زمن التمحيص وفقدان السناد
يقول الله تعالى في محكم كتابه: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} (العنكبوت: 2).
تتطابق هذه الآية مع جوهر الحديث؛ فالفترة التي تسبق الظهور هي فترة "التمحيص" و"الغربلة"، حيث يضيع الشرف والسناد إلا لمن تمسك بحبل الولاية الحق بعيداً عن الاجتهادات والمباني البشرية.
أن "السناد" المفقود في الآية هو الإمام المعصوم الذي غُيب عن الأبصار بسبب انحراف الأمة.
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) يقول:
> «لَا تَنْفَكُّ هَذِهِ الشِّيعَةُ حَتَّى تَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الْمِعْزِ، لَا يَدْرِي الْخَابِسُ عَلَى أَيِّهَا يَضَعُ يَدَهُ، فَلَيْسَ لَهُمْ شَرَفٌ يُشْرَفُونَهُ، وَلَا سِنَادٌ يَسْتَنِدُونَ إِلَيْهِ فِي أُمُورِهِمْ».
بمنزلة المعز: وصف دقيق لحالة الضياع والتشتت؛ فالغنم تشرد وتتفرق بلا راعٍ، والمعز تحديداً ترمز هنا إلى الاضطراب وعدم الاستقرار.
الخَابِس: هو الذي يقبض بيديه، والمقصود به العدو أو المتربص، الذي يجد الشيعة متاحين للاختطاف الفكري والعقائدي لأنهم تفرقوا شذر مذر.
لا شرف ولا سناد: "الشرف" هنا هو الانتساب الحقيقي لمنهج المعصوم بلا بدع، و"السناد" هو القيادة الربانية المتمثلة في نصوصهم؛ وحين تترك الشيعة "النص" وتتبع "الرأي"، تفقد السند الحقيقي وتصبح مكشوفة أمام الأعداء.
كما نقرأ في دعاء الندبة ما يفسر حالة فقدان "السناد":
«أَيْنَ السَّبِيلُ بَعْدَ السَّبِيلِ؟ أَيْنَ الْخِيَرَةُ بَعْدَ الْخِيَرَةِ؟ أَيْنَ الشُّمُوسُ الطَّالِعَةُ؟... أَيْنَ بَقِيَّةُ اللَّهِ الَّتِي لا تَخْلُو مِنَ الْعِتْرَةِ الْهادِيَةِ؟».
هذا التساؤل الفجيع هو تصوير لحال الشيعة وهم كـ "المعز" التي فقدت راعيها وسنادها، فأصبحت تتخبط في دياجير الظلم والفتن.
يمكن استخلاص الآتي:
* تشخيص الداء (التيه الشيعي): الحديث يتحدث عن وقوع الشيعة في حالة من التشرذم العقائدي. و هذا التشرذم ناتج عن استبدال "منهج الكتاب والعترة" بمناهج وافدة (علم الأصول، الفلسفة، التصوف)، مما جعل الشيعة "بلا سناد" حقيقي يجمعهم على بصيرة واحدة.
* معنى "الخابس": قد يمثل القوى الاستعمارية أو المدارس الفكرية المنحرفة التي تتلاعب بالعقل الشيعي يمنة ويسرة، لأن الشيعة فقدوا "الحصانة" التي يوفرها الحديث الشريف الصافي.
فقدان الشرف: الشرف هو "شرف المعرفة". حين تغيب معرفة الإمام (عليه السلام) بمقاماته النورية، يسقط المجتمع في التبعية العمياء، ويصبح الفرد الشيعي عرضة لأي شبهة، تماماً كالشاة التي لا تدري أين تذهب في ليلة مطيرة.
والنتيجة: الواقع الذي نعيشه اليوم من تمزق المرجعيّات واختلاف المشارب وتضارب الفتاوى هو المصداق الأتم لقول أمير المؤمنين (عليه السلام) "لا يدري الخابس على أيها يضع يده".
المطلوب للخروج من هذه الحالة: العودة إلى "الثقلين" كمرجعية وحيدة، ونبذ كل ما خالف قولهم، لاستعادة "السناد" الذي به يعز المؤمن ويُعرف به طريقه
Forwarded from جليس الكليني (جليس الڪليني "إِلهَي بَالزَّهْرَاء أَجْعَلْ قَلْبِي بَيْنَ يَدَي الزهراء)
إخوتنا وأحبتنا في طريق الخدمة..
إنّ الغاية الأساس من هذه القناة وسائر قنواتنا هي أن يبلغَ حديثُ آل محمد (عليهم السلام) مشارق الأرض ومغاربها، ليعمَّ نورُهم القلوب. لذا، لكم كامل الحرية في اقتباس، أخذ، أو إعادة نشر أي محتوى تجدونه هنا، دون حاجة للاستئذان؛ فالمحتوى مُباحٌ للجميع بشرط أن تكون النيةُ خالصةً لوجه الله تعالى ولمحمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله).
تنبيهكم.. هديةٌ ومسؤولية
ولأننا نسعى لتقديم الأفضل لمقامهم الشريف، ولأنّ الكمال لله وحده وجلَّ من لا يسهو، فقد تسبقنا العثرات أو يزلّ بنا القلم سهواً في كلمة أو حرف. نرجو من قلوبكم الواعية ألّا تبخلوا علينا بتنبيهنا لأي خطأ تلمحونه في تصاميمنا؛ فملاحظاتكم تصقل جهدنا وتجعله أكثر إتقاناً في عين صاحب الزمان (عجل الله فرجه الشريف).
📬 كيف تراسلنا؟
يمكنكم تزويدنا بملاحظاتكم وتصويباتكم عبر الوسائل التالية:
المراسلة المباشرة: من خلال معرف القناة الخاص.
المراسلة السرية (للبوت): لمن يفضل الخصوصية أو يشعر بالحرج من كشف هويته، يمكنكم مراسلتنا عبر [@jal4isbot] دون أن نعرف من هو المرسل.
نعتزُّ بنصيحتكم أياً كان مصدرهاوطريقتها.
❤6
وقفة تفكر في احد معاني الحديث الشريف
في ضوء قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ...﴾ [آل عمران: 14].
فالقرآن الكريم يجعل "حب الشهوات" هو المحور، والنساء أحد مصاديق هذا الحب الذي إذا خرج عن جادة الحق والارتباط بالله وبأهل البيت صلوات الله عليهم، تحول إلى وسيلة للافتتان والصد عن ذكر الله.
عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: "حَدِيثُ النِّسَاءِ مِنْ مَصَائِدِ الشَّيْطَانِ"
[جامع أحاديث الشيعة].
"حديث النساء"
هنا لا يُقصد به "المرأة" ككيان إنساني
يُقصد به "الكلام" (الحديث) والمجالسة التي تفتن الرجل وتصرفه عن مهمته الإلهية.
فالشيطان يتخذ من ميل الرجل الفطري للمرأة وسيلة لصيده إذا لم يكن هذا الميل محكوماً بآداب أهل البيت. فالمصيدة في "العلاقة" التي تنشأ خارج إطار الشريعة أو التي تُبنى على أساس شهواني بحت.
والخطاب الموجه ضد النساء في بعض الروايات غالباً ما يُفسر بكونه ناظراً إلى "الثقافة القبلية" أو "المرأة الغريبة" التي تُستخدم كأداة للفتنة السياسية أو العقائدية.
وقد جاء في دعاء الصباح لأمير المؤمنين (عليه السلام): "وَأَعِذْنِي مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ... وَمَصَايِدِ كَيْدِهِ".
هذا المقطع يؤكد أن كيد الشيطان ومصائده متنوعة، والمرأة (كشهوة) هي أحد أقوى هذه المصائد التي حذّر منها الأئمة لحماية حصون المؤمنين النفسية من الانهيار أمام فتن الدنيا.
فلا بد من التميز بين "المرأة كإنسان" وبين "المرأة كفتنة". فحب النساء من أخلاق الأنبياء إذا كان في إطار الزواج. أما حين يكون "حديث النساء" سبباً في الغفلة أو الانقياد خلف الشهوات، فإنه يتحول إلى مصيدة شيطانية.
فالحديث يتحدث عن "المنظومة الأخلاقية" للرجل؛ فالمشكلة في "الرجل الصيد" الذي يضع نفسه في مواضع الفتنة، وليست في "المصيدة" كخلق إلهي. لذا يجب على المؤمن أن يتسلح بـ"الحياء والرفق" ليتجاوز هذه المصائد.
#صراط_ايليا
أذنا القلب: صراع الإرادة بين روح الإيمان ووسوسة الشيطان.
عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: إن للقلب أذنين، فإذا هم العبد بذنب قال له روح الإيمان: لا تفعل، وقال له الشيطان:افعل،
وإذا كان على بطنها نزع منه روح الإيمان. (ميزان الحكمة)
قوله تعالى في سورة ق: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}.
القلب في المنطق القرآني هو مركز الإدراك والتمييز، وهو الذي يحيط بما يَرِدُ على الجوارح والحواس.
كما يتربط الحديث بآيات سورة الكهف التي تتحدث عن القلوب التي أغفلها الله عن ذكره نتيجة اتباع الهوى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ}.
* أذنا القلب: هما مجاز عن منافذ التلقي الباطني؛ حيث يصور الإمام (عليه السلام) القلب كساحة صراع بين "المنطق الرحماني" المتمثل بروح الإيمان، و"المنطق الشيطاني" المتمثل بالوسوسة.
* روح الإيمان: هي تلك القوة النورانية التي "يكتبها" الله في قلوب المؤمنين، كما في قوله: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ}. هذه الروح هي الناصح الداخلي والمانع من الوقوع في الرذائل.
* نزع روح الإيمان: النزع هنا لا يعني الكفر بالضرورة، بل هو "خروج من ولاية الإيمان" إلى حالة الخذلان أثناء ممارسة المعصية، فالإنسان في تلك اللحظة يفقد الحصانة الروحية ويكون تحت السيطرة التامة للشيطان.
يظهر هذا المعنى جلياً في دعاء كميل فيقول: «إِلَهِي وَمَوْلايَ أَجْرَيْتَ عَلَيَّ حُكْماً اتَّبَعْتُ فِيهِ هَوى نَفْسِي وَلَمْ أَحْتَرِسْ فِيهِ مِنْ تَزْيِينِ عَدُوِّي، فَغَرَّنِي بِمَا أَهْوى وَأَسْعَدَهُ عَلى ذلِكَ الْقَضاءُ».
فهذا التزيين الشيطاني هو ما تسمعه "الأذن الشيطانية" للقلب في لحظة الهمّ بالذنب.
فالإنسان عبارة عن ميدان تتصارع فيه جنود العقل (الرحمانية) وجنود الجهل (الشيطانية). "روح الإيمان" في الحديث هي تجلٍ لجنود العقل التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر الباطني.
فأن "الذنب" يحجب القلب، وعند ممارسة الكبائر (كما في قوله "على بطنها") ينسلخ الإنسان من شعاع نور أهل البيت، لأن روح الإيمان مستمدة من شعاعهم صلوات الله عليهم.
و الشيطان لا يأتي للإنسان المؤمن ليقول له "أكفر"، وأنما يأتي من باب "التزيين" والوسوسة في لحظات الغفلة، ولذلك فإن علاج "أذني القلب" هو في المداومة على "الذكر الأكبر" وهو ذكر ولاية أهل البيت، لأن ذكرهم هو الحصن الذي يطرد المنطق الشيطاني.
والنزع المذكور في الحديث يشير إلى أن روح الإيمان قد تكون "مستودعة" في القلب وتفارق العبد عند الذنب، بينما المؤمن الحقيقي هو من يكون إيمانه "مستقراً" بحيث يغلب منطق روح الإيمان دائماً على منطق الشيطان.
عزيزٌ عليّ أن أرى الخلقَ ولا تُرى، ولا أسمعَ لك حَسيساً ولا نجوى، عزيزٌ عليّ أن تُحيطَ بك دوني البلوى، ولا ينالُكَ مني ضجيجٌ ولا شكوى… إلى متى أحارُ فيك يا مولاي، وإلى متى؟
دعاء الندبة
دعاء الندبة
وقفة معرفية عند عِبَارَةَ
"وَامْنَحْنِي حُسْنَ الْإِرْشَادِ"
"وَامْنَحْنِي حُسْنَ الْإِرْشَادِ"
عِبَارَةَ "وَامْنَحْنِي حُسْنَ الْإِرْشَادِ"هِيَ جُزْءٌ مِنْ دُعَاءِ "مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ" لِلإِمَامِ السَّجَّادِ (عَلَيْهِ السَّلامُ) فِي الصَّحِيفَةِ السَّجَّادِيَّةِ، وَهِيَ مَطْلَبٌ جَوْهَرِيٌّ يَمَسُّ صَمِيمَ العَقِيدَةِ .
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6].
"الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ" فِي الدُّنْيَا هُوَ الإِمَامُ المَعْصُومُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ. فَطَلَبُ "حُسْنِ الإِرْشَادِ" هُوَ طَلَبُ التَّوْفِيقِ لِلثَّبَاتِ عَلَى هَذَا الصِّرَاطِ (عَلِيٌّ وَآلُ عَلِيٍّ) دُونَ مَيْلٍ أَوْ انْحِرَافٍ. وَقَدْ جَاءَ فِي القُرْآنِ أَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يَمْنَحُ هَذِهِ الهِدَايَةَ عَبْرَ حُجَّتِهِ: {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ} [يونس: 35].
وقد وَرَدَ فِي الزِّيَارَةِ الجَامِعَةِ الكَبِيرَةِ المَرْوِيَّةِ عَنِ الإِمَامِ الهَادِي (عَلَيْهِ السَّلامُ):
"كَلامُكُمْ نُورٌ، وَأَمْرُكُمْ رُشْدٌ، وَوَصِيَّتُكُمُ التَّقْوَى".
فالرُّشْدُ وَالإِرْشَادُ لا يَكُونَانِ إِلَّا فِي أَمْرِ آلِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِم السَّلامُ)؛ فَكُلُّ مَا خَرَجَ عَنْ مِشْكَاةِ نُورِهِمْ فَهُوَ "غَيٌّ" وَانْحِرَافٌ.
"حُسْنُ الإِرْشَادِ" يَحْصُلُ حِينَ يَمْنَحُ اللهُ العَبْدَ العَقْلَ وَالفَهْمَ وَالمَعْرِفَةَ الَّتِي تَمْنَعُ القَلْبَ مِنَ الزَّيْغِ.
ففِي دُعَاءِ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ:
"اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ... وَامْنَحْنِي حُسْنَ الإِرْشَادِ لا أَبْتَغِي بِهِ بَدَلاً، وَلا أَنْكِبُ عَنْهُ طَرِيقاً".
المَنْحُ هُنَا هُوَ "عَطَاءٌ إِلَهِيٌّ" مَرْبُوطٌ بِمَرْكَزِيَّةِ المَعْصُومِ؛ فَلا يُرْشِدُ إِلَى اللهِ إِلَّا اللهُ بِدَلِيلِ المَعْصُومِ.
فتَعْرِيفُ الإِرْشَادِ: هُوَ الهِدَايَةُ إِلَى "وَجْهِ اللهِ" (الإِمَامِ الحُجَّةِ -عجل الله فرجه الشريف-). فَالإِرْشَادُ الحَقِيقِيُّ لَيْسَ نِتَاجَ "عِلْمِ الكَلَامِ" أَوْ "القَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ" المُسْتَقَاةِ مِنْ عِلْمِ الرِّجَالِ النَّاصِبِيِّ، انما هُوَ "نُورٌ" يَقْذِفُهُ اللهُ فِي قَلْبِ مَنْ شَاءَ عَبْرَ حَدِيثِ أَهْلِ البَيْتِ الحَرْفِيِّ.
اما صِفَةُ "الحُسْنِ": تشِيرُ إِلَى أَنَّ "الحُسْنَ" هُنَا يَعْنِي "الجَمَالَ المَعْرِفِيَّ" وَالصَّفَاءَ مِنَ الشَّوَائِبِ. الإِرْشَادُ "الحَسَنُ" هُوَ الَّذِي لا يَشُوبُهُ "تَقِيَّةٌ" أَوْ "فِكْرُ المُخَالِفِينَ"، وَهُوَ الَّذِي يُوصِلُ العَبْدَ إِلَى مَقَامِ "اليَقِينِ" بِحَيْثُ تَصِيرُ الغَيْبَةُ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ المُشَاهَدَةِ.
قَوْلُ المَعْصُومِ "لا أَبْتَغِي بِهِ بَدَلاً" يَعْنِي رَفْضَ أَيِّ مَنْظُومَةٍ هَادِيَةٍ غَيْرِ مَنْظُومَةِ (الكِتَابِ وَالعِتْرَةِ). فَكُلُّ مَنْ طَلَبَ الإِرْشَادَ مِنْ عُقُولِ الرِّجَالِ أَوْ "آرَائِهِمْ" فَقَدْ نَكَبَ عَنِ الطَّرِيقِ وَفَقَدَ صِفَةَ "الحُسْنِ" فِي هِدَايَتِهِ.
"حُسْنُ الإِرْشَادِ" هُوَ التَّوْفِيقُ لِمَعْرِفَةِ "التَّكْلِيفِ الشَّرْعِيِّ" الأَصِيلِ الَّذِي يَقُومُ عَلَى مَرْكَزِيَّةِ المَعْصُومِ وَرَفْضِ التَّقْلِيدِ الأَعْمَى لِلآرَاءِ البَشَرِيَّةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى "الظَّنِّ".
والنَّتِيجَةُ: فأَنَّ "حُسْنَ الإِرْشَادِ" هُوَ الوُصُولُ إِلَى "الوَضُوحِ المَهْدَوِيِّ" الَّذِي يَجْعَلُ العَبْدَ "بَصِيراً" بِزَمَانِهِ، ثَابِتاً عَلَى وَلايَةِ آلِ مُحَمَّدٍ، مَرْفُوعَ الهِمَّةِ عَنِ الاعْتِمَادِ عَلَى الأَغْيَارِ.
#صراط@pathElya
مَسْأَلَةَ "التَّقِيَّةِ" فِي مَنْطِقِ آلِ مُحَمَّدٍ
مَسْأَلَةَ "التَّقِيَّةِ" فِي مَنْطِقِ آلِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) حِصْنُ الإِيمَانِ المَنِيعُ، وَهِيَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ هُوِيَّةِ التَّشَيُّعِ الحَقِّ الَّذِي يَقُومُ عَلَى "التَّسْلِيمِ" المُطْلَقِ لِمُرَادِهِمْ وَفَهْمِ مَوَاقِعِ كَلَامِهِمْ.
أولاً: ( بعض رِوَايَاتُ التَّقِيَّةِ وَمَنْزِلَتُهَا)
لَقَدْ جَاءَ فِي فَيْضِ أَحَادِيثِهِمْ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ التَّقِيَّةَ عَمُودُ هَذَا الدِّينِ، وَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ نَزَعَ رِبْقَةَ الوَلَايَةِ مِنْ عُنُقِهِ:
عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: « مَنْ تَرَكَ التَّقِيَّةَ قَبْلَ خُرُوجِ قَائِمِنَا فَلَيْسَ مِنَّا.
وايضا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) لَيْسَ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ مَنْ لَا يَتَّقِي.
التَّقِيَّةُ وَاجِبَةٌ لاَ يَجُوزُ تَرْكُهَا إِلَى أَنْ يَخْرُجَ الْقَائِمُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، فَمَنْ تَرَكَهَا قَبْلَ خُرُوجِهِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ دِينِ اللهِ، وَعَنْ دِينِ الإِمَامِيَّةِ، وَخَالَفَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالأَئِمَّةَ».
وَعَنْهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي بَيَانِ عِظَمِ شَأْنِهَا: «إِنَّ تَرْكَ التَّقِيَّةِ كَتَرْكِ الصَّلَاةِ».
وَرَوِيَ عَنْهُمْ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ): «التَّقِيَّةُ مِنْ دِينِ اللهِ».
وَقَالَ الصَّادِقُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): «تِسْعَةُ أَعْشَارِ الدِّينِ فِي التَّقِيَّةِ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ».
ثانياً: (مَوَاقِعِ التَّقِيَّةِ)
التَّقِيَّةُ فِي مَدْرَسَةِ أَهْلِ البَيْتِ هِيَ "رُشْدٌ بَالِغٌ" وَفِطْرَةٌ سَلِيمَةٌ لِحِفْظِ نُورِ الوَلَايَةِ مِنْ أَنْ تُطْفِئَهُ أَفْوَاهُ النَّوَاصِبِ وَمَنْ خَالَفَ مَنْهَجَهُمْ. وَتَتَجَلَّى مَوَاضِعُهَا وَبَصَائِرُهَا فِي مَطَاوِي النُّصُوصِ كَمَا يَلِي:
حِفْظُ الدِّمَاءِ وَالأَنْفُسِ: وَهِيَ المَوْرِدُ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّهَاوُنُ، فَحُرْمَةُ دَمِ المُؤْمِنِ عِنْدَ اللهِ أَعْظَمُ مِنَ الكَعْبَةِ، وَالتَّقِيَّةُ هُنَا هِيَ "تُرْسُ المُؤْمِنِ".
حِفْظُ الأَسْرَارِ وَالكِتْمَانُ: فَمِنْ أَعْظَمِ جِهَادِ الشِّيعِيِّ أَنْ يَكْتُمَ مَعَارِفَ آلِ مُحَمَّدٍ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) عَنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَخُصُوصاً مَا يَتَعَلَّقُ بِعَظَمَتِهِمْ وَمَقَامَاتِهِمُ العَالِيَةِ الَّتِي لَا تَتَحَمَّلُهَا عُقُولُ "العَامَّةِ" المُتَلَوِّثَةِ بِالفَلْسَفَةِ وَالاجْتِهَادِ البَشَرِيِّ.
المُدَارَاةُ وَالخُلْطَةُ مَعَ المُخَالِفِينَ: لَقَدْ أَمَرَنَا الأَئِمَّةُ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) بِالصَّلَاةِ فِي مَسَاجِدِهِمْ، وَعِيَادَةِ مَرْضَاهُمْ، لَا حُبّاً فِي مَنْهَجِهِمُ البَاطِلِ، بَلْ بَصِيرَةً لِصِيَانَةِ الكِيَانِ الشِّيعِيِّ وَإِتْمَامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
التَّقِيَّةُ فِي الأَحْكَامِ (قَاعِدَةُ العَرْضِ): أَيُّ حُكْمٍ أَوْ رِوَايَةٍ تَوَافَقَتْ مَعَ "العَامَّةِ" (مَدْرَسَةِ الخِلَافَةِ)، فَإِنَّ المَعْصُومَ نَطَقَ بِهَا لِحِكْمَةٍ تَقَوِيَّةٍ، وَالرُّشْدُ فِي خِلَافِهِمْ. هَذَا هُوَ المِيزَانُ الذَّهَبِيُّ الَّذِي يَنْفِي "التَّلَوُّثَ" عَنْ عَقِيدَةِ الحَقِّ.
ثالثاً: الخُلَاصَةُ (مَا اسْتُفِيدَ مِنْ فَيْضِهِمْ)
التَّقِيَّةُ فَرِيضَةٌ قَائِمَةٌ مَالَمْ يَبْلُغِ الدَّمُ، فَإِذَا بَلَغَ الدَّمُ فَلَا تَقِيَّةَ. هِيَ دِينُ آلِ مُحَمَّدٍ الَّذِي يَدِينُونَ اللهَ بِهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ لِحِمَايَةِ الفِطْرَةِ مِنَ الِانْحِرَافِ وَالضَّيَاعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بحار الانوار
#صراط@pathElya
مَسأَلَةُ العَمَلِ فِي ظِلِّ السَّلْطَنَةِ أو مُؤَسَّسَاتِ الدُّوَلِ (التي لا يَقُودُها المَعصُومُ ظَاهِراً)
هِيَ مَحَلُّ ابْتِلَاءٍ
هِيَ مَحَلُّ ابْتِلَاءٍ
أولاً:
رَوَى ثِقَةُ الإِسْلامِ الكُلَينِيُّ فِي (الكَافِي) بِإسنَادِهِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الصَّادِقِ (صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ) قَالَ:
«أَدْنَى مَا يَكُونُ العَبْدُ بِهِ كَافِراً أَنْ يَرَى الأَمْرَ البَاطِلَ فَيُقِيمَ عَلَيْهِ وَيُعِينَ صَاحِبَهُ.»
[المصدر: الكافي]
وَعَنْ جَهْمِ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللهِ (عَلَيْهِ السَّلامُ):
«أَمَا تُخَالِطُهُمْ؟ -يَعْنِي السُّلطَانَ- قُلْتُ: لا، قَالَ: وَلِمَ؟ قُلْتُ: فِرَاراً بِدِينِي، قَالَ: فَأَجْمِعْ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا أَرَدْتُ القِيَامَ قَالَ: كَيْفَ أَنْتَ إِذَا احْتَجْتَ إِلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ؟ أَمَا إِنَّكَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُمْ، فَلَا تَدْخُلْ لَهُمْ فِي عَمَلٍ، وَإِنْ هُمْ دَعَوْكَ إِلَى أَنْ تَكُونَ سَاعِراً فَلَا تَكُنْ لَهُمْ سَاعِراً.»
[المصدر: وسائل الشيعة]
ثانياً:
إنَّ مَنْهَجَ محمد وال محمد يَنْظُرُ إِلى مُؤَسَّسَاتِ الدُّوَلِ فِي زَمَنِ الغَيْبَةِ -بِمُخْتَلَفِ تَسْمِيَاتِهَا- عَلَى أَنَّهَا قَائِمَةٌ بِمَعْزِلٍ عَنْ الوِلايَةِ الإِلهِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِآلِ مُحَمَّدٍ.
وَمِنْ هُنَا، يَتَمَحْوَرُ الحُكْمُ حَوْلَ ثَلاثَةِ أَرْكَانٍ:
أَصْلُ الحُرْمَةِ فِي المَعُونَةِ: كُلُّ عَمَلٍ يُقَوِّي رُكْنَ "الجَائِرِ" (وَهُوَ كُلُّ مَنْ تَصَدَّى لِلشَّأْنِ العَامِّ بِمَعْزِلٍ عَنِ المَعْصُومِ) فَهُوَ مَحَلُّ سَخَطٍ. فَالرِّوَايَاتُ تَنْهَى حَتَّى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ لَهُمْ لِيَتَقَوَّوْا بِهِ، أَوْ بِنَاءِ مَسَاجِدِهِمْ، لأَنَّ الإِعَانَةَ عَلَى البَاطِلِ تَلَوُّثٌ رُوحِيٌّ يُطْفِئُ نُورَ الفِطْرَةِ.
استِثْنَاءُ "النَّفْعِ لِلْمُؤْمِنِينَ": لَمْ يَفْتَحِ الأَئِمَّةُ (عَلَيْهِمُ السَّلامُ) بَابَ العَمَلِ إِلا لِغَرَضٍ وَاحِدٍ: قَضَاءُ حَوَائِجِ الشِّيعَةِ. كَمَا فِي قِصَّةِ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ (رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ)، حَيْثُ قَالَ لَهُ الكَاظِمُ (عَلَيْهِ السَّلامُ): «إِنَّ لِلَّهِ مَعَ كُلِّ سُلْطَانٍ جَائِرٍ مَنْ يَدْفَعُ اللهُ بِهِ عَنْ أَوْلِيَائِهِ... فَإِنْ قَدَرْتَ أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ فَافْعَلْ». فَالعَمَلُ لَيْسَ لِأَجْلِ "الدَّوْلَةِ" بِحَدِّ ذَاتِهَا، بَلْ لِتَكُونَ عَيْناً لِلْمُؤْمِنِينَ وَمَلاذاً لَهُمْ.
تحْرِيمُ الوَظَائِفِ الصَّارِخَةِ: يُشَدِّدُ المَنْهَجُ عَلَى اجْتِنَابِ المَنَاصِبِ التي تَتَضَمَّنُ ظُلْماً مُبَاشِراً (القَضَاءُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ الله، الجِبَايَةُ الظَّالِمَة، الأَمْنُ القَمْعِيُّ). فَهَذِهِ لا تَقِيَّةَ فِيهَا وَلا عُذْرَ، وَصَاحِبُهَا شَرِيكٌ فِي الدَّمِ وَالمَالِ الحَرَامِ.
ثالثاً: الخُلاصَةُ (مَا اسْتُفِيدَ مِنْ فَيْضِهِمْ)
الأَصْلُ: التَّنَزُّهُ عَنِ العَمَلِ فِي هَذِهِ المُؤَسَّسَاتِ هُوَ مُقْتَضَى الوَرَعِ وَالتَّسْلِيمِ، لِأَنَّهَا دُوَلٌ لَمْ تُبْنَ عَلَى مَنْهَجِ الغَدِيرِ.
الجَوَازُ المَشْرُوطُ: يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِ الانْخِرَاطُ فِي الوَظَائِفِ "الخِدْمِيَّةِ" (تَعْلِيم، صِحَّة، خِدْمَات عَامَّة)
بِشَرْطِ:
1- أَنْ لا يَكُونَ عَوْناً عَلَى ظُلْمٍ.
2- أَنْ يَنْوِيَ بِعَمَلِهِ خِدْمَةَ "شِيعَةِ آلِ مُحَمَّدٍ" وتَسْهِيلَ أُمُورِهِمْ.
3- أَنْ لا يَتَبَنَّى عَقَائِدَ هَذِهِ الدُّوَلِ أَوْ يُرَوِّجَ لِشَرْعِيَّتِهَا الدِّينِيَّةِ.
تَّحْذِيرِ: مَنْ كَانَ عَمَلُهُ يَقْتَضِي الحُكْمَ بِأَهْوَاءِ النَّاسِ أَوْ مُخَالَفَةِ صَرِيحِ حَدِيثِ العِتْرَةِ، فَالخُرُوجُ مِنْهُ أَوْجَبُ مِنَ البَقَاءِ، فَـ «دِينُ اللهِ لَا يُصَابُ بِالعُقُولِ» وَلا بِتَبْرِيرَاتِ لُقْمَةِ العَيْشِ إِذَا كَانَتْ عَلَى حِسَابِ الوَلاءِ.
زبدة المخض: العَمَلُ فِي مُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ (قَبْلَ قِيَامِ القَائِمِ أَرْوَاحُنَا فِدَاهُ) هُوَ مَشْيٌ عَلَى جَمْرٍ؛ فَإِنْ كُنْتَ فِيهَا لِتَقْضِيَ حَاجَةَ مُؤْمِنٍ فَنِعْمَ العَمَلُ، وَإِلَّا فَالفرَارُ الفِرَارُ بِدِينِكَ
وقفة معرفية
عند احد معاني حديث الامام علي
وجهك ماء جامد يقطّره السّؤال
فانظر عند من تقطره
عند احد معاني حديث الامام علي
وجهك ماء جامد يقطّره السّؤال
فانظر عند من تقطره
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ عِبَادِهِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ مَاءَ وُجُوهِهِمْ مِنَ المَذَلَّةِ لِغَيْرِ اللهِ:
﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273].
العِفَّةُ هِيَ الحَالُ الَّتِي يَتَجَمَّدُ فِيهَا مَاءُ الوَجْهِ فَلَا يَنْصَبُّ إِلَّا فِي حَيَاضِ المَعْصُومِينَ، وَإِلَّا كَانَ هَبَاءً مَنْثُوراً.
فعَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ:
«مَاءُ وَجْهِكَ جَامِدٌ يُقْطِرُهُ السُّؤَالُ، فَانْظُرْ عِنْدَ مَنْ تُقْطِرُهُ» [نهج البلاغة].
حَقِيقَةِ "مَاءِ الوَجْهِ" بِاعْتِبَارِهِ رَمْزاً لِلْعِزَّةِ المَمْنُوحَةِ مِنَ اللهِ لِلمُؤْمِنِ؛ هَذَا المَاءُ يَكُونُ "جَامِداً" أَيْ مُتَمَاسِكاً مَصُوناً، وَلَا يَبْدَأُ بِالتَّسَاقُطِ وَالذَّوَبَانِ إِلَّا حِينَ يَمُدُّ العَبْدُ يَدَهُ بِالسُّؤَالِ لِلْمَخْلُوقِ. القَاعِدَةُ هُنَا هِيَ "الافْتِقَارُ الكُلِّيُّ للهِ وَالغِنَى عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ".
فنحن نَقْرَأُ فِي دُعَاءِ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ الَّذِي يُعَدُّ مِيزَاناً لِلاِفْتِقَارِ:
«فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاجْعَلْ غِنَايَ فِي نَفْسِي... وَلَا تَجْعَلْ حَاجَتِي إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ».
وَفِي الزِّيَارَةِ الجَامِعَةِ الكَبِيرَةِ: «بِكُمْ يُنَفِّسُ الهَمَّ، وَيَكْشِفُ الضُّرَّ»؛ فَمَنْ كَانَ سُؤَالُهُ لِغَيْرِ مَعْدِنِ الرَّحْمَةِ فَقَدْ أَرَاقَ مَاءَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ.
مَاءُ الوَجْهِ هُوَ ذَلِكَ التَّجَلِّي النُّورَانِيُّ لِلْوَلَايَةِ فِي نَفْسِ المُؤْمِنِ. إِذَا سَأَلَ الإِنْسَانُ غَيْرَ اللهِ أَوْ آلِ مُحَمَّدٍ، فَقَدْ خَدَشَ هَذَا النُّورَ وَحَوَّلَهُ إِلَى قَطَرَاتٍ ذَلِيلَةٍ.
"عِنْدَ مَنْ تُقْطِرُهُ": أَنَّ الِافْتِقَارَ التَّامَّ يَجِبُ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الحُجَّةِ بْنِ الحَسَنِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) فَقَطْ. فَإِقْطَارُ مَاءِ الوَجْهِ عِنْدَ بَابِ أَهْلِ البَيْتِ هُوَ عَيْنُ العِزَّةِ، بَيْنَمَا إِقْطَارُهُ عِنْدَ "الطَّوَاغِيتِ" أَوْ "أَصْحَابِ العَمَائِمِ البُتْرِيَّةِ" هُوَ الذُّلُّ الَّذِي يَمِيتُ القَلْبَ.
يَنْحَصِرُ التَّكْلِيفُ فِي حِفْظِ الكَرَامَةِ أَيْ رَفْضِ الِاحْتِيَاجِ لِلنَّاسِ حَتَّى فِي المَسَائِلِ العَقَائِدِيَّةِ، وَالأَخْذِ مِنَ النَّبْعِ الصَّافِي لِلْعِتْرَةِ بَدَلَ الِاسْتِجْدَاءِ مِنْ "العُيُونِ الكَدِرَةِ" الَّتِي يَفْرُغُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ.
حِينَمَا قَالَ الإِمَامُ "فَانْظُرْ عِنْدَ مَنْ تُقْطِرُهُ"، كَانَ يُلَمِّحُ إِلَى "مَعَارِضِ الكَلَامِ"؛ فَلَا يَسْتَحِقُّ هَذَا المَاءَ إِلَّا مَنْ هُوَ وَجْهُ اللهِ الَّذِي إِلَيْهِ يَتَوَجَّهُ الأَوْلِيَاءُ.
#صراط_ايليا
وقفة معرفية عند حكمة لأمير المؤمنين
يَقُولُ مَوْلَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ):
«إِنْ كُنْتَ حَرِيصاً عَلَى طَلَبِ الْمَضْمُونِ لَكَ، فَكُنْ حَرِيصاً عَلَى أَدَاءِ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكَ.»
[عيون الحكم والمواعظ]
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْكَرِيمِ مُشِيراً إِلَى "الْمَضْمُونِ" وَ"الْمَفْرُوضِ":
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (الذاريات: 22). هَذَا هُوَ "الْمَضْمُونُ" الَّذِي كَفَلَهُ الْخَالِقُ لِلْمَخْلُوقِ بِحَتْمِيَّةِ الْقَدَرِ.
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56). وَفِي تَفْسِيرِ محمد وال محمد (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ): "إِلَّا لِيَعْرِفُونِ"، فَالْمَعْرِفَةُ هِيَ "الْمَفْرُوضُ" الْأَعْظَمُ، وَهِيَ ذُرْوَةُ التَّكْلِيفِ الْإِلهِيِّ.
الْمَضْمُونُ هُوَ الرِّزْقُ الدُّنْيَوِيُّ الَّذِي انْشَغَلَ بِهِ "الْعَقْلُ الشِّيعِيُّ الْمُرْتَكِسُ" عَنِ الْغَايَةِ الْكُبْرَى. أَمَّا الْمَفْرُوضُ، فَلَيْسَ هُوَ مُجَرَّدَ حَرَكَاتِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ "الْبَتْرَاءِ"،
الْمَفْرُوضُ هُوَ "الْوَلَايَةُ" وَ"التَّمْهِيدُ" لِإِمَامِ زَمَانِنَا (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ).
فنحن نَقْرَأُ فِي زِيَارَةِ "آلِ يَاسِينَ" الَّتِي تُمَثِّلُ خُلَاصَةَ الْعَقِيدَةِ السَّلِيمَةِ:
«وَأَشْهَدُ أَنَّكَ حُجَّةُ اللهِ، أَنْتُمُ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ.. وَأَنَّ رَجْعَتَكُمْ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهَا».
هَذِهِ الشَّهَادَةُ هِيَ "الْمَفْرُوضُ" الْحَقِيقِيُّ؛ أَنْ تَكُونَ الْمَعْرِفَةُ وَالْيَقِينُ بِالْمَقَامَاتِ النُّورَانِيَّةِ هِيَ الشَّغَلَ الشَّاغِلَ لِلْمُؤْمِنِ، لَا الْقَلَقَ عَلَى خُبْزِ يَوْمِهِ الْمَضْمُونِ أَصْلًا.
أَنَّ الْمُشْكِلَةَ الْكُبْرَى فِي "الْعَقْلِ الشِّيعِيِّ الْجَمْعِيِّ" هِيَ الِاشْتِغَالُ بِالْفُرُوعِ وَالْمَادِّيَّاتِ (الْمَضْمُونِ) وَتَرْكُ الْأَصِيلِ (الْمَفْرُوضِ).
فالتَّكْلِيفُ الشَّرْعِيُّ الْحَقِيقِيُّ يَرْتَكِزُ عَلَى أَرْبَعِ قَوَاعِدَ أَسَاسِيَّةٍ:
1- التَّوْحِيدُ: عَدَمُ الْمَسَاسِ بِتَوْحِيدِ اللهِ الْمُطْلَقِ.
2- عَدَمُ انْتِقَاصِ أَهْلِ الْبَيْتِ: تَنْزِيهُهُمْ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ بَشَرِيٍّ تُحَاوِلُ الْمَدْرَسَةُ "الْمُتَسَنِّنَةُ" إِلْصَاقَهُ بِهِمْ.
3- عَطَاءُ اللهِ بِلَا حُدُودٍ: الْإِيمَانُ بِأَنَّ مَقَامَاتِهِمْ لَا يَحُدُّهَا إِلَّا الرُّبُوبِيَّةُ.
4-مَرْكَزِيَّةُ الْمَعْصُومِ: أَنْ تَكُونَ الطَّاعَةُ لِلْإِمَامِ نَاتِجَةً عَنْ "مَعْرِفَةٍ نُورَانِيَّةٍ".
الْحِرْصُ الْمَطْلُوبُ: هُوَ الْحِرْصُ عَلَى "التَّمْهِيدِ" (الْمَفْرُوضُ)، لِأَنَّ الزَّمَانَ زَمَانُ غَيْبَةٍ، وَالْمُؤْمِنَ مُطَالَبٌ بِأَنْ تَكُونَ الْغَيْبَةُ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ "الْمُشَاهَدَةِ" عَبْرَ الْعَقْلِ وَالْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ.
وان لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ حَرِيصاً عَلَى الْمَفْرُوضِ إِذَا كَانَ "إِمَّعَةً" يُقَلِّدُ تَقْلِيداً أَعْمَى لِلْأَصْنَامِ الْبَشَرِيَّةِ، ولكن عَلَيْهِ أَنْ يُشَغِّلَ عَقْلَهُ الَّذِي هُوَ الْحُجَّةُ الْبَاطِنَةُ.
النتيجة: إِنَّ انْشِغَالَكَ بِتَأْمِينِ مُسْتَقْبَلِكَ الْمَادِّيِّ (الْمَضْمُونِ) مَعَ إِهْمَالِ تَكْلِيفِكَ بِمَعْرِفَةِ إِمَامِ زَمَانِكَ وَالتَّمْهِيدِ لَهُ (الْمَفْرُوضِ) هُوَ عَينُ السَّفَاهَةِ فِي مَنْطِقِ آلِ مُحَمَّدٍ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم).
#صراط@pathElya