رواق الأخلّاء
1.11K subscribers
30 photos
2 files
29 links
قناة شخصيّة لتبادل الفوائد والخواطر بين الأخلاء.
للتواصل: يمكنكم مراسلة القناة عبر أيقونة الرسائل.
Download Telegram
عندما تتجوّل في أروقة المستشفيات والمراكز والعيادات الصحيّة وتشاهد آلام الآخرين ومعاناتهم عند فقدان "جزء" من العافية؛ تدرك حينها عظمة هذه النعمة المجهولة التي يُسخر منها أحياناً في عصر (الماديات) عندما يُسأل أحدنا عن الأهم في حياته فيُجيب: ❞الحمد لله تعالى أهم شيء الستر والعافية❝ فيُجابه أحياناً بالسخرية وكأنه يعبر عن طموح بسيط؛ بينما هما الأصل والأساس في التحرّك نحو كلّ شأن دنيوي وأخروي.

فعلاً، إنّها نعمة كبرى بعد العبودية لله تعالى وولاية آل محمّد (ع) ؛ بها يُستعان على طاعة الله تعالى، وتُسيّر شؤون الدنيا وخدمة الآخرين وتكون ديمومة العمل الصالح.

ورد عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) أنّه قال: ❞العافية نعمة يعجز الشكر عنها❝ وقوله (عليه السلام): ❞العافية نعمة خفيّة❝

كفاكم الله تعالى أنتم وذويكم شر كلّ داء، ورزقكم العافية وتمامها وشمول السلامة ودوامها، ومنّ على مرضانا ومرضاكم بتمام الصحّة والعافية بحقّ النبيّ وعترته الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين، وطابت جمعتكم بكل خير.

الثالث من ربيع المولد الشريف لسنة ١٤٤٤ هـ
رواق الأخلّاء
Photo
وداعاً.. أبا جعفر


ودّعت النجف الأشرف اليوم علماً من أعلامها؛ الشاعر والمؤرّخ والمؤلّف الكبير الذي قضى حياته بين الدرس والتدريس والتأليف.. إنّه العلّامة الدكتور الشّيخ محمّد حسين الصغير (رضوان الله تعالى عليه)

كان رحمه الله جليس كبار فقهاء النجف الأشرف وربيب بيوتها العلمائية؛ لم تأفل نجوميته في ميدان الجامعة والحوزة والمجالس العلمية والأدبيّة وعالم الكتاب منذ أن كان شاباً يافعاً وحتى آخر أيّام حياته فكان موسوعيّاً ومبدعاً في تخصصات متنوّعة.

على الرغم من بزوغ نجمه وكثرة نتاجاته العلمية والأدبية لم يكن يغادر صفة الأبوّة والرعاية لتلامذته؛ فكان يحتضنهم ويشجّعهم ويراقب نتاجاتهم بكل اهتمام ومحبّة، فكانت لتلك المحبّة الأثر الكبير في نفوس تلامذته حتى أن بعضهم يهيم حباً وإجلالاً له عند ذكره في قاعات الدرس أو مناقشة رأيّه العلمي.

طرّز مسيرته الأدبية بقصائد ثورية وشجاعة أيام مرجعيّة الإمام السيّد محسن الحكيم (رضوان الله عليه) عندما كان والده المرحوم الشيخ علي الصغير وكيلاً للسيّد محسن الحكيم في مسجد براثا ببغداد؛ ومن قصائده المشهورة في دعم مواجهة المرجعيّة للسلطات الحاكمة آنذاك، تلك القصيدة التي خاطب بها الإمام الحكيم عند زيارته لبغداد في ستينيات القرن الماضي:

سر في جهادك ما برحت موفّقاً
سيفان في يدك العقيدة والتقى
إلى أن يقول:
بالأمس قد أدبت قاسم أمتي
واليوم ادعى أن تؤدب عفلقا.

ودفع ثمن ذلك من خلال تعرضه للمطاردة والملاحقة أيام الحكم البعثي، ولم يتوقف نتاجه الشعري فلم يزل يكتب الشعر في النبي وآله الأطهار (صلوات الله عليهم) وفي رثاء كبار الفقهاء ومراجع الطائفة حتى سنوات حياته الأخيرة؛ كما أن ما كتبه في رثاء الإمام الخوئي قد نُقش على الكاشان الكربلائي في مسجد الخضراء عند قبر سيدنا الخوئي رضوان الله عليه.

كان لمجلسه الثقافي الأسبوعي "ملتقى الجمعة" في داره المعمورة بحي الحنانة نكهة خاصة بكلماته الرائعة من حيث المضمون والأسلوب الأدبي الرفيع ومشاركة أساتذة الحوزة العلمية وجامعة الكوفة في ذلك المجلس الممتع.

يطول الحديث وأنا أتحدث عن قامة علميّة لم تترك ميداناً إلا وقد وضعت فيه بصمة إنجاز ورصانة ودقة.. وبهذه المناسبة الأليمة أتقدّم بخالص التعازي للحوزة العلمية ومرجعنا الأعلى (دام ظله) وإلى عائلته الكريمة وزملائه وطلبته الأفاضل بهذا المصاب الجلل، سائلاً العليّ القدير أن يحشره مع سادته محمّد وآل محمّد (عليهم السلام) في جنّات النعيم، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.

محمّد تقيّ الشمّري
ليلة الثلاثاء عشية وفاة العلّامة الصغير
١٦ جمادى الآخرة ١٤٤٤ هـ
رواق الأخلّاء
Photo
صانع الإبداع من أسوار العزلة!


ماذا عساه أن يكتب القلم وهو في مدينة تُخيّم عليها أجواء الفجيعة والحزن والأسى برحيل رجلٍ فاضل، ومؤمن صادق، وزاهد كبير، وطالب علم مُجد؛ قضى عمره بين الكتاب والجهاد وخدمة المستضعفين..

رحل عنا اليوم رجل أفنى حياته في سبيل الله تعالى؛ إذ بدأ عمله الرسالي والتبليغي في سن مبكّر حتى بات قطباً يلوذ به المؤمنون في عهد الطاغية؛ فأذلّ النظام وأحرجه بكفاحه وعمله في سبيل الله تعالى وسعة نشاطاته المتعددة؛ غير آبهٍ بالتهديدات والمضايقات؛ حتى أنهم قد دسّوا ذات مرة في إحدى الكتب منشورات تؤدي به وبرفاقه إلى الإعدام لكن مخططهم كُشف قبل ساعات من مداهمة بيته والمسجد الذي يتواجد فيه، وكل تلك المضايقات لم تكن لتثنيه عن عمله حتى وصل به الأمر أن يواجههم بصلابة وشجاعة في داره عند اقتاحمها وأرغمهم على الخروج منها!

على الرغم من ظروف الحصار القاسي كان يواصل بحوثه العلمية في المجلات والمواقع العلمية حتى أنه قد فاز بجائزة الشارقة للإبداع العربي عن روايته الفلسفية "روح ابن أنا" وذلك عام 2002 ولم يزل منكباً على البحث العلمي إلى أيامه الأخيرة.

رحل شيخنا الكافي الذي اعتزل الظهور بعد سقوط النظام البائد لكنه لم يعتزل عن إرشاد الناس وتوجيههم ومساعدة الفقراء منهم؛ فاتخذ من داره مقراً لعمله الديني والتبليغي، فكان الأب والموجّه والناصح فالتفت حوله الجماهير وثقاة المؤمنين لينتفعوا منه ويشملهم بلطفه وكرمه وابتسامته وغدير علمه وأدبه.

على الرغم من عزلته التي رغب فيها لكنه لم ينقطع عن اهتماماته الثقافية؛ فكلما تزره في داره تجد أحدث الإصدارات العلمية عنده ومكتبته عامرة بآلاف الكتب وتزداد سعة يوماً بعد آخر، ويقضي يومه بالمطالعة والكتابة والإجابة على أسئلة الناس الشرعية وقضاء حوائج الفقراء والمساكين.

كما أن عزلته لم تمنعه من تأييد المشاريع الإيمانية في المدينة فكان متابعاً ومؤيداً وداعياً للعاملين بكل مودة؛ فكان رحيله فاجعة لمدينتنا هذا اليوم برحيله بعد رحلة صبر ومعاناة مع المرض والابتلاءات المتعددة؛ وشيعته المدينة بشيبها وشبابها تشييعاً مهيباً يليق بمكانته وجهوده الطيبة انطلاقاً من المسجد الذي كان يمارس فيه نشاطه قبل سقوط النظام البائد وبإقامة عزاء حسيني قبل انطلاق التشييع ليكون خير خاتمة لمسيرة حياته المباركة في خدمة محمد وآل محمد (عليهم السلام) والمستضعفين من شيعتهم.

وهناك الكثير من المواقف والحوادث التي يضيق المجال لذكرها؛ فمثلي لا يمكنه وصف أمثاله من الرموز الكبيرة؛ فحريٌ بالمؤمنين أن يتخذوا منه قدوة ورمزاً في العمل الرسالي؛ لتبقى البوصلة هي العمل والخدمة وصنع الإبداع والتميّز والإيمان الصادق بالله تعالى رغم الظروف الصعبة مع اختلاف الأدوار من زمن لآخر.

وبهذه الفاجعة أعزي نفسي والحوزة العلمية وطلبتها وعموم المؤمنين في مدينتنا برحيل سماحة الشيخ علي حسين الكافي رضوان الله تعالى عليه، ولا حول ولا قوّة إلّا باللهِ العلي العظيم.

محمّد تقيّ الشمّري
واسط - العزيزية
ليلة الأول من ذي الحجة لعام ١٤٤٤ هـ.
رواق الأخلّاء
Photo
محقّق النجف وابن بجدتها!


شمسٌ من شموس العلم والمعرفة في حوزة النجف الأشرف الغراء تودعنا اليوم في مصيبة ما أعظمها على من عرف قدر هذا الفقيه المحقق! رحل اليوم رجل قُرن اسمه مع التحقيق والزهد والهمّة في طلب العلم ونشره وتربية أجيال من الفضلاء؛ حتى باتت داره القديمة المتهالكة مقصداً لكبار العلماء والمحققين والفضلاء لأكثر من نصف قرن؛ إنه العلّامة المحقّق سماحة آية الله السيّد محمّد مهدي الخرسان -رضوان الله عليه-

شُغِف سماحة الفقيد بالعلم منذ نعومة أظفاره حيث بدأ تعلّم القراءة والكتابة على يد والدته ولم يفارق جو العلم حتى توفي اليوم مُمدداً بين كتبه ومؤلفاته ومخطوطاته.

كان سماحته يمثّل عبق السلف الصالح من العلماء ذوي الفنون المتعددة من فقه وتفسير وحديث ورجال وتاريخ وأنساب وآداب؛ وكان اسمه مقروناً بالتحقيق في التراث بشكل أكبر؛ فهو ممن أفنى سنوات طويلة من حياته لأجل الكتابة عن موضوع معين وفي موسوعته الكبيرة عن ابن عباس شاهد على ذلك.

تتلمذ فقيدنا الراحل على يد سيّدنا الخوئي المعظَّم، ولازم الأعلام كصاحب الذريعة -أغا بزرك الطهراني- وصاحب الغدير -الشيخ الأميني- ووالده الأجل وغيرهم من كبار الفقهاء والمحققين، وعلى الرغم من مكانته العلمية وتمكّنه من الفقه إلا أنه لم يحبذ التصدي للتقليد والشؤون الاجتماعية الأخرى التي تتطلب انصرافاً عن العلم بعض الشيء حتى أنه عبر عن ذلك في سيرته المدوّنة بقلمه: "ومن نعم الله تعالى عليّ أن انصرفت إلى جانب البحث والتحقيق والتأليف، وفي ذلك تعويض خدماتي للناس عمّا يقوم به الغير في صراط تفعيل العلم في جهات أخرى، ربّما تكون المسؤولية الشرعية فيها أكبر وأخطر"

كما أنه تميّز بابتعاده عن كل حركة عاطفية وطارئة وكأنه خُلق للتعامل مع ما "يمكث في الأرض" دون الاهتمام بالزبد الذي "يذهب جفاء" فكان مستقلاً عن كل انتماء مؤسساتي أو حزبي ضيّق؛ فالعلم أكبر سعة من أن يُضيّق به في عنوان طارئ هنا أو هناك، ولكل شخص رأيه واعتقاده فيما يُقبل عليه أو يُعرض عنه.

ورغم تعرّضه –كما هو حال أقرانه- لصعوبة الحياة خصوصاً في النصف الأول من القرن الماضي حيث الحرب العالمية وآثارها وشظف العيش؛ إلا أن كل ذلك لم يكن ليمنعه من الجد في طلب العلم والبحث في بطون الكتب، حتى أنه مما يؤلم الفؤاد ذكره لحاله عندما بدأ الكتابة عن ابن عباس؛ إذ كان لا يملك إلا بعض الكتب القليلة في مكتبة والده وكان عليه أن يطالع الكتب في مكتبة الشيخ كاشف الغطاء والحسينية الشوشترية؛ لكنه يُعبّر عن الاستفادة من تلك المكتبات بأنها "رهن مجيء الناظر-المسؤول عن المكتبة- ليفتح المكتبة" فكم وقف في باب المكتبات لأجل معلومة هنا أو هناك ليسطّرها لنا يراعه المبارك ويحفظ للأمة تراثها؟!

فقاسى بحق ظروفاً صعبة وآلاماً ومآسي جمّة لعل بعض ما كتبه يعبّر عن زاوية مما مر به إذ يقول: " ومرت السنون سراعاً وقد استعرتْ الدنيا نار الحرب العالمية الثانية ثم ما بعدها من حروب وادلهمت الخطوب، وعشناها أياماً مريرة وعسيرة، خشية معتد غاشم وسطوة حاكم ظالم... وما أن أُطيح أخيراً بالصنم، حتّى ازداد الخطب والليل ادلهم، فرّج الله عن المؤمنين بظهور المصلح المنتظر عجل الله فرجه الشريف"

وفي الخوض في سيرة بحار العلم والفضل يقف القلم ليعلن عن عجزه إكمال الحديث عن هذه الشخصية العظيمة –لضعف المتكلم أمام هذه الجبال وخشية الإسهاب وملل القارئ- وإلّا فمجلسه الأسبوعي العامر بالعلماء والفضلاء وفوائده الكبيرة يستحق تسليط الضوء عليه، كما أن احترامه للعلماء المتصدين للمرجعيّة من الفقهاء العدول وخصوصاً مرجعنا الأعلى السيّد السيستاني -حفظه الله- وشهادته له بالأعلمية، والكثير من المواقف والشواهد التي يتناقلها أساتذتنا عن فضله وعلمه ومواقفه الطيّبة؛ جديرة بأن تدوّن ليستمع العالم لصوت يقول لهم: هذه النجف وحوزتها وعظمة علمائها وجهودهم ومكانتهم وابتعادهم عن الظهور الشعبوي وانكبابهم على الدرس والتدريس والتحقيق والتأليف دون الطمع بسفاسف الدنيا وزخرفها.

ومما يسلّي القلب عن إهمال عالمنا المادي وتجاهله لقامات العلم قيام العتبة الحسينيّة المقدّسة في العام الماضي بطباعة موسوعته الكاملة الجامعة لمؤلفاته -التي سمح بطبعها في حياته- وتكريم جهوده العلمية بمؤتمر علمي تحت عنوان "أمناء الرسل" شاركت فيه نخب حوزوية وأكاديمية في النجف الأشرف وقم المقدسة وإنشاء موقع إلكتروني خاص بذلك؛ فكانت خطوة مباركة تستحق الإشادة لما فيها من تعظيم لمقام الفقهاء العاملين في حياتهم؛ ليُعرف قدرهم قبل وفاتهم.

وفي سيرة العلّامة الفقيد الكثير من الأحداث والمواقف المهمة التي تأمل نفوس أهل العلم بالاطلاع عليها عبر ترقّب كتابات من لازموا الفقيد واستفادوا من مجلسه، وفي ما يُتأمل بالاطلاع عليه في كتابه المخطوط "ذكرياتي في حياتي" الذي منع سماحته أن يُطبع في حياته حيث عبّر عنه: "ولا ينشر لو قدر له النشر إلاّ بعد وفاتي، لما فيه من حقائق مرّة"
رواق الأخلّاء
Photo
وإلى هنا أختم الحديث عن سيّدنا الفقيه العالم العامل المحقّق الزاهد الذي سيوارى الثرى بقرب جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام) ليترك لنا سيرة مضيئة وتجربة غنية بالمواقف والشواهد والمؤلفات ويختتم مسيرة الآلام والابتلاءات إلى "جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ"

وداعاً.. سيّدنا الخرسان والمعزّى بك صاحب الزمان -عليه السلام- ومرجعنا الأعلى والسادة آل الخرسان جميعاً وعموم الطلبة والمؤمنين، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم.

محمّد تقي الشمّري
واسط - العزيزية
غرة ربيع الأول ١٤٤٥ هـ
رواق الأخلّاء
Photo
مجلسٌ رمضانيّ عراقيّ.. بنكهةٍ عامليّة!


تنتشر في المدن العراقيّة -بحمد الله تعالى- مجالس الوعظ والإرشاد الرمضانيّة؛ فتكون ملتقى لعموم المؤمنين في تلك المدن طيلة ليالي الشهر الفضيل، لكن المجالس تتنوّع بتنوّع الخطباء فيها وطبيعة تلك المدن وظروفها الاجتماعيّة؛ فيبرز مجلس هنا ويُشار لمجلسٍ هناك لكن في السنوات الأخيرة برز من بين تلك المجالس مجلس متميّز بنكهة خاصة!

يبدأ المجلس بقراءة لدعاء الافتتاح تليها كلمة يلقيها أستاذ حوزويّ فاضل يجيب بها عن الشبهات ويدعو للخيرات وينقل التوجيهات من مكتب المرجع الأعلى -دام ظله- باعتباره وكيلاً عنه؛ ثم يرتقي المنبر خطيب ينعى سيّد الشهداء -عليه السلام- بصوت شجي في دقائق معدودة ثم يرتقي المنبر فارسه، الخطيبٌ الألمعي الأريب الّذي يجمع بين الدقة والفصاحة وأسلوب الإمتاع في إيصال الفكرة التي يريد إيصالها إلى المتلقي، فتجده في دقته لا يستنكف أن يُمسك بيده ورقة يدوّن فيها ما يرد من أحاديث ومعلومات خلال محاضرته، وتجد في فصاحته عذوبة ولطفاً؛ إذ تتخلل تلك الكلمات عبارات باللهجتين اللبنانية والعراقية وشواهد أدبيّة مؤنسة، وأما أسلوبه الماتع فيأخذك في عوالم ساحرة من الفوائد والإشارات واللطائف مما يجعلك تتمنى عدم نزوله من المنبر، فينتهي بك المجلس وأنت قد قرأت دعاءً مباركاً وبكيت إمامك واستمتعت بجولة معرفية وتاريخية وعقائدية مميّزة.

إنّه سماحة الشّيخ القاضي محمد كنعان -دام عزه- رئيس المحكمة الشرعيّة الجعفريّة العليا في لبنان في المجلس الرمضاني السنويّ الذي تقيمه ممثليّة المرجعيّة الدينيّة العليا في المخيم الحسينيّ بمدينة الكاظميّة المقدّسة تحت إشراف وكيل المرجعية الدينية العليا سماحة العلّامة الفاضل الشيخ حسين آل ياسين -دامت بركاته- وبحضور جمع غفير من المؤمنين والمؤمنات في جمعٍ مُبارك تُغبط عليه مدينة الكاظميّة وعموم أهل بغداد؛ فحضورهم لافت وحبهم لهذه المجالس واضح بدلالة حضور مختلف الأعمار والتخصصات رجالاً ونساءً وبأعداد كبيرة ضاقت بهم قاعة المخيم الحسيني فجلسوا في الشوارع ليشاهدوا المحاضرة عبر الشاشات؛ لله درهم وعليه أجرهم.

فلهذا المجلس المبارك أحببت أن أُشير؛ ترحيباً بالضيف المبجّل من بلاد جبل عامل، وإشادة بالجهود المبذولة من قبل القائمين على المجلس، وتذكيراً للمؤمنين بأهمية متابعة هذه الجلسات -التي تستحق أن نعطي لها وقتنا في هذه الليالي المباركة- بدلاً عن متابعة الابتذال والتفاهة مما يطفو على سطح مواقع التواصل الاجتماعيّ بما لا يتناسب وخصوصيّة هذه الأيام العباديّة؛ فإلى ذلك أشار المقصّر، وللإفادة يطمع، ومن ربه يرجو القبول، ومنكم يطلب الدعاء.

يمكنكم مشاهدة البث المباشر وتسجيل المحاضرات كل يوم عبر قناة مسجد آل ياسين في موقع اليوتيوب.

العاشر من شهر رمضان المبارك لسنة ١٤٤٥ هـ
محمّد تقي الشمّري (واسط - العزيزية)
رواق الأخلّاء
Photo
حيدر: كوكب السَّحر الذي فُجعت به حوزة النجف الأشرف!


يعيش بعض الأشخاص فترة قصيرة في هذه الدنيا فيتركون أثراً طيّباً في نفوس محبيهم وكأنهم خُلقوا ليشيعوا المحبة والإحسان والصدق ثم يرحلون بشكل مفاجئ "ليخلفوا في سويد القلب نيراناً" لكنّ من أنعاه قد بالغ في الإحسان والإخلاص والمودة والوفاء؛ فكان حقاً عليّ أن أرثيه بقلب مفجوع وبيد لم ينفض عنها تراب قبره حيث واريناه الثرى فجر يوم أمس في وادي السلام..

منذ سنوات ليست بالبعيدة جمعتني به جلسة في أحد بيوت طلبة العلم في النجف الأشرف فتبادلنا العناوين والأرقام حتى لم تمضي إلا أيّاماً قليلة فأصبح هذا الشاب من صفوة الأصدقاء لي ولأصدقائي في مجموعتنا الخاصة في النجف الأشرف، وكما يعبّر الشاعر:

وإذا صَفا لكَ من زمانِكَ واحِدٌ
فهو المُراد وعِش بذاكَ الواحدِ

وبدأت رحلة الصداقة والأخوّة فكان هو المراد والحبيب وكأنه هدية الدهر لنا، وتمضي الأيام وتزداد العلقة يوماً بعد يوم حتى بات أخاً وخليلاً وفيّاً قضينا سويةً ليالي وأيّاماً طوال كان يزيّن جمالها وجوده وكلماته وآرائه السديدة والحكيمة وصوته الشجي ومحياه الباسم، فلم أجده إلّا ورعاً وعفيفاً وكريماً ومنظّماً وزاهداً ومخلصاً أشد الإخلاص.

تميّز -رحمه الله- بانشغاله والتزامه بالدرس الحوزويّ وشدّة تعلّقه واحترامه لأساتذته حتى أنّه إذا ذُكروا أمامه كان يتحدث عنهم وهو يهيم بمحبتهم وعظيم منزلتهم عنده، كما أنّه كان شديد المودة لزملائه وأصدقائه فما إن يلتقي أحدهم حتى تجده معانقاً له عناقاً حاراً قد يُخيّل لمن يرى المشهد بأنّ أحدهما قد قدِم من سفر بعيد في حين أنه كان قد فارقه أيّاماً قليلة، ولذلك كان الأسى واضحاً على محيا كل من عرفه ولو من بعيد؛ إذ أنّه رُزق بمحبة المؤمنين له بشكل لافت وإن كان قد عرفه من بعيد، حتى أنني وخلال التهيؤ للذهاب لاستقبال الجنازة ليلاً وردني اتصال من صديق في بلاد المهجر كان قد تعرّف على سماحة الشيخ عند زيارته لي في النجف الأشرف خلال آخر زيارة له للعراق قبل سفره بساعات؛ إذ جمعَته مع الشيخ جلسة قصيرة وإذا به يتصل بي صارخاً باكياً عند سماعه خبر وفاته وهو في مقر عمله -إذ كان الوقت نهاراً عندهم- غير آبهٍ بتعجّب زملائه لما حل به؛ فكان جازعاً مفجوعاً وكأنّه قد عاشره لسنوات طويلة.

سمع شيخنا الفقيد نداء الحوزة العلمية بعد انتهاء التعطيل الرمضاني لاستئناف الدرس الحوزويّ فسافر من مدينة الناصرية ملبياً لنداء طلب العلم لكن المنية كانت في طريق السماوة حيث تضمّخت عمامته البيضاء بدمه الزكي بسبب حادث سير مؤلم؛ فوفد إلى ربه سالكاً طريق العلم وكما ورد في الحديث الشريف: "من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنّة"

عاش شيخنا الفقيد وحيداً لا أخوة له من أمه وأبيه؛ لكنّه عاش أخاً وفيّاً للمئات من المؤمنين الّذين خلّفهم بعد مصابه أسارى للحزن والأسى يطحن أفئدتهم وينغّص ذكره عيشهم، إذ كانوا يتمنّون الحضور في حفل زفافه لا مراسم تشييعه، ومما نقل عن أحد الفضلاء من أساتذة الحوزة العلميّة حين رأى شهادة وفاته يوم أمس أنّه قال ما مضمونه: كنت أتمنى أن أكتب عقد زواجه بيدي لا أن أمسك بشهادة وفاته!

فكانت ليلة الأمس حزينة كئيبة حيث الفجيعة قد خيّمت على طلبة العلم في مدينة النجف الأشرف؛ إذ كانت العمائم في باحة المغتسل مجتمعة لانتظار إكمال تغسيله وتكفينه وهي بين نائح وصارخ حتى حُمل نعشه إلى قبر أمير المؤمنين -عليه السلام- ليطاف به في المرقد الشريف ويصلي عليه أستاذه المفجوع به، ثم كان الوقت قد دنى من وقت صلاة الفجر فكانت الجنازة قد وضعت على شفير القبر لانتظار إكمال حفر القبر واصطفت تلك العمائم لتصلي صلاة الفجر جماعة قرب قبره بإمامة أستاذه، فكان مكانه خالياً في صفوف تلك الجماعة المثكولة به، حتى أكملنا الصلاة وواريناه الثرى بعد إقامة مجلس على سيّد الشهداء -عليه السلام- عند قبره لنودع أخاً عاش نقياً ومات نقيّاً دفنت معه ذكريات وآمال ومشاريع علميّة وتبليغيّة، ثم عادت أجسادنا إلى بيوتنا لكنّ قلوبنا بقيت هناك عنده كما سيبقى قلب أمه المفجوعة بوحيدها، وإلى هنا يجف قلم أخيك الذي كان يأمل أن يكتب قريباً في مناسبة سعيدة لك، فسكن إلى هنا القلم ليكتم أسراراً ومشاهد شتى تحتشد بها الذاكرة وترقد فيها كما رقدت في وادي السلام؛ لكنّها إرادة السماء ولله الأمر من قبل ومن بعد، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم!

أخوك المفجوع بك: محمد تقي الشمري
الخامس من شهر شوّال لسنة ١٤٤٥ هـ
رواق الأخلّاء
Photo
بـيـوت مـديـنـة العزيزية تتشرّف بخدمة
زوّار الإمام موسى الكاظم -عليه السلام-


يندر أن تجد بيتاً فتح أبوابه لخدمة الزائرين واستقبالهم وضيافتهم وتزيين أعتابه بتراب المسير للمراقد المقدسة؛ ولم يبارك الله تعالى فيه، ويدفع عن أهله البلاء، ويزيد في رزقهم، ويمد في أعمارهم بيُسر وعافية، وهذا لا يعني العصمة من ابتلاءات الدنيا مطلقاً، لكن آثار البركة تبدو واضحة كلّ عام وتزداد.

الحمد لله تعالى الذي منّ على مدينتنا بخدمة الزائرين الكرام المتوجّهين لإحياء ذكرى الشّهيد المظلوم، صاحب الجنازة الغريبة على جسر بغداد، مولانا الإمام موسى بن جعفر الكاظم -عليه السلام- فجزاهم الله تعالى كل خير، ولله درّها من مدينةٍ مباركة تدخل أقصى حالات الإنذار للاستعداد وإقامة المواكب وفتح البيوت والمضايف العامرة لخدمة الزوّار؛ حباً وكرامة وتشرّفاً بمقام الخدمة لآل البيت -عليهم السلام- وإحياءً لأمرهم؛ كما هو الحال ذاته في باقي المناطق الكريمة التي تقع على طريق الزائرين.

٢٢-١-٢٠٢٥
رواق الأخلّاء
Photo
في تقزيم الأهداف والهموم..


من الممكن أن يعيش الفرد هموماً صغرى واشتغالاتٍ أصغر في موارد لا تستحقّ بذل الجهد، وانقضاء العمر في تتبّعها، وسحق الوقت لأجلها؛ بينما تبرز، على الجانب الآخر، هموم أكبر وموارد يكون الاشتغال بها ملائماً لطبيعة الإنسان السويّ الذي يسعى لأجل أهدافٍ تعود عليه بالنفع في دنياه وآخرته.

ليكون بين خيارين:
الأوّل منهما أن يكون اشتغاله بكلّ شيءٍ فيه سموّ وترفّع عن سفاسف الأمور الهامشيّة التي لا تُغني المعرفة بها، ولا يضرّ الجهل بها.
أو خيار الهبوط والانسحاق، والتعايش مع تلك الهوامش.

ولا يُراد بالهوامش شؤون الفرد الأساسيّة في تأمين سُبل معاشه، فهي أساسيّة ومطلوبة، خصوصاً مع نيّة التقرّب لله تعالى، وأداء حقوق من أوجب إعالتهم وبرّهم، فـ «الدنيا مزرعة الآخرة»، وليس هناك تشجيع على إفساد الدنيا للنجاة في الآخرة، بل العكس؛ إذ تزخر الروايات الشريفة بالحثّ على الكسب، والتنمية، والاقتصاد، لتفريج همّ أخٍ مؤمن، أو المساهمة في أعمال البرّ، ونشر العلم، والتوسعة على العيال والمساكين وغيرهم -بشرط القربة- لينال العبد أجر ما كدح لأجله.

فكم هو مؤسف أن يمضي العُمر بأحدنا، وهو يعيش ضيفاً لئيماً على هوامش الهوامش، يقضي عمره بين الحسد، والنقمة، والشكّ، والحقد، والبغضاء، وسوء الظنّ، والمشاحنة، والتسقيط، والمواربة، والكذب، والخداع؛ بل الأجدر أن يشمّ نسيم حياة الكرام، وذوي الهموم العليا في هذه الدنيا، لتجدهم بين همّ في مبادئ كبرى، وبحثٍ عن رؤى جديدة، واعتبارٍ بسيرة من مضى، ومواكبةٍ لما يحدث، فلا يعيشون عقدة السكون على الماضي، ولا الانبهار بالحاضر، بل سمتُ جبالٍ لا يلهثون خلف كلّ صيحة، ولا يتباطؤون عن الاستقامة، ويعرفون متى يختارون (الزمكان) المناسب لأفعالهم.

فلله دَرّهم من فُضلاء، يستحقرون دنيء الدنيا، ولا يترفّعون عن تأمين الأساسيّ لحياتهم منها، وينصهرون في بوتقة الحكم الشرعيّ، ولا يخرجون منها، ليتنعّموا تارةً بنِعَم الله تعالى وبركاته، وليصبروا تارةً بالكفّ عن الحرام والشُبهة وما حرّمه تعالى، ليعيشوا بين الشكر والصبر حتّى يُلاقوا ربّهم فيُوفّيهم أجرهم، ولله الأمر من قبل ومن بعد، والحمد لله ربّ العالمين.

وكتب محمّد تقيّ الشمريّ في الثّاني من ذي الحجّة ١٤٤٦ هـ
📷 دار أمير المؤمنين -عليه السلام- في مدينة الكوفة ١٤٤٦ هـ.
رواق الأخلّاء
Photo
اعتناق الأفكار الحقّة والثبات على المبادئ والالتزام بأحكام الشريعة لا تعني بالضرورة العيش الرغيد والراحة المباشرة؛ بل على العكس يتطلّب الالتزام بهذه المبادئ والأحكام صقلاً للذات، وصبراً على النائبات، وشجاعة في تجرّع مرارة الحقّ لإثبات الطاعة والالتزام بحدود الله تعالى.

لكنّ هذا الصبر والمرارة لا يعني عدم وجود نتائج إيجابية وراحة على المدى البعيد، بل تأتي نتيجة تراكم مواقف الثّبات والصبر وكظم الغيظ وتجرّع الأسى، لتُنسج بعد هذه الرحلة الطويلة والشاقة: شخصيّة صلبة تعرف كيف تتحكم بأهوائها ورغباتها، وتتحسّى مرارة الحقّ كطعم الدواء لأجل موعد مؤجّل يكون فيه الجزاء على يد أحكم الحاكمين.

ولقوّة المؤمن وثباته حكايات كثيرة ليست ببعيدة عن مآثر الصبر والتحمّل التي سطّرها علماء الطائفة وأتباعهم رغم الفتن العاصفة التي مرّت بهم، فكانوا بحقّ كما ورد في الحديث عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام): "المؤمنُ أصلبُ من الجبل، الجبل يُستقَل منه، والمؤمن لا يستقل من دينه شيء.."¹
--------------------------------
(¹) الكافي - الشيخ الكليني - ج ٢ - الصفحة ٢٤١.

📷 قم المقدسة - ١٤٤٥ هـ

١-٦-٢٠٢٥
رواق الأخلّاء pinned «بسم الله، والحمد لله، وعلى بركة الله تعالى.. إن تعدد مواقع التواصل الاجتماعي وتشتت الأفكار المنشورة بين المنصات المختلفة، يشجّع الفرد على فتح نافذة تجمع هذا الشتات، وتؤرشف ما كُتب في مناسبات متفرقة، ولتكون رواقاً يجمع الأخلّاء الأوفياء لتبادل الفوائد والخواطر.…»
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM