قناة الشيخ الدكتور محمد سعيد الخميس
802 subscribers
428 photos
96 videos
5 files
240 links
♦️تُعنى هذه القناة بنشر المحاضرات والدروس العامّة للشيخ الدكتور محمد سعيد الخميس فيما يتعلّق بالمعرفة الدينيّة كالعقيدة والأخلاق والتفسير والتدبر، بأسلوب ميسّر لعموم الباحثين والمتعلمين.
Download Telegram
*"السَّلامُ عَلَيْكَ يَا ثَارَ اللهِ وَابْنَ ثَارِهِ وَالْوَتْرَ الْمَوْتُورَ"*
لقد فسَّر بعض العلماء والباحثين هذه العبارة المعصوميَّة الواردة في زيارة وارث بأنَّ معنى *«ثار الله»* الانتقام الإلهي لدم الإمام الحسين (ع). وأمَّا *«الوتر»* فمعناه «الوحدة الكمالية للإنسان المتفرِّد بالجمال والكمال»، وفُسِّر *«الموتور»* بأنَّه «انقطاع ظاهر الهداية»، وهذا التفسير قائمٌ على الرؤية التحليلية لمعرفة معاني الكَلِم دون الوصول إلى مدلولاتها القائمة على وحدة البناء، والأصحُّ أن يكون المنهج العلمي قائمٌ على التميِّيز بين المدلول اللغوي والمدلول الحديثي ومعرفة الارتباط بينهما وصولًا إلى الاستنباط العقدي.

وإذا أردنا أن يبلغ البحث مستوى الدراسات التخصصيَّة فينبغي أن نشيِّد المنهج وفق مراتب الاستدلال والبرهان العلمي الرصين، وليس وفق الطرح الإنشائي التفكيكي، بحيث ننتقل من النص إلى الفهم اللغوي ثم إلى فقه الحديث ثم إلى التحليل العقدي، ثم إلى التركيب البنيوي.

*◾️ وعليه فإنَّ البنية المفهومية لعبارة «السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره والوتر الموتور»: تقوم على خمسة مباحث رئيسية:*
1️⃣ التأصيل اللغوي للمفاهيم (الثأر، الوتر، الموتور).
2️⃣ الاستعمال الروائي لهذه الألفاظ في نصوص الزيارات والروايات.
3️⃣ الانتقال من الدلالة اللغوية إلى الاصطلاح العقدي.
4️⃣ العلاقات البنيوية بين المفاهيم الثلاثة.
5️⃣ النتائج العقدية المترتبة على هذا النسق المفهومي.

وبهذا المنهج يصبح كل استنباطٍ مؤسسًا على مقدَّمةٍ علميةٍ رصينة. وعليه فإننا ينبغي أن ننطلق في البحث من فرضيةٍ محورية مفادها: أنَّ عبارة «ثار الله وابن ثاره والوتر الموتور» ليست اجتماعًا لثلاثة أوصاف مستقلة للإمام الحسين عليه السلام، وإنَّما هي منظومةٌ مفهومية بنيوية تصف المراحل الثلاث للقضية الحسينية: حقيقة الإمام، وحقيقة الجريمة، وحقيقة المآل الإلهي.

وهذه الفرضية تفتح بابًا لتفسير العبارة المقدَّسة على أنَّ *«الوتر»* يمثِّل موضوع القضية؛ وهو الإمام بوصفه الحجة الإلهية الفريدة في عصره. و *«الموتور»* يجسِّد حالة القضية وهي المظلومية الناتجة عن العدوان على الإمام المعصوم. وأمَّا *«ثار الله»* فهي مآل القضية؛ أي أنَّ الله تكفّل بإظهار حق الإمام وإقامة العدل الإلهي. فتصبح العبارة كلها بنية منطقية متكاملة. وهذا التحليل البنيوي أدق وأعمق من جعل الثأر والوتر والموتور ثلاثة مفاهيم متجاورة.

*وعليه فإنَّني أرى أنَّ مفهوم الثأر* يحتاج إلى تعميق معرفي؛ لأنَّ الثأر في الرؤية الإمامية المعصومية ليس مجرد استيفاءٌ لحقِّ الدم، بل هو إعادة الاعتبار للنظام الإلهي الذي انتهكت حرمته بقتل الإمام الحسين (ع)؛ فالإمام ليس شخصًا عاديًا كبقيَّة التاس حتى يكون الاعتداء عليه اعتداءً شخصيًا، بل هو مظهر الإرادة التشريعية والتكوينية لله في الأرض. ومن هنا فإنَّ الأخذ بثأره هو إعادة إظهارٍ لسلطنة الحق في التاريخ الإنساني، لا مجرد الاقتصاص من القاتل.

*وكذلك الوتر* لا ينبغي تفسيره ابتداءً بالوحدة الكمالية، بل يبدأ البحث بإثبات أن أصل الوتر في اللغة هو الفرد الذي لا نظير له، ولا يقوم أحدٌ مقامه في زمانه؛ لأنًَ الحجة الإلهية واحدة في كل عصر. وحينئذٍ تصبح الوحدة الكمالية نتيجةً، وليس تعريفًا ولا توصيفًا.

*وأمَّا الموتور،* فمنهجياً لا يُعرَّف بأنه «انقطاع ظاهر الهداية»، لأنَّ هذا تفسير لازمٍ من لوازم المفهوم، وليس معناه المباشر. فالموتور في اللغة هو من أُصيب بوترٍ أو سُلِب حقه أو قُتل له حميم ولم يُدرك بثأره، ثم ينتقل البحث إلى بيان أنَّ الإمام الحسين عليه السلام وُصف بالموتور لأن مظلوميته بقيت مفتوحة في التاريخ، ولم يُظهر الله تمام آثار العدالة فيها بعد، حتى يكون الأخذ بثأره جزءًا من المشروع الإلهي الممتد إلى ظهور الإمام المهدي عليه السلام.

*وهذا التحليل يمنح العبارة وحدةً داخلية متكاملة، ويمنع تفكيكها إلى ألفاظٍ مستقلة.*

🏴 الحلقة الأولى
*د. الشيخ محمد سعيد الخميس*


_____________
*⚜️ يمكنكم الاشتراك في قناتنا على الواتساب عبر الرابط التالي*
https://whatsapp.com/channel/0029Vb83ftkBqbr66NjC1u1D

*⚜️ والاشتراك في قناتنا على التليغرام*
https://t.me/lightsmsk

*📥 ساهم بإرسال هذه الرسالة للمعارف والقروبات لتشاركنا عظيم الأجر والثواب.*
إن هذا التراكم ليس وليد المصادفة، بل يكشف عن أنَّ العناية الإلهية كانت تهيئ بيت أبي طالب وفاطمة بنت أسد ليكون الحاضنة الطبيعية للرسالة قبل البعثة وبعدها؛ ففي هذا البيت عاش رسول الله صلى الله عليه وآله شاباً، وفيه تربى علي بن أبي طالب عليه السلام، ومنه خرج أول المدافعين عن الإسلام.

*ومن هنا فإن دراسة فاطمة بنت أسد ليست دراسة لسيرة امرأة فحسب، وإنما هي دراسة لأحد البيوت التي اصطفاها الله لحمل أعباء الرسالة،* وهو ما يفسر كثافة النصوص التي امتدحتها، وعظمة المواقف التي صدرت من رسول الله صلى الله عليه وآله تجاهها.

*د. الشيخ محمد سعيد الخميس*

_____________

*⚜️ يمكنكم الاشتراك في قناتنا على الواتساب عبر الرابط التالي*
https://whatsapp.com/channel/0029Vb83ftkBqbr66NjC1u1D

*⚜️ والاشتراك في قناتنا على التليغرام*
https://t.me/lightsmsk

*📥 ساهم بإرسال هذه الرسالة للمعارف والقروبات لتشاركنا عظيم الأجر والثواب.*
*▪️حَاضِنَةُ الرِّسَالة▪️*
🔺 الجزء الأول

قال الإمام الصادق (ع) *"«أتى أميرُ المؤمنينَ (ع) رسولَ اللهِ (ص) وهو يبكي، فقال له رسول الله: ما يبكيك؟ فقال: ماتت أمي فاطمة. فقال رسول الله (ص): وأمي والله!»."*

ليست عظمة الأشخاص في الإسلام رهناً بكثرة ما نُقل عنهم من الأخبار، ولا بوفرة ما كُتب عنهم في بطون الكتب، وإنما تُقاس بمقدار حضورهم في صناعة التاريخ الإلهي، وبعمق أثرهم في حفظ الرسالة، وتأسيس معالم الهداية، وتربية رجالها العظماء. ومن هنا فإنَّ كثيراً من الشخصيات التي لم تتصدر ظاهر المشهد التاريخي بل كانت في الحقيقة من أهم صُنّاعه، لأنَّ وجودها كان يمثل الأرض التي نبتت عليها شجرة النبوة ودوحة الإمامة.

ومن أبرز تلك الشخصيات *السيدة الجليلة فاطمة بنت أسد بن هاشم عليها السلام*؛ المرأة التي جمعت من الفضائل والمناقب ما تفرّق في غيرها من النِّساء، فكانت هاشمية النسب، مؤمنة القلب، مهاجرة في سبيل الله، زوجةً لسيد البطحاء أبي طالب عليه السلام مؤمن قريش، وأمًا لوصي رسول الله عليه السلام، وجدَّةً لأئمة الهدى، وحاضنةً للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله في أصعب مراحل حياته، حتى قال فيها كلمةً لم تُنقل بمثل هذا اللفظ في حق امرأة أخرى بعد أمه آمنة: *«كانت أمِّي بعد أمي»*.

وهذه الكلمة ليست تعبيراً عاطفياً مجرداً، بل شهادة نبوية ذات دلالة عقدية وتاريخية وأخلاقية، تختزن في ألفاظها تاريخاً من الإيثار والرعاية والتضحية، حتى غدت فاطمة بنت أسد مثالاً للأمومة الرسالية التي تجاوزت حدود النسب إلى صناعة الرسالة نفسها.

ومع ذلك، فإن المتتبع للمكتبة الإسلامية يجد مفارقة لافتة؛ إذ لم تحظَ هذه الشخصية بما يوازي منزلتها من الدراسات المستقلة، بل جاءت الإشارات إليها متناثرة بين كتب الحديث والسيرة والتراجم، وغالباً ما تُذكر تبعاً لكونها أمَّ أمير المؤمنين عليه السلام أو زوجة أبي طالب، دون أن تُدرس شخصيتها بوصفها محوراً قائماً بذاته.

ولعلَّ سبب ذلك أن كثيراً من الباحثين تناولوا الوقائع المتعلقة بها تناولاً سردياً، فاكتفوا بذكر الحوادث دون تحليل دلالاتها، أو بإيراد النصوص دون استنطاق مضامينها، في حين أنَّ المنهج العلمي يقتضي تجاوز الوصف إلى التحليل، وربط الجزئيات ببعضها لاستظهار الصورة الكاملة لهذه الشخصية العظيمة.

ومن هنا تنبع أهمية هذا البحث، إذ لا يراد منه إعادة سرد ما هو مشهور، وإنما الكشف عن البنية العلمية لمقام هذه السيدة الجليلة من خلال النصوص الأصلية، وتحليلها تحليلاً حديثياً وتاريخياً وعقدياً.

⚜️ والسؤال الرئيس في هذا البحث *ما هي حقيقة المقام الذي تثبته الأحاديث المعتبرة للسيدة فاطمة بنت أسد عليها السلام؟ وهل يمكن استظهار هذه الشخصية الرسالية المتكاملة من مجموع الروايات الحديثية والتاريخية؟*

ويتفرع عن هذا السؤال عدة تساؤلات، منها:
1️⃣ ما الخصائص التي انفردت بها بين نساء بني هاشم؟
2️⃣ لماذا خصها رسول الله صلى الله عليه وآله بتكريم لم يُنقل بمثله لغيرها؟
3️⃣ ما دلالة قوله صلى الله عليه وآله: «كانت أمي بعد أمي»؟
4️⃣ هل تكشف الروايات عن مقام روحي خاص لها؟
5️⃣ كيف نظر إليها أئمة أهل البيت عليهم السلام؟
6️⃣ وما أثرها الحقيقي في صناعة بيئة النبوة والإمامة؟

*وللإجابة عن هذه الأسئلة، يعتمد هذا البحث على منهج مركب يجمع بين:*
* المنهج الحديثي في تخريج الروايات ودراسة أسانيدها عند الحاجة.
* المنهج التاريخي في مقارنة الروايات وتحليل سياقاتها.
* المنهج التحليلي لاستنباط الدلالات العقدية والتربوية.
* المنهج المقارن بين مصادر الإمامية وأهل السنة، لإبراز مواضع الاتفاق والاختلاف.



◼️ *لماذا تُعدّ فاطمة بنت أسد شخصيةً استثنائية؟*
عند دراسة الشخصيات الإسلامية، ينبغي التفريق بين الفضيلة الشخصية والوظيفة الرسالية؛ فقد يكون الإنسان صالحاً في نفسه، لكنه لا يترك أثراً يتجاوز دائرة حياته الخاصة، بينما توجد شخصيات اصطفاها الله لتكون جزءاً من المشروع الإلهي في بناء الرسالة، بحيث يصبح وجودها حلقة لا يمكن فصلها عن مسيرة النبوة.

والتأمل في حياة فاطمة بنت أسد عليها السلام يكشف أنها تنتمي إلى الصنف الثاني؛ فهي ليست مجرد امرأة صالحة، *بل امرأة ارتبط اسمها بكل مرحلة مفصلية من مراحل التكوين الرسالي.* فقد كانت:
* زوجة أبي طالب، الحامي الأول لرسول الله صلى الله عليه وآله.
* الأم التي احتضنت النبي بعد وفاة جده عبد المطلب.
* المرأة التي نشأ النبي في بيتها سنين طويلة.
* الأم التي أنجبت أمير المؤمنين عليه السلام.
* المرأة التي اختصها الله بولادة وصي رسوله في جوف الكعبة.
* السيدة التي خصها رسول الله صلى الله عليه وآله بأفعال لم تُنقل بهذا الاجتماع لغيرها عند وفاتها.

ولو جُرِّدت هذه الحقائق من أسمائها، ثم طُرحت على الباحث مجردة، لحكم بأنَّ صاحبها يحتل موقعاً استثنائياً في التاريخ الإسلامي؛ فكيف إذا اجتمعت كلها في شخصية واحدة؟
⚜️ *الإنسان الكامل والرحمة المهداة*

إنَّ تأسيس المنهجية المعرفية لدراسة شخصية النبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- مبني على تقاطع دقيق وموزون بين المطلق الإلهي والنسبي الإنساني، حيث أنَّ إنسانية الرسول الأعظم (ص) ليست مجرد عرض بيولوجي أو سرد تاريخي؛ بل هي حقيقة وجودية كبرى تمثل المرآة الأصفى لتجلِّي الأسماء والصفات الإلهية في عالم الوجود.
*وسنتطرق في دراستنا الموجزة إلى هذه المباحث الأربعة:*
❇️ المنهج العلمي الاستقرائي: القائم على استقراء الوقائع السيروية والنصية.
❇️ المنهج الفلسفي البرهاني: القائم إثبات أنَّ الكمال الإنساني شرطٌ للفيض الإلهي.
❇️ المنهج العرفاني الشهودي: القائم على سبر أغوار "الحقيقة المحمدية" والوجود النوراني الأوّل.
❇️ المنهج البلاغي الجمالي: القائم على تفكيك النسق البياني في بيان سموّ الذات النبوية.

*أولاً: البعد القرآني*
1️⃣ *إثبات البشرية المحمدية:* والذي يتعرَّض فيه الباري سبحانه وتعالى لبيان بشرية النبي (ص) كقاعدة استراتيجية للنموذج الأسمى؛ حيث أراد الله عزَّ وجل أن تكون إنسانية النبي (ص)واضحةً جلية لئلا تنفصم العروة بين المعبود والعبد، ولتكون القدوة ممكنة التحقق عمليًا، قال تعالى: {قُل إنَّما أنا بَشَرٌ مثلُكم يُوحَى إليَّ أنَّما إلهُكم إلهٌ واحدٌ} [سورة الكهف: 110].
ففي هذه الآية حصر الله عز وجل بشرية النبي بأداة القصر "إنًَما"، ثم أردفها بـ "مثلكم" لتحقيق التماثل الوجودي؛ ليرتفع الإشكال الإنساني في الاقتداء. لكنَّه تعالى استدرك بـ"يوحى إلي" ليؤسس للفرق الرتبي بين المتلقي المعصوم وبين سائر البشر في مرتبة
التلقِّي الوحياني.

2️⃣ *الخلق العظيم والرحمة المهداة*
قال تعالى: {وإنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [سورة القلم: 4]، ويقول: {وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين} [سورة الأنبياء: 107].

▪️ *أولًا: التحليل العلمي والشرعي* والذي ينصُّ على أنَّ حرف الاستعلاء "على" في الآية الأولى يفيد التمكن والاستيعاب؛ كأنَّ الأخلاق العالية مطيّةُ الرسول الأكرم وهو راكبها والممسك بزمامها والمتحكِّم بها والمسيطر عليها. أمَّا قوله "رحمةً للعالمين" فهي الإنسانية المتجاوزة للحدود القومية والزمانية والمكانية فتشمل الوجود بأسره، إذ أنَّها ليس مجرد تشريع، بل هي كينونةٌ رحمانيةٌ ساريةٌ في الكون.

▪️ *ثانياً: المنهج الفلسفي البرهاني* وتشير نظرية الفيض والإنسان الكامل في العرفان النظري إلى أنَّ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يجسِّد "الإنسان الكامل". ولمَّا كان الحق سبحانه وتعالى لا يمكن معرفته بذاته وإنَّما يُعرَف من خلال مرآة أسمائه وصفاته، ولأنًّ المرآة الكونية الكبرى بحاجةٍ إلى صيقل تامِّ الجلاء، كانت "الحقيقة المحمدية" هي أول وجودٍ للفيض الأقدس.
فقد ورد في الأثر العرفاني عن الرسول الأعظم (ص) أنَّه قال: «أول ما خلقَ الله نوري»، وفي روايةٍ أخرى عن جابر بن عبد الله الأنصاري: «« رواه عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شئ خلقه الله قبل الأشياء ؟ قال : يا جابر ، إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره ، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله ، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ، ولا جنة ولا نار ، ولا ملك ولا سماء ولا أرض ، ولا شمس ولا قمر ، ولا جني ولا إنسي ! فلما أراد الله أن يخلق الخلق قَسَم ذلك النور أربعة أجزاء ، فخلق من الجزء الأول القلم ، ومن الثاني اللوح ، ومن الثالث العرش ، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء ، فخلق من الجزء الأول حملة العرش ، ومن الثاني الكرسي ، ومن الثالث باقي الملائكة ، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء : فخلق من الأول السماوات ، ومن الثاني الأرضين ، ومن الثالث الجنة والنار . ثم قسم الرابع أربعة أجزاء : فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين ، ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله ، ومن الثالث نور إنسهم وهو التوحيد : لا إله إلا الله محمد رسول الله».
وإنسانية النبي ليست نفيًا لمقامه اللدني، بل هي الغاية القصوى للوجود؛ فالعالم كله خلِق لأجله، وهو خُلِق ليعكس كمال الله المطلق بأتم وأشمل صيغةٍ بشرية.

▪️ *ثالثًا: إنسانية النبي في مدرسة أهل البيت عليهم السلام* فمدرسة أهل البيت عليهم السلام تمثِّل المفسر الأعظم والمبيِّن الأصفى لعمق الشخصية المحمدية، لكونهم عيْبة علمه وودائع سره.
فقد ورد نهج البلاغة عن الإمام علي عليه السلام واصفًا إنسانية النبي وتواضعه «ولَقَدْ كَانَ (صلى الله عليه وآله) يَأْكُلُ عَلَى الأَرْضِ، ويَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ، ويَخْصِفُ بِيَدِه نَعْلَه، ويَرْقَعُ بِيَدِه ثَوْبَه، ويَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ، ويُرْدِفُ خَلْفَه، ويَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِه فَتَكُونُ فِيه التَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ: ((يَا فُلَانَةُ -لإِحْدَى أَزْوَاجِه - غَيِّبِيه عَنِّي، فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْه ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وزَخَارِفَهَا، فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِه، وأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِه، وأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِه، لِكَيْلَا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً، ولَا يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً ولَا يَرْجُوَ فِيهَا مُقَاماً فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ، وأَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ، وغَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَر وكَذَلِكَ[1] مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْه، وأَنْ يُذْكَرَ عِنْدَه...» (نهج البلاغة، الخطبة 160).
والتدقيق المنهجي لهذا الوصف الدقيق يدمج بين السمو الروحي الأقصى والاندماج الواقعي الكامل مع أضعف طبقات المجتمع البشري، فإنسانية النبي هنا متجذرة في الأرض وليست متعالية عنها.
كما قال الإمام زين العابدين عليه السلام في صحيفته السجادية: «فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد أَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ، وَنَجِيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وَ صَفِيِّكَ مِنْ عِبَادِكَ، إمَامِ الرَّحْمَةِ وَقَائِدِ الْخَيْرِ وَ مِفْتَاحِ الْبَرَكَةِ، كَمَا نَصَبَ لاَِمْرِكَ نَفْسَهُ، وَ عَرَّضَ فِيْكَ لِلْمَكْرُوهِ بَدَنَهُ، وَكَاشَفَ فِي الدُّعَآءِ إلَيْكَ حَامَّتَهُ وَ حَارَبَ فِي رِضَاكَ أسْرَتَهُ وَقَطَعَ فِىْ إحْياءِ دِينِكَ رَحِمَهُ وَاقصَى الادْنَيْنَ عَلَى جُحُودِهِمْ، وَقَرَّبَ الاقْصَيْنَ عَلَى اسْتِجَابَتِهِمْ لَكَ وَ والَى فِيكَ الابْعَدِينَ، وَ عَادى فِيكَ الاقْرَبِينَ، وَأدْأبَ نَفْسَهُ فِي تَبْلِيغِ رِسَالَتِكَ وَأَتْعَبَهَا بِالدُّعآءِ إلَى مِلَّتِكَ وَ شَغَلَهَا بِالنُّصْحِ لاَِهْلِ دَعْوَتِكَ، وَهَاجَرَ إلَى بِلاَدِ الْغُرْبَةِ وَمحَلِّ النَّأيِ عَنْ مَوْطِنِ رَحْلِهِ،...»

*إنَّ إنسانية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي المعجزة الكبرى المستمرة، وهي النموذج الأكمل الذي اجتمعت فيه عبودية الأرض وأنوار السماء. فقد أثبت التحليل المنهجي المقارن من خلال آيات القرآن الكريم، وأحاديث أهل البيت الأطهار (ع)، والمنهج العلمي الاستقرائي، والعرفان النظري أنَّ النبي الأكرم كان يجسِّد الرحمة كمنهج وجودي، ويمثِّل البشري كغاية قصوى لكلِّ باحث عن الحقيقة في هذا الوجود.*

د. ش. محمد سعيد الخميس

_____________

*⚜️ يمكنكم الاشتراك في قناتنا على الواتساب عبر الرابط التالي*
https://whatsapp.com/channel/0029Vb83ftkBqbr66NjC1u1D

*⚜️ والاشتراك في قناتنا على التليغرام*
https://t.me/lightsmsk

*📥 ساهم بإرسال هذه الرسالة للمعارف والقروبات لتشاركنا عظيم الأجر والثواب.*
*⚜️قبسات*
الحقيقة الدامغة :
قال تعالى : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا }
الحقيقة الدامغة التي غفل عنها أكثر المفسرين أن الولاية في قوله " الذين أمنو" ليست حصراً على أمير المؤمنين الإمام علي(ع)
بل تشمل ولاية الأئمة من ولده خلفاء رسول اللّه(ص) .
والدليل على ذلك صيغة الجمع ((والذِينَ آمَنُوا» في الآية الشريفة وورود النص عن المعصوم.
قال الإمام الصادق(ع) في قوله عزّ وجلّ: ((والَّذِينَ آمَنُوا...)):
"إنما يعني أولى بكم أي أحق بكم وبأموركم وأنفسكم وأموالكم اللّٰه ورسوله والذين آمنوا يعني عليا وأولاده الأئمة عليهم السلام إلى يوم القيامة. وصيّر نعمة أولاده بنعمته فكل من بلغ من أولاده مبلغ الإمامة يكون بهذه الصفة مثله فيتصدّقون وهم راكعون"

د. ش. محمد سعيد الخميس

*⚜️ يمكنكم الاشتراك في قناتنا على الواتساب عبر الرابط التالي*
https://whatsapp.com/channel/0029Vb83ftkBqbr66NjC1u1D

*⚜️ والاشتراك في قناتنا على التليغرام*
https://t.me/lightsmsk

*📥 ساهم بإرسال هذه الرسالة للمعارف والقروبات لتشاركنا عظيم الأجر والثواب.