وقفة معرفية عند عِبَارَةَ
"وَامْنَحْنِي حُسْنَ الْإِرْشَادِ"
"وَامْنَحْنِي حُسْنَ الْإِرْشَادِ"
عِبَارَةَ "وَامْنَحْنِي حُسْنَ الْإِرْشَادِ"هِيَ جُزْءٌ مِنْ دُعَاءِ "مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ" لِلإِمَامِ السَّجَّادِ (عَلَيْهِ السَّلامُ) فِي الصَّحِيفَةِ السَّجَّادِيَّةِ، وَهِيَ مَطْلَبٌ جَوْهَرِيٌّ يَمَسُّ صَمِيمَ العَقِيدَةِ .
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6].
"الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ" فِي الدُّنْيَا هُوَ الإِمَامُ المَعْصُومُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ. فَطَلَبُ "حُسْنِ الإِرْشَادِ" هُوَ طَلَبُ التَّوْفِيقِ لِلثَّبَاتِ عَلَى هَذَا الصِّرَاطِ (عَلِيٌّ وَآلُ عَلِيٍّ) دُونَ مَيْلٍ أَوْ انْحِرَافٍ. وَقَدْ جَاءَ فِي القُرْآنِ أَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يَمْنَحُ هَذِهِ الهِدَايَةَ عَبْرَ حُجَّتِهِ: {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ} [يونس: 35].
وقد وَرَدَ فِي الزِّيَارَةِ الجَامِعَةِ الكَبِيرَةِ المَرْوِيَّةِ عَنِ الإِمَامِ الهَادِي (عَلَيْهِ السَّلامُ):
"كَلامُكُمْ نُورٌ، وَأَمْرُكُمْ رُشْدٌ، وَوَصِيَّتُكُمُ التَّقْوَى".
فالرُّشْدُ وَالإِرْشَادُ لا يَكُونَانِ إِلَّا فِي أَمْرِ آلِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِم السَّلامُ)؛ فَكُلُّ مَا خَرَجَ عَنْ مِشْكَاةِ نُورِهِمْ فَهُوَ "غَيٌّ" وَانْحِرَافٌ.
"حُسْنُ الإِرْشَادِ" يَحْصُلُ حِينَ يَمْنَحُ اللهُ العَبْدَ العَقْلَ وَالفَهْمَ وَالمَعْرِفَةَ الَّتِي تَمْنَعُ القَلْبَ مِنَ الزَّيْغِ.
ففِي دُعَاءِ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ:
"اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ... وَامْنَحْنِي حُسْنَ الإِرْشَادِ لا أَبْتَغِي بِهِ بَدَلاً، وَلا أَنْكِبُ عَنْهُ طَرِيقاً".
المَنْحُ هُنَا هُوَ "عَطَاءٌ إِلَهِيٌّ" مَرْبُوطٌ بِمَرْكَزِيَّةِ المَعْصُومِ؛ فَلا يُرْشِدُ إِلَى اللهِ إِلَّا اللهُ بِدَلِيلِ المَعْصُومِ.
فتَعْرِيفُ الإِرْشَادِ: هُوَ الهِدَايَةُ إِلَى "وَجْهِ اللهِ" (الإِمَامِ الحُجَّةِ -عجل الله فرجه الشريف-). فَالإِرْشَادُ الحَقِيقِيُّ لَيْسَ نِتَاجَ "عِلْمِ الكَلَامِ" أَوْ "القَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ" المُسْتَقَاةِ مِنْ عِلْمِ الرِّجَالِ النَّاصِبِيِّ، انما هُوَ "نُورٌ" يَقْذِفُهُ اللهُ فِي قَلْبِ مَنْ شَاءَ عَبْرَ حَدِيثِ أَهْلِ البَيْتِ الحَرْفِيِّ.
اما صِفَةُ "الحُسْنِ": تشِيرُ إِلَى أَنَّ "الحُسْنَ" هُنَا يَعْنِي "الجَمَالَ المَعْرِفِيَّ" وَالصَّفَاءَ مِنَ الشَّوَائِبِ. الإِرْشَادُ "الحَسَنُ" هُوَ الَّذِي لا يَشُوبُهُ "تَقِيَّةٌ" أَوْ "فِكْرُ المُخَالِفِينَ"، وَهُوَ الَّذِي يُوصِلُ العَبْدَ إِلَى مَقَامِ "اليَقِينِ" بِحَيْثُ تَصِيرُ الغَيْبَةُ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ المُشَاهَدَةِ.
قَوْلُ المَعْصُومِ "لا أَبْتَغِي بِهِ بَدَلاً" يَعْنِي رَفْضَ أَيِّ مَنْظُومَةٍ هَادِيَةٍ غَيْرِ مَنْظُومَةِ (الكِتَابِ وَالعِتْرَةِ). فَكُلُّ مَنْ طَلَبَ الإِرْشَادَ مِنْ عُقُولِ الرِّجَالِ أَوْ "آرَائِهِمْ" فَقَدْ نَكَبَ عَنِ الطَّرِيقِ وَفَقَدَ صِفَةَ "الحُسْنِ" فِي هِدَايَتِهِ.
"حُسْنُ الإِرْشَادِ" هُوَ التَّوْفِيقُ لِمَعْرِفَةِ "التَّكْلِيفِ الشَّرْعِيِّ" الأَصِيلِ الَّذِي يَقُومُ عَلَى مَرْكَزِيَّةِ المَعْصُومِ وَرَفْضِ التَّقْلِيدِ الأَعْمَى لِلآرَاءِ البَشَرِيَّةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى "الظَّنِّ".
والنَّتِيجَةُ: فأَنَّ "حُسْنَ الإِرْشَادِ" هُوَ الوُصُولُ إِلَى "الوَضُوحِ المَهْدَوِيِّ" الَّذِي يَجْعَلُ العَبْدَ "بَصِيراً" بِزَمَانِهِ، ثَابِتاً عَلَى وَلايَةِ آلِ مُحَمَّدٍ، مَرْفُوعَ الهِمَّةِ عَنِ الاعْتِمَادِ عَلَى الأَغْيَارِ.
#صراط@pathElya
مَسْأَلَةَ "التَّقِيَّةِ" فِي مَنْطِقِ آلِ مُحَمَّدٍ
مَسْأَلَةَ "التَّقِيَّةِ" فِي مَنْطِقِ آلِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) حِصْنُ الإِيمَانِ المَنِيعُ، وَهِيَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ هُوِيَّةِ التَّشَيُّعِ الحَقِّ الَّذِي يَقُومُ عَلَى "التَّسْلِيمِ" المُطْلَقِ لِمُرَادِهِمْ وَفَهْمِ مَوَاقِعِ كَلَامِهِمْ.
أولاً: ( بعض رِوَايَاتُ التَّقِيَّةِ وَمَنْزِلَتُهَا)
لَقَدْ جَاءَ فِي فَيْضِ أَحَادِيثِهِمْ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ التَّقِيَّةَ عَمُودُ هَذَا الدِّينِ، وَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ نَزَعَ رِبْقَةَ الوَلَايَةِ مِنْ عُنُقِهِ:
عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: « مَنْ تَرَكَ التَّقِيَّةَ قَبْلَ خُرُوجِ قَائِمِنَا فَلَيْسَ مِنَّا.
وايضا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) لَيْسَ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ مَنْ لَا يَتَّقِي.
التَّقِيَّةُ وَاجِبَةٌ لاَ يَجُوزُ تَرْكُهَا إِلَى أَنْ يَخْرُجَ الْقَائِمُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فَمَنْ تَرَكَهَا قَبْلَ خُرُوجِهِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ دِينِ اللهِ، وَعَنْ دِينِ الإِمَامِيَّةِ، وَخَالَفَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالأَئِمَّةَ».
وَعَنْهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي بَيَانِ عِظَمِ شَأْنِهَا: «إِنَّ تَرْكَ التَّقِيَّةِ كَتَرْكِ الصَّلَاةِ».
وَرَوِيَ عَنْهُمْ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ): «التَّقِيَّةُ مِنْ دِينِ اللهِ».
وَقَالَ الصَّادِقُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «تِسْعَةُ أَعْشَارِ الدِّينِ فِي التَّقِيَّةِ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ».
ثانياً: (مَوَاقِعِ التَّقِيَّةِ)
التَّقِيَّةُ فِي مَدْرَسَةِ أَهْلِ البَيْتِ هِيَ "رُشْدٌ بَالِغٌ" وَفِطْرَةٌ سَلِيمَةٌ لِحِفْظِ نُورِ الوَلَايَةِ مِنْ أَنْ تُطْفِئَهُ أَفْوَاهُ النَّوَاصِبِ وَمَنْ خَالَفَ مَنْهَجَهُمْ. وَتَتَجَلَّى مَوَاضِعُهَا وَبَصَائِرُهَا فِي مَطَاوِي النُّصُوصِ كَمَا يَلِي:
حِفْظُ الدِّمَاءِ وَالأَنْفُسِ: وَهِيَ المَوْرِدُ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّهَاوُنُ، فَحُرْمَةُ دَمِ المُؤْمِنِ عِنْدَ اللهِ أَعْظَمُ مِنَ الكَعْبَةِ، وَالتَّقِيَّةُ هُنَا هِيَ "تُرْسُ المُؤْمِنِ".
حِفْظُ الأَسْرَارِ وَالكِتْمَانُ: فَمِنْ أَعْظَمِ جِهَادِ الشِّيعِيِّ أَنْ يَكْتُمَ مَعَارِفَ آلِ مُحَمَّدٍ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) عَنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَخُصُوصاً مَا يَتَعَلَّقُ بِعَظَمَتِهِمْ وَمَقَامَاتِهِمُ العَالِيَةِ الَّتِي لَا تَتَحَمَّلُهَا عُقُولُ "العَامَّةِ" المُتَلَوِّثَةِ بِالفَلْسَفَةِ وَالاجْتِهَادِ البَشَرِيِّ.
المُدَارَاةُ وَالخُلْطَةُ مَعَ المُخَالِفِينَ: لَقَدْ أَمَرَنَا الأَئِمَّةُ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) بِالصَّلَاةِ فِي مَسَاجِدِهِمْ، وَعِيَادَةِ مَرْضَاهُمْ، لَا حُبّاً فِي مَنْهَجِهِمُ البَاطِلِ، بَلْ بَصِيرَةً لِصِيَانَةِ الكِيَانِ الشِّيعِيِّ وَإِتْمَامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
التَّقِيَّةُ فِي الأَحْكَامِ (قَاعِدَةُ العَرْضِ): أَيُّ حُكْمٍ أَوْ رِوَايَةٍ تَوَافَقَتْ مَعَ "العَامَّةِ" (مَدْرَسَةِ الخِلَافَةِ)، فَإِنَّ المَعْصُومَ نَطَقَ بِهَا لِحِكْمَةٍ تَقَوِيَّةٍ، وَالرُّشْدُ فِي خِلَافِهِمْ. هَذَا هُوَ المِيزَانُ الذَّهَبِيُّ الَّذِي يَنْفِي "التَّلَوُّثَ" عَنْ عَقِيدَةِ الحَقِّ.
ثالثاً: الخُلَاصَةُ (مَا اسْتُفِيدَ مِنْ فَيْضِهِمْ)
التَّقِيَّةُ فَرِيضَةٌ قَائِمَةٌ مَالَمْ يَبْلُغِ الدَّمُ، فَإِذَا بَلَغَ الدَّمُ فَلَا تَقِيَّةَ. هِيَ دِينُ آلِ مُحَمَّدٍ الَّذِي يَدِينُونَ اللهَ بِهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ لِحِمَايَةِ الفِطْرَةِ مِنَ الِانْحِرَافِ وَالضَّيَاعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بحار الانوار
#صراط@pathElya
مَسأَلَةُ العَمَلِ فِي ظِلِّ السَّلْطَنَةِ أو مُؤَسَّسَاتِ الدُّوَلِ (التي لا يَقُودُها المَعصُومُ ظَاهِراً)
هِيَ مَحَلُّ ابْتِلَاءٍ
هِيَ مَحَلُّ ابْتِلَاءٍ
أولاً:
رَوَى ثِقَةُ الإِسْلامِ الكُلَينِيُّ فِي (الكَافِي) بِإسنَادِهِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الصَّادِقِ (صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ) قَالَ:
«أَدْنَى مَا يَكُونُ العَبْدُ بِهِ كَافِراً أَنْ يَرَى الأَمْرَ البَاطِلَ فَيُقِيمَ عَلَيْهِ وَيُعِينَ صَاحِبَهُ.»
[المصدر: الكافي]
وَعَنْ جَهْمِ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللهِ (عَلَيْهِ السَّلامُ):
«أَمَا تُخَالِطُهُمْ؟ -يَعْنِي السُّلطَانَ- قُلْتُ: لا، قَالَ: وَلِمَ؟ قُلْتُ: فِرَاراً بِدِينِي، قَالَ: فَأَجْمِعْ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا أَرَدْتُ القِيَامَ قَالَ: كَيْفَ أَنْتَ إِذَا احْتَجْتَ إِلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ؟ أَمَا إِنَّكَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُمْ، فَلَا تَدْخُلْ لَهُمْ فِي عَمَلٍ، وَإِنْ هُمْ دَعَوْكَ إِلَى أَنْ تَكُونَ سَاعِراً فَلَا تَكُنْ لَهُمْ سَاعِراً.»
[المصدر: وسائل الشيعة]
ثانياً:
إنَّ مَنْهَجَ محمد وال محمد يَنْظُرُ إِلى مُؤَسَّسَاتِ الدُّوَلِ فِي زَمَنِ الغَيْبَةِ -بِمُخْتَلَفِ تَسْمِيَاتِهَا- عَلَى أَنَّهَا قَائِمَةٌ بِمَعْزِلٍ عَنْ الوِلايَةِ الإِلهِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِآلِ مُحَمَّدٍ.
وَمِنْ هُنَا، يَتَمَحْوَرُ الحُكْمُ حَوْلَ ثَلاثَةِ أَرْكَانٍ:
أَصْلُ الحُرْمَةِ فِي المَعُونَةِ: كُلُّ عَمَلٍ يُقَوِّي رُكْنَ "الجَائِرِ" (وَهُوَ كُلُّ مَنْ تَصَدَّى لِلشَّأْنِ العَامِّ بِمَعْزِلٍ عَنِ المَعْصُومِ) فَهُوَ مَحَلُّ سَخَطٍ. فَالرِّوَايَاتُ تَنْهَى حَتَّى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ لَهُمْ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ، أَوْ بِنَاءِ مَسَاجِدِهِمْ، لأَنَّ الإِعَانَةَ عَلَى البَاطِلِ تَلَوُّثٌ رُوحِيٌّ يُطْفِئُ نُورَ الفِطْرَةِ.
استِثْنَاءُ "النَّفْعِ لِلْمُؤْمِنِينَ": لَمْ يَفْتَحِ الأَئِمَّةُ (عَلَيْهِمُ السَّلامُ) بَابَ العَمَلِ إِلا لِغَرَضٍ وَاحِدٍ: قَضَاءُ حَوَائِجِ الشِّيعَةِ. كَمَا فِي قِصَّةِ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ (رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ)، حَيْثُ قَالَ لَهُ الكَاظِمُ (عَلَيْهِ السَّلامُ): «إِنَّ لِلَّهِ مَعَ كُلِّ سُلْطَانٍ جَائِرٍ مَنْ يَدْفَعُ اللهُ بِهِ عَنْ أَوْلِيَائِهِ... فَإِنْ قَدَرْتَ أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ فَافْعَلْ». فَالعَمَلُ لَيْسَ لِأَجْلِ "الدَّوْلَةِ" بِحَدِّ ذَاتِهَا، بَلْ لِتَكُونَ عَيْناً لِلْمُؤْمِنِينَ وَمَلاذاً لَهُمْ.
تحْرِيمُ الوَظَائِفِ الصَّارِخَةِ: يُشَدِّدُ المَنْهَجُ عَلَى اجْتِنَابِ المَنَاصِبِ التي تَتَضَمَّنُ ظُلْماً مُبَاشِراً (القَضَاءُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ الله، الجِبَايَةُ الظَّالِمَة، الأَمْنُ القَمْعِيُّ). فَهَذِهِ لا تَقِيَّةَ فِيهَا وَلا عُذْرَ، وَصَاحِبُهَا شَرِيكٌ فِي الدَّمِ وَالمَالِ الحَرَامِ.
ثالثاً: الخُلاصَةُ (مَا اسْتُفِيدَ مِنْ فَيْضِهِمْ)
الأَصْلُ: التَّنَزُّهُ عَنِ العَمَلِ فِي هَذِهِ المُؤَسَّسَاتِ هُوَ مُقْتَضَى الوَرَعِ وَالتَّسْلِيمِ، لِأَنَّهَا دُوَلٌ لَمْ تُبْنَ عَلَى مَنْهَجِ الغَدِيرِ.
الجَوَازُ المَشْرُوطُ: يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِ الانْخِرَاطُ فِي الوَظَائِفِ "الخِدْمِيَّةِ" (تَعْلِيم، صِحَّة، خِدْمَات عَامَّة)
بِشَرْطِ:
1- أَنْ لا يَكُونَ عَوْناً عَلَى ظُلْمٍ.
2- أَنْ يَنْوِيَ بِعَمَلِهِ خِدْمَةَ "شِيعَةِ آلِ مُحَمَّدٍ" وتَسْهِيلَ أُمُورِهِمْ.
3- أَنْ لا يَتَبَنَّى عَقَائِدَ هَذِهِ الدُّوَلِ أَوْ يُرَوِّجَ لِشَرْعِيَّتِهَا الدِّينِيَّةِ.
تَّحْذِيرِ: مَنْ كَانَ عَمَلُهُ يَقْتَضِي الحُكْمَ بِأَهْوَاءِ النَّاسِ أَوْ مُخَالَفَةِ صَرِيحِ حَدِيثِ العِتْرَةِ، فَالخُرُوجُ مِنْهُ أَوْجَبُ مِنَ البَقَاءِ، فَـ «دِينُ اللهِ لَا يُصَابُ بِالعُقُولِ» وَلا بِتَبْرِيرَاتِ لُقْمَةِ العَيْشِ إِذَا كَانَتْ عَلَى حِسَابِ الوَلاءِ.
زبدة المخض: العَمَلُ فِي مُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ (قَبْلَ قِيَامِ القَائِمِ أَرْوَاحُنَا فِدَاهُ) هُوَ مَشْيٌ عَلَى جَمْرٍ؛ فَإِنْ كُنْتَ فِيهَا لِتَقْضِيَ حَاجَةَ مُؤْمِنٍ فَنِعْمَ العَمَلُ، وَإِلَّا فَالفرَارُ الفِرَارُ بِدِينِكَ
وقفة معرفية
عند احد معاني حديث الامام علي
وجهك ماء جامد يقطّره السّؤال
فانظر عند من تقطره
عند احد معاني حديث الامام علي
وجهك ماء جامد يقطّره السّؤال
فانظر عند من تقطره
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ عِبَادِهِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ مَاءَ وُجُوهِهِمْ مِنَ المَذَلَّةِ لِغَيْرِ اللهِ:
﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273].
العِفَّةُ هِيَ الحَالُ الَّتِي يَتَجَمَّدُ فِيهَا مَاءُ الوَجْهِ فَلَا يَنْصَبُّ إِلَّا فِي حَيَاضِ المَعْصُومِينَ، وَإِلَّا كَانَ هَبَاءً مَنْثُوراً.
فعَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ:
«مَاءُ وَجْهِكَ جَامِدٌ يُقْطِرُهُ السُّؤَالُ، فَانْظُرْ عِنْدَ مَنْ تُقْطِرُهُ» [نهج البلاغة].
حَقِيقَةِ "مَاءِ الوَجْهِ" بِاعْتِبَارِهِ رَمْزاً لِلْعِزَّةِ المَمْنُوحَةِ مِنَ اللهِ لِلمُؤْمِنِ؛ هَذَا المَاءُ يَكُونُ "جَامِداً" أَيْ مُتَمَاسِكاً مَصُوناً، وَلَا يَبْدَأُ بِالتَّسَاقُطِ وَالذَّوَبَانِ إِلَّا حِينَ يَمُدُّ العَبْدُ يَدَهُ بِالسُّؤَالِ لِلْمَخْلُوقِ. القَاعِدَةُ هُنَا هِيَ "الافْتِقَارُ الكُلِّيُّ للهِ وَالغِنَى عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ".
فنحن نَقْرَأُ فِي دُعَاءِ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ الَّذِي يُعَدُّ مِيزَاناً لِلاِفْتِقَارِ:
«فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاجْعَلْ غِنَايَ فِي نَفْسِي... وَلَا تَجْعَلْ حَاجَتِي إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ».
وَفِي الزِّيَارَةِ الجَامِعَةِ الكَبِيرَةِ: «بِكُمْ يُنَفِّسُ الهَمَّ، وَيَكْشِفُ الضُّرَّ»؛ فَمَنْ كَانَ سُؤَالُهُ لِغَيْرِ مَعْدِنِ الرَّحْمَةِ فَقَدْ أَرَاقَ مَاءَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ.
مَاءُ الوَجْهِ هُوَ ذَلِكَ التَّجَلِّي النُّورَانِيُّ لِلْوَلَايَةِ فِي نَفْسِ المُؤْمِنِ. إِذَا سَأَلَ الإِنْسَانُ غَيْرَ اللهِ أَوْ آلِ مُحَمَّدٍ، فَقَدْ خَدَشَ هَذَا النُّورَ وَحَوَّلَهُ إِلَى قَطَرَاتٍ ذَلِيلَةٍ.
"عِنْدَ مَنْ تُقْطِرُهُ": أَنَّ الِافْتِقَارَ التَّامَّ يَجِبُ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الحُجَّةِ بْنِ الحَسَنِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) فَقَطْ. فَإِقْطَارُ مَاءِ الوَجْهِ عِنْدَ بَابِ أَهْلِ البَيْتِ هُوَ عَيْنُ العِزَّةِ، بَيْنَمَا إِقْطَارُهُ عِنْدَ "الطَّوَاغِيتِ" أَوْ "أَصْحَابِ العَمَائِمِ البُتْرِيَّةِ" هُوَ الذُّلُّ الَّذِي يَمِيتُ القَلْبَ.
يَنْحَصِرُ التَّكْلِيفُ فِي حِفْظِ الكَرَامَةِ أَيْ رَفْضِ الِاحْتِيَاجِ لِلنَّاسِ حَتَّى فِي المَسَائِلِ العَقَائِدِيَّةِ، وَالأَخْذِ مِنَ النَّبْعِ الصَّافِي لِلْعِتْرَةِ بَدَلَ الِاسْتِجْدَاءِ مِنْ "العُيُونِ الكَدِرَةِ" الَّتِي يَفْرُغُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ.
حِينَمَا قَالَ الإِمَامُ "فَانْظُرْ عِنْدَ مَنْ تُقْطِرُهُ"، كَانَ يُلَمِّحُ إِلَى "مَعَارِضِ الكَلَامِ"؛ فَلَا يَسْتَحِقُّ هَذَا المَاءَ إِلَّا مَنْ هُوَ وَجْهُ اللهِ الَّذِي إِلَيْهِ يَتَوَجَّهُ الأَوْلِيَاءُ.
#صراط_ايليا
وقفة معرفية عند حكمة لأمير المؤمنين
يَقُولُ مَوْلَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ):
«إِنْ كُنْتَ حَرِيصاً عَلَى طَلَبِ الْمَضْمُونِ لَكَ، فَكُنْ حَرِيصاً عَلَى أَدَاءِ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكَ.»
[عيون الحكم والمواعظ]
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْكَرِيمِ مُشِيراً إِلَى "الْمَضْمُونِ" وَ"الْمَفْرُوضِ":
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (الذاريات: 22). هَذَا هُوَ "الْمَضْمُونُ" الَّذِي كَفَلَهُ الْخَالِقُ لِلْمَخْلُوقِ بِحَتْمِيَّةِ الْقَدَرِ.
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56). وَفِي تَفْسِيرِ محمد وال محمد (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ): "إِلَّا لِيَعْرِفُونِ"، فَالْمَعْرِفَةُ هِيَ "الْمَفْرُوضُ" الْأَعْظَمُ، وَهِيَ ذُرْوَةُ التَّكْلِيفِ الْإِلهِيِّ.
الْمَضْمُونُ هُوَ الرِّزْقُ الدُّنْيَوِيُّ الَّذِي انْشَغَلَ بِهِ "الْعَقْلُ الشِّيعِيُّ الْمُرْتَكِسُ" عَنِ الْغَايَةِ الْكُبْرَى. أَمَّا الْمَفْرُوضُ، فَلَيْسَ هُوَ مُجَرَّدَ حَرَكَاتِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ "الْبَتْرَاءِ"،
الْمَفْرُوضُ هُوَ "الْوَلَايَةُ" وَ"التَّمْهِيدُ" لِإِمَامِ زَمَانِنَا (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ).
فنحن نَقْرَأُ فِي زِيَارَةِ "آلِ يَاسِينَ" الَّتِي تُمَثِّلُ خُلَاصَةَ الْعَقِيدَةِ السَّلِيمَةِ:
«وَأَشْهَدُ أَنَّكَ حُجَّةُ اللهِ، أَنْتُمُ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ.. وَأَنَّ رَجْعَتَكُمْ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهَا».
هَذِهِ الشَّهَادَةُ هِيَ "الْمَفْرُوضُ" الْحَقِيقِيُّ؛ أَنْ تَكُونَ الْمَعْرِفَةُ وَالْيَقِينُ بِالْمَقَامَاتِ النُّورَانِيَّةِ هِيَ الشَّغَلَ الشَّاغِلَ لِلْمُؤْمِنِ، لَا الْقَلَقَ عَلَى خُبْزِ يَوْمِهِ الْمَضْمُونِ أَصْلًا.
أَنَّ الْمُشْكِلَةَ الْكُبْرَى فِي "الْعَقْلِ الشِّيعِيِّ الْجَمْعِيِّ" هِيَ الِاشْتِغَالُ بِالْفُرُوعِ وَالْمَادِّيَّاتِ (الْمَضْمُونِ) وَتَرْكُ الْأَصِيلِ (الْمَفْرُوضِ).
فالتَّكْلِيفُ الشَّرْعِيُّ الْحَقِيقِيُّ يَرْتَكِزُ عَلَى أَرْبَعِ قَوَاعِدَ أَسَاسِيَّةٍ:
1- التَّوْحِيدُ: عَدَمُ الْمَسَاسِ بِتَوْحِيدِ اللهِ الْمُطْلَقِ.
2- عَدَمُ انْتِقَاصِ أَهْلِ الْبَيْتِ: تَنْزِيهُهُمْ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ بَشَرِيٍّ تُحَاوِلُ الْمَدْرَسَةُ "الْمُتَسَنِّنَةُ" إِلْصَاقَهُ بِهِمْ.
3- عَطَاءُ اللهِ بِلَا حُدُودٍ: الْإِيمَانُ بِأَنَّ مَقَامَاتِهِمْ لَا يَحُدُّهَا إِلَّا الرُّبُوبِيَّةُ.
4-مَرْكَزِيَّةُ الْمَعْصُومِ: أَنْ تَكُونَ الطَّاعَةُ لِلْإِمَامِ نَاتِجَةً عَنْ "مَعْرِفَةٍ نُورَانِيَّةٍ".
الْحِرْصُ الْمَطْلُوبُ: هُوَ الْحِرْصُ عَلَى "التَّمْهِيدِ" (الْمَفْرُوضُ)، لِأَنَّ الزَّمَانَ زَمَانُ غَيْبَةٍ، وَالْمُؤْمِنَ مُطَالَبٌ بِأَنْ تَكُونَ الْغَيْبَةُ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ "الْمُشَاهَدَةِ" عَبْرَ الْعَقْلِ وَالْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ.
وان لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ حَرِيصاً عَلَى الْمَفْرُوضِ إِذَا كَانَ "إِمَّعَةً" يُقَلِّدُ تَقْلِيداً أَعْمَى لِلْأَصْنَامِ الْبَشَرِيَّةِ، ولكن عَلَيْهِ أَنْ يُشَغِّلَ عَقْلَهُ الَّذِي هُوَ الْحُجَّةُ الْبَاطِنَةُ.
النتيجة: إِنَّ انْشِغَالَكَ بِتَأْمِينِ مُسْتَقْبَلِكَ الْمَادِّيِّ (الْمَضْمُونِ) مَعَ إِهْمَالِ تَكْلِيفِكَ بِمَعْرِفَةِ إِمَامِ زَمَانِكَ وَالتَّمْهِيدِ لَهُ (الْمَفْرُوضِ) هُوَ عَينُ السَّفَاهَةِ فِي مَنْطِقِ آلِ مُحَمَّدٍ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم).
#صراط@pathElya
Forwarded from جليس الكليني (صديقي)
'أحيوا أمرنا'..
ومن هنا جعلنا حسابنا في بينترست مجلساً مصوراً يضج بكلماتهم وحكمهم.
"كل صورة تحفظها أو تشاركها هي رسالة خير تنشرها عن محمد وال محمد.
تابعونا على Pinterest لنكون معاً وسيلة لنشر علوم أهل البيت (عليهم السلام) بأسلوب الاحاديث المصورة."
ومن هنا جعلنا حسابنا في بينترست مجلساً مصوراً يضج بكلماتهم وحكمهم.
"كل صورة تحفظها أو تشاركها هي رسالة خير تنشرها عن محمد وال محمد.
تابعونا على Pinterest لنكون معاً وسيلة لنشر علوم أهل البيت (عليهم السلام) بأسلوب الاحاديث المصورة."
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي وَكَلَني إلَيهِ فَأكرَمَني، ولَم يَكِلني إلى النّاسِ فَيُهينوني.
دعاء ابي حمزة الثمالي
لامامنا علي بن الحسين صلوات الله عليه
وقفة معرفية:
مِن فَيضِ دُعاء أبي حَمزة الثُّمالي | عَنِ الإمامِ السَّجَّادِ (عَلَيْهِ السَّلامُ) الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي وَكَلَني إلَيهِ فَأكرَمَني، ولَم يَكِلني إلى النّاسِ فَيُهينوني.
مِن فَيضِ دُعاء أبي حَمزة الثُّمالي | عَنِ الإمامِ السَّجَّادِ (عَلَيْهِ السَّلامُ) الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي وَكَلَني إلَيهِ فَأكرَمَني، ولَم يَكِلني إلى النّاسِ فَيُهينوني.
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْمَجِيدِ:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: 8].
أَنَّ الْعِزَّةَ وَالْكَرَامَةَ مَحْصُورَةٌ فِي جَنْبِ اللهِ وَأَوْلِيَائِهِ؛ فَالْمُؤْمِنُ يَسْتَمِدُّ كَرَامَتَهُ مِنْ "نِسْبَتِهِ" إِلَى خَالِقِهِ وَمَوْلاهُ، لَا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا وَلَا مِنْ رِضَا الْخَلْقِ.
الْمَقْطَعُ الْوَارِدُ فِي دُعَاءِ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ (رَحمه الله) عَنْ إِمَامِنَا السَّجَّادِ عَلَيْهِ السَّلامُ:
«وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَكَلَنِي إِلَيْهِ فَأَكْرَمَنِي، وَلَمْ يَكِلْنِي إِلَى النَّاسِ فَيُهِينُونِي».
هَذِهِ الْعِبَارَةَ تُمَثِّلُ "قِمَّةَ التَّوْحِيدِ الْعَمَلِيِّ"؛ حَيْثُ يَرَى الْعَبْدُ أَنَّ الْكَرَامَةَ فِي "جِهَةِ الْوِكَالَةِ"؛ أَيْ أَنَّ اللهَ جَعَلَ أَمْرَكَ بِيَدِهِ هُوَ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ بِيَدِ مَنْ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً.
نَجِدُ هَذَا الْمَعْنَى مُتَجَلِّياً فِي "مُنَاجَاةِ الْمُفْتَقِرِينَ" وَأَدْعِيَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ (عَلَيْهِم السَّلامُ): «إِلَهِي كَيْفَ أَخِيبُ وَأَنْتَ أَمَلِي، أَمْ كَيْفَ أُهَانُ وَعَلَيْكَ مُتَّكَلِي».
وتُؤَكِّدُ الزِّيَارَةُ الْجَامِعَةُ الْكَبِيرَةُ أَنَّ كُلَّ كَرَامَةٍ نَالَهَا الْخَلْقُ إِنَّمَا هِيَ بِفَيْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ (عَلَيْهِم السَّلامُ) الَّذِينَ هُمْ "وَجْهُ اللهِ" الَّذِي لَا يُهَانُ مَنْ قَصَدَهُ.
فمَفْهُومُ الْكَرَامَةِ الْإِلَهِيَّةِ (فَأَكْرَمَنِي): الْكَرَامَةُ هُنَا هِيَ "تَكْريمُ الِانْتِسَابِ". عِنْدَمَا يَقُولُ الْعَبْدُ "وَكَلَنِي إِلَيْهِ"، فَإِنَّهُ يَعْتَزُّ بِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى الْغَنِيِّ الْمُطْلَقِ.
أَنَّ اللهَ "أَكْرَمَنَا" بِأَنْ جَعَلَ حَاجَتَنَا إِلَيْهِ فَقَطْ، وَمِنْ هُنَا تَصِيرُ الْحَاجَةُ "عِزّاً".
(فَيُهِينُونِي): "الْإِهَانَةَ" فِي "طَبِيعَةِ التَّعَامُلِ الْبَشَرِيِّ".
الْبَشَرُ عِنْدَمَا يَمْلِكُونَ أَمْرَكَ، يَتَعَامَلُونَ مَعَكَ مِنْ مُنْطَلَقِ "الْمَنِّ" أَوْ "الِاسْتِعْلاءِ"، وَهَذِهِ هِيَ الْإِهَانَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِلكَرَامَةِ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللهُ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ.
أَنَّ الْإِنْسَانَ الْمُوَحِّدَ يَجِبُ أَنْ يَصِلَ إِلَى مَرْحَلَةِ "تَطَابُقِ الْعَقْلِ وَالْقَلْبِ". الْعَقْلُ يَقُولُ: اللهُ هُوَ الْكَافِي، لَكِنَّ الْقَلْبَ قَدْ يَرْتَجِفُ خَوْفاً مِنَ النَّاسِ. هَذَا الْمَقْطَعُ مِنَ الدُّعَاءِ يُعَالِجُ "هَزِيمَةَ الْقَلْبِ"؛ فَيَجْعَلُ الْمُؤْمِنَ يَسْتَشْعِرُ الْأَمَانَ لِأَنَّ خَالِقَهُ لَمْ يُسْلِمْهُ إِلَى مَنْ لَا يَرْحَمُهُ (أَيْ النَّاسِ).
وفِي الْخُلاصَةِ، يَجِبُ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ "وَجْهَ اللهِ" الَّذِي نَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ هُوَ بَقِيَّةُ اللهِ (أَرواحُنَا فِدَاهُ). فَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ هُوَ التَّوَكُّلُ عَلَى مَنْ جَعَلَهُ اللهُ وَكِيلاً عَنْهُ فِي خَلْقِهِ، وَبِذَلِكَ نَنْجُو مِنْ ذُلِّ الْحَاجَةِ لِلْمُؤسَّسَاتِ الْبَشَرِيَّةِ أَوْ الْأَصْنَامِ الَّتِي تَدَّعِي الْوَسَاطَةَ بِغَيْرِ حَقٍّ...
#يازهراء
#صراط@pathElya
#جليس_الكليني
وقفة معرفية عند دعاء "يا إله الآلهة".
اللّهم يا إِلهَ الْآلِهَةِ، يا واحِدُ، يا أَحَدُ، يا آخِرَ الْآخِرينَ، يا قاهِرَ الْقاهِرينَ، يا عَلِيُّ يا عَظيمُ، أَنْتَ الْعَلِيُّ الْأَعْلى،
يقولُ اللهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [سورة الأعلى: 1].
في منطق الكتاب والعترة، "اسْمُ الرَّبِّ" هو التجلّي والمظهر، وليس الذات الغيبية المستترة التي لا تُنالُ بالوصف. فالأمرُ بالتسبيح يتوجه لاسم الله "الأعلى"، وهو وجه الله الذي منه يُؤتى.
فإنَّ "العلي الأعلى" هو عنوانٌ لمقامِ أميرِ المؤمنينَ (عليه السلام) الذي هو "النبأ العظيم" و"الاسم الأعظم" المتجلي في رُتبةِ المخلوق الأول.
عَنْ إِمَامِنَا جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا}، قَالَ:
«نَحْنُ وَاللهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الَّتِي لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنَ الْعِبَادِ عَمَلًا إِلَّا بِمَعْرِفَتِنَا» (الكافي: ج1).
الأسماء (واحد، أحد، علي، عظيم) هي مقامات نُورانية خَلَقها اللهُ لتدلَّ عليه، فهي "مَعادن كَلِماتِ اللهِ" وأركان توحيدِه.
أنَّ قوله (عليه السلام) "أَنْتَ الْعَلِيُّ الْأَعْلى" هو خطابٌ يتوجهُ إلى اللهِ من خلالِ مَظهَرِ صِفَاتِه، فالعليُّ الأعلى هو الاسم الذي استأثر به اللهُ في مقامِ تجلِّيهِ لمُحمدٍ وآلِ مُحمدٍ. والفرقُ بين الخالقِ والمخلوقِ هنا هو فَرْقُ "العُبوديّةِ والرُّبوبيّةِ"، فَهُم (عليهم للسلام) عَبيدٌ مَربوبون، ولكنَّهم "الأَسماءُ" التي بها تَقومُ السماوات و الارض».
فهذا الدعاء يُؤكد مَركزيةَ "الاسم"؛ فقولُ الداعي "يا إله الآلهة" يُشير إلى أنَّ كُلَّ مَن سُمِّي إلهاً (بمعنى المألوه إليه أو صاحب الولاية) فاللهُ فوقه، وأهلُ البيتِ هُم "الآلهةُ" بالمعنى الوظيفي (أي وُلاةُ الأَمْرِ المألوهُ إِليهم في كُلِّ شأْنٍ) بتفويضٍ مِنَ اللهِ.
زبدة المخض:
مقامُ "إِلَهَ الْآلِهَةِ": يجب ان يَميزُ بين "اللهِ" كذاتٍ لا تُدركُها الأوهامُ، وبينَ "اللهِ" كاسمٍ هو "العِلَّةُ الغائيةُ لِلْخَلْقِ". الآلهةُ في لغةِ العترةِ هم "الحُجَجُ" مِثْلما نَزَلَ في الكتابِ (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)، فالربوبيةُ الممنوحةُ للأوصياءِ هي ربوبيةُ تدبيرٍ وحُكْم.
وَاحِدٌ وَأَحَد: اللهُ وَاحدٌ فِي ذَاتِهِ، وأهلُ البيتِ "وَاحِدٌ" فِي نُورِهم (أَوَّلُنَا مُحَمَّد، آخِرُنَا مُحَمَّد، أَوْسَطُنَا مُحَمَّد، وَكُلُّنَا مُحَمَّد). فلا يَشذُّ عنهم شيءٌ من كَمالاتِ الوجودِ.
قَاهِرَ الْقَاهِرِينَ: القهرُ الإلهيُّ لا يَتجلى إلا بـ "يَدِ اللهِ"، وعليٌّ هو "يَدُ اللهِ الْقَاهِرَةُ". لذا التوسلُ بهذا الاسمِ هو استنزالٌ لقُدرةِ القائمِ (صلوات الله عليه) قاهرِ الأعداء.
الْعَلِيُّ الْأَعْلَى: أنَّ "عليّاً" هو تَجلٍّ لاسمِ اللهِ "الْعَلِيِّ". فإذا قُلنا "أَنْتَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى"، فَنحنُ نُخاطبُ العُلُوَّ المطلقَ الذي يَتصلُ خَلْقِيّاً بِمقامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فالعُلُوُّ لِلهِ أَصَالَةً، وَلِعَلِيٍّ مَظهَرِيَّةً وَتَجَلِّياً...
#يازهراء
#صراط_ايليا
#جليس_الكليني
#خطأ_شائع_في_ثقافتِنا_الشيعيّة..!
(ص) ، (ع)، (عج)..
رموز كثيراً ما نلحظُها
الذين يكتبونَ هذهِ الرُموز بعد أسماءِ الأئمة "صلواتُ اللهِ عليهم".. يَتصوّرون أنّهم بهذهِ الرموز يُعظّمون أهل البيت "صلواتُ اللهِ عليهم" ويُجلّونهم..
والحال أنّهم يُسيئُون الأدب مع أهل البيت "صلواتُ اللهِ عليهم" وهُم لا يشعرون..!
فهذا الرمز (ص)
أوّل مَن بدأ بهِ النواصب، وهم يقصدون به الصلاة البتراء.
• قد يقول قائل:
ولكنّنا حين نكتب هذهِ الرموز.. ليس في أذهاننا الصلاة البتراء أبداً.. إنّني نكتب هذهِ الرموز للاختصار فقط..
وأقول:
حتّى هذا المُبرّر "الإختصار".. ليس مقبولاً، ففيه إساءةُ أدب مع أهل البيت "صلواتُ اللهِ عليهم"..
فإنّك تجد الكثير يكتبونَ موضوعات طويلة جدّاً وبشكلٍ مُفصّل وممل.. فقط حينما يَصِلون إلى أسماء أهل البيت يُفكّرون في الاختصار..!
أمّا السرد المُطوّل والحواشي وغيرها لا يَجدون بأساً أن يُفصّلوا فيها..
الثِقل والبخل فقط حِينما يتعلّقُ الأمر بهذا السطر القصير الذي يُكتَب فيه (صلّى الله عليه وآله) أو (صلواتُ الله عليه ) لتعظيم أهل البيت..
هنا تأتي الوسوسة بأنّهُ لابُدّ من الاختصار..!
وحتّى لو فرضنا أنّ السبب فِعْلاً في كتابة هذهِ الرموز لأجلِ الاختصار بسبب مَحدوديّة المساحة في بعض تطبيقات التواصل الاجتماعي مثلاً..
فالنسبة لنا.. لو ُخيَّرنا بين كتابةِ هذا الرموز (ص)، (ع)، (عج) وبين أن لا نكتبَ أيّ رمز مِنها.. فإنَّنا لا نكتب هذهِ الرموز أبداً..
لأنّنا حين نكتب نحبُّ أن نكتب العبارة كاملة..
وإذا لم يكن مكانُ الكتابة يتّسع ويسمح فإنَّنا لا نضعُ الرمز، لأنّه لم يردْ عن أهل البيت أنَّهم استعملوا هذهِ الطريقة..
بل الَّذي نستشعرهُ ونَفهمُهُ مِن النُصوص وبشكلٍ واضح
هُو أنَّ الكتابةَ لابُدّ أن تكونَ كاملةً هكذا: (صلَّى اللهُ عليه وآله) وإذا لم نستطعْ فلنُردِّد "صلَّى الله عليه وآله" شِفاهاً بألسنتِنا ولا نكتب حرفاً بدلاً عنها..
أمَّا أن نكتب (ع)، (ص).. فأوّل مَن بدأ بهذهِ الرموز هم النواصب ويقصدون بذلك الصلاة البتراء.
البعض منهم يكتب (ص ل م) والبعض منهم يكتب (ص ل ع م) والبعض منهم يكتب (ص ل ع) هذا ما هو موجود في الكُتب القديمة،
وكُلُّ هذهِ الرموز كانَ الخطَّاطون والكَتَبة النُسّاخ الَّذين ينسخونَ الكُتُب يستعملونها لاختصار الوقت بالنسبة لهم وحتَّى لا يصرفوا مقداراً كبير مِن المداد ومِن الورق.. يعني قضيّة بخل..
فاستخدموا هذهِ الرموز التي دِلالتها ناصبيّة وهي الصلاة البتراء..!
أمّا في العصر الحديث فقد اختصرها أصحاب المطابع - وهم من المُخالفين وعلى الطريقة السابقة القديمة - فاختُصرت إلى (ص) وإلى (ع)
وإن كان في القرنين السابقين هُناك مَن يكتب حرف (ص) بالطريقة القديمة بعد اسم النبي وحرف (ع) بعد أسماء الأَئِمَّة في الكُتب الشيعيّة، ولكن هذه القضيّة أُخذت من النواصب..
فلماذا نأخذ من النواصب..؟!
الأمر الواضح في روايات أهل البيت "صلواتُ اللهِ عليهم" هو أنَّهُ من كَتَب فضيلةً مِن فضائل عليٍّ.. ومِن فضائل أهل البيت جميعاً.. من كَتَب فضيلةً مِن فضائلهم فإنَّ الملائكة تستغفر لِكاتِبِها مادامت هذهِ الكتابة مَوجودة..
وهل هُناك مِن فضيلةٍ أفضلُ مِن الصلاةِ عليهم؟
فعلينا أن نكتب جملة الصلوات كاملة، أو الدعاء بتعجيل الفرج جُملةً كاملة.. وليستْ رمزاً..
#هذا_هو_منطق_أهل_البيت.
#صراط_ايليا_path_Elya