أعتقدُ أني أصبحتُ أتقبلُ كلَّ أمرٍ قد يحدثُ ، ولم أعدْ أُذهَلُ من أيِّ فعلٍ قد أراهُ ، أو أيِّ حديثٍ قد أسمعهُ مهما كانت بشاعتُهُ ، يبدو أني وصلتُ لأقصى مراحلِ اللامبالاةِ ، أكثرُ ما شعرتُ به في الآونةِ الأخيرةِ هو أن لا شيءَ في مكانهِ الصحيحِ .
عندما تراني في زاويةٍ لا أتحدثُ مع أحدٍ ولا أُلقي بالاً لما حولي ، عندما تراني منشغلاً بذاتي ، شاردٌ في نفسي ، مُغْمَسٌ في أفكاري ، فاعلمْ حينها أنني لا أنتمي .
لا أُقارنُ نفسي بأيِّ شخصٍ آخرَ ولا أهتمُّ أن أكونَ أفضلَ من غيري ، أُقارنُ نفسي بنفسي قبلَ عامٍ وأهتمُّ لأكونَ أفضلَ من نفسي بعدَ عامٍ .
اعتدتُ على الإحساسِ بأنني وحيدٌ ، لكنَّ كرْهَ الذاتِ أسوأُ بكثيرٍ من العزلةِ .
إنَّ القدرةَ على أن تكونَ وحيداً هي القدرةُ على الحبِّ قد يبدو الأمرُ غريباً ، لكنه ليس كذلك ، هي حقيقةٌ وجوديةٌ ؛ الأشخاصُ القادرون على أن يكونوا بمفردهم هم فقط القادرون على الحبِّ والمشاركةِ والذهابِ إلى أعمقِ نقطةٍ في شخصٍ آخرَ - دونَ امتلاكِهِ ودون الاعتمادِ عليهِ ، ودون اختزالِهِ في شيءٍ ، ودون أن يتعلَّقوا أو يدمِنوا وجودَهُ ، إنهم يسمحونَ بالحريةِ المطلقةِ للآخرِ ، لأنهم يعرفونَ أنه إذا غادرَ الآخرُ ، فسيظلونَ سعداءَ كما هم الآنَ ، فلا يمكنُ للآخرِ أن يسلبَ سعادتهم ، لأنه لا يمنحُها .
اليأسُ جريمةٌ ، والتسليمُ للواقعِ خيانةٌ للفكرِ ، وما خُلِقَ الإنسانُ إلا ليثورَ على ما لا يقبَلُهُ عقلُهُ .
- طه حسين
- طه حسين
أما أنا فأعتقدُ بأنَّ الأشياءَ الجميلةَ تكتسبُ قيمةً إذا ظلتْ مخفيةً عن أعينِ العالمِ .
كنتُ أعتقدُ في صغري أن جميعَ الأصدقاءِ أوفياءٌ ، وأن البيتَ الذي كنا نبالغُ في رسمِ مدخنةٍ له رخِيصُ الثمنِ ، وإن القلبَ الأحمرَ ذو السهمِ هو الحبُّ ، وإن أكبرَ الأوجاعِ هي وخزةُ إبرةٍ والذهابُ إلى المدرسةِ ، كنتُ أعتقدُ أن عذاباتِ الانتظارِ هي حلقاتُ فِلْمِي المفضلِ ، وكنتُ أعتقدُ أن أسوءَ الناسِ شرشبيل وأخطرَهم الآنسةُ مِينشِن ، وإن أكبرَ الخياناتِ هي سرقةُ قطعةٍ من شوكولا ، وبأن أعظمَ الأحلامِ ثروةٌ خياليةٌ تُقَدَّرُ بدينارٍ ، ولا وجودَ للنهاياتِ الحزينةِ .
مؤخراً بدأتُ أقتنعُ تماماً بأنَّ القراءةَ هي حياتي السريةُ الأخرى ، وملجئي الشخصيُّ الذي أهربُ إليهِ دائماً .
إنه لمن المروِّعِ ، أن تشعرَ أحياناً بكونكَ مُساهِماً في هذا الضياعِ الذي حلَّ بكَ .
« وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ »
أَوشَكَتِ الساعَةُ على الانتِصافِ ، وبَدأت تميلُ للساعَةِ الثانِيَةَ عَشرَةَ، ممَّا يَعني دُخولي لِسنةٍ جَدِيدةٍ من عُمري على الرَّغمِ من انعِدامِ الحَماسَةِ بِداخِلي أشعُرُ أنني عِشتُ بما فيهِ الكِفايَةُ لأفطَنَ عدمَ أهَميَّةِ هذا اليَومِ ، رُبَّما بِسَببِ لَهوِ الحَياةِ بي ؟ لا أدري.. ولَكِن أتَمَنَّى بكلِّ صِدقٍ أن يَكونَ عاماً خالِياً من المَتاعِبِ ومَليئاً بالطُّمأنينَةِ كُلُّ عامٍ وأنا السَّنَدُ لِنَفْسي
لم تكن هذه السنواتُ أرقاماً عابرةً في حياتي ، بل محطّات شكّلتني بهدوءٍ أحياناً ، وبقسوةٍ أحياناً أخرى ، في عامٍ استيقظَ شيءٌ في داخلي ، وفي عامٍ آخر تغيّرَ كلُّ شيءٍ من حولي ، مَررتُ بالخوفِ ثم واجهتُ الحقائقَ كما هي ، لا كما تمنّيتها ، بدأتُ من جديدٍ وتبدّلت ملامحي ، وخسرتُ ما كنتُ أظنّهُ ثابتاً. واليوم ، لا أطلبُ الكثير.. كلُّ ما أتمنّاه أن يحملَ القادمُ هدوءاً يليقُ بكلِّ ما مضى ، وسلاماً يعوّضني عمّا فقدتُ .
إلى جميعِ الذينَ أَحملُ لهمُ المَودّةَ بداخلِي ، إنني رغمَ هذا البُعدِ المُتَعمَّدِ منِّي أُحبُّكم جدّاً ، لكني لمْ أعدْ إنساناً جَاهداً في التواصُلِ حتى مع ذاتِه ، أعتذِرُ .
واحِدٌ وعِشْرُونَ عاماً فَوْقَ دَرْبِ الهَوَى وَلا يَزَالُ الدَّرْبُ مَجْهُولا فَمَرَّةً كُنْتُ أَنا قاتِلاً وَأَكْثَرَ المَرَّاتِ مَقْتُولا واحِدٌ وعِشْرُونَ عاماً يا كِتَابَ الهَوَى وَلَمْ أَزَلْ في الصَّفْحَةِ الأُولَى .
وبالأخير شكراً لكُل شخص بيكم خَصص من وقته حَتى يعايدني ، وجودكم هوَ الهدية الأجمل الي دائماً ،