هناك آلام لا تُرَى ولا تُسمَع ، كأن يُنتَزع الأمل من قلب مُقبِل على الحياة ، أو تُحطّم روح توّاقة للبناء ، أو تُطفأ شمعة مضيئة ، أو تُكسَر يَدٌ معطاءة ، أو تُسلَب السكينة من نفس مطمئنة ، هذه الآلام قد لا يُقضَى فيها عند قُضاة الأرض ، لكنها ذات وَقع عظيم عند قاضي السماء .
هناك أمرٌ مُلاحَظ ومشهود بالتجربة الواقعيّة لدى الكثير ، وهو أنّ الأمر المرجو إذا أُحكِم انغلاقه ، وأُوصِدَت أبوابه ، وانعدمت منافذه ، ووصل حَدّه الأعلى من اليأس ، وزهدت به النفس ؛ انفرج وتحقّق ، مثل الليل الدامِس إذا اشتدّت ظُلمته تبعهُ نور الصباح باسِمًا مُشرِقًا .
عندما تقدر على فِعل الخير فافعَل ، وعندما يضع الله في يدك عطاءً قد ينفع غيرك فلا تبخل ، وعندما يكون بإمكانك إضاءة طريق ، أو تشييد بُنيان ، أو بناء روح ، أو إقالة عثرة ، أو بذل إحسان ؛ فكُن مُبادِرًا ولا تجفَل ، واعلَم بأن كل شيء يفنَى إلا الفِعل النبيل ، والأثر الجميل .
تربيّة النفس وتهذيبها ومتابعتها والسعي المستمر نحو صقلها ؛ من أنبَل المهام التي يقوم بها الإنسان العاقل الحكيم ، فهو لا يغفل عنها ، ولا يتركها لهواها ، ويسعى دومًا إلى الارتقاء بها عن الدنايا ، وتجنيبها المواطن التي لا تليق بالنفس المُكرّمَة ، وقد " أفلَح مَن زَكّاها "
إذا أردت أن تظفر براحة النفس ، وسكينة القلب ، وطمأنينة الروح ؛ فكُن مُستحضرًا بأنّ الحياة عابرة بكل ما فيها ، ولا تستحقّ أن تُحَمِّلها ما لا تطيق من الأثقال ، ولا تتعلّق بأشياء زائلة ، وطَهِّر فؤادك باستمرار من الأكدار ، واسأل الوهّاب أن يغمرك بالرِضا فهو سِرّ الهناء .
يؤتيك الله على صفاء نِيّتك عندما تتكدّر النوايا ، ويرزقك على حُسن سريرتك عندما تتلوّث السرائر ، ويجزيك على صدقك وسلامة قلبك ، ويُهَيِّئ لك دروبًا نحو النور تُبعدك عن الظُلمات ، فبقَدر ما يكون داخلك نقِيّاً تُسَخَّر لك الأقدار الطيّبة ، وتهطل عليك الهِبات والمكرُمات .
إذا حصلت على شيء تريده .. فلا تستكثره على نفسك .. لا تقُل : ماني مصدّق ، أو معجزة .. لكن انتبه لايكن شعورك : أوتيته بذكائي أو جهدي .. أو تقول : لأني واعي رفعت استحقاقي .. انتبه .. بل ينبغي أن يكون شعورك الامتنان لله سبحانه : ( هذا من فضل ربي .. وأشكر ربي عليه .. وعند ربي المزيد من فضله ) .
الحياة لاتتوقف .. صحيح أنه أمر مهم .. صحيح أنك متأثر بسببه .. طبيعي .. لكن .. لا بأس .. الحياة تستمر ،والعوض يأتي بفضل ربنا سبحانه ورحمته .. لا بأس ، بعد أن أخذت وقتك وعشت شعورك الطبيعي المرتبط به .. حان الوقت للالتفات إلى جوانب أخرى جميلة في حياتك .. إن أردت ذلك . والحياة لاتتوقف يا عزيزي .
من نُبل الإنسان : أن ما يؤذيه من أقوال أو أفعال يبتعد عن إيذاء الآخرين بها، وأن ما لا يرضى به على نفسه لا يرضى به على غيره ، وأن يضع نفسه دومًا في مكان الآخر ، ويُقَدِّر شعوره ، ويحاول فهم موقفه ، ولا يُفكِّر من منظوره الشخصي فقط ، وهذا وَجهٌ من وجوه الذكاء العاطفي .
سلامٌ على النقيّة قلوبهم ، الكريمة أرواحهم ، الذين يطمئن لهم الفؤاد وكأنهم أوطان آمنة ، الذين تكون معهم كما أنت ، لا يُشكّلونك كما يريدون ، ولا يُقلّبون أفعالك كما يشتهون ، ولا تجد معهم حاجة للتبرير لأنهم يفهمونك ويعرفونك جيدًا ؛ هُم في الحياة عطايا رحمة من رب الرحمة .