي على شرح عفيفي، وإن كان مثلُ هذا الحكم ليس غريبًا عليَّ في بيئةٍ عشتُ فيها أكثرَ من أربعين عامًا تلميذًا وأستاذًا، وأعرفُ نرجسيةَ الفهم التي تتوالد في لاوعينا، نحن الذين نغوص في الكتب القديمة، ونمضي العمرَ في فضاء متونها وهوامشها، حتى نصلَ إلى حالةٍ لا نكاد نرى فيها أسلوبًا للتعليم متفوّقًا على أسلوبنا، أو نظن بأن منهجًا للفهم متفوّقٌ على منهجنا، ولا نعتقد بوجود فهمٍ موازٍ لفهمنا لهذه المتون التي ندرسها، فضلًا عن أن يكون متجاوزًا له.
لم يترك لنا الخبراءُ بابن عربي مدخلًا ميسرًا لدراستِه والتعرّفِ على رؤيته لله والإنسان والعالم، وهذا الكتابُ، على صغر حجمه، يوفر على المهتمّ بابن عربي الكثيرَ من الزمن والجهد اللذين يتطلبهما التعرّفُ على خلاصة لرؤيته المحورية، من خلال غوصِ المؤلف في أعماله العميقة، وملاحقةِ تفسيراتها وما كُتب عنه وعنها. هذا الكتابُ يمكن أن يكون مدخلًا أوليًّا لدراسةِ الرؤية التوحيدية للشيخ محيي الدين واكتشاف معالمها في آثاره المتنوعة، إذ استطاع الدكتور الديري أن يدلّنا على خارطةِ هذه الرؤية لدى الشيخ الأكبر، والتي يمكن أن تكون مُلهمة لحياتنا الدينية اليوم، ذلك أن الحياة الدينية وما يتشكّل في سياقها من قيم روحية وأخلاقية تولد وتتكّون في رحم الكيفية التي تحضر فيها صورةُ الله في الضمير.
الديري يدرك المحنةَ التي يعيشها المسلمُ اليوم، وكيف صار العنفُ والقتلُ لغةً يتداولها كثيرٌ من أبناء الإسلام الذين سقطوا في شراك الرؤية السلفية للتوحيد، وسجنت سلوكَهم الفتاوى المشتقّة من تلك الرؤية، فضاع في ضجيج تلك الرؤية صوتُ السلام والحق والعدل والإحسان والرحمة في القرآن. وكأن الإسلامَ لا يعرف أن يتحدّث لغةً أخرى غير العنف والقتل والموت. حرص الكاتبُ أن يدلّنا على الكنز المنسيّ للغة أخرى للإسلام يجهلها أكثرُ الشباب المسلم. لغة يمكن أن تؤسّس لتديّن يعرف أن يتكلّم لغةَ السلام والحق والعدل والاحسان والتراحم، ويعرف أن يتذوّق تجلياتِ الجمال الإلهي في الوجود. وما أشدّ حاجتنا لهذه اللغة بعد أن تفشّى في لغتنا الدينية كثيرٌ من الكلمات المسمومة.
تقديم لكتاب: "لماذا نكفّر: ابن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن". تأليف: د. علي الديري. الكتاب تحت الطبع. ننشر القسم الأول في هذا العدد، والقسم الثاني من التقديم في عدد قادم.
http://www.almothaqaf.com/a/b8/933095
لم يترك لنا الخبراءُ بابن عربي مدخلًا ميسرًا لدراستِه والتعرّفِ على رؤيته لله والإنسان والعالم، وهذا الكتابُ، على صغر حجمه، يوفر على المهتمّ بابن عربي الكثيرَ من الزمن والجهد اللذين يتطلبهما التعرّفُ على خلاصة لرؤيته المحورية، من خلال غوصِ المؤلف في أعماله العميقة، وملاحقةِ تفسيراتها وما كُتب عنه وعنها. هذا الكتابُ يمكن أن يكون مدخلًا أوليًّا لدراسةِ الرؤية التوحيدية للشيخ محيي الدين واكتشاف معالمها في آثاره المتنوعة، إذ استطاع الدكتور الديري أن يدلّنا على خارطةِ هذه الرؤية لدى الشيخ الأكبر، والتي يمكن أن تكون مُلهمة لحياتنا الدينية اليوم، ذلك أن الحياة الدينية وما يتشكّل في سياقها من قيم روحية وأخلاقية تولد وتتكّون في رحم الكيفية التي تحضر فيها صورةُ الله في الضمير.
الديري يدرك المحنةَ التي يعيشها المسلمُ اليوم، وكيف صار العنفُ والقتلُ لغةً يتداولها كثيرٌ من أبناء الإسلام الذين سقطوا في شراك الرؤية السلفية للتوحيد، وسجنت سلوكَهم الفتاوى المشتقّة من تلك الرؤية، فضاع في ضجيج تلك الرؤية صوتُ السلام والحق والعدل والإحسان والرحمة في القرآن. وكأن الإسلامَ لا يعرف أن يتحدّث لغةً أخرى غير العنف والقتل والموت. حرص الكاتبُ أن يدلّنا على الكنز المنسيّ للغة أخرى للإسلام يجهلها أكثرُ الشباب المسلم. لغة يمكن أن تؤسّس لتديّن يعرف أن يتكلّم لغةَ السلام والحق والعدل والاحسان والتراحم، ويعرف أن يتذوّق تجلياتِ الجمال الإلهي في الوجود. وما أشدّ حاجتنا لهذه اللغة بعد أن تفشّى في لغتنا الدينية كثيرٌ من الكلمات المسمومة.
تقديم لكتاب: "لماذا نكفّر: ابن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن". تأليف: د. علي الديري. الكتاب تحت الطبع. ننشر القسم الأول في هذا العدد، والقسم الثاني من التقديم في عدد قادم.
http://www.almothaqaf.com/a/b8/933095
صحيفة المثقف
محيي الدين بن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن (1)
فرغتُ من مطالعةِ مخطوطةِ كتاب
كلُّ من يعرف الأديان، سواء كانت وحيانيةً أو غيرها، يعرف الأثرَ السحري الذي تحدثه كتبُها المقدسة في أرواح وقلوب المؤمنين بها، لكن ليس كلُّ كتب الأديان تمكنت من إنتاج حضارات رائدة.
الحضورُ الشديد الأثر للقرآن في العالم يكشف عن فرادةِ صوت الله فيه، وقدرتِه الاستثنائية على أسر القلوب والأرواح.
لقد كان وسيظل الفعلُ الحضاري للقرآن عظيماً، وتعكس مكاسبُ الحضارة الإسلامية للبشرية الصورةَ الناطقة للقرآن في التاريخ، فلا نجدُ كتابًا مقدسًا أشدَّ حضوراً وتأثيراً من هذا الكتاب في الأرض منذ عرفه الإنسان.
الحضورُ الشديد الأثر للقرآن في العالم يكشف عن فرادةِ صوت الله فيه، وقدرتِه الاستثنائية على أسر القلوب والأرواح.
لقد كان وسيظل الفعلُ الحضاري للقرآن عظيماً، وتعكس مكاسبُ الحضارة الإسلامية للبشرية الصورةَ الناطقة للقرآن في التاريخ، فلا نجدُ كتابًا مقدسًا أشدَّ حضوراً وتأثيراً من هذا الكتاب في الأرض منذ عرفه الإنسان.
كتاب يفعل بالانسان أثراً هو أكثر من فعل السحر على المسحور
بقلم: د. حمزة النهيري
شرفني فضيلة الدكتور العلامة عبد الجبار الرفاعي حفظه الله، بمراسلة شخصية على الخاص، أعرب فيها فضيلته عن امتنانه واهتمامه بما كتبته من منشور، ينوه بكتابه: "الدين والظمأ الأنطولوجي".
وأحب أن أقول لفضيلته: إن كتابكم أسمى من أن يحظى بإعجاب باحث مغمور مثلي، له قصة طويلة مع الكتاب، ربما تروى لاحقا بحول الله.. ولكن كتابكم الرائع، أحسب أنه قد نفخ فيه من روح الجمال والجلال، فأضحى مضيئاً بهذه الأنوار.
تعود معرفتي بفضيلة الدكتور عبد الجبار الرفاعي إلى مرحلة ماقبل الماجستير والدكتوراه. فقد عرفته من خلال منشورات دار الهادي، ومنشورات مركز دراسات فلسفة الدين، التي اعتنت بالفكر الكلامي والدرس الفلسفي.
ولعل كتاباته كانت سبباً في إقبالي على كتب العلامة الفيلسوف طه عبد الرحمن، فكانت كتبه مدخلا لكتب الأخير، كانت البداية مع كتاب طه عبد الرحمن في أصول الحوار وتجديد علم الكلام..إلى أن أسفرت عن كتابي "سؤال الدين في الغرب الاسلامي بين مشروعي طه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري".
لم يهدني أحد إلى كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" سوى الله جل جلاله، فهو الوحيد الذي يعرف ما أشعر به تجاه الكتاب اليوم، وهو الوحيد الذي يعرف طبيعة الكتب التي من شأنها أن تروي الظمأ الانطولوجي في فكري ووجداني..
لما رمقت عيني الكتاب، وقلبت صفحاته الاولى، لأشم منه عبق العلم والعرفان . لم أساوم الكتبي كما هي عادتي في مباشرة طقوس القراءة. اشتريته فرحاً مسروراً، لتبدأ رحلة الابحار في ملكوت معارفه، وتجارب مؤلف الكتاب الوجدانية والمعرفية.
لا أخفي على سيادتكم أن الكتاب لامس شيئا من فكري ووجداني، وكأنه يتكلم عن تجربتي.
قليلة هي الكتب، التي تستطيع أن تفعل بالانسان أثراً هو أكثر من فعل السحر على المسحور.
كما أسلفت؛ لم أسمع بالكتاب من قبل، ولا سمعت بنقاده الكثر، ويطيب لي أن أنخرط في سلك كوكبة النقاد الأماجد، الذين نقدوا الكتاب، وأبدوا مشاعرهم نحوه.
قبل ذلك، لابد أن أهمس في أذن أصدقائي: أن حبي للكتاب وشخصية الكاتب، لاتعني اتفاقي مع كل آرائه.
لوفعلت لأغضبت نفسي، وأغضبت الدكتور عبد الجبار الرفاعي، فانا امرؤ يكره التقليد وينفر منه، بل أنا رجل يكره المقلدة كرهاً معرفياً إلى أبعد حدود، فجناية التقليد على العقل، أشد من جناية الجماعات المتوحشة على الانسانية والاسلام.
الدكتور عبد الجبار الرفاعي ممن يكره التقليد والاجترار، وحبه للنقد العلمي البناء يفوق كل حب. يصف الرفاعي النقد بقوله: "يهمني النقد، لأن تفكيري يخصبه ويثريه النقد .. النقد للتفكير كالأوكسجين للكائن الحي، إذ لا حياة للتفكير الحي من دون نقد .. وان كان يسود ثقافتنا تخويف من النقد، بوصفه هدماً وتقويضاً، كما ننعته على الدوام، وربما يتحوّل التخويف أحيانا إلى تخوين، من دون أن نعرف أن النقد هو الذي يبعث الروح في التفكير، وهو ما يكفل انبعاثه بعد موته، وتجديده بعد تبديده .. بتوقف النقد ينغلق العقل، ويتحجر التفكير، بل يمسي التفكير ضداً للتفكير".
النقد الذي أبديته لفضيلة الدكتور الرفاعي، يتعلق برأيه في شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله، فقد حمّل تراثه كل الممارسات المكرسة لظاهرة التوحش والعنف الديني.
يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي:
"لم يزل تراث ابن تيمية وسواه حاضراً فاعلاً مؤثراً، عبر دراسته وتدريسه، وتبني آثاره في البحث والكتابة والمناظرة، واتخاذه مرجعية للتقليد في التدين والسلوك... لا تغيب آثاره عن الكثير من المدارس والمعاهد والكليات المتخصصة بالشريعة والدراسات الاسلامية، سواء كانت تقليدية أو حديثة.. ولم يجرؤ معظم الباحثين في الاسلام المعاصر على الاشارة إلى ما ينبعث من آثاره من تكفير المختلف عقائديا وفكريا، والتنبيه إلى أن تراثه منجم معظم ما تشبعت به أدبيات الجماعة الاسلامية من السموم. بل تحمس بعض المفكرين في بلادنا العربية بالاعلان عن ضرورة العودة إليه، بوصفه أهم مفكر وفقيه ظهر في تاريخ الاسلام، وأي محاولة تقفز عليه أو تتخطاه، إنما تغامر بفقدانها أصالتها وافتقارها لتمثيل الامة والاسلام وحضارته". كتاب: "الدين والظمأ الأنطولوجي". ص157.
هذا هو النص الذي يمكن أن أجعله موطنا للنقد والنظر.. ليس دفاعا عن ابن تيمية بقدر ما هو دفاع عن حقوق المعرفة.. فمن حقوق العلماء علينا، أن ندب عنهم وننصفهم، أيا كانت وجهتهم الدينية والعقائدية. فهذا من العدل الذي تعبدنا القرآن به أكثر من غيره.. (إن الله يأمر بالعدل والاحسان)..النحل.
هناك جانب مشرق في تراث ابن تيمية حجبت أنواره الخصومات الكلامية والعقائدية التي خاضها ابن تيمية على جبهات متعددة:
فهو فيلسوف ناقد لآراء ابن رشد والفارابي والغزالي ..بل ناقد لأرسطو وافلاطون.
وهو منطقي حين يذكر المنطق باعتباره مقدمة للفلسفة والعلوم كلها.
بقلم: د. حمزة النهيري
شرفني فضيلة الدكتور العلامة عبد الجبار الرفاعي حفظه الله، بمراسلة شخصية على الخاص، أعرب فيها فضيلته عن امتنانه واهتمامه بما كتبته من منشور، ينوه بكتابه: "الدين والظمأ الأنطولوجي".
وأحب أن أقول لفضيلته: إن كتابكم أسمى من أن يحظى بإعجاب باحث مغمور مثلي، له قصة طويلة مع الكتاب، ربما تروى لاحقا بحول الله.. ولكن كتابكم الرائع، أحسب أنه قد نفخ فيه من روح الجمال والجلال، فأضحى مضيئاً بهذه الأنوار.
تعود معرفتي بفضيلة الدكتور عبد الجبار الرفاعي إلى مرحلة ماقبل الماجستير والدكتوراه. فقد عرفته من خلال منشورات دار الهادي، ومنشورات مركز دراسات فلسفة الدين، التي اعتنت بالفكر الكلامي والدرس الفلسفي.
ولعل كتاباته كانت سبباً في إقبالي على كتب العلامة الفيلسوف طه عبد الرحمن، فكانت كتبه مدخلا لكتب الأخير، كانت البداية مع كتاب طه عبد الرحمن في أصول الحوار وتجديد علم الكلام..إلى أن أسفرت عن كتابي "سؤال الدين في الغرب الاسلامي بين مشروعي طه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري".
لم يهدني أحد إلى كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" سوى الله جل جلاله، فهو الوحيد الذي يعرف ما أشعر به تجاه الكتاب اليوم، وهو الوحيد الذي يعرف طبيعة الكتب التي من شأنها أن تروي الظمأ الانطولوجي في فكري ووجداني..
لما رمقت عيني الكتاب، وقلبت صفحاته الاولى، لأشم منه عبق العلم والعرفان . لم أساوم الكتبي كما هي عادتي في مباشرة طقوس القراءة. اشتريته فرحاً مسروراً، لتبدأ رحلة الابحار في ملكوت معارفه، وتجارب مؤلف الكتاب الوجدانية والمعرفية.
لا أخفي على سيادتكم أن الكتاب لامس شيئا من فكري ووجداني، وكأنه يتكلم عن تجربتي.
قليلة هي الكتب، التي تستطيع أن تفعل بالانسان أثراً هو أكثر من فعل السحر على المسحور.
كما أسلفت؛ لم أسمع بالكتاب من قبل، ولا سمعت بنقاده الكثر، ويطيب لي أن أنخرط في سلك كوكبة النقاد الأماجد، الذين نقدوا الكتاب، وأبدوا مشاعرهم نحوه.
قبل ذلك، لابد أن أهمس في أذن أصدقائي: أن حبي للكتاب وشخصية الكاتب، لاتعني اتفاقي مع كل آرائه.
لوفعلت لأغضبت نفسي، وأغضبت الدكتور عبد الجبار الرفاعي، فانا امرؤ يكره التقليد وينفر منه، بل أنا رجل يكره المقلدة كرهاً معرفياً إلى أبعد حدود، فجناية التقليد على العقل، أشد من جناية الجماعات المتوحشة على الانسانية والاسلام.
الدكتور عبد الجبار الرفاعي ممن يكره التقليد والاجترار، وحبه للنقد العلمي البناء يفوق كل حب. يصف الرفاعي النقد بقوله: "يهمني النقد، لأن تفكيري يخصبه ويثريه النقد .. النقد للتفكير كالأوكسجين للكائن الحي، إذ لا حياة للتفكير الحي من دون نقد .. وان كان يسود ثقافتنا تخويف من النقد، بوصفه هدماً وتقويضاً، كما ننعته على الدوام، وربما يتحوّل التخويف أحيانا إلى تخوين، من دون أن نعرف أن النقد هو الذي يبعث الروح في التفكير، وهو ما يكفل انبعاثه بعد موته، وتجديده بعد تبديده .. بتوقف النقد ينغلق العقل، ويتحجر التفكير، بل يمسي التفكير ضداً للتفكير".
النقد الذي أبديته لفضيلة الدكتور الرفاعي، يتعلق برأيه في شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله، فقد حمّل تراثه كل الممارسات المكرسة لظاهرة التوحش والعنف الديني.
يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي:
"لم يزل تراث ابن تيمية وسواه حاضراً فاعلاً مؤثراً، عبر دراسته وتدريسه، وتبني آثاره في البحث والكتابة والمناظرة، واتخاذه مرجعية للتقليد في التدين والسلوك... لا تغيب آثاره عن الكثير من المدارس والمعاهد والكليات المتخصصة بالشريعة والدراسات الاسلامية، سواء كانت تقليدية أو حديثة.. ولم يجرؤ معظم الباحثين في الاسلام المعاصر على الاشارة إلى ما ينبعث من آثاره من تكفير المختلف عقائديا وفكريا، والتنبيه إلى أن تراثه منجم معظم ما تشبعت به أدبيات الجماعة الاسلامية من السموم. بل تحمس بعض المفكرين في بلادنا العربية بالاعلان عن ضرورة العودة إليه، بوصفه أهم مفكر وفقيه ظهر في تاريخ الاسلام، وأي محاولة تقفز عليه أو تتخطاه، إنما تغامر بفقدانها أصالتها وافتقارها لتمثيل الامة والاسلام وحضارته". كتاب: "الدين والظمأ الأنطولوجي". ص157.
هذا هو النص الذي يمكن أن أجعله موطنا للنقد والنظر.. ليس دفاعا عن ابن تيمية بقدر ما هو دفاع عن حقوق المعرفة.. فمن حقوق العلماء علينا، أن ندب عنهم وننصفهم، أيا كانت وجهتهم الدينية والعقائدية. فهذا من العدل الذي تعبدنا القرآن به أكثر من غيره.. (إن الله يأمر بالعدل والاحسان)..النحل.
هناك جانب مشرق في تراث ابن تيمية حجبت أنواره الخصومات الكلامية والعقائدية التي خاضها ابن تيمية على جبهات متعددة:
فهو فيلسوف ناقد لآراء ابن رشد والفارابي والغزالي ..بل ناقد لأرسطو وافلاطون.
وهو منطقي حين يذكر المنطق باعتباره مقدمة للفلسفة والعلوم كلها.