رواق الأخلّاء
1.11K subscribers
30 photos
2 files
29 links
قناة شخصيّة لتبادل الفوائد والخواطر بين الأخلاء.
للتواصل: يمكنكم مراسلة القناة عبر أيقونة الرسائل.
Download Telegram
رواق الأخلّاء
Photo
لا أظنُّ بيتاً من بيوت أهلنا وأحبتنا في العراق يخلو من كرامةٍ أو حاجة قُضيت تحت قبّة الإمامين الكاظمين (ع) ببغداد.. وهذا المكان الطاهر #ترياقٌ_مُجرّب كما عبّر عنه إمام المذهب الشافعيّ، ويعني بالترياق هنا: الدواء المُجرّب.

كنتُ طفلاً صغيراً في السنوات الأولى من حياتي وأُصبت بحالةٍ طارئة كادت أن تقطع أنفاسي وضاقت الأرضُ حينها بأهلي؛ وبعد أن راجعوا الأطباء وكانت النتائج لا تُبشّر بخير، فاستجاروا بآل مُحمّد (عليهم السلام) في مرقد الإمامين الكاظمين (عليهما السلام) حيث كهف الحيارى؛ وتوسّلوا إلىٰ الله تعالى بحرمة أصحاب المشهد؛ فاستُجيبت دعوتهم وشُفيت حينها، وكبرتُ لأسطّر لكم هذه الكلمات وأحدّثكم عن غيضٍ من فيضِ آل مُحمّدٍ وبركات عطائهم وجودهم لمن لاذ بهم، ورفع يده تحتَ قبابهم الطاهرة، وما أناْ إلّا مثال يسير لكرامات ومعاجز أخرىٰ عظيمة حدثت في مشاهدهم، فأورثتنا حملاً آخراً يتمثّل بالتقصير الدائم في الولاء لهم وخدمتهم والوفاء إليهم، فنحنُ نِتاجُ جودهم وكرمهم الّذي لم ينقطع يوماً في الدنيا ونطمع به في الآخرة.

وتبقى السطور عاجزة عن الحديث في شرف وفضل أهل هذا البيت الطاهر كما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة: ”مواليَّ لا أُحصي ثناءكُم ولا أبلِغُ من المدح كُنهكُم ومِن الوصف قدرَكُم وأنتم نورُ الأخيار وهداةُ الأبرار وحُجج الجبار، بكُم فتح اللهُ وبكُم يختِم وبكُم يُنزّلُ الغيث وبكُم يُمسك السماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنه وبكُم يُنفّسُ الهمّ ويكشِفُ الضُرّ..“

بغداد
فجر ٢٥ رجب ١٤٤٣ هـ.
رواق الأخلّاء
Photo
دقائق في حضرة مرجع الطائفة:


تشرّفنا صباح هذا اليوم الاثنين في يوم ولادة الإمام الحسين (عليه السلام) بالحضور في خدمة سيّدنا المرجع الأعلىٰ: جار عليّ وسميّه وابنه، سماحةُ السيّد السيستانيّ (حفظه الله تعالى) وبعد أن دخلنا إلى غرفة استقبال الضيوف جلست إلى يساره أوّلاً وإلى جانبي مجموعة من الزائرين الكرام من مختلف المحافظات؛ فألقىٰ سماحته كلماته الأبويّة مبتدئاً بالتحيّة والترحيب بضيوفه، وكما عهدناه يلهج لسانه بالدعاء والوصايا للعراقيين؛ فذكر سماحته عدة أمور بصيغة الدعاء، أذكر منها ما مضمونه:

- ضرورة اتباع الحقّ وأن يرينا الله تعالى الحقّ حقّاً فنتبعه، والباطل باطلاً فنجتنبه.

- التأكيد على الالتزام بـ"الموازين الشرعيّة والقانونيّة"

- التمييز بين من يريد "مصلحة العراق" ويعمل لخدمته وبين من يعمل عكس ذلك.

وختم كلماته بدعواته المُباركة للعراقيين والمؤمنين بشكل عام.. وانتهى اللقاء بعد دقائقٍ مُباركة تستشعر فيها عظمة هذه الشخصيّة وتستذكر فيها عند النظر إلى تعابير وجهه المُبارك وكلماته الدافئة: عظمة هذا الدين وسموّ رجالاته من العلماء الفقهاء العدول، وأنّ هذه العظمة جزء يسير من عظمة ونور آل محمّد (عليهم السلام) فلا يكون أمامك إلا أن تستذكر بكلّ شوقٍ وحنين صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) والدعاء لتعجيل فرجه المُبارك.

الثالث من شعبان المعظّم لسنة ١٤٤٣ هـ

محمّد تقيّ الشمريّ
النجف الأشرف
بين الشأن اليوميّ/ المحليّ.. وبين الشأن المعرفيّ/ العالميّ


تتعدد أحجام الرؤية وبعد النظر من شخص لآخر، ويختلف نطاق الفئة المستهدفة بحسب رؤية وفكر كل شخص، فتجد من يهتم بنطاق محدود ليُبدي فكرته ويوضّح رأيه فينشغل بجوّ محدّد وضيّق؛ بينما ترى الآخر يتوسّع في المدى فتكون فكرته عابرة للحدود الضيّقة، لذلك يمكنك إذا تفحّصت الآراء في هذا العالم الافتراضي تجد أنواعاً مُختلفة تبدأ بمن يهتم بالنشر لأغراض شخصية تدخل فيها علاقاته داخل العائلة مروراً بأصدقائه وصولاً إلى نطاق حيّه ومدينته ومحافظته واهتماماتها، وإذا زادت مدى رؤيته قد يعمل على مساحة أوسع وهي مساحة بلده الذي ينتمي إليه؛ بينما تجد بالمقابل من يكون عابراً لتلك المساحة فيوسّع نطاقه ليشمل الوطن العربي والإسلامي، ونتاج ذلك كلّه يعكس مدى الرؤية والفكرة التي يرغب بإبرازها وخدمتها، وليس في قرب الأوّل أو بُعد الثاني مزيّة لأحدهما؛ لكن كلّما كانت الرؤية أوسع كلما زاد هاجس التثبّت والدقّة والحذر في إبراز ما هو نافع للفكرة وملحقاتها من حيث اتساع نطاق الفكرة بمنظّريها ونقّادها على حد سواء.

ولا يبدو غريباً هذا التباين في مشهدنا السياسي والاجتماعي في العراق؛ فعندما تشتد سخونة الأحداث والصراعات واللغط الدائر حول تفاصيل الحياة السياسية والخدمية داخل البلد تشهد ساحة العالم الافتراضي استغراباً من قبل فئة "النطاق المحلي" لبرود أو سكون فئة "النطاق الأوسع" فينهال سيل من الاتهامات والتخوين أحياناً مع مزيج من الغضب والسخط والعنف أحياناً للتعبير عن رفض الاهتمام بقضايا معرفيّة أو دينيّة أو أدبيّة أو فنيّة في وقت الأزمات المحليّة، وكأن الواجب هو "وجوب" خوض الجميع بالشأن السياسيّ اليوميّ الّذي يفتقد للمعطيات الواضحة وكذلك لوقت نهاية.

وللوصول إلى سلام مجتمعي بين هذه الفئات التي تعيش (القرب) الجغرافي وبذات الوقت (البعد) الفكري فيما بينها؛ يُمكن أن يكمن الحل في أن ينشغل كل منهما في نطاقه دون أن يرى في ابتعاد الآخر خيانة لفكرة محليّة / عالميّة ؛ فلكلّ منها مبرّراته في العمل على مساحة معيّنة يجد فيها نفسه وفكره وطموحاته واهتمامه، ومن يتمكّن من التوفيق بين هذه المساحات المختلفة سيتخلّص من كمٍ لا بأس به من الحجارة الموجّهة نحوه من الطرفين؛ لكنّه حتماً سيخسر في كل جبهة جزءاً ينفعه لو تخصّص في مجال واحد، وكما قيل تعبيراً عن لسان أهل الاهتمامات الشاملة والموسوعيّة ومنهم الشيخ البهائي العاملي: "غلبت كل ذي فنون، وغلبني ذو الفن الواحد"

٦ صفر الخير ١٤٤٤ هـ
يشهد الله تعالى ما كان الدفاع عن هذه العقيدة لمصلحة أو رغبةٍ طائشة؛ بل لقناعة تامة بأنّ الاستهداف مقصود ومخطّط له بأدوات خفيّة على بعض العامة، ولن ينتهي هذا المخطط إلّا بقتلنا كباراً وصغاراً كما حدث في سنوات ليست بالبعيدة وآثار تلك الجرائم لا تزال حيّة بيننا.

والاعتراض على ذلك لن يُثني من العزيمة؛ لأن أداء التكليف لا يستلزم رضا الجميع؛ فلم يحصل في التاريخ إجماع ورضا على شيء، بل يرضى قوم ويسخط آخرون، بشكل طبيعي ومفهوم لكل معتبر من الماضي وحوادثه.. وعند الصباح يحمد القوم السرى.

كربلاء المقدّسة
صفر الخير ١٤٤٤ هـ
رواق الأخلّاء
Photo
دعوة للاغتراف من البحر النبويّ


ونحن نعيش أيّام رحيل النبيّ الأكرم (صلّى اللهُ عليه وآله) لا بدّ لنا من التدبّر في سيرته المُباركة الّتي تزيّنت بها كتب التراث والسيرة وهي تتحدث عنه بوصفه شخصية استثنائية كانت بحق محط إعجاب واحترام وإجلال قبل وبعد بعثته المباركة؛ لننهل من معينه جانباً علّنا نستفيد منه في حياتنا وتعاملاتنا؛ لنقرأ عن عبادته، كرمه، ثباته، تواضعه، صبره، نظافته، أدبه، رحمته، شجاعته، فصاحته...

في زمن سهلت فيه السبل للبحث والوصول إلى المعلومة؛ حريٌّ بنا ونحن نعيش أيّام ذكرى رحيله أن نتأمّل قليلاً عبر قراءةٍ وبحث في محركّات البحث المتوفّرة لنكتشف شيئاً جديداً عنه ونطالع في حياة سيّد الخلق وخاتم الأنبياء؛ نبيّ الرحمة؛ الرسول الأعظم مُحمّد بن عبد الله صلوات الله تعالى عليه وعلى آل بيته الكرام المظلومين الأطهار وصحبه المنتجبين الأخيار ومن تبعهم بإحسان وولاية إلى يوم الدين.

وأعظم الله لكم الأجر جميعاً بهذه المصيبة العظمى والرزيّة الكبرى التي لم تفارقنا آثارها إلى يومنا هذا، من تشتت الأمة عبر تضييعها لوصيته، وتكالبها على الدنيا وعروشها، ونسفها لمعالم الدين وحدوده، وخيانتها للكتاب وآياته، ومحاربتها لآل بيته الأطهار واجتماعها على قتلهم وتشريدهم وسبيهم إلّا القليل ممن وفى لرعاية الحقّ فيهم؛ مما يدمي الفؤاد وينغّص العيش، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

”اللهم إنّا نشكو إليك فقد نبيّنا..“

كتب فجر الجمعة ٢٦ صفر ١٤٤٤ هـ
في مدينة العزيزية -صانها الله من البلاء والسوء-
عندما تتجوّل في أروقة المستشفيات والمراكز والعيادات الصحيّة وتشاهد آلام الآخرين ومعاناتهم عند فقدان "جزء" من العافية؛ تدرك حينها عظمة هذه النعمة المجهولة التي يُسخر منها أحياناً في عصر (الماديات) عندما يُسأل أحدنا عن الأهم في حياته فيُجيب: ❞الحمد لله تعالى أهم شيء الستر والعافية❝ فيُجابه أحياناً بالسخرية وكأنه يعبر عن طموح بسيط؛ بينما هما الأصل والأساس في التحرّك نحو كلّ شأن دنيوي وأخروي.

فعلاً، إنّها نعمة كبرى بعد العبودية لله تعالى وولاية آل محمّد (ع) ؛ بها يُستعان على طاعة الله تعالى، وتُسيّر شؤون الدنيا وخدمة الآخرين وتكون ديمومة العمل الصالح.

ورد عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) أنّه قال: ❞العافية نعمة يعجز الشكر عنها❝ وقوله (عليه السلام): ❞العافية نعمة خفيّة❝

كفاكم الله تعالى أنتم وذويكم شر كلّ داء، ورزقكم العافية وتمامها وشمول السلامة ودوامها، ومنّ على مرضانا ومرضاكم بتمام الصحّة والعافية بحقّ النبيّ وعترته الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين، وطابت جمعتكم بكل خير.

الثالث من ربيع المولد الشريف لسنة ١٤٤٤ هـ
رواق الأخلّاء
Photo
وداعاً.. أبا جعفر


ودّعت النجف الأشرف اليوم علماً من أعلامها؛ الشاعر والمؤرّخ والمؤلّف الكبير الذي قضى حياته بين الدرس والتدريس والتأليف.. إنّه العلّامة الدكتور الشّيخ محمّد حسين الصغير (رضوان الله تعالى عليه)

كان رحمه الله جليس كبار فقهاء النجف الأشرف وربيب بيوتها العلمائية؛ لم تأفل نجوميته في ميدان الجامعة والحوزة والمجالس العلمية والأدبيّة وعالم الكتاب منذ أن كان شاباً يافعاً وحتى آخر أيّام حياته فكان موسوعيّاً ومبدعاً في تخصصات متنوّعة.

على الرغم من بزوغ نجمه وكثرة نتاجاته العلمية والأدبية لم يكن يغادر صفة الأبوّة والرعاية لتلامذته؛ فكان يحتضنهم ويشجّعهم ويراقب نتاجاتهم بكل اهتمام ومحبّة، فكانت لتلك المحبّة الأثر الكبير في نفوس تلامذته حتى أن بعضهم يهيم حباً وإجلالاً له عند ذكره في قاعات الدرس أو مناقشة رأيّه العلمي.

طرّز مسيرته الأدبية بقصائد ثورية وشجاعة أيام مرجعيّة الإمام السيّد محسن الحكيم (رضوان الله عليه) عندما كان والده المرحوم الشيخ علي الصغير وكيلاً للسيّد محسن الحكيم في مسجد براثا ببغداد؛ ومن قصائده المشهورة في دعم مواجهة المرجعيّة للسلطات الحاكمة آنذاك، تلك القصيدة التي خاطب بها الإمام الحكيم عند زيارته لبغداد في ستينيات القرن الماضي:

سر في جهادك ما برحت موفّقاً
سيفان في يدك العقيدة والتقى
إلى أن يقول:
بالأمس قد أدبت قاسم أمتي
واليوم ادعى أن تؤدب عفلقا.

ودفع ثمن ذلك من خلال تعرضه للمطاردة والملاحقة أيام الحكم البعثي، ولم يتوقف نتاجه الشعري فلم يزل يكتب الشعر في النبي وآله الأطهار (صلوات الله عليهم) وفي رثاء كبار الفقهاء ومراجع الطائفة حتى سنوات حياته الأخيرة؛ كما أن ما كتبه في رثاء الإمام الخوئي قد نُقش على الكاشان الكربلائي في مسجد الخضراء عند قبر سيدنا الخوئي رضوان الله عليه.

كان لمجلسه الثقافي الأسبوعي "ملتقى الجمعة" في داره المعمورة بحي الحنانة نكهة خاصة بكلماته الرائعة من حيث المضمون والأسلوب الأدبي الرفيع ومشاركة أساتذة الحوزة العلمية وجامعة الكوفة في ذلك المجلس الممتع.

يطول الحديث وأنا أتحدث عن قامة علميّة لم تترك ميداناً إلا وقد وضعت فيه بصمة إنجاز ورصانة ودقة.. وبهذه المناسبة الأليمة أتقدّم بخالص التعازي للحوزة العلمية ومرجعنا الأعلى (دام ظله) وإلى عائلته الكريمة وزملائه وطلبته الأفاضل بهذا المصاب الجلل، سائلاً العليّ القدير أن يحشره مع سادته محمّد وآل محمّد (عليهم السلام) في جنّات النعيم، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.

محمّد تقيّ الشمّري
ليلة الثلاثاء عشية وفاة العلّامة الصغير
١٦ جمادى الآخرة ١٤٤٤ هـ
رواق الأخلّاء
Photo
صانع الإبداع من أسوار العزلة!


ماذا عساه أن يكتب القلم وهو في مدينة تُخيّم عليها أجواء الفجيعة والحزن والأسى برحيل رجلٍ فاضل، ومؤمن صادق، وزاهد كبير، وطالب علم مُجد؛ قضى عمره بين الكتاب والجهاد وخدمة المستضعفين..

رحل عنا اليوم رجل أفنى حياته في سبيل الله تعالى؛ إذ بدأ عمله الرسالي والتبليغي في سن مبكّر حتى بات قطباً يلوذ به المؤمنون في عهد الطاغية؛ فأذلّ النظام وأحرجه بكفاحه وعمله في سبيل الله تعالى وسعة نشاطاته المتعددة؛ غير آبهٍ بالتهديدات والمضايقات؛ حتى أنهم قد دسّوا ذات مرة في إحدى الكتب منشورات تؤدي به وبرفاقه إلى الإعدام لكن مخططهم كُشف قبل ساعات من مداهمة بيته والمسجد الذي يتواجد فيه، وكل تلك المضايقات لم تكن لتثنيه عن عمله حتى وصل به الأمر أن يواجههم بصلابة وشجاعة في داره عند اقتاحمها وأرغمهم على الخروج منها!

على الرغم من ظروف الحصار القاسي كان يواصل بحوثه العلمية في المجلات والمواقع العلمية حتى أنه قد فاز بجائزة الشارقة للإبداع العربي عن روايته الفلسفية "روح ابن أنا" وذلك عام 2002 ولم يزل منكباً على البحث العلمي إلى أيامه الأخيرة.

رحل شيخنا الكافي الذي اعتزل الظهور بعد سقوط النظام البائد لكنه لم يعتزل عن إرشاد الناس وتوجيههم ومساعدة الفقراء منهم؛ فاتخذ من داره مقراً لعمله الديني والتبليغي، فكان الأب والموجّه والناصح فالتفت حوله الجماهير وثقاة المؤمنين لينتفعوا منه ويشملهم بلطفه وكرمه وابتسامته وغدير علمه وأدبه.

على الرغم من عزلته التي رغب فيها لكنه لم ينقطع عن اهتماماته الثقافية؛ فكلما تزره في داره تجد أحدث الإصدارات العلمية عنده ومكتبته عامرة بآلاف الكتب وتزداد سعة يوماً بعد آخر، ويقضي يومه بالمطالعة والكتابة والإجابة على أسئلة الناس الشرعية وقضاء حوائج الفقراء والمساكين.

كما أن عزلته لم تمنعه من تأييد المشاريع الإيمانية في المدينة فكان متابعاً ومؤيداً وداعياً للعاملين بكل مودة؛ فكان رحيله فاجعة لمدينتنا هذا اليوم برحيله بعد رحلة صبر ومعاناة مع المرض والابتلاءات المتعددة؛ وشيعته المدينة بشيبها وشبابها تشييعاً مهيباً يليق بمكانته وجهوده الطيبة انطلاقاً من المسجد الذي كان يمارس فيه نشاطه قبل سقوط النظام البائد وبإقامة عزاء حسيني قبل انطلاق التشييع ليكون خير خاتمة لمسيرة حياته المباركة في خدمة محمد وآل محمد (عليهم السلام) والمستضعفين من شيعتهم.

وهناك الكثير من المواقف والحوادث التي يضيق المجال لذكرها؛ فمثلي لا يمكنه وصف أمثاله من الرموز الكبيرة؛ فحريٌ بالمؤمنين أن يتخذوا منه قدوة ورمزاً في العمل الرسالي؛ لتبقى البوصلة هي العمل والخدمة وصنع الإبداع والتميّز والإيمان الصادق بالله تعالى رغم الظروف الصعبة مع اختلاف الأدوار من زمن لآخر.

وبهذه الفاجعة أعزي نفسي والحوزة العلمية وطلبتها وعموم المؤمنين في مدينتنا برحيل سماحة الشيخ علي حسين الكافي رضوان الله تعالى عليه، ولا حول ولا قوّة إلّا باللهِ العلي العظيم.

محمّد تقيّ الشمّري
واسط - العزيزية
ليلة الأول من ذي الحجة لعام ١٤٤٤ هـ.
رواق الأخلّاء
Photo
محقّق النجف وابن بجدتها!


شمسٌ من شموس العلم والمعرفة في حوزة النجف الأشرف الغراء تودعنا اليوم في مصيبة ما أعظمها على من عرف قدر هذا الفقيه المحقق! رحل اليوم رجل قُرن اسمه مع التحقيق والزهد والهمّة في طلب العلم ونشره وتربية أجيال من الفضلاء؛ حتى باتت داره القديمة المتهالكة مقصداً لكبار العلماء والمحققين والفضلاء لأكثر من نصف قرن؛ إنه العلّامة المحقّق سماحة آية الله السيّد محمّد مهدي الخرسان -رضوان الله عليه-

شُغِف سماحة الفقيد بالعلم منذ نعومة أظفاره حيث بدأ تعلّم القراءة والكتابة على يد والدته ولم يفارق جو العلم حتى توفي اليوم مُمدداً بين كتبه ومؤلفاته ومخطوطاته.

كان سماحته يمثّل عبق السلف الصالح من العلماء ذوي الفنون المتعددة من فقه وتفسير وحديث ورجال وتاريخ وأنساب وآداب؛ وكان اسمه مقروناً بالتحقيق في التراث بشكل أكبر؛ فهو ممن أفنى سنوات طويلة من حياته لأجل الكتابة عن موضوع معين وفي موسوعته الكبيرة عن ابن عباس شاهد على ذلك.

تتلمذ فقيدنا الراحل على يد سيّدنا الخوئي المعظَّم، ولازم الأعلام كصاحب الذريعة -أغا بزرك الطهراني- وصاحب الغدير -الشيخ الأميني- ووالده الأجل وغيرهم من كبار الفقهاء والمحققين، وعلى الرغم من مكانته العلمية وتمكّنه من الفقه إلا أنه لم يحبذ التصدي للتقليد والشؤون الاجتماعية الأخرى التي تتطلب انصرافاً عن العلم بعض الشيء حتى أنه عبر عن ذلك في سيرته المدوّنة بقلمه: "ومن نعم الله تعالى عليّ أن انصرفت إلى جانب البحث والتحقيق والتأليف، وفي ذلك تعويض خدماتي للناس عمّا يقوم به الغير في صراط تفعيل العلم في جهات أخرى، ربّما تكون المسؤولية الشرعية فيها أكبر وأخطر"

كما أنه تميّز بابتعاده عن كل حركة عاطفية وطارئة وكأنه خُلق للتعامل مع ما "يمكث في الأرض" دون الاهتمام بالزبد الذي "يذهب جفاء" فكان مستقلاً عن كل انتماء مؤسساتي أو حزبي ضيّق؛ فالعلم أكبر سعة من أن يُضيّق به في عنوان طارئ هنا أو هناك، ولكل شخص رأيه واعتقاده فيما يُقبل عليه أو يُعرض عنه.

ورغم تعرّضه –كما هو حال أقرانه- لصعوبة الحياة خصوصاً في النصف الأول من القرن الماضي حيث الحرب العالمية وآثارها وشظف العيش؛ إلا أن كل ذلك لم يكن ليمنعه من الجد في طلب العلم والبحث في بطون الكتب، حتى أنه مما يؤلم الفؤاد ذكره لحاله عندما بدأ الكتابة عن ابن عباس؛ إذ كان لا يملك إلا بعض الكتب القليلة في مكتبة والده وكان عليه أن يطالع الكتب في مكتبة الشيخ كاشف الغطاء والحسينية الشوشترية؛ لكنه يُعبّر عن الاستفادة من تلك المكتبات بأنها "رهن مجيء الناظر-المسؤول عن المكتبة- ليفتح المكتبة" فكم وقف في باب المكتبات لأجل معلومة هنا أو هناك ليسطّرها لنا يراعه المبارك ويحفظ للأمة تراثها؟!

فقاسى بحق ظروفاً صعبة وآلاماً ومآسي جمّة لعل بعض ما كتبه يعبّر عن زاوية مما مر به إذ يقول: " ومرت السنون سراعاً وقد استعرتْ الدنيا نار الحرب العالمية الثانية ثم ما بعدها من حروب وادلهمت الخطوب، وعشناها أياماً مريرة وعسيرة، خشية معتد غاشم وسطوة حاكم ظالم... وما أن أُطيح أخيراً بالصنم، حتّى ازداد الخطب والليل ادلهم، فرّج الله عن المؤمنين بظهور المصلح المنتظر عجل الله فرجه الشريف"

وفي الخوض في سيرة بحار العلم والفضل يقف القلم ليعلن عن عجزه إكمال الحديث عن هذه الشخصية العظيمة –لضعف المتكلم أمام هذه الجبال وخشية الإسهاب وملل القارئ- وإلّا فمجلسه الأسبوعي العامر بالعلماء والفضلاء وفوائده الكبيرة يستحق تسليط الضوء عليه، كما أن احترامه للعلماء المتصدين للمرجعيّة من الفقهاء العدول وخصوصاً مرجعنا الأعلى السيّد السيستاني -حفظه الله- وشهادته له بالأعلمية، والكثير من المواقف والشواهد التي يتناقلها أساتذتنا عن فضله وعلمه ومواقفه الطيّبة؛ جديرة بأن تدوّن ليستمع العالم لصوت يقول لهم: هذه النجف وحوزتها وعظمة علمائها وجهودهم ومكانتهم وابتعادهم عن الظهور الشعبوي وانكبابهم على الدرس والتدريس والتحقيق والتأليف دون الطمع بسفاسف الدنيا وزخرفها.

ومما يسلّي القلب عن إهمال عالمنا المادي وتجاهله لقامات العلم قيام العتبة الحسينيّة المقدّسة في العام الماضي بطباعة موسوعته الكاملة الجامعة لمؤلفاته -التي سمح بطبعها في حياته- وتكريم جهوده العلمية بمؤتمر علمي تحت عنوان "أمناء الرسل" شاركت فيه نخب حوزوية وأكاديمية في النجف الأشرف وقم المقدسة وإنشاء موقع إلكتروني خاص بذلك؛ فكانت خطوة مباركة تستحق الإشادة لما فيها من تعظيم لمقام الفقهاء العاملين في حياتهم؛ ليُعرف قدرهم قبل وفاتهم.

وفي سيرة العلّامة الفقيد الكثير من الأحداث والمواقف المهمة التي تأمل نفوس أهل العلم بالاطلاع عليها عبر ترقّب كتابات من لازموا الفقيد واستفادوا من مجلسه، وفي ما يُتأمل بالاطلاع عليه في كتابه المخطوط "ذكرياتي في حياتي" الذي منع سماحته أن يُطبع في حياته حيث عبّر عنه: "ولا ينشر لو قدر له النشر إلاّ بعد وفاتي، لما فيه من حقائق مرّة"
رواق الأخلّاء
Photo
وإلى هنا أختم الحديث عن سيّدنا الفقيه العالم العامل المحقّق الزاهد الذي سيوارى الثرى بقرب جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام) ليترك لنا سيرة مضيئة وتجربة غنية بالمواقف والشواهد والمؤلفات ويختتم مسيرة الآلام والابتلاءات إلى "جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ"

وداعاً.. سيّدنا الخرسان والمعزّى بك صاحب الزمان -عليه السلام- ومرجعنا الأعلى والسادة آل الخرسان جميعاً وعموم الطلبة والمؤمنين، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم.

محمّد تقي الشمّري
واسط - العزيزية
غرة ربيع الأول ١٤٤٥ هـ
رواق الأخلّاء
Photo
مجلسٌ رمضانيّ عراقيّ.. بنكهةٍ عامليّة!


تنتشر في المدن العراقيّة -بحمد الله تعالى- مجالس الوعظ والإرشاد الرمضانيّة؛ فتكون ملتقى لعموم المؤمنين في تلك المدن طيلة ليالي الشهر الفضيل، لكن المجالس تتنوّع بتنوّع الخطباء فيها وطبيعة تلك المدن وظروفها الاجتماعيّة؛ فيبرز مجلس هنا ويُشار لمجلسٍ هناك لكن في السنوات الأخيرة برز من بين تلك المجالس مجلس متميّز بنكهة خاصة!

يبدأ المجلس بقراءة لدعاء الافتتاح تليها كلمة يلقيها أستاذ حوزويّ فاضل يجيب بها عن الشبهات ويدعو للخيرات وينقل التوجيهات من مكتب المرجع الأعلى -دام ظله- باعتباره وكيلاً عنه؛ ثم يرتقي المنبر خطيب ينعى سيّد الشهداء -عليه السلام- بصوت شجي في دقائق معدودة ثم يرتقي المنبر فارسه، الخطيبٌ الألمعي الأريب الّذي يجمع بين الدقة والفصاحة وأسلوب الإمتاع في إيصال الفكرة التي يريد إيصالها إلى المتلقي، فتجده في دقته لا يستنكف أن يُمسك بيده ورقة يدوّن فيها ما يرد من أحاديث ومعلومات خلال محاضرته، وتجد في فصاحته عذوبة ولطفاً؛ إذ تتخلل تلك الكلمات عبارات باللهجتين اللبنانية والعراقية وشواهد أدبيّة مؤنسة، وأما أسلوبه الماتع فيأخذك في عوالم ساحرة من الفوائد والإشارات واللطائف مما يجعلك تتمنى عدم نزوله من المنبر، فينتهي بك المجلس وأنت قد قرأت دعاءً مباركاً وبكيت إمامك واستمتعت بجولة معرفية وتاريخية وعقائدية مميّزة.

إنّه سماحة الشّيخ القاضي محمد كنعان -دام عزه- رئيس المحكمة الشرعيّة الجعفريّة العليا في لبنان في المجلس الرمضاني السنويّ الذي تقيمه ممثليّة المرجعيّة الدينيّة العليا في المخيم الحسينيّ بمدينة الكاظميّة المقدّسة تحت إشراف وكيل المرجعية الدينية العليا سماحة العلّامة الفاضل الشيخ حسين آل ياسين -دامت بركاته- وبحضور جمع غفير من المؤمنين والمؤمنات في جمعٍ مُبارك تُغبط عليه مدينة الكاظميّة وعموم أهل بغداد؛ فحضورهم لافت وحبهم لهذه المجالس واضح بدلالة حضور مختلف الأعمار والتخصصات رجالاً ونساءً وبأعداد كبيرة ضاقت بهم قاعة المخيم الحسيني فجلسوا في الشوارع ليشاهدوا المحاضرة عبر الشاشات؛ لله درهم وعليه أجرهم.

فلهذا المجلس المبارك أحببت أن أُشير؛ ترحيباً بالضيف المبجّل من بلاد جبل عامل، وإشادة بالجهود المبذولة من قبل القائمين على المجلس، وتذكيراً للمؤمنين بأهمية متابعة هذه الجلسات -التي تستحق أن نعطي لها وقتنا في هذه الليالي المباركة- بدلاً عن متابعة الابتذال والتفاهة مما يطفو على سطح مواقع التواصل الاجتماعيّ بما لا يتناسب وخصوصيّة هذه الأيام العباديّة؛ فإلى ذلك أشار المقصّر، وللإفادة يطمع، ومن ربه يرجو القبول، ومنكم يطلب الدعاء.

يمكنكم مشاهدة البث المباشر وتسجيل المحاضرات كل يوم عبر قناة مسجد آل ياسين في موقع اليوتيوب.

العاشر من شهر رمضان المبارك لسنة ١٤٤٥ هـ
محمّد تقي الشمّري (واسط - العزيزية)
رواق الأخلّاء
Photo
حيدر: كوكب السَّحر الذي فُجعت به حوزة النجف الأشرف!


يعيش بعض الأشخاص فترة قصيرة في هذه الدنيا فيتركون أثراً طيّباً في نفوس محبيهم وكأنهم خُلقوا ليشيعوا المحبة والإحسان والصدق ثم يرحلون بشكل مفاجئ "ليخلفوا في سويد القلب نيراناً" لكنّ من أنعاه قد بالغ في الإحسان والإخلاص والمودة والوفاء؛ فكان حقاً عليّ أن أرثيه بقلب مفجوع وبيد لم ينفض عنها تراب قبره حيث واريناه الثرى فجر يوم أمس في وادي السلام..

منذ سنوات ليست بالبعيدة جمعتني به جلسة في أحد بيوت طلبة العلم في النجف الأشرف فتبادلنا العناوين والأرقام حتى لم تمضي إلا أيّاماً قليلة فأصبح هذا الشاب من صفوة الأصدقاء لي ولأصدقائي في مجموعتنا الخاصة في النجف الأشرف، وكما يعبّر الشاعر:

وإذا صَفا لكَ من زمانِكَ واحِدٌ
فهو المُراد وعِش بذاكَ الواحدِ

وبدأت رحلة الصداقة والأخوّة فكان هو المراد والحبيب وكأنه هدية الدهر لنا، وتمضي الأيام وتزداد العلقة يوماً بعد يوم حتى بات أخاً وخليلاً وفيّاً قضينا سويةً ليالي وأيّاماً طوال كان يزيّن جمالها وجوده وكلماته وآرائه السديدة والحكيمة وصوته الشجي ومحياه الباسم، فلم أجده إلّا ورعاً وعفيفاً وكريماً ومنظّماً وزاهداً ومخلصاً أشد الإخلاص.

تميّز -رحمه الله- بانشغاله والتزامه بالدرس الحوزويّ وشدّة تعلّقه واحترامه لأساتذته حتى أنّه إذا ذُكروا أمامه كان يتحدث عنهم وهو يهيم بمحبتهم وعظيم منزلتهم عنده، كما أنّه كان شديد المودة لزملائه وأصدقائه فما إن يلتقي أحدهم حتى تجده معانقاً له عناقاً حاراً قد يُخيّل لمن يرى المشهد بأنّ أحدهما قد قدِم من سفر بعيد في حين أنه كان قد فارقه أيّاماً قليلة، ولذلك كان الأسى واضحاً على محيا كل من عرفه ولو من بعيد؛ إذ أنّه رُزق بمحبة المؤمنين له بشكل لافت وإن كان قد عرفه من بعيد، حتى أنني وخلال التهيؤ للذهاب لاستقبال الجنازة ليلاً وردني اتصال من صديق في بلاد المهجر كان قد تعرّف على سماحة الشيخ عند زيارته لي في النجف الأشرف خلال آخر زيارة له للعراق قبل سفره بساعات؛ إذ جمعَته مع الشيخ جلسة قصيرة وإذا به يتصل بي صارخاً باكياً عند سماعه خبر وفاته وهو في مقر عمله -إذ كان الوقت نهاراً عندهم- غير آبهٍ بتعجّب زملائه لما حل به؛ فكان جازعاً مفجوعاً وكأنّه قد عاشره لسنوات طويلة.

سمع شيخنا الفقيد نداء الحوزة العلمية بعد انتهاء التعطيل الرمضاني لاستئناف الدرس الحوزويّ فسافر من مدينة الناصرية ملبياً لنداء طلب العلم لكن المنية كانت في طريق السماوة حيث تضمّخت عمامته البيضاء بدمه الزكي بسبب حادث سير مؤلم؛ فوفد إلى ربه سالكاً طريق العلم وكما ورد في الحديث الشريف: "من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنّة"

عاش شيخنا الفقيد وحيداً لا أخوة له من أمه وأبيه؛ لكنّه عاش أخاً وفيّاً للمئات من المؤمنين الّذين خلّفهم بعد مصابه أسارى للحزن والأسى يطحن أفئدتهم وينغّص ذكره عيشهم، إذ كانوا يتمنّون الحضور في حفل زفافه لا مراسم تشييعه، ومما نقل عن أحد الفضلاء من أساتذة الحوزة العلميّة حين رأى شهادة وفاته يوم أمس أنّه قال ما مضمونه: كنت أتمنى أن أكتب عقد زواجه بيدي لا أن أمسك بشهادة وفاته!

فكانت ليلة الأمس حزينة كئيبة حيث الفجيعة قد خيّمت على طلبة العلم في مدينة النجف الأشرف؛ إذ كانت العمائم في باحة المغتسل مجتمعة لانتظار إكمال تغسيله وتكفينه وهي بين نائح وصارخ حتى حُمل نعشه إلى قبر أمير المؤمنين -عليه السلام- ليطاف به في المرقد الشريف ويصلي عليه أستاذه المفجوع به، ثم كان الوقت قد دنى من وقت صلاة الفجر فكانت الجنازة قد وضعت على شفير القبر لانتظار إكمال حفر القبر واصطفت تلك العمائم لتصلي صلاة الفجر جماعة قرب قبره بإمامة أستاذه، فكان مكانه خالياً في صفوف تلك الجماعة المثكولة به، حتى أكملنا الصلاة وواريناه الثرى بعد إقامة مجلس على سيّد الشهداء -عليه السلام- عند قبره لنودع أخاً عاش نقياً ومات نقيّاً دفنت معه ذكريات وآمال ومشاريع علميّة وتبليغيّة، ثم عادت أجسادنا إلى بيوتنا لكنّ قلوبنا بقيت هناك عنده كما سيبقى قلب أمه المفجوعة بوحيدها، وإلى هنا يجف قلم أخيك الذي كان يأمل أن يكتب قريباً في مناسبة سعيدة لك، فسكن إلى هنا القلم ليكتم أسراراً ومشاهد شتى تحتشد بها الذاكرة وترقد فيها كما رقدت في وادي السلام؛ لكنّها إرادة السماء ولله الأمر من قبل ومن بعد، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم!

أخوك المفجوع بك: محمد تقي الشمري
الخامس من شهر شوّال لسنة ١٤٤٥ هـ