قناة مَسَار | محمود أبو عادي
21.5K subscribers
44 photos
5 videos
1 file
35 links
أشارك هنا تحليلات شخصية من علم النفس والتحليل النفسي وعلم الاجتماع الثقافي والنقدي | هذه القناة هي محاولة لتأسيس أرضية معرفية لفهم الذات في العالَم المعاصر وتجريدها من هيمنة خطابات شائعة تُرهِق الذات بأعباء متوهّمة واستدخال مفاهيم التزكية والتربية الروحية
Download Telegram
أكرمني الأستاذ عبدالله المحيلان بهذه الاستضافة الكريمة خلال شهر رمضان في برنامج (سردية)، وعبدالله لمن لا يعرفه مثقّف ودود، وله ذائقة رفيعة في الأدب والشعر، وأقول هذا لأنّه أوجد بذكائه وإذكائه مساحة عفوية لتدفّق الأفكار ومراقصة التصوّرات التي أصوغها في ذهني من واقع العلاج النفسي وعلم النفس، وقد ترك لي فُسحة آمنة أوقدت الفضول المعرفي بأدبه وأسئلته الرشيقة وهي أمور أُجلّها في نفسي وأقدّرها لِمَن يُتيحها لضيفه بوضوح وثقة وارتياح.

بدأنا هذا اللقاء بأطروحة سفيند برينكمان في كتابه (الثقافات التشخيصية) وعن أنّنا نعيش بشكل متزايد في عالَم يتمّ فيه قراءة معاناتنا، وحزننا، وحتى خبراتنا من خلال عدسة التشخيصات النفسية وعبر منظور طبّي يختزل الإنسان كظاهرة طبّية.

والإنسان بهذا المعنى إمّا أن يكون مريضًا أو متعافي من مرض ما، ولا شيء غير ذلك. وهي قراءة تختزل وتسطّح الخبرة البشرية والظاهرة الإنسانية إلى مُجرّد تصنيفات طبّية، يجعل بعض الأفراد يتفاخرون بتشخيصاتهم بوصفها منتهى فهمهم لذواتهم وبوصف "المرض النفسي" فهم عميق وجديد، ولكنّه لا يعدو أن يكون مجرّد عنونة طبّية لغايات تشخيصية.

حاولت أن أتناول أكثر المخاوف الوجودية الأربع لدى الإنسان، بحسب العلاج النفسيّ الوجوديّ بوصفها جذور أساسية لكلّ علّة من الاعتلالات النفسية، وهي مخاوف تعيد إنتاج نفسها على الدوام، بدءًا من قلق الحرّية الذي يأتي منذ الّلحظة التي نُقذَف فيها خارج أرحام أمّهاتنا، ومرورًا بقلق المعنى والخواء وقلق العزلة والوحدة وانتهاءً بالخوف الوجوديّ الأبرز قلق الموت، العُقدة التي تطاردنا حين نعي أنّنا كائنات فانية (أغوى بها إبليس آدم عليه السلام، حين وعده بالخلود والمُلك الذي لا يبلى).

والانعكاسات السلوكية للأزمات الوجودية عديدة ومثيرة، منها سلوكيات السخافة والتهريج خوفًا من العزلة وضمن رغبة عصابية لإثارة إعجاب الآخرين، وهي محاولات توسّل صارخة للآخرين بألّا يتركوك وحيدًا. ومرورًا بانحرافات جنسية عديدة كالسادية والمازوخية، كردّ فعل سلوكي على القلق العميق من الحرّية.

أخيرًا، أودّ الإشارة لمقاربة (قلق الموت) ونظرية إدارة الذعر، بوصفها واحدة من أبرز الأمور الّلافتة في سياقنا الحضاري والأمّمي، حيث تُظهر دراسات متفرّقة ارتفاع مستويات (قلق الموت) لدى عيّنات المسلمين مقارنة بكثير من الحضارات الأخرى، وهو قلق لا أتناوله من منظور مَرَضي أو سريري فحسب، بل أحاول أن نظر للخطابات التي شكّلته، وللتشخيص النبويّ لعجز الأمّة في آخر الزمان، بالوَهَن. وما الوهن؟ قال ﷺ:

«حب الدنيا، وكراهية الموت»

هناك مقاربات ثقافية وحضارية هامّة، يمكن البناء عليها من هذا المنظور (ولم أتطرّق لهذه الأبعاد في هذا اللقاء) عبر 3 تشخيصات رئيسية لأي عجز أممي مُحتَمَل يضعه التصوّر النبوي في أحاديث آخر الزمان:

1. كراهية الموت (قلق الموت) ومحاولة تفاديه بشكل لاواعي وعصابي كحاصل من حواصل العلمنة

2. التعالق المَرَضي مع الحياة عبر الإخلاد والتثاقل إلى الأرض (ولكنّي أخشى أن تُبسَطَ عليكم الدّنيا فتنافسوها) كنتيجة طبيعية لنسيان اليوم الآخر.

3. فُرقة المسلمين وتشتّت أمرهم وقسوتهم على بعضهم (وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها) وهي مفارقة السؤال الخاصّ بتعريف (مَن هو المُسلِم اليوم؟) حيث لا ينفكّ المسلم من تأثيم إخوته، وحصر الخلافات الفقهية في رأي أحادي، واستعداء كل من يخالفه في طريقة عيشه وظروفه التي نشأ عليها.


من المفارقات المثيرة للاهتمام في دراسات قلق الموت، أنّ العلاقة بين التديّن وقلق الموت ليست علاقة خطية كما قد يُتوقّع (أيّ من غير الصحيح أنّه كلّما زاد تدّين المرء زاد قلق الموت لديه ولا العكس) فقد كشفت التحليلات المنهجية لأكثر من ١٠٠ دراسة عالمية (مثل دراسة جونغ وزملائه عام ٢٠١٨) أنّ العلاقة غالبًا ما تأخذ شكلًا منحنيًا على هيئة حرف U، حيث يظهر أنّ الأشخاص المتديّنين جدًا والملحدين بقناعات صارمة، هؤلاء، يُسجّلون مستويات أقل من قلق الموت، بينما يُعاني الأشخاص متوسطو التديّن أو المتذبذبون في معتقداتهم من مستويات قلق أعلى!

من شأن هذا التحليل أن يُساعدنا على الفهم، وعلى الإجابة عن السؤال القائل: لماذا قد نجد مسلمين متديّنين يعانون من قلق موت مرتفع؟

ليس لضعف إيمانهم بالضرورة، ولكنّ لتشوّهه، وتحديدًا تصوّراتهم المأزومة حول الدّين وعدم اليقين من مصيرهم النهائيّ من شدّة التلويم والإذناب، وهو أمر تكرّسه خطابات وعظية عديدة غير منضطبة أصوليًا، خلقت مسلمين متأرجحين بين يقين لا ينعكس على سلوكهم وحياتهم اليومية، وبين هواجس شخصية ونفسية لا تتطابق مع مضامين الخطاب الدّيني، للأسف. ولي عودة وتفصيل في هذا الجانب في منشورات أخرى بإذن الله.

وحتّى ذلك الحين، أرجو أن تكون مشاهدة ممتعة، وأن يكون الطرح مفيد ونافع، والله وليّ التوفيق.

https://www.youtube.com/watch?v=3WG6NC7AhlA
جَرَت العادة عندي أثناء السفر أن ألاحظ بعناية ما يفعله النّاس حين تضرب المطبّات الهوائية جسم الطائرة لفترة متواصلة، فتتصاعد شدّتها وفُجائيتها ويعجز الرُكّاب عن التنبّؤ بالضربة القادمة، مكانها وشدّتها.

بطبيعة الحال، يفترق كلّ فرد بطريقة استجابته للشعور بالخطر، أحدهم يُمسك جيدًا بمقعده ويتشبّث محاولًا تثبيت نفسه، وقد تمسك الزوجة بيد زوجها إلى جانبها، وقد يصرخ الأب على طفله طالبًا منه البقاء ساكنًا.. مُحوّلًا خوفه إلى غضب، وآخرون يتمتمون بشفاههم بما يُشبه الدعاء أو الصلوات على اختلاف دينهم ومعتقداتهم. ومنهم مَن يُشتّت نفسه بالحديث إلى مَن يجلس إلى جانبه، وغيرهم ممّن تظهر عليهم علامات اللامبالاة، إمّا تظاهرًا أو صدقًا.

وأكثر ما يلفتني عمومًا، هو حالة الصمت الشديد والهدوء المُريب التي تُخيّم على الطائرة، حين يذهب المضيفون والمضيفات لتثبيت أنفسهم في مقاعدهم في منتصف الرحلة، وتُضيء إشارات الأحزمة، فيُدرِك الجميع أنّ الأمر جادّ هذه المرّة ويهرب كلّ إنسان إلى مُلتَجئه السلوكيّ. وتسود الطائرة صمتٌ شديد، يتخلّله تأوّهات وصرخات حين تضرب إحدى المطبّات بغتة.

وفي اللحظة التي تنتهي فيها موجة المطبّات، وتنطفئ إشارة ربط الأحزمة، يعود المضيفون لخدمة الركّاب، فجأة وبشكلٍ جماعيّ تعود الأصوات المرتفعة، وغالبًا ستسمع بعض الضحك المُتعالي، وبعضًا من محاولات الاستظراف وإلقاء النكات، وكأنّ الإنسان لا يُعجبه أن يُقرّ بخوفه وجدّيته في مواجهة الخطر فيُسارع لإلقاء النكات والمِزاح في إشارة إلى تبدّد الفزع وانتهاء الذعر. (التقط عالم الاجتماع غوفمان بذكاء هذه الظاهرة وأطلق عليها "إدارة الانطباع").

من المعروف بالتحليل النفسي أنّ السخرية والضحك إحدى طرق تنفيس التوتر الحادّ، وهي استجابة نفسية فطرية تذكّرنا بتلعيب الأطفال، إذ حين نُلقي طفلًا في الهواء، سيصعد وعيناه مليئة بالدهشة والخوف، وسنلتقطه فينتهي الخوف فجأة ويبدأ بالضحك تنفيسًا للتوتّر الذي أحدثه رعب الإلقاء بالهواء، وقد يطلب منكَ الطفل مزيدًا من الرمي والالتقاط بحثًا عن ثنائية الخوف والاطمئنان، والتناوب السريع بين الإثارة المُقلِقة والشعور بالأمان.

يُذكّرني هذا المشهد بالإنسان، بحياته اليومية، لكن على نطاق كثيف ومصغّر زمنيًا. الإنسان الذي إذا انتابه الذعر التجأ إلى ما يُطمأنه (ركن الاطمئنان)، وسرعان ما يكفر بمُلتجآته ويترك الركن وراءَه إذا ما اطمأنّ وشعر بالأمان وتبيّن له أنّ مخاوفه ليست سوى إنذارات كاذبة.

يذكّرنا هذا بآيات كثيرة تصف طبيعة الإنسان الآثمة حول التذكّر والنسيان، (إنّ الإنسانَ خُلِقَ هلوعا .. إذا مسّه الشرّ جزوعا) وكذا آيات الابتلاء في البحر والتصوير القرآني البديع لمناجاة الله حين يجيءُ الموجُ من كلّ مكان، والابتهال والتضرّع عند الحاجة والبغي في الأرض عقب النجاة.

يكفرُ الإنسان حين يشعر بالاطمئنان، وهذا يُشبهك كثيرًا، في عباداتك، وفي علاقاتك مع أصدقائك وزوجتك وأمّك وأبيك، تُسرفُ بإهمالهم حين تطمئن لدوام وجودهم، لصحّتهم وسلامة أحوالهم، وتأخذ قربهم منك على هيئة مضمونة لا تتبدّل، ثمّ تأتي صفعات الدهر لتُريكَ تبدّل الأحوال، وحين تشعر أنّك ستخسرُ مَن يُحبُّك أو أنّ سلامتهم يتهدّدها المرض أو الانفصال تعود للالتصاق بهم وتُفني نفسك ومالك لاستعادة الأمان المفقود.

وأعظم من هذا كلّه علاقتك مع ربّك وقد تنبّه العلماء لهذا الباب وسرّه في الوصول إلى مقامات القبول وقالوا:

العارفُ لا يزول اضطراره!

أيّ أنّ اضطرارك إلى الله عزّ وجلّ، ووقوفك على عتبة أبوابه، ترجو رحمته وتخشى عذابه، ولزومك للذكر والدّعاء، أمرٌ غير منوطٍ بحاجاتك الظرفية ولكن مرهون بافتقارك الذاتيّ.

والافتقار الذاتيّ يأتي لازمًا للهشاشة الوجودية التي تُحدثها معرفة الإنسان بنفسه، فمن عرف نفسه.. عرف ربّه، ومن عرف نفسه بالفقر عرف ربّه بالغنى، ومن عرف نفسه بالشحّ عرف ربّه بالكَرَم، ومن عرَف نفسه بالضعف عرف ربّه بالكفاية (فسيكفيكهم الله) ومَن عرف نفسه بالفناء عرفَ ربّه بالبقاء.

والافتقار والشعور بالفقر شرط أساسي لورود العطايا الإلهية، التقطها أهل الذوق بعناية (إنّما الصدقاتُ للفقراء)، وفي مدارج السالكين كلامٌ بديع عن باب الفقر والافتقار.

لا يبتلعكَ النسيان ولا يكن من طبعك التذبذب والتقلّب والطغيان، وتذكّر أنّ الثباتَ في الأمرِ ولزوم باب الفقر عادةُ الصادقين المُخلصين، وقد تورّمت بالعبادة قدما أبي القاسم الشريفيتين ﷺ، وهو الذي غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، لأنّه يصدق في الحبّ، يعرف مقامه ومقام ربّه، ويعرف أنّ الشكر والامتنان يُثبّته دوامُ الاتّصال وحُسنُ الوِصال.

تذكّر هذا جيدًا عند قضاء حوائجك وانفراج كُرَبِك وزوال همومِك، تذكّر أن تُبقي شعورك بالفقر والافتقار، حين توهمك الحياة غناكَ المُزيّف واكتفاءَكَ المُؤقّت. تذكّر أن تحافظ على اضطرارِك وأن تُداوِم على حُسنِ وصِالك ودوام اتّصالِك.
مِن العبادات المَنسيّة في الأزمنة الصعبة، عبادة (التواصي بالصّبر) وما يستتبعها من أشكال تكلّف الصبر وإكراه النفس عليه، ومثلها المُصابرة ووزنها الصرفيّ المُفاعلة، وما تُمليه من المُشاركة والمُبالغة والتكرار. وأقصد تحديدًا الصبر المُتبادَل، وأن يُصبِّر الإنسان نفسَه وغيره.

يشيع حتّى في المُمارسة العيادية، عند هذه النقطة من الزمان، من حادثة الإبادة الوَحشية، انهيار ذوات كثيرة، وقد حُقّ لها، بعد تطاول الأزمان، وتحوّل الإبادة لفعل يوميّ عِوَض أن تكون مسألة مُؤقّتة كان ينبغي لها أن تتوقّف منذ زمان بَعيد، أو حتّى كان ينبغي لها أن لا تحدث بالأساس.

وبات هواء النّاس حول العالَم مُسمّم بالدّم، وطعامهم نكهته الشعور بالذنب، وهُم يعرفون أنّ مجزرةً تحدث على بُعد كيلومترات من مُدنهم وعواصمهم. وهُنا نحنُ بحاجة لأدبيات جديدة حول (مُلازمة الإبادة) أو العيش مع الإبادة، وهذه ليست بشيء أمام آلام ودماء مَن يرزحون تحت وابل النيران والصواريخ والقصف. ولكنّها محاولة لالتقاط المعاناة التي يعيشها مَن يعنيه أمر أخوته، ومَعنى أن تكون أبًا في الإبادة، وأمّا أثناء الإبادة، ومُعالِجًا في الإبادة، وتاجرًا أثناء حصول الإبادة.

وقد أرشدني صديق أعزّه وأُجلّه، إلى الثُلُث الأخير من سورة آل عمران، وقد وجدتها أشبه ببروتوكول ودليل واضح للحيارى والتائهين من المؤمنين في أزمنة الهزيمة. وهي آيات لا تنضبّ قوّتها في بثّ العزيمة وإحياء النفوس، وقد التقطت أربعة أبعاد رئيسية تمثّلها التوصيات الإلهية للمؤمنين:

1. استعادة الشعور بالعُلُو الحتميّ والاستعلاء الحضاري

2. ضرورة الصبر والاصطبار والتواصي به والتماسك الذاتي

3. ضرورة المرابطة وإحسان العمل فيما تُجيد ومواصلته

4. وإخلاص النيّة من هذا كلّه بغاية التقوى وتجديدها


وأورد العلّامة السعديّ في مَعرِض تفسيره لآية (وتواصو بالصبر) أنّ من أبعاد هذا الصبر: التواصي بالصبر على أقدار الله المُؤلمة.

أمّا ابن القيّم رحمه الله، فقد ذكر مَعانٍ جميلة في المُصابرة، منها:

• المُثابرة في إنجاز الأعمال والمواظبة عليها
• متابعة الأعمال وعدم اليأس من إنجازها
• انتظار الفرج

إنّ انحياز عموم النّاس نحو التشاؤم واليأس في هذه الأوقات، مسألة طبيعية للغاية، بل هي نتاج طبيعي لإنسانيتنا جميعًا. هذه أيّام صعبة على الجميع، أيّام مُتعِبة ومُتعَبة كما يقول صديق آخر أعزّه.

ومع هذا فإنّ كُل إنسان بحسب موقعيته، في أسرته أو مجتمعه أو أصدقائه مُطالَب بطريقة أو بأخرى بأن يَرعى مَن حولَه ويُحاول تثبيتهم ودعمهم في نفوسهم ووجدانهم بالإيمان والأمل، والصبر والتصبير وهذا موقف غاية في النُبُل الأخلاقي، ولا علاقة له ومُنفَصِل كامل الانفصال عن قضايا شبيهة أخرى مثل الوعود الكاذبة أو الأوهام الجميلة.

وقد قرأتُ مقالة بديعة للمفكّر الإيطالي أنطونيو غرامشي، بعنوان (ضد التشاؤم) وهي وإن كانت قد طُرحِت في سياق مختلف تمامًا، إلّا أنّني استلهم الحِكمة التي يحملها سؤاله الجوهريّ، حينَ تساءَل في مقالته: ما الفرق بين النُّخَب وباقي النّاس إن كانت النُخَب ستنهزم أيضًا في الأوقات الصعبة والظروف العصيّة؟ وما الفائدة في أن تكون مُفكِّرًا أو مُثقّفًا إن كنت ستفرح في أوقات الرخاء وستتحطّم في أوقات الانسداد التاريخيّ؟

وأفضل استعارة وتصوير لتخبّطات الواقع وأثرها على مواقف الإنسان، ما عابه القرآن على المُنافقين، حين منحنا استعارة تصويرية في سورة البقرة، وأنّ من أساليبهم في الاهتداء:

مَنهَج المَشي في البرق

وهؤلاء كما وصفهم القرآن (كُلّما أضاء لهم مَشوا فيه) ولا يَمشون إلّا حين يُضيء لهم البَرق، أيّ إلّا حين يكون الواقع مُطابقًا لما يرغبونه من إيمانهم، وقد ذكر الطبريّ في تفسيره:

يَعني أنّ البرق كلما أضاء لهم، وجعل البرق لإيمانهم مَثلا. وإنّما أراد بذلك: أنّهم كلما أضاء لهم الإيمان، وإضاءتُه لهم: أن يروْا فيه ما يُعجبهم في عاجل دنياهم، من النُّصرة على الأعداء، وإصابةِ الغنائم في المغازي، وكثرة الفتوح، ومنافعها، والثراء في الأموال، والسلامةِ في الأبدان والأهل والأولاد - فذلك إضاءتُه لهم!

ومن أجل ذلك، وجدتني منحازًا لترجمة الكُرّاسة السابقة أعلاه، في محاولة لإعادة التفكير في ممكنات الفعل، وضرورة استعادة الأمل، وإعادة تعريف السياسة الحَسَنة بوصفها منطق إدارة الخيبات والانعتاق منها، والسياسيّ الجيّد هُو مَن يُحسِن التقاط الفُرصة من بين الشواش الذي تفرضه علينا حالة اللايقين، وأنّ درس التاريخ يُعلّمنا أنّنا يمكننا التعلّم من خيباتنا فالخيبات تُنتج مطالب جديدة، وظروف جديدة، تمنح الساعين للإصلاح والتغيير دَفعة وطاقة جديدة.

والله غالبٌ على أمره
في فنّ إظهار الامتنان بعد الهداية والغُفران، قال موسى عليه السلام:

ربِّ بِما أَنعمتَ عَليَّ فلَن أَكُونَ ظَهيرًا للمُجرِمِين

وقد ذهب المفسّرون إلى أنّ هذه الصيغة تحتمل عدّة أوجُه، كأن تكونَ خَبَرًا وأن تكونَ دُعاءً أو قَسَمًا.. أي فلا أكونُ بعدَ هذا ظهيرًا للمُجرِمين، أي مُعينًا لمُجرِم أو كافر أو لفاجر، أو فلا تجعلني يا ربّ ظهيرا للمجرمين!

ولقد تأمّلت هذه الصيغة البديعة، من مَنحَى سلوكيّ وسيكولوجيّ، ووجّدتها غاية في الحِكمة، الحِكمة بمعناها العَمَليّ، بما هُو ممكن، بالوَعد المُمكن ووضوح الرؤيا والأهداف المعقولة.

المُبهِر في هذه الصيغة عندي، هي مُؤدّاها العمليّ، فالإنسان والمُؤمن قد يلتبس عليه طريق الحقّ، قد تلتبس عليه الطُرُق، قد لا يعرف أيّ المشاريع الإصلاحية هي الأصدق، وقد لا يعرِف أيّ المُفكّرين والدُّعاة هُم الأكثر إخلاصًا وصوابًا، قد لا يعرف إن كان الموقف الذي يتبنّاه هو الموقف الصحيح أو الأصحّ.

لكنّ المؤمن حقًّا بإمكانه على الداوم أن لا يصطفّ في صفّ مُفكّر أو داعية أو حاكم أو حركة تورّطت بالإجرام والإفساد أو تلطّخت أيديها بالدماء.

هذا مستوى معقول من الوَعي، لا يتطلّب منك أن تكونَ عالِمًا في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في علم العمران ونهوض الأمم أو انحسارها، كلّ ما يتطلّبه الأمر، أن تتجنّب المُرافَعة عن مُجرِم، أن تنأى بنفسك عن تأييد باطل، وأن لا تقف إلى جانب شخصٍ ظالم.

ومَكمَن الحكمة، في هذا أنّك تستطيع أن تبني وعودك الشخصية على (ما يُمكِن فعله) بدل من التورّط بإلزام نفسك بـ (ما لا يُمكِن فعله).

ومنهج التفكير هذا معروف في علم النفس، وفي العلوم السلوكية التي تبحث آليات اتّخاذ القرار، وقد أشار الباحثون إلى أنّ واحدة من المنهجيات العقلانية لاتّخاذ القرار، هي أن تبدأ بإقصاء الخيارات غير المرغوب بها، وهي نظرية تُسمّى في علم النفس بـ:

Elimination by Aspects Theory (EBA)
نظرية الإقصاء بحسب الجوانب

وحين تُدرِك هذا سيتوارد إلى ذهنك طيف عريض من الأمثلة والشواهد، ومنها مثلًا أنّ سيدنا إبراهيم عليه السلام في رحلته نحو التوحيد، أخذ يتأمّل أجرام السماء، وكان يُقصي الخيارات المُحتَمَلة بناءً على سماتها غير المرغوبة (كالأفول، والغياب، وضآلة الحجم) أمّا الإله جلّ في عُلاه فـ هو (حيٌّ قيّوم) (وسعَ كُرسيّه السماوات والأرض) (لا تأخذه سِنًةٌ ولا نوم) ووفق معايير بدهية لما ينبغي أن يكون عليه الإله استطاع على الأقلّ أن يُقصي طيف كبير من الاحتمالات الخاطئة.

وثمّة تطبيقات سلوكية بهذا المَعنى على مستوى حياتِك اليومية، فـ أحيانًا لا تملك ترف أن تعرِف (ماذا تُريد) لكنّك دومًا تستطيع أن تعرف (ما لا تُريد)

هذا يشمل أبسط الأشياء بدءًا من قائمة الأطعمة، واختيارك لطعام اليوم، حين لا تعرف ما تريده، ابدأ بتحديد ما لا تُريده! وفي هذه الحالة أنتَ لا تقوم بالاختيار بناءً على ما تشتهيه، ولكن بناءً على ما ترفضه بالأساس، وهي قاعدة معيارية جيّدة إن أطلتَ النظرَ فيها.

وإن كان المثال السابق تافه في سياق الانتماء إلى الحقّ، والحِياد عن الباطل، وفي أن تحرص على الدوام ألّا تكون أنتَ والمُجرمين في خندقٍ واحِد! فإنّ هذا المنهج السلوكيّ، على مستوى التدّين يظلّ أكثر سلامة من كثير من أنماط التدّين السائدة.

وقد رأيتُ قبل فترة مقطعًا يسأل المُصوّر فيه صيّادًا مصريًا غاية في الّلطف: ما هو أكثر شيء أنتَ فخور به حيال نفسك؟

فأجاب: أكثر حاجة فخور فيها، إنّ عُمري ما تمنّيت لحدّ حاجة وِحشة!

هذه إجابة غاية في الّلطف، وهي منهج سلوكيّ معروف في الانضباط الأخلاقي يطلقون عليه Via Negativa وهو منهج اتّخاذ القرارات الصحيحة، عن طريق التركيز على تجنّب القرارات الخاطئة.

يتّسق هذا مع قاعدة معروفة في علم نفس اتّخاذ القرارات:

أحيانًا كُلّ ما عليك فعله كي تعيش حياة مليئة بالقرارات الصحيحة، هو فقط أن تتجنّب القرارات الخاطئة
To Make Good Decisions, Avoid Bad Ones


وثمّة أمثلة عديدة من التوصيات النبوية التي يكتفي فيها الرسول صلّى الله عليه وسلّم بتوصية الصحابة بألّا يفعلوا فعلًا مذمومًا ما بعينه، وأبرزها وصية الرسول صلّى الله عليه وسلّم لأبي هُريرة: اتّق المحارِم.. تكُن أعبدَ النّاس!

وأذكر أنّي قرأت مقولة لأحد علماء السلوك المتخصّصين بعلم نفس العادات، وقال ما مفاده: سيُدهَش النّاس، لو عرفوا حجم التغييرات الضخمة التي ستحصل لهم، لمُجرّد تخلّصهم من العادات السيّئة في حياتهم.

هذه المنهجية للتفكير هامّة للغاية، في عصر يبحث النّاس فيه عن المزيد من النصائح والمزيد من المعارف والمزيد من الخُطط والحِميات الغذائية، والمزيد من الإرشادات حول من أين يبدؤون، وغالب الظنّ وبحسب دراسات وأبحاث عديدة:

أنتَ لا تحتاج لإضافة شيء، أنتَ تحتاج للتخلّص من الكثير من العادات السيئة والتخفّف من آثام اعتراكك اليوميّ مع الحياة..

باختصار أنتَ تحتاج للزكاة، لأن تُزكّي وقتك وأن تُزكّي نفسك!
وجدَ حاتمٌ الطائيّ لنفسه موضعًا في التاريخ العربي والإسلامي لا ينازعه عليه أحدٌ في كرمه وجوده، فصار مَضرِب مَثَل إذا أرادت العرب أن تشير لكرمِ فلانٍ أو سخائه.

وقد ذكرت كتب الأخبار قصة تقاطعت فيها سيرة النبي مُحمّد ﷺ مع أخبارِ حاتم الطائي، فقد كان عدي بن حاتم يُعادي النبي ﷺ، فأرسل النبي أبا الحسن علي بن أبي طالب إلى طيئ ليأتيَ به، فهرب عدي وترك أخته سفانة، فأسَرَتها خيلُ رسول الله المُرسَلة.

ولمّا أُتي بسُفانة إليه ﷺ، وعَلِم أنها ابنة حاتم، أنزلها منزلًا كريمًا، إكرامًا لأبيها، وأبو القاسم رجل كريم، ابن كرام، يعرف كيف يُنزل الناس منازلهم، وفيّ لكل صاحب فضل، لأنّه سيّدٌ لكلّ فضلٍ ومعروف.

وحين أطلق النبي ﷺ سراح سفانة كرامة لأبيها، وقال: (خلّوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق)، استأذنته لتدعو له، فأذن لها، فدعت دعاءً بليغًا غاية في الجَمال:

أصاب الله ببرّك مواقعه
ولا جعلَ لكَ إلى لئيمٍ حاجة
ولا سلبَ نعمةً عن كريمِ قومٍ
إلّا وجعلكَ سببًا في ردّها عليه


وهذا الدعاء يحتاجُ وقتًا لتأمّل مفاتنه وإدراك الحكمة الكامنة في طيّاته، إذ أيُّ وَعيٍ ذاك الذي تمتلكه امرأة عربية لتدركَ أنّ أسوأ ما قد يُصيب الإنسان (أن تكونَ حاجَته عند شخصٍ لئيم)؟

وأنّ أسمى أشكال البطولة وأعلى مراتب الفروسية، أن يجعل الله إنسانًا سببًا في ردّ (نعمةٍ مسلوبة) إلى (قومٍ أكارِم) جارَ عليهم الزمان، وفتك بهم الظُلّام وخذلهم الأهلُ والجيران.

والجوعُ حقير، لا يعرفُ بُؤسه إلّا مَن ابتُليَ به، يُشوّه المَرء، ويجعلُه نُسخةً غريبةً عن نفسه، وفجأةً تصيرُ شخصًا لا يُشبهك، في طِباعه وانفعالاته بل وحتّى أفكاره، شخصًا لا تعرفه، لكنّه يتلبّسُكَ حتّى ينفكّ جوعك.

وقد أخرجَ ابن أبي شيبة في مُصنّفه أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، قال:

ليس الرجل بأمينٍ على نفسه إن أجعتَه أو أخفتَه أو حبستَه

وهي أحوالٌ قاهرة، تُفقد المَرءَ قدرَته على ضبطِ نفسه، أو التحكّمَ بها، ولذلك ثمّة مسار كامل في التشريع الإسلاميّ والقانونيّ والجنائيّ، لأحوال الاضطرار وإعذارِ المُضطّرِ أو المُكرَه أخلاقيًا فيما قد يندفع إلى فعله تحت وطأة الجوع والتجويع والإخافة والترويع.

ولو تخيّل الإنسان نفسه أو أحد أهله يتضوّر جوعًا، ثم رأى نفسه عاجزًا عن مساعدتهم، ينظر إليهم وهم يضعفون، وهو عاجز عن إطعامهم... لو استقرّ هذا المشهد في وجدانه لمات قهرًا أو انفجر غضبًا، لكن أحدٌ لا ينفجر، والقهر لم يعد يقتل الرجال ولكن تراكم الدهون على الشرايين من شدّة القعود.

وقد قالت العُلماء: (العارفُ ابنُ وَقته) وواجب الوقت لأيّ مُسلِم، أنّى كانت مهنته أو وظيفته أو موقعه أو حاله، أن يَهبَ نفسه وماله فيما استطاع لإغاثة إخوانه في غزّة، وهذا فعلٌ له مسارات مشروعة، ومسارات مُبتَكَرة، ومَن يصدقُ النيّة لا يعدم الوسيلة.

وقد أتى على النّاس أحوالٌ قال فيها أفرادٌ من النّاس: ما باليد حيلة، لكن.. خرج من بينهم مَن صرنا نعرفهم لاحقًا بوصفهم أبطالًا يُمثّلونَ تطلّعات الأمّة والشعوب، أمثال سليمان الحلبيّ وعزّ الدين القسّام. وقد خرج عمر المختار، الشيخ الليبيّ الذي قاد المقاومة ضدّ الاحتلال الإيطالي من قلب الصحراء والجبال، ولم تمنعه شيبة العمر ولا تواضع الإمكانات من أن يُدوّي صوته في وجه الظلم حتى آخر رمق.

ولهذه الأمّة تاريخ مُطوّل ليس بالبعيد، من العزّ والشرف ممّا يُمكننا الاستلهام منه (خلافًا لخطاب التخذيل وبثّ العجز وتكريس الانحطاط) فقد خرج محمد بن عبد الكريم الخطّابي، الذي أذاق الإسبان والفرنسيين طعم الهزيمة في جبال الريف المغربي، متحديًا تفوّقهم بالسلاح والتخطيط. ومن أطراف الجزائر، خرج عبد القادر الجزائري ليؤسس مقاومة منظّمة ضد الفرنسيين وتحدّى أبناء هذه الأمّة محاولات الترويض والتطويع، وأصرّ أجدادكم على القتال والتحرّر والانعتاق من سطوة المستعمرين وذُلّ الطواغيت.

والقاسم المشترك بين هؤلاء جميعًا أنهم لم يخرجوا من القصور ولا من أبراج المثقّفين المعزولين، بل من الريف والمُدُن وخلفياتٍ ثقافيةٍ مختلفة وتنويعاتٍ طبقيةٍ مُتعدّدة، جمعها جميعًا القهر والنكبات، فخرج أحرار الأمّة من حاراتٍ ضيّقة أو مدارس وكتاتيب صغيرة، لكنهم امتلكوا البصيرة والشجاعة لفعلِ ما يجبُ فعله في الوقت الذي يُوجَب فيه الفعل.

وقد كان بإمكانهم أن يقولوا لأنفسهم وللآخرين "ما باليد حيلة" لكنّها مقولة لا تليق بمَن يرى نفسه وأهله أحرارًا أعزّاء، وأكارم شُرفاء، وإنّما مقولة لا تخرج إلّا من فَمِ عاجزٍ كسول. وكلّهم فهموا أنّ الوقت وقتُهم، وأنّ الشرف لا يُرث بل يُنتزع حين تُغتصب الأرض وتُهدَر الكرامة.

فلا جعلَ الله لكم إلى لئيمٍ حاجة
وقد سُلبت النعمةُ من أكارمِ قومٍ
تعرفونهم في غزّة
فجعلكم الله سببًا في ردّها عليهم
واستعمَلَكم في مواطنَ يُحبّ أن يراكم فيها
ممّا يُعيق ابتكار الحلول، وإيقاظ الهمم وتخليق الفاعلية البشرية، التفكير المغلوط وفق آلية:

إمّا كُلُّ شَيء
أو لا شيء!
All or Nothing

وهو تشوّه إدراكي معروف في العلاج النفسي المَعرفي، يُطلَق عليه أحيانًا التفكير (بالأبيض والأسود) وكأنّ الخيارات المُتاحة أمام المَرء هي دائمًا خيارَين لا ثالث لهما، إمّا أن أحصل على هذه الوظيفة أو ستنهار حياتي بالمُطلَق، إمّا أن نُحرّر فلسطين بهذه الفعالية، وإمّا أن نبقى كما نحن. إمّا أن يُصلّي 100% من السُكّان صلاة الفجر بالمسجد، أو لن يكون بإمكاننا تحرير فلسطين.

ومشكلة هذا التفكير ليس أنّه مثاليًا فحسب، وإنّما أنّه يُعطّل الأشكال الوسيطة للفعل البشري، ويسلب المُبادرات الصغيرة رصيدها من الثناء والحشد والتعبئة، وفيه ما فيه من بخس النّاس لجهودهم، وتعطيل للمجتمع من أن يُفعّل نفسه في سياقات جديدة وابتكارية، وهي حتّى وإن كان ذات أثر صغير، فإنّه لا يُعدَم خيرها.

وقد أدرَك العُلماء الأجلّاء في تاريخنا وثقافتنا هذا الملمَح، وقد صاغوا قاعدة شرعية بديعة، غاية في الجَمَال، ذات مُؤدّى عَمَلي ومُفيد للأمّة وأفرادها، فقالوا:

ما لا يُدرَكُ كُلّه.. لا يُترَكُ جُلّه

ومَعنى هذه القاعدة، أنّه إذا تعذَّر حصولُ الشيءِ كاملاً، وأمكنَ المُكلّفُ فعلُ بعضه، فإنّه يُحثّ على فعل المقدور عليه، ولا ينبغي له أن يتركَ الفعل تمامًا بحجّة عجزه عن بعضه، لأن إيجاد الشيء في بعض جُزئياته، مع الإمكان، أولى من إعدامه بالكُلّية.

وتنبُع أهمية هذه القاعدة من اتساع مجال إعمالها، ومن مُمكنات تطبيقها في حياة المرء، في حياته كمُكلّف من حيث الطاعات والمأمورات، وفي حياته كإنسان من حيث المُعاملات، وفي تعامله مع زوجته وبرّه لأهله، وإحسانه لجيرانه، وصدقاته على الفقراء والمساكين، وإخلاصه في وظيفته، وملاعبته لأطفاله، وتفانيه في أداء واجباته.

وقد استخلص العلماء هذه القاعدة، من اتّجاهٍ عامّ تجده حاضرًا طوال الوقت في الشريعة وأحكامها، من مراعاة قدرة المُكلّف، والتدرّج بحسب الاستطاعة، والأهمّ أنّ الشريعة تُعلّمنا فيما تُعلّمنا أنّ الإنسانَ مندوبٌ على الدوام بالانتقال من الحالِ التي يعجز عنها إلى الحال التي يُطيقها، وألّا يقعد بالمُطلَق راضيًا بعجزه أو مُتذرّعًا بنقصه!

وقد اشتقّ العلماء تفريعات عدّة من هذه القاعدة الأصولية، ومنها القاعدة الشهيرة:

المَيسور لا يَسقُط بالمَعسور

وهذا طبعًا في وجه المأمورات الشرعية، ويُمكن استلهام هذا الذوق العالي في المُعاملات الإنسانية، والالتزامات الشخصية والكياسة العامّة والذوق والمروءة، وكذا في استنهاض الهمم وإصلاح الأُمَم والأنشطة المجتمعية.

وأشير إلى هذه القاعدة، كي نجد لطاقاتنا منفذًا في غير تلك السيناريوهات والقوالب الكبرى التي رسمناها مُسبَقًا للمسارات المُتخيّلة لبذل أنفسنا وأموالنا وأوقاتنا، وأنّ الأحوال إن لم تأتِ على الهيئة التي نُريد، فإنّنا لن نبذل شيئًا، حتّى تحين الّلحظة المُتخيّلة، وأنّ تعقيد الزمان وتغيّر الأحوال تبرّر عدم إغاثة الملهوف أو نصرة المظلوم.

أتحدّث عن العقود الضمنية، والشروط الخفية وتلبيس إبليس على أحدنا أنّ عمله وزهده في دُنياه، وتجارته مع الله، لن تكون واجبة حتّى يصير النّاس إلى فُسطاطين، وحتّى ينقسم النّاس إلى شرقيّ النهر وغربيّه، وأنّه حتّى ذلك الحين فهو معذور، لا يجب عليه ما يجب على غيره، متعذّرًا بشُبهاتٍ لا يدفعها باجتهاد، وقاعدًا مع القاعدين بانتظار مَلحَمةٍ لم تجيء.

أمّا الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فقد علّمنا، أنّ أشكال الفعل كُلّها محمودة، ومن النّاس من يتقِّ النّار بشقّ تَمرة، ويُعلّمنا ألّا نحقر من المَعروفِ شيئًا، وأنّ درهمًا قد يسبق مائة ألف، وأنّ المسلمُ أخو المسلمِ لا يظلِمُه ولا يُسلِمُه مَن كان في حاجةِ أخيه كان اللهُ في حاجتِه ومَن فرَّج عن مسلمٍ كُربةً فرَّج اللهُ بها عنه كربةً مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ ومَن ستَر مسلمًا ستَره اللهُ يومَ القيامةِ.
يبدو لي أنّ كُلّ الشرور في هذه الحياة، تأتي مِنَ:

الكَسَل والمَلَل والفراغ النفسيّ

وهي آفات لا يمكن تفاديها حين يعتاد المرء أن يعيش على حساب الآخرين


- أنطون تشيخوف، حياتي (1896)
سُئل الروائيّ الشهير إرنست هيمنجواي في إحدى المُقابلات، عن أهمّ موهبة يمكن أن يمتلكها الإنسان، فأجاب بذكاء عالي، إجابة بارعة:

أن يُطوّر الإنسان نظام داخلي لالتقاط الهُرَاء

To develop a built-in bullshit detector


شخصيًا، صرت على قناعة تامّة أنّ أكثر الآفات انتشارًا في زماننا، وأقصد في عصر الذكاء الاصطناعيّ ومنصّات التواصل الاجتماعي، هي (آفة التورّط العقليّ) أقصد أن يُورّط الإنسان عقلَه بالمنشورات والمقاطع المُتاحة أمامه ممّن هبّ ودبّ، فقط لمُجرّد أنّها متاحة أمامه وتظهر له على حساباته.

وأمام طوفان عالي من المحتوى، من المقاطع المرئية، الريلز والمنشورات، تستعيد ملاحظة هيمنجواي عبقريتها وأهمّيتها، إذ يحتاج الإنسان أن يملك مَجسّات، شيء أشبه بالحسّاسات sensors تُساعده بأجزاء صغيرة من الثانية على اكتشاف التفاهة والهُراء في المحتوى الذي يتعرّض له بشكلٍ عشوائيّ.

يحتاج كُلّ منّا مُؤشّرات أوّلية تلتقط التضليل والتلبيس في الكلام الذي يُقال، وتفكير ناقد يعرف المحتوى السطحي والساذج الذي يُوهمك بأنّه يمنحكَ شيئًا، لكنّه لا يزيدك سوى فراغًا وجهلًا وتشوّهًا وتشتيتًا.

مرّت فترات عبر التاريخ كان ذكاء الإنسان يتحدّد بمقدرته على التقاط الأنماط وتمييزها pattern recognition أي أنّ الإنسان الذكيّ، هو ذلك الذي يستطيع أن يربط بين ظاهرة فأكثر ويرى وراءها قانونًا ناظمًا يمكن اكتشافه! كأن يرى أنّ في سقوط التفّاحة من أعلى الشجرة وفي استقرار الأجسام على سطح الطاولة، وفي وقوع الإنسان في حفرة أثناء مشيه، أقول.. أن يرى في هذه الظواهر جميعها وعلى اختلافها.. قانونًا ناظمًا، سيُدعى عليه لاحقًا قانون الجاذبية.

لكنّ عصرنا الذي يُوسَم بأنّه عصر الوصولية العالية للمعرفة والمعلومات، يفرض علينا تعريفًا جديدًا للذكاء البشري، ويمكننا أن نعرّف الذكاء البشريّ:

قدرة المَرء على تمييز (وتجاهل) الأنماط الغبية، المقولات السطحية، المُحتوى الساذج أو الأنماط الحَمقوية.. أقصد ذلك المحتوى الذي يجعلنا حمقى أكثر ممّا كُنّا قبل قرائته أو مشاهدته.


وهذه القدرة تُساعد المَرء على أن يحمي عقله، وأن يُوفّر طاقاته الذهنية للمعرفة الراسخة والجادّة والسليمة، كما توفّر على الإنسان وقته، كي لا يصير وقته مهدورًا ومُستباحًا يخطفه منه كلّ مَن أراد أن يكتب شيئًا أو شعر بالحاجة لكتابة شيء ما يخصّه.

يكتب الجميع عن (فنّ القراءة) لكنّ الفيلسوف الألماني شوبنهاور وقبل ما يزيد عن 150 سنة، كتب لنا نصّا بديعًا عن (فنّ عدم القراءة):

"فن عدم القراءة هو فنّ مُهم للغاية. وهو يقوم على عدم الاهتمام بما قد يشغل اهتمام العامّة في عصر ما. فعندما يثير كُتيّب سياسي أو رواية أو قصيدة، ضجّة كبيرة، عليك أن تتذكر أن من يكتب للحمقى يجد دائمًا جمهورًا واسعًا.

إنّ الشرط المُسبَق لقراءة الكُتُب الجيدة هو عدم قراءة الكتب السيئة، فالحياة قصيرة!"

في الماضي كان الإنسان يحتاج إلى سيف ودرع كي يحمي نفسه من الضواري والمفترسات في الغابات، كانت هذه مهارات ضرورية للاكتساب إذا ما أراد أن يستمرّ على قيد الحياة.

أمّا أنتَ يا صاحبي ففي عصرك هذا ستحتاج إلى تدريب عقلك، على اكتشاف الهراء وهذا سَيفُك في هذا الزمان، وسيُكافئ سيفَكَ في ذاك الزمان.

واتّباع (الأحسن) إضاءة قرآنية بديعة، سمة العباد المُبشّرين، يَرَون ما يَرون، ويسمعون ما يسمعون، لكنّهم يتّبعون (الأحسن) ويتقصّونه وينتهجونه مَنهجًا.

حتّى لا تكون حواسُكَ مُستباحة، ولكي لا تكونَ أُذُن.. مُجرّد أُذُن، يُلقي بها النّاس ما شاؤوا، وأنتَ في مقامِك الإنسانيّ وفي حسّكَ الوجدانيّ أكبرُ من أن تكونَ مُجرّد أذُن، فلا تتقزّم!

وإن أردتَ خيطًا، فأُهديكَ اثنين، انظر عمّن تأخذ عنه معرفتك (فالشخص وحاله وخبراته) هذا شأن لا ينبغي إهماله وتجاهله.

والثاني أصل، تحدّث عنه علماء الأصول، وهو أصل في التفكير، أن ترى مآل هذه المَعرفة، إن كانت ستورثكَ همّةً للعمل والفعل وتدفعك على تقويم سلوكك وتقديم يد العَون إلى مَن حولِك أم ستزيدك إحباطًا وتخذيلًا وبُؤسًا وتجهيلًا.

وقد ألمحَ القرآن إلى مَنهَجٍ نقديّ ذات مرّة حين قال (ولو أعجبكم) مُنبّهًا إلى أنّ (الإعجاب) ليس شرطًا، وأنّ (الإعجاب) ليس بوصلَةً ومُحذّرًا بأنّ (الإعجاب) ليس مِعيارًا.

فالمُحتوَى الجاذب، قد يكون مُضِلًّا، يقودك لوادٍ سحيق أو يُثقلُك فيجعلُكَ مُعطّلًا عن العَمَل ومُعطِّلًا للآخرين عن العَمَل.

وقد ذكر الإمامُ الشاطبيّ في مُقدّماته البديعة في الموافقات، قاعدة تصحّ لكلّ العلوم:

كُلُّ عِلمٍ لا يُفيد عملًا.. فليس في الشرع ما يَدُلُّ على استحسانه

وإنّي وإذ أكتبُ هذه الكلمات، فإنّي أُعيذكَ بما استعاذ منه التوحيديّ من قبل:

أعوذُ بالله من عِلمٍ عادَ كَلًّا
وأورثَ ذُلًّا.. وصارَ في رقبة صاحبه غُلًّا
أوصيكم بفلسطين، درةَ تاجِ المسلمين، ونبضَ قلبِ كلِّ حرٍّ في هذا العالم.

أوصيكم بأهلها، وبأطفالها المظلومين الصغار، الذين لم يُمهلهم العُمرُ ليحلموا ويعيشوا في أمانٍ وسلام، فقد سُحِقَت أجسادهم الطاهرة بآلاف الأطنان من القنابل والصواريخ الإسرائيلية، فتمزّقت، وتبعثرت أشلاؤهم على الجدران.

أوصيكم ألّا تُسكتكم القيود، ولا تُقعِدكم الحدود، وكونوا جسورًا نحو تحرير البلاد والعباد، حتى تشرق شمسُ الكرامة والحرية على بلادنا السليبة.

- من وصيّة الشهيد بإذن الله أنس الشريف
قناة مَسَار | محمود أبو عادي pinned «نُحبّ أن نُفكِّر بالضحية هكذا، باعتباره مُستَحِقّا لما حدث له، لأنّه عادة لم يرتكب أي ذنب يختلف عمّا نرتكبه نحن، وهذا يُقلقنا داخليا، فنبحث عن خصائص خاصّة فيه، نجعل أنفسنا استثناء عنه، ويجعل من مصيبته أمرًا مشروعًا - رينييه جيرار، كتاب: “العنف والمُقدّس”…»
واحدة من النقاشات الهامة التي ينبغي إذكاؤها بخصوص الإبادة في غزة وكل ما يجري في فلسطين عموماً، هي:

التفكير بـ فلسطين بوصفها عنق الزجاجة الأخيرة للأجيال الناشئة حول (التضامن الإنساني) وحول (الإقرار الجماعي بشكل العالم الجديد)، أقصد تحديدًا بوصف النضال الفلسطيني مُنعتَق للشعوب وحركات التضامن المجتمعي، من الانزلاق نحو قاع بائس وواقع مُرعِب سيُشكّل حياتنا اليومية في نسختها القادمة.

وحين نتحدّث عن العالَم بشكله الجديد، فنحن نُشير تحديدًا إلى:

عالم تحكمه أنظمة الرقابة، المدفوعة بالذكاء الاصطناعي

عالم هندسة الخوارزميات وتشويه الوعي وانتقاء المحتوى

عالم تكاتف السُّلطات ضد شعوبها ومجتمعاتها وإرادتها

مثلًا في التقرير الذي نُشرَ منذ أسبوع، تبيّن أنّ (إسرائيل تُراقب ما مجموعه مليون مُكالمة بالساعة) وهذه القدرة لم تكن لتكون، لولا التعاون الوثيق بين الوحدة 8200 الإسرائيلية وشركة مايكروسوفت لمراقبة وتخزين كل المكالمات الهاتفية التي تُجرى من قبل الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية، وهو ما يُعدّ أحد أكبر مشاريع التجسس العالمية.

وقد نُشِرَ مُؤخّرًا ورقة بحثية ممتازة، بعنوان:

"فلسطين كـ منهج"
Palestine as Method

في هذه الورقة البحثية، تذهب آنا إيفاسيك إلى أنّ المسألة الفلسطينية يمكن أن تكون مدخلاً جوهرياً للعالم وشعوبه كي يفهموا ما يتعرّضون له بشكلٍ يومي وضمني وممنهج.

بهذا المعنى تصير المسألة الفلسطينية (أداة كاشفة) أو منظور منهجي للتفكير في العالم.. طريقة لكشف إبستمولوجيات الجهل، والتفوّق العُنصري، وهيمنة الرجل الأبيض بعقيدته الاستعمارية على شعوب العالَم، وطريقة لكشف زيف أشكال التضامن الانتقائي الكامنة في الأكاديميا الغربية.

إن رضانا بما يحدث في غزة من إبادة علنية وواضحة، وتحريف للحقائق، وتكاتف دولي لإنعاش إسرائيل وتفكيك المقاومة، والاستهداف الممنهج للأفراد، والاغتيال القائم على نمذجة الذكاء الاصطناعي والتحليل الفائق للبيانات واختراق الخصوصية وجمع البيانات الكُبرى والمكالمات على خوادم جوجل وأمازون ومايكروسوفت وتحليلها،

أقول أنّ هذا كلّه ما هو إلّا توقيع جماعي للبشر للموافقة على أشكال الهيمنة والقهر والاستغلال والانتهاك والاستباحة التي سيتعرضوا لها في الحقبة القادمة، ديستوبيا حقيقية مرعبة لهندسة المجتمعات واستباحة الذات.

باختصار أزفّ نُذُر الشُّؤم لواقع قادم سيبطلنا جميعاً لن تكون أكبر مشاكلنا فيه العار الذي لم نغسله حين سمحنا بالإبادة،

ولن تكون الرائحة المُنتنة لأرواحنا هي الهاجس الوحيد الذي سنحاول تغطيته ولا النفاق ولا الزيف ولا التظاهر اليومي بأن إبادةً لم تحدث!

بل سيكون علينا يومياً مواراة سوءاتنا أمام الشفافية المطلقة لمعلوماتنا والاستنزاف والانتحار النفسي الذي ستحدثه الخوارزميات في أعصابنا، وهي ترسمنا كملفات تعرف مخاوفنا وأطماعنا وهواجسنا ورغباتنا وتتحكم بنا.

وحينها سنحتاج إلى معجزة لإخراجنا من الجحيم، أو سنقتنع بعد فوات الأوان أننا استحققنا العذاب منذ زمن بعيد حين تركنا الغزيين يصرخون لوحدهم وأسلمناهم للعالم الهمجي.

وقد كتب المفكّر الفلسطيني منير فاشه مقالًا بديعًا ذات مرّة، قال فيه:

"أقول دوماً أنّي أنظر إلى فلسطين كمجهر يساعدنا على رؤية ما يجري في العالم الواسع، والسبب أنّ ما يحدث بفلسطين "يحصل فجأة" مما يساعدنا على رؤية حقيقة ما يجري؛ إذ تحدث التحولات على شكل صدمات تنبّهنا إلى ما يحدث في العمق، ونتنبّه إلى ذلك المنطق الخفيّ خلف الحدث. بعبارة أخرى، ما يحدث ينُبّهنا ولا يُخدّرنا كما هو الحال في البلاد التي تسير فيها الأمور ببُطء.

مثلاً، تحوّلنا عام 1993 (اتفاقية أوسلو) بين ليلة وضحاها من أهالي أو مواطنين. في معظم البلدان، يولد الناس مواطنين جاهزين مما يحرمهم خبرة العيش كأهالي، التي هي خبرة أعمق وأغنى بكثير.

كانت العلاقات قبل ذلك فيما بيننا كأهالي ومع المكان والثقافة هي الأساس والمرجع والمعيار؛ ثُمّ أصبحت مع أجهزة رسمية وبدأت العلاقات بيننا كأشخاص تتلاشى أو تتحوّل إلى علاقات عدائية.

كذلك، تحوّلنا في ذلك العام من العيش بصبر كقيمة، إلى العيش بسُرعة كقيمة؛ أصبحت السرعة بغض النظر عن نتائجها قيمة جوهرية.

في مجتمع المواطنين، يختفي ’الإنسان الصالح‘ الذي يطيع ضميره ويبرز مكانه ’المواطن الصالح‘ الذي يطيع الأوامر. الأمريكي الذي يذهب إلى العراق ليقتل ويدمر هو مواطن صالح لكن ليس إنسانًا صالحًا.

اللبنة الأساسية في مجتمع الأهالي هي المجاورة؛ بينما في مجتمع المواطنين هي المؤسسة. بُعدٌ آخر يميز مجتمع الأهالي هو الثقة بين الناس، فالناس يعرفون بعضهم ويعملون ما يعطي معنى لحياتهم ووجودهم وعلاقاتهم… ما يفعلونه نابع من قلوبهم."

باختصار ما أحاول قوله:

إذا أردنا أن ننجو من هذه الديستوبيا القادمة، فعلينا أن نفهم أن فلسطين ليست فقط قضية شعب محاصر، بل كبوصلة وإطار مفاهيمي ومعرفي يكشف لنا ملامح المستقبل الذي ينتظر الجميع!
في مذكّراته التي كَتَبها، استشكل تشارلز داروين صاحب نظرية التطوّر.. مسألة الجَمَال في هذا الكَون البديع، ولم يستطع فيما أفصح هو عن نفسه، أن يفهم مُبرّرات كلّ هذا الجَمَال الكونيّ، إذا ما قورن بالغاية الوظيفية المرجوّة منه.

وقد قال فيما قال بمذكراته وبعبارات دقيقة:

إنّه ليتولّد لديّ شعور بالدهشة،، حين أرى أنّ كلّ هذا الجَمَال، قد تمّ صُنعه (فيما يبدو لي) لغرض ضئيل للغاية.

It creates a feeling of wonder that so much beauty should be apparently created for such little purpose.

هذا التصريح يأتي لأنّ داروين كان يفترض أنّ أي سلوك أو عضو أو ممارسة حيوانية أو بشرية، خاصّة وإذا ما استمرّت بإظهار نفسها حتّى زماننا هذا، فهذا يعني أنّها تخدم (غاية وظيفية) أيّ أنّها تُحقّق بطريقة أو بأُخرى هدف البقاء على قيد الحياة، ولكن كثير من الظواهر التي رصدها وجد أنّها لم تكن مُبرّرة، لم تخدم مُجرّد البقاء على قيد الحياة.

بعبارات أخرى، كان يحتار داروين حين يرى في الوجود ممارسة (زائدة عن الحاجة) خاصّة إذا كان بالإمكان الاستعاضة عنها بسلوكيات مُباشرة أقلّ تعقيدًا ولا تستلزم كلّ هذا الجَمَال وهذه الألوان المُذهلة وهذه الطقوس السلوكية المُبهرة مثل الرقص من أجل التزاوج عند بعض الحيوانات ومثل الاستعراض المسرحيّ المُعقّد وطقوس التباهي التي تظهرها كثير من الذكور أو الإناث قبل التزاوج لإثبات كفاءتها وأهليتها.

وأنصح أي شخص أن يذهب الآن، ويكتب على محرّك البحث أو اليوتيوب:

Bird-of-Paradise

وأن يرى إبداع الخالق في خلقه، وأن يتأمّل سرّ الخالَق الذي أحسنَ كلّ شيءٍ خَلَقه.

كان داروين يُحسَب على ما يُسمّيه المؤرّخون الغربيون "الآلهة الثلاثة للحداثة": داروين وماركس وفرويد.

هؤلاء الثلاثة بحسب المُفكّرين والفلاسفة، كانوا قد فتحوا أُفُقًا جديدًا للحضارة الغربية. بعبارة أُخرى، كانوا قد أسّسوا الأرضية المفاهيمية التي سيقوم عليها النموذج الماديّ للحياة، وسيمنح البشر منذ ذلك الحين تفسيرات جديدة، لكنّها تفسيرات مُغلقة للوجود، تجعل من العالَم الدُنيويّ مكانًا مغلقًا، وتختزل حكاية الإنسان برحلته القصيرة على هذه الأرض. بهذا المعنى، لن يكون هناك أيّة حاجة مع هؤلاء ومع نظرياتهم وتفسيراتهم لاستدعاء أي تفسير غيبيّ أو أُخرَوي عن ذواتنا وعن هذا العالَم.

وبالرغم من ذلك، استشكل داروين هذه الفجوة التي لم تستطع أفكاره ولا نظريته ردمها، أقصد: الجَمَال غير المُفسّر للكَون. ويُحتَسَب له هذا الاعتراف المُباشر والصادق لحيرته ولحدود معرفته في هذا العالَم وعدم قدرته على إيجاد مفهوم لكلّ هذا الذي يجري، من الجَمَال "غير المُبرّر" في نظره.

هذا الاستشكال جاء من طريق مستقلّ كذلك، فقد استشكل المُحلّل النفسي سيجموند فرويد في كتابه (الحضارة وسُخطها)، المحاولات البائسة للعلم والعلماء لتفسير الجَمَال، وكان قد قال فيما قال:

ليس للجَمَال استخدامٌ واضحٌ تمامًا، ولا تبدو ضرورته للأغراض المفترضة جَلية، ومع ذلك لا يمكن للحضارة الاستغناء عن الجَمَال. يدرس علم الجمال الظروف التي تُعتبر فيها الأشياء جميلة، ولا يستطيع العلم للآن تفسير طبيعة الجمال أو أصله: وكالعادة، يتم إخفاء عجز العلم عن فهم الجَمَال، تحت سيلٍ من الكلمات الرنانة التي لا معنى لها.

أقابل يوميًا العديد من البشر، ممّن لا يسعهم التوقّف في يومهم لتأمّل الكَون وإبداعه، ممّن تبلّدت حواسهم وتجمّدت عقولهم وجفّت قلوبهم وتصلّبت أحاسيسهم، فلم يعودوا قادرين على رؤية الجَمَال في هذا الكَون.

ومن المؤسف أن يكون المرءُ مُؤمنًا ومع هذا لا يتوقّف في يومه، ليتوقّف كما توقّع عتاولة الفلاسفة الغربيين من غير المؤمنين، كي يتأمّلوا هذا الجَمَال الكونيّ، وهذا الإبداع الإلهيّ للكَون، وألّا يتأمّلوا ماذا صنع الله من أجلهم، وماذا أوجد لهم ليدلّهم عليه.

إن نسبة الفعل للفاعل، ورؤية القادر في القُدرة، واستحضار الشافي في الشفاء، وإحالة الجَمَال للجميل عزّ وجلّ إنّما هي من لوازم الإيمان، وقد امتدح القرآن الكريم أولي الألباب ووصفهم بأنّهم من أفعالهم الدائمة، أنّهم يتفكّرون في خلق السماوات والأرض تفكّرًا تأمّليًا جَماليًا يزيدهم إيمانًا: ربنا ما خلقت هذا باطلًا.. سبحانك!

ومَن يحيا بأسماء الله الحُسنى ستتغيّر تفاصيل يومه وهو يرى الله المُهيمن والله المُنتقم والله الرحمن والله الملك والله الرازق والله السلام والله البارئ وسيرى الوجود كلّه دالٌ عليه.

وقد قال النفريّ في المواقف والمُخاطبات:

يا عبد!
إذا رأيتني..
رأيت مُنتَهى كلّ شيء
من الأمور التي ألحظها كثيرًا لدى المُراجعين في العيادة النفسية وخاصّة في سياق العلاقات الزوجية والعائلية، خَوفهم من مشاركة هواجسهم ورغباتهم وانزعاجاتهم مع الطرف الآخر، مخافة أن يقوم الآخر بإساءة فهمهم أو تحميل كلامهم مدلولات غير تلك التي أرادوا قولها.

ويبدو جليًا أنّ خوف المرء من الإفصاح عن ذاته للآخر يأتي غالبًا من خوفه (أن يُسيءَ الآخر فهمه) وبالتالي أن تصل الأمور إلى حيّز أكثر تعقيدًا لا يُمكن معه تصحيح الأمور.

من المؤسف أن تكون علاقتنا مع الآخر أشبه بالمشي على قشور البيض، أن تمشي يوميًا وأنتَ مُتأهّب، تأخذُ حذرك وتحتسب خطواتك يتملّكك بالخوف والتوجّس والتحوّط مخافة أن تكسر قشرة هشّة في الآخر، فينفجر بك أو ينهار مُتحطّمًا أمامك.

قد ينبع (الخوف من إساءة الفهم) من انعدام الشعور بالأمان، أو قد يكون مصدره تصوّرات مثالية عن (الذات) وعن (العلاقة مع الآخر)، يُريد الإنسان أن لا يقع في خطأ، وكأنّه إله لا يُخطئ، وأن يقول عبارات واضحة وكأنّ الآخر روبوت يتمّ تفعيله بـ لُغة برمجية صارمة ومُحدّدة لا تحتمل الخطأ.

ولكنّنا مُجرّد بَشَر في نهاية المطاف، وكما قال ديستويفسكي من قبل على لسان أحد الشخصيات: أنا إنسان، لأنّني أُخطئ.

وهي مقولة بديهية لكنّها تحمل معاني زاخرة، وأفضل منها قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاء ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابون!

إنّ الخطأ هو الميزة الوحيدة التي يمتاز بها الكائن الإنساني على سائر الكائنات الحية. لأنّ الخطأ لا يكون خطأً إلّا إذا صدر من ذات حرّة لديها إرادة، تملك قراراتها وتملك ألسنتها، وتملك أن تُخاطر وأن تغامر باختبار كلماتها وسلوكياتها وآثارها. هل تُخطئ الحيوانات؟ هل هناك من معنى لأن نقول أنّها أخطأت إن كانت لا تملك وَعيًا وإن كانت فاقدة للأهلية؟

الخطأ مهم، لأنّه يسمح لنا بالاعتذار، وبعبارات أخرى، إنّه يسمح لنا أن نكون بشرًا، الخطأ يفتح أمامنا سلسلة من التجارب البشرية الهامّة: التوبة مثلًا.. أن نُصحّح ما أفسدناه، وأن نندم أن نراجع ذواتنا، أن نُعيد التفكير بطرائقنا وألفاظنا، أن نبتكر حلولًا لإعادة الأمور إلى مسارها الصحيح!

تُشير الدراسات الطولية في علم نفس الأزواج والتي تتبّع علاقة مئات الأزواج لمدّة زمنية طويلة أنّ (عدد الخلافات الزوجية) ليست مُؤشّرًا بالضرورة على رداءة العلاقة الزوجية أو اقتراب انتهائها.

هناك مُؤشّر أهمّ يتمثّل في (آليات حلّ الخلاف) وتحديدًا ما يفعله الزوجان بعد الخلاف من الاعتذار والاعتراف بالخطأ وقبول اعتذار الآخر والصفح عنه (بهدف التعافي من الخلاف) وهذا المُؤشّر أقوى إحصائيًا، ويُنبئ بالرضا الزوجيّ والسعادة والاستقرار المَعيشي لاحقًا وعلى المدى الطويل.

ومن الأنماط الصحّية للغاية في العلاقة الزوجية، أن لا يَسمح الأزواج بتمرير مشكلة سابقة إلى نقاش جديد ومُستجدّ، أي أن لا يسمحوا بامتداد الطاقة السلبية والاحتقان القادم من مشكلات الماضي باختراق قضايا الحاضر وأحداثه ومستجدّاته.

وقد ذكر العلماء والمُفسّرون إشارة لطيفة للغاية حين مرّوا على آية (وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن) في سورة يوسف، وقالوا أنّ سيدنا يُوسف لم يستحضر (مسألة الجُب وإلقاؤه فيها من قِبَل إخوته) كي لا يُذكّرهم بقبيح فعلهم بعد عفوه عنهم. وقد أورد الإمام القُرطبيّ في تفسيره:

"ذِكرُ الجفاء في وقت الصفاء: مِنَ الجفاء"

ففي أوقات المُصافاة والعفو وهدوء المشكلات، لا داعي أن تذكّر الآخر بعيوبه أو أخطائه ولا أن تُعكّر صفو الّلحظة الراهنة بالتمنّن على الآخر بالعفو والصفح، بل الأصل في الصفح أن تنسى أساسًا أنّك قد عفوت، فلا ترى لنفسكَ فضلًا على الآخر وكأنّك تُسجّل له في دفتر حسابات (هذا ما فعلته لأجلك!).

يتسبّب الاعتذار في كثير من الأحيان، بتقوية وتمتين العلاقة الزوجية أو العلاقة مع الآخر، بل قد تُصبح أقوى وأكثر سلامةً ممّا كانت عليه سابقًا، أقصد قبل حدوث التمزّق بفعل خطأ الآخر.

وهذا أصل يعرفه علماء القلوب حتّى في العلاقة مع الله عزّ وجلّ، من أنّ التوبة بعد المعصية أحيانًا قد تدفع بصاحبها لعلاقة أفضل مع الله عزّ وجلّ صاحب المنّة والفضل والغفران.

تقود سلسلة الاعتذارات وتجارب إساءة الفهم والخطأ وإصلاح التمزّق والتعافي بعد الخلاف، إلى تشكيل (الثقة) والثقة هي الأساس السليم لأي علاقة آمنة، تمنح الآخر الأمان والحقّ بالخطأ وبالضرورة الحقّ بالاعتذار والتوبة.

وقد مررت بدراسة بديعة نُشِرت في عام 2016 وتطرح سؤالًا بحثيًا:

ما الذي يجعل الاعتذار فعّالًا حقًّا؟

An Exploration of the Structure of Effective Apologies

وقد أظهرت الدراسات أنّ الاعتذارات التي تتضمّن هذه العناصر مجتمعة أو أكثرها، تُحقق أفضل النتائج، وهي عناصر تطابق إلى حدّ كبير شروط التوبة عند العلماء:

(1) التعبير عن الندم
(2) شرح الموقف للآخر
(3) الاعتراف بالمسؤولية
(4) العزم على عدم التكرار
(5) عرض الإصلاح
(6) طلب العفو أو الصفح
إذا أراد الإنسان أن يَكبُر وينضج بشكلٍ سليم.. فينبغي عليه أن يخلق شكلًا من أشكال التوازن الداخليّ بين:

إدراكه لمدى رَوعته

وإدراكه لحقيقة أنّ العالَم لا يدور حَوله!


- قوّة الصبر: كيف يُمكن لهذه القيمة القديمة أن تُغيّر حياتك - إم جاي رايان


وهذه الموازنة تصحّ أكثر ما تصحّ في تربية الأبناء وتنشئتهم، وخاصّة بعد عُمر السبع سنوات، إذ أشار عالِم النفس العبقريّ جان بياجيه، أنّ (التمركز حول الذات) egocentrism تُعتَبر مرحلة نمائية طبيعية لدى الأطفال في المرحلة العمرية بين سنتين إلى 7 سنوات.

ومن تطبيقات هذه الظاهرة، ما يحدث عند طلاق الوالدين خلال هذه المرحلة العُمرية، إذ يَصعُب على الطفل أن يتفهّم أنّه ليس سببًا بطلاق والديه، بل لن يسعه عقله إلّا أن يلوم نفسه وأن يشعر بأنّه قد فشل أو تسبب بانفصالهما غارقًا بلَومِ نفسه.

لكن بقاء هذا النمط الإدراكي للعالَم، خلال مراحل الطفولة المُتأخّرة أو المُراهقة أو حتّى البلوغ، يُعتَبَر مُؤشّر مَرَضيّ وغير سويّ في الشخصية، أن يظنّ المرء أنّ كل ما يجري في الكَون يتمحور حوله فقط.

ومن المُؤسِف أن ترى أشخاصًا بالغين راشدين، تجد عوالمهم ضيّقة، ومُغلَقة حول احتياجاتهم العاطفية فقط وما يُريدونه وما يتمنّونه وَهُم غارقين بالشعور بالاستحقاق، لأنّ أهاليهم كانوا قد فشلوا بإنضاجهم ودفع وَعيهم للاتّساع والتمدّد كي يُدرِكوا أنّ العالَم لا يتعلّق بهم وحدَهم!

وهذا الوعي ممكن تربويًا، ولا يلزم منه بالضرورة أن تتحطّم معه فرادة الذات وقدرة المرء على تقدير نفسه والاعتزاز بما يُميّزه وما يجعله مُتميزًا (الكفاءة الذاتية).
ألحظ في الآونة الأخيرة التعاطي مع (الذكاء الاصطناعي) لا بوصفه مصدر للبحث أو لتحليل البيانات فحسب وإنما بوصفه (امتداد للذات) حين تتخذه كذات أخرى تفكّر بالنيابة عنك، وتقرّر بالنيابة عنك، وتختار لك بدل أن تختار أنت.

لا أتحدث هنا عن مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي كمعالج نفسي، هذا نقاش آخر وله مخاطره المثبتة علميًا وعليه كذلك تحفّظات كثيرة حول مدى الكفاءة العلاجية، هذا نقاش آخر.

ما أتحدث عنه هنا تحديدًا، هو تنازل البشر عن إرادتهم بمواجهة الحياة، وتفويضها إلى كيان آخر، أكثر خبرة وأكثر معرفة ولديه العديد من البيانات ويستطيع أن يتعامل مع هذا العالَم المعقد وتقلّباته.

كان المعالج النفسي الوجودي رولو ماي، يرى أن (الشجاعة) هي الشرط الأساسي للوجود، الشجاعة عند رولو ماي ليست نقيضًا للخوف.. بعبارة أخرى، الإنسان الشجاع ليس هو الإنسان الذي لا يخاف. الإنسان الشجاع هو الذي يتحمّل مسؤولية وجوده، يُبادر بالتصرّف، يتّخذ مجموعة من القرارات حتى وهو خائف ومذعور، ولكنه في النهاية يختبر معنى حياته، يواجه القادم المجهول ويتحمّل مسؤولية قرارته ولا ينسحب من العيش.

هرب الإنسان في الماضي من (مواجهة الوجود بشجاعة) من خلال تقنيات عديدة، كأن ينغمر تحت ظلّ العشيرة أو القبيلة، وبهذه الطريقة هو لا يحتاج أن يُمارس نفسه ولا أن يسأل نفسه أسئلة مرعبة من نوع (مَن أنا؟ وما هي وظيفتي في هذه الدنيا؟) كل ما عليه فعله هو أن يلتزم بالتعليمات والتقاليد التي تقرّرها ثقافة القبيلة. هناك مثلًا من يستبدل خوفه من مواجهة الحياة من خلال اكتناز المال، فالمال يوفّر مخرجًا من معظم الصعاب والمشكلات حين تجيء.

لكن ماذا تفعل أجيال اليوم؟ في مواجهة هذا العالَم المُعقّد، المُربك، شديد التعقيد (كل يوم حرب، كل يوم أزمة اقتصادية جديدة) كل ما يعرفه النّاس اليوم هو أنّهم خائفون، حيارى، ساخطون، غاضبون، لا يريدون هذا العالَم بصيغته الحالية، لا نعرف ماذا نريد، لكنّنا نعرف على الأقلّ أنّ العالَم بشكله الحالي غير مقبول أبدًا.

من اللايقين (والعجز وهَول العالَم واتّساعه وتعقيده) من هنا تحديدًا تنشأ فكرة (تفويض الوجود) Delegated Existence وأقصد: تكليف أحد آخر بالنيابة عنّا كي يتحمّل عبء الحياة وعبء اتخاذ القرارات.

مثلًا كان الرسول ﷺ يُعلّم الصحابة الكرام أن يتوكّلوا على الله، أن يستخيروا ربّهم في شؤونهم كلّها.

شخصيًا وفي أيامنا هذه وفي مراجعة بسيطة مع المُراجعين في العيادة، أرى معظم النّاس تستخير الـ AI في شؤونها كلّها، أكبرها وأدناها.

حرفيًا إنّ النّاس اليوم يستخيرون الذكاء الاصطناعي حتّى في شسع نعالها، في لباسها، في أمراضها، في علاقاتهم العاطفية، في كتابة رسائلهم التي سيرسلونها، في الكيفية التي سيتحدثون فيها إلى أهاليهم أو مسؤولهم في العمل، دون أن يعلّموا أنفسهم أن يتحمّلوا بعضًا من الخوف، أن يغامروا وأن يخاطروا وأن يصبروا على بعضًا من الألم والخسارة، دون أن يستندوا إلى ركائز إيمانهم وجوهر عقائدهم، إنّهم يسارعون فورًا إلى تبديد مخاوفهم وحيرتهم باستشارة الكيان الجديد والتوكّل والاعتماد عليه.

الآن هل هذا أمر إيجابي أم سلبي؟ هذا نقاش آخر، لا شكّ أنّ هناك أمور إيجابية لاستخدام الذكاء الاصطناعيّ في الحياة اليومية وفي مساعدة البشر على اتخاذ قراراتهم المعقّدة.

لكن ما يجري هنا ليس مجرّد مساعدة، ما يجري هنا توكّل تام واستعانة مطلقة على خيارات الذكاء الاصطناعي لا بوصفه "مصدر للمعرفة المشروعة"، ولكن بوصفه ذات بديلة بإمكانها أن تعيش هذا الوجود بالنيابة عني، وهذه الجزئية تحديدًا كارثية، للأسباب التالية:

أولًا: يمنحك الذكاء الاصطناعي الوَهم بأنّه موجود على الدوام من أجلك، تمامًا كما لو أنّه إله (وهو معكم أين ما كنتم)

وهذا استبدال غير واعي للجهة التي ينبغي أن تتوجّه لها حين تسوء أمورك في هذه الحياة أو حين تحتاج للمعونة والتوجيه.

ثانيًا: يمنحك الذكاء الاصطناعي الوَهم بأنّه يحلّ جميع مشكلاتك، لكن الحكماء يعرفون أنّ هذه الحياة مليئة بالمشكلات التي لا تُحَل.

البشر ينضجون في هذه الحياة لأنّهم يتعلّمون أنّ بعض المشكلات لا يمكن حلّها، بعض المشكلات تحتاج إلى الصبر، أن تتحمل ورودها عليك (الابتلاءات) وأن تدعها تعبر وتمرّ وأنت متماسك راضٍ مٌتوكّل على ربّك. (بالمناسبة: هناك مقياس في علم نفس الشخصية لاحتمال الضبابية وعدم اليقين وهو مرتبط بالنضوج والصبر).

لا مناص من مواجهة الحياة.. ليس هناك طريقة مختصرة أو shortcut لتجربة الحياة!

وكلّما تأخّرت عن فطام نفسك، ستظلّ طفلًا تجُزعك الابتلاءات وتُغويك النِعَم

وأذكّرك أنّه لا يُنجيك إلّا من يبتليك، ولا يسقيك إلّا مَن زرعك، ولا يُفنيك إلّا مَن أوجدَك ولا يُدبّر لك إلّا مَن خلقك.

وأخوف ما يخافه الإنسان على نفسه أن يكله مولاه إلى نفسه طرفة عين أو أقلّ من ذلك.
الأعزّاء المتابعين للقناة

أشكر لكم دعمكم لقناة مسار طوال الأشهر الماضية، كما أشكر كثيرًا من الأصدقاء والأعزّاء لقيامهم بالمبادرة ونشر منشورات هذه القناة وكلّي امتنان لهذا الدعم الطيّب.

يُسعدني إتاحة خاصية (إرسال الأسئلة) على حساب هذه القناة، حيث سأبدأ بنشر منشور أسبوعيّ -واحد على الأقل بإذن الله- بحسب التفرّغ، وهو منشور خاصّ للإجابة عن أحد الأسئلة أو الاستفسارات، التي أجد فائدة من نشر الإجابة حولها والتي اعتقد أنّ في الإجابة عنها فائدة لمعظم النّاس، أو أنّ المقاربة التي سأقدّمها ستحمل فيما أرى أبعادًا جديدة للنقاش في المجال العربيّ ستثري المسألة. هذا بالإضافة للمنشورات المستقلّة والدورية كما جرت العادة لبعض الظواهر التي يحصل وأن التقطها وأرى أهمّية الحديث عنها خلال ممارستي وبحثي، بعد التوفيق.

وستكون الإجابات عن الأسئلة والمنشورات المُصاغة بالدرجة الأولى بحسب ما يتقاطع مع اهتمامي البحثي ومطالعاتي الشخصية، وأقصد بذلك على وجه الخصوص: الأسئلة التي تتعلّق في المجال النفسي، وتحديدًا علم النفس العياديّ وعلم النفس الاجتماعي والظواهر الاجتماعية وبعض المقاربات التي تتقاطع مع السياق الدينيّ والتدّيني.

مع اعتذاري سلفًا عن الإجابة عن الاستشارات النفسية ذات الطابع الشخصيّ، وتلك التي تتطلّب سياقًا عياديّ، والتي أمتنع عن الإجابة عنها لأسباب أخلاقية ومهنية تستلزم العيادة والمراجعة المباشرة والخاصّة، والتي لا يصحّ فيها تعميم النصيحة وتحمل خصوصية فردية وينبني على الإجابة عنها فروقات فردية عالية.

دمتم بخير