INFINITY 𖧾
Video
كان يسكنني تيهٌ يشبه ضياع المراكب في بحرٍ بلا شواطئ. في تلك الأيام، لو جاءني عرّافٌ وقرأ لي الكف، وقال: "كفّ عن البكاء.. فكل هذه الحيرة ستنتهي حين تتقاطع طرقك مع هذا الرجل"، لما بكيتُ على شيءٍ في الدنيا أبداً. كنتُ سأجمع كل قطرة دمع، وأخبئها في أعمق زوايا روحي، لأدخرها كلها ليومٍ واحد.. يوم رحيلك.
الحقيقة، أنا لم أكن يوماً من مقلديك، ولم أتبع خطّك الفقهي، لكنّ العظمة لا تحتاج إلى صكوك تقليد لكي نراها. هناك رجالٌ يختصرون أمة، وأنت كنت ذاك الاختصار.
قبل أن نلتفت حولنا، كنا نعيش في عتمة وتيه لا أول له ولا آخر، جئتنا أنت فلم تكن مجرد مرجع، كنت ثورة في الوعي، صوتاً يوقظ النائمين، وزلزالاً هزّ الركود الذي عشناه لسنوات. تجاوزتَ حدود الفتاوى والكتب، لتصبح فكرة.. والفكرة لا تموت.
لذا، حين رحلت، أدركتُ لماذا كان يجب أن تدخر الدموع. البكاء في المتاهة ضياع، أما البكاء على رحيل من علّمنا كيف نكسر قيود المتاهة ونمشي مرفوعي الرأس.. فهو الوجع الحقيقي الذي يستحق كل دمعة جفت في مآقينا.
الحقيقة، أنا لم أكن يوماً من مقلديك، ولم أتبع خطّك الفقهي، لكنّ العظمة لا تحتاج إلى صكوك تقليد لكي نراها. هناك رجالٌ يختصرون أمة، وأنت كنت ذاك الاختصار.
قبل أن نلتفت حولنا، كنا نعيش في عتمة وتيه لا أول له ولا آخر، جئتنا أنت فلم تكن مجرد مرجع، كنت ثورة في الوعي، صوتاً يوقظ النائمين، وزلزالاً هزّ الركود الذي عشناه لسنوات. تجاوزتَ حدود الفتاوى والكتب، لتصبح فكرة.. والفكرة لا تموت.
لذا، حين رحلت، أدركتُ لماذا كان يجب أن تدخر الدموع. البكاء في المتاهة ضياع، أما البكاء على رحيل من علّمنا كيف نكسر قيود المتاهة ونمشي مرفوعي الرأس.. فهو الوجع الحقيقي الذي يستحق كل دمعة جفت في مآقينا.
وإخوان حَسبتهمُ دروعاً
فَكانوها ولكِن لِلأَعادي
وخِلتهمُ سِهاماً صائِباتٍ
فَكانوها ولَكِن فِي فؤادي!
فَكانوها ولكِن لِلأَعادي
وخِلتهمُ سِهاماً صائِباتٍ
فَكانوها ولَكِن فِي فؤادي!
أهلاً بكم مجدداً..
في غيابي القسري مع المرض، حظيت بفرصة "ممتعة" جداً لمراقبة الساحة التعليمية والتدريبية من بعيد. وبصراحة، شعرت باعتزاز شديد! ليس لأن التعليم بخير، بل لأنني رأيت أفكاري، وطرق شرحي، وفلسفتي الخاصة التي سهرت عليها ليالي، تُعرض أمامي في فيديوهات ومحاضرات لآخرين.. وكأنني أشاهد "مرآة" مشوهة لروحي.
المضحك في الأمر، أن أقرب الناس هم أول من تبرعوا بـ "إعادة تدوير" جهدي ونسبه لأنفسهم مستغلين غيابي. ظنوا أن الجسد إذا مرض، فإن العقل يموت!
وهنا تكمن الفلسفة الساخرة: يمكنك أن تسرق "النص"، لكنك لن تسرق "المؤلف". يمكنك أن تأخذ "الطريقة"، لكنك لن تملك "الروح" التي تحركها. السارق يظل دائماً سارقاً، يرتعد خوفاً من اللحظة التي سيعود فيها صاحب الحق.. وقد عُدت.
في غيابي القسري مع المرض، حظيت بفرصة "ممتعة" جداً لمراقبة الساحة التعليمية والتدريبية من بعيد. وبصراحة، شعرت باعتزاز شديد! ليس لأن التعليم بخير، بل لأنني رأيت أفكاري، وطرق شرحي، وفلسفتي الخاصة التي سهرت عليها ليالي، تُعرض أمامي في فيديوهات ومحاضرات لآخرين.. وكأنني أشاهد "مرآة" مشوهة لروحي.
المضحك في الأمر، أن أقرب الناس هم أول من تبرعوا بـ "إعادة تدوير" جهدي ونسبه لأنفسهم مستغلين غيابي. ظنوا أن الجسد إذا مرض، فإن العقل يموت!
وهنا تكمن الفلسفة الساخرة: يمكنك أن تسرق "النص"، لكنك لن تسرق "المؤلف". يمكنك أن تأخذ "الطريقة"، لكنك لن تملك "الروح" التي تحركها. السارق يظل دائماً سارقاً، يرتعد خوفاً من اللحظة التي سيعود فيها صاحب الحق.. وقد عُدت.
أصعب مراحل الطريق مو الامتحان، أصعبها هي هالأيام اللي ننتظر بيها النتيجة والقلب مقبوض. بس بالفلسفة الروحية، "الانتظار" هو المساحة اللي تبين بيها حقيقة إيماننا. إنتوا سويتوا اللي عليكم، دخلتوا القاعة، وتحديتوا الخوف، وكتبتوا. هسه الأمر مو بيدكم، هو بيد رب العالمين اللي أرحم ببيكم من أنفسكم. تذكروا إن أقداره دائماً محاطة بلطف خفي، والخير مو دائماً باللي نتمناه، الخير باللي يختاره هو سبحانه لأن نظرته أوسع من نظرتنا القاصرة. ريحوا قلوبكم، ترا القلم جفّ، والرحمة قادمة، وإن شاء الله ما تطلع النتيجة إلا وهي جبر لخاطر كل شخص تعب وسهر.
INFINITY 𖧾
Photo
في عتمة مقهى قديم، ارتكبتُ ذات يوم خطيئتي البريئة الأولى. كنتُ صغيراً جداً، أصغر من أن أقاوم جاذبية كتابٍ حمل عنوان "لا أنام" لإحسان عبد القدوس.
أذكر كيف سحبني الورق من زمني، وكيف تآمرت الحكاية لتنسيني موعد عودتي إلى المنزل. انخطفتُ تماماً، واستحوذتني الرغبة في امتلاكه، فسحبته برفق وأخفيته في أعماقي قبل أن أخرج. بقي يشيخ معي لسنوات، حتى نضج فيّ الندم، فعدتُ إلى المقهى ذاته، وأرجعته إلى نفس الرفّ المهجور، كمن يعيد ديناً قديماً للأيام.
واليوم، وأنا أعبر رصيفاً عابراً، التقت عيناي بطبعة جديدة منه.. غلافٌ براق لم تلمسه أصابع الحنين بعد. اشتريته، وجئتُ لأجلس هنا، على ضفاف دجلة الكئيب.
أنظر إلى الماء المتدفق كالعمر الراحل، وأفتش في أعماق النهر عن "علي" المراهق.. أصرخ في صمتي: أين أنت يا صبي؟ أين ذهبت بتلك الروح التي كانت تشتعل؟
يجلس أمامي الآن رجُلٌ يشبهني، لكنه غريب عني. رجلٌ يملؤه هذا الهدوء المرعب.
لماذا غدت نسختك الأكبر منك هادئة إلى هذا الحد الفاجع؟
أذكر كيف سحبني الورق من زمني، وكيف تآمرت الحكاية لتنسيني موعد عودتي إلى المنزل. انخطفتُ تماماً، واستحوذتني الرغبة في امتلاكه، فسحبته برفق وأخفيته في أعماقي قبل أن أخرج. بقي يشيخ معي لسنوات، حتى نضج فيّ الندم، فعدتُ إلى المقهى ذاته، وأرجعته إلى نفس الرفّ المهجور، كمن يعيد ديناً قديماً للأيام.
واليوم، وأنا أعبر رصيفاً عابراً، التقت عيناي بطبعة جديدة منه.. غلافٌ براق لم تلمسه أصابع الحنين بعد. اشتريته، وجئتُ لأجلس هنا، على ضفاف دجلة الكئيب.
أنظر إلى الماء المتدفق كالعمر الراحل، وأفتش في أعماق النهر عن "علي" المراهق.. أصرخ في صمتي: أين أنت يا صبي؟ أين ذهبت بتلك الروح التي كانت تشتعل؟
يجلس أمامي الآن رجُلٌ يشبهني، لكنه غريب عني. رجلٌ يملؤه هذا الهدوء المرعب.
لماذا غدت نسختك الأكبر منك هادئة إلى هذا الحد الفاجع؟
INFINITY 𖧾
في عتمة مقهى قديم، ارتكبتُ ذات يوم خطيئتي البريئة الأولى. كنتُ صغيراً جداً، أصغر من أن أقاوم جاذبية كتابٍ حمل عنوان "لا أنام" لإحسان عبد القدوس. أذكر كيف سحبني الورق من زمني، وكيف تآمرت الحكاية لتنسيني موعد عودتي إلى المنزل. انخطفتُ تماماً، واستحوذتني الرغبة…
وهذه هي النسخة الأصلية.. الكتاب الذي سرقني وسرقته.
من صدك تونست وأنا أقراه بذيج الأيام. جان رفيقي اليومي بـ "الكية" الكعدة ورا السايق مباشرة.. تفتح الشباك، وتفرش الكتاب گدامك على "الدچة"، وتنسى الدينا كلها. ومرات، جنت أمارس تخلفي؛ أورّث جكارة بكل أنانية، ويطلع دخانها يخنك الكاعدين وياية بالسيارة، بينما أنا طاير بعالم ثاني بين السطور!
من صدك تونست وأنا أقراه بذيج الأيام. جان رفيقي اليومي بـ "الكية" الكعدة ورا السايق مباشرة.. تفتح الشباك، وتفرش الكتاب گدامك على "الدچة"، وتنسى الدينا كلها. ومرات، جنت أمارس تخلفي؛ أورّث جكارة بكل أنانية، ويطلع دخانها يخنك الكاعدين وياية بالسيارة، بينما أنا طاير بعالم ثاني بين السطور!