أشباهنا في العالم
11.2K subscribers
319 photos
15 videos
3 files
161 links
حكايا من الضفة الأخرى
"في الترجمة والكتابة والكتب وتفاصيل صغيرة"
Download Telegram
"أثارت الكلمات فال. كانت تمر في ذهنه أحيانًا ذات عصر ذهبي منعش من شهر أبريل، وظل يرددها لنفسه مرة بعد أخرى. "الحب في الليل، الحب في الليل". جربها بثلاث لغات، الروسية والفرنسية والإنجليزية، وقرر أنها كانت أفضل بالإنجليزية. فقد كانت تعني في كل لغة نوعًا مختلفًا من الحب، ونوعًا مختلفًا من الليل. بدا الليل الإنجليزي أكثر دفئًا ونعومة بلمعان النجوم الأكثر وضوحًا ورقة. وبدا الحب الإنجليزي أكثر رقة ورومانسية- ثوب أبيض يعلوه وجه شاحب وعينان كانتا بركتين من الضوء- وعندما أقول هذا، فقد كان الليل الفرنسي هو ما يفكر فيه بعد ذلك، فأرى أن علي العودة والبدء من جديد.
كان فال نصف روسي ونصف أمريكي، فقد كانت أمه ابنة موريس هاسيلتون -ذلك الذي ساعد في تمويل معرض شيكاغو العالمي عام 1892- وكان أبوه-انظر دليل غوته إصدار عام 1910- الأمير بول سيرج بوريس روستوف، ابن الأمير فلاديمير روستوف حفيد دوق كبير-سيرج ذي الفك البارز- وقريب من الدرجة الثالثة أصبح قيصرًا يومًا. لقد كان كل ذلك جميلًا كما ترى، على هذا الجانب-منزل في سانت بيترسبرغ، وكوخ صيد قرب ريغا ودارة كبيرة تشبه القصر تطل على المتوسط- في تلك الدارة في كان، أمضى آل روستوف الشتاء، ولم يكن هذا أبدًا الأمر الذي ذكّر روستوف أن دارة ريفيرا هذه، بدءًا من النافورة الرخامية -تيمنًا ببرنيني- وحتى كؤوس الشراب الذهبي-بعد العشاء- قد أنفق عليها من الذهب الأمريكي".
سكوت فيتزجيرالد
#ترجمة_كل_يوم
"نريد الآن ملاحظة عبقرية المتحدث غير المواطن فلاديمير نابوكوف، في التقاط كل من أسلوب المهاجر الرفيع الثقافة إلى هذه الشواطئ (ربما لن يكون الأمر صعبًا، باعتبار أن الإنجليزية لغته الثالثة)، ولغة السوقة للمراهقين الأمريكيين في عام 1955 تقريبًا. تتجلى عبقريته-بالنسبة للكثيرين منا- متعلقة بامتلاكه للغة، للأمركة التي نادرًا ما يلاحظها معظمنا. في بنين (1957)، مثلًا، الأستاذ المهاجر المنحوس الذي يحمل العنوان اسمه يواجه كل أنماط المتحدثين المواطنين- المزاحمين والمتملقين، الباحثين عن العظمة والمتسلقين اجتماعيًا- ولا يبدو اثنان منهما متشابهين. وفي النار الشاحبة (1962)، التي تعد أعظم أعماله للعديد من القراء، انتصر المهاجر المجنون ربما أو الملكي ربما، تشارلز كمبوت على عائلة الشاعر جون شيد ومعارفه، ومرة أخرى بمعرفة تامة بالأمور التي يفعلها الأمريكيون من أماكن وأجيال مختلفة في لغتهم الأم.
هناك الكثير من المسرات وخيبات الأمل عند القراءة لنابوكوف. تتعلق خيبة الأمل كثيرًا في مدى كون الكاتب أذكى من مما يحتمله القارئ العادي، وهذا يشمل أساتذة الإنجليزية. تكمن المسرات بشكل رئيس فيما يمكنه فعله باللغة، لغتنا، حيث يجعل منها ملعبه. الألعاب، والأحاجي والتوريات والحيل التي يستطيع أن يجعل الإنجليزية تقوم بها، رائعة. والأكثر روعة في كل ذلك، على أية حال، هو كيف يستطيع تصوير حديثنا، كيف يستطيع بشكل رائع التقاط حديث الأشخاص الجدد والغرباء الذين عثر عليهم عندما اكتشف أمريكا."
توماس سي فورستر
*بنين: بافلوفيتش بنين بطل الرواية أستاذ مساعد روسي المولد في الخمسينيات من عمره، يعيش في الولايات المتحدة.
*النار الشاحبة: رواية على هيئة قصيدة من 999 بيتًا بعنوان النار الشاحبة كتبها الشاعر جون شيد وقدم لها جار شيد وزميله في التدريس تشارلز كمبوت، وكلاهما شخصية متخيلة.
#ترجمة_كل_يوم
"-هل كنت تقرأ في طفولتك؟
-لا، أبدًا. وربما لهذا لا أمتلك دافعًا للقص، دافعًا لاتباع شكل محدد من إيقاع السرد.
-ماذا عن المراهقة؟
-ليس كثيرًا في البداية. قرأت دراكولا بعمر الرابعة عشرة. عنكبوت يأكل ذبابة، وجرذ يأكل العنكبوت، وقطة تأكل الجرذ، وكلب يأكل القطة، وربما أكل أحدهم الكلب! هل نسيت مستوى من سلسلة الالتهام؟! ونعم، قرأت ثلاثية ستدز لونجان (للكاتب جيمس ت. فارل)، التي كشفت لي أن حياتي، أو ما شابهها يمكن أن تكون مموضوعًا لاستقراء كاتب ما. كان هذا أمرًا عظيمًا اكتشفته. وبعمر الثامنة عشرة حصلت على عمل صيفي لمراقبة ساحة لعب، في المواقف. وحين قيل لي إن علي ارتداء قميص أبيض وبنطال وحذاء بنيين وأن أضع صفارة حول عنقي، أعطوها لي- وأعني الصفارة- لكني لم أشتر بقية الزي. كنت أرتدي بنطال جينز أزرق وقميصًا ذا مربعات وأحتفظ بالصفارة في جيبي، واكتفيت بالجلوس على مقعد حديقة متصرفًا مثل مواطن عادي. هنا قرأت روايتي فوكنر بينما أرقد محتضرة ونور في آب، ودفع لي مقابل ذلك. ثم قرأت جيمس جويس، وتعلمت منه أن أكتشف شيئًا في اللغة التي تتسم بالإشراق، شيئًا جعلني أستشعر جمال الكلمات وتوهجها، الإحساس بأن للكلمات تاريخ وحياة، وكنت أنظر إلى جملة في أوليس أو موبي ديك أو أعمال همنغواي- ربما لم أكن قد قرأت أوليس في تلك المرحلة، لقد كانت صورة شخصية لفنان-لكني قرأت همنغواي بلا شك والماء الذي كان صافيًا ويتحرك بنعومة والطريقة التي كانت الجيوش تسير بها على الطريق مثيرة الغبار الذي غطى أوراق الشجر، كل هذا في ساحة لعب في برونكس".
دون ديليلو
#ترجمة_كل_يوم
Forwarded from نادي أصدقاء نوبل
"ينحني الموت عليّ
مسألة في الشطرنج أنا
والحل لديه.."
توماس ترانسترومر
"هناك أشياء قليلة تمنح أبي غبطة خالصة، ومبيعات التصفية كانت واحدة منها. عندما كنت في السادسة عشرة من عمري، عاد أبي إلى المنزل يومًا منقطع الأنفاس ليعلن أن الشركة الهندسية القريبة كانت تبيع أثاثها القديم. "كل شيء بأقل من ثمانين دولارًا"، ظل يردد محاولًا أن يخفي حماسه.
السبت التالي، استيقظنا أبي وأنا باكرًا، وانطلقنا -حاملين دفترنا ذا المربعات- لاصطياد الصفقات. قررنا أخذ كلتا السيارتين. كان أبي في ذلك الوقت يقود سيارة بويك لو سابر، كلمة فرنسية أنيقة تعني "أوبك تشكرك"!، وكانت ضخمة، بدرجتين من اللون الأحمر الداكن، كما وصفها السمسار. كان فرشيد يشير إليها بقوله سيارة أبي الأرجوانية، وكان ذلك يغيظ أبي بشكل كبير، وهو ما ضمن تكراره الدائم من قبل أخي المذكور آنفًا. خفض السمسار بضع مئات من الدولارات ليحاول التخلص من هذه السيارة القبيحة، رغم أن أمي قالت: "كاظم، إنها قبيحة فعلًا!" لكن السيارة صارت ملكنا. لم يكن الأمر متعلقًا بلونها فقط، ولا بسقفها الذي كان أغمق بدرجة من الأحمر الداكن/القرمزي/ الأرجواني فقط، بل لأنه أيضًا من الجلد، مانحًا السيارة معادلًا متحركًا لشعر مستعار رخيص. كان الأمر الجيد في سيارتنا، كما ظل أبي يردد دومًا، أنه يسهل تحديدها في مواقف السيارات، لكن كان يمكن لهذا أن يحدث ببساطة إن وضعت دافعة مرحاض على سقف أي سيارة!"
فيروزة دوماس
ضحك بلا لكنة
#ترجمة_كل_يوم
"ثم، بعد أسبوع من النوم بلا أحلام، عاد إلي الكابوس ثانية.
كنا خارج المنزل، لارس وأنا. يا إلهي! نحن نختلط بالناس كثيرًا في عالمي الخيالي. أما في حياتي الحقيقية، فأنا أخرج مساء مرتين أو ثلاث في الشهر تقريبًا. أذهب بين الحين والآخر إلى السينما برفقة صديقات قديمات من أيام عملي في التدريس، لكن معظم هؤلاء الصديقات عليهن أن يخططن قبل أسابيع من أجل الخروج دون أزواجهن أو أطفالهن. كنا من حين لآخر نتناول الغداء، فريدا وأنا، وبين الفينة والأخرى نحضر حفل توقيع كتاب في واحد من متاجر الكتب الكبرى أو المجمعات التجارية في المدينة. كانت هذه المتاجر مواقع لهذا النوع من الفعاليات، لكن مكتبتنا لا تجذب المؤلفين المشاهير، وغير المشاهير أيضًا للقيام بهذا.
لكن معظم الأمسيات أقضيها ممددة على الأريكة أقرأ أو أشاهد التلفاز وأسلان بجانبي. حين أفكر بهذا، أتساءل إن كان لاوعيي يرغب بأن أرتدي ثيابي وأخرج من المنزل وقتًا أكثر كما أفعل في حياتي في الأحلام".
سنثيا سوانسن
#ترجمة_كل_يوم
"تعلمت الكثير منذ دخولي السجن قبل خمسة أشهر: كيف أنظف المنزل باستخدام الفوط الصحية، كيف أمدد سلك إفريز المصباح، كيف أفرق بين كلمة صديق إن كانت تعني صديقة أو حبيبة، متى أشتم بالإسبانية، معرفة الفرق بين الإحساس بشكل جيد أو الإحساس بشكل سيء نوعًا ما، كيف أعرف طباع الحراس. لقد تعلمت وصفة من قواعد الطبخ في السجن: كعكة الجبن (التشيز كيك) الخاصة بالسجن.
جربت الوصفة أول مرة في حفلة مقامة لأحدهم بمناسبة العودة للبيت، وذلك وفقًا لتعليمات رفيقتي في السجن إيفيت، بالإسبانية وإيماءات اليدين، وعلى النقيض من الكثير من السجون، كان يمكن شراء معظم المحتويات الضرورية من مقصف السجن.
كعكة التيشز كيك الخاصة بالسجن:
1- جهزي طبقة من بسكويت الرقائق المسحوق مخلوطة مع أربع قطع من الزبدة المسروقة من قاعة الطعام. اخبزيها في وعاء بلاستيكي لحوالي دقيقة في المايكرويف ثم اتركيها تبرد وتقسو.
2- خذي دائرة كاملة من جبنة البقرة الضاحكة واهرسيها بشوكة واخلطيها مع كوب من بودنج الفانيلا حتى تصبح طرية. أضيفي بالتدريج عبوة كاملة من مبيض القهوة حتى إن كانت متكتلة، واخفقي بعنف حتى تلين ثم أصيفي عصير الليمون من قنينة العصر حتى يبدأ المزيج بالتصلب. ملاحظة: هذا سيستهلك معظم عصير الليمون من القنينة البلاستيكية.
3- صبي المزيج في وعاء فوق الطبقة وضعي ثلجًا في دلو التنظيف الخاص بشريكتك في الزنزانة، حتى تبرد وتصبح جاهزة للأكل.
لقد كانت إسفنجية بعض الشيء في المرة الأولى ، كان علي إضافة عصير ليمون أكثر، لكنها كانت نجاحًا هائلًا. رفعت إيفيت حاجبيها عندما تذوقتها وقالت: أحسنت! وكنت فخورة".
بايبر كيرمان
#ترجمة_كل_يوم
"قال لي أحد الشعراء الزنوج الشباب الواعدين يومًا: "أريد أن أكون شاعرًا، لا شاعرًا زنجيًا"، بمعنى "أنني أود الكتابة مثل شاعر أبيض"، وهذا يعني لا شعوريًا "أنني أود أن أكون شاعرًا أبيض"، ويعني وراء ذلك "أنني أحب أن أكون أبيض". وقد شعرت بالأسى لقول هذا الشاب، لأنه ليس هنالك شاعر حقيقي يخشى من أن يكون نفسه. ثم ساورني الشك، رغم رغبته في الفرار من عرقه روحيًا، أن هذا الولد سيكون شاعرًا عظيمًا. لكن هذا هو الجبل الذي يعترض طريق أي فن زنجي حقيقي في أمريكا، هذا الاندفاع في العرق باتجاه البياض، الرغبة بفردانية عرقية صافية ضمن قالب المعايير الأمريكية، وأن يكون زنجيًا قليلًا وأمريكيًا كثيرًا قدر استطاعته.
لكن لننظر إلى الخلفية المباشرة لهذا الشاعر الشاب. كانت عائلته واحدة ممما يمكن للمرء أن يدعوها الطبقة المتوسطة الزنجية كما أظن، أشخاص ليسوا أثرياء لكنهم ليسوا جياعًا ولا معسرين، بل قومًا نظيفين قانعين محترمين، يتبعون الكنيسة البروتستانتية. يذهب الأب إلى عمله كل صباح، فهو كبير النُدُل في نادٍ للبيض. تخيط الأم أحيانًا بعض الثياب الجميلة أو تشرف على الحفلات لعائلات ثرية من المدينة. يذهب الأولاد إلى مدرسة مختلطة، ويقرؤون في المنزل صحف البيض ومجلاتهم، وتردد الأم كثيرًا: "لا تكونوا كالزنوج" حين يسيء أحد الأطفال التصرف. كما أن للأب عبارة يرددها كثيرًا: "انظر كيف يؤدي الرجل الأبيض الأشياء على نحو جيد". ولذلك تصبح كلمة الأبيض لاشعوريًا رمزًا لكل الفضائل، فهي بالنسبة للأطفال تعني الجمال والخلق والثروة. وتدور الهمسة "أريد أن أكون أبيض" في أذهانهم بصمت. إن منزل الشاعر الشاب هو منزل نموذجي، كما أعتقد، لمنازل طبقة الملونين المتوسطة. يدرك المرء على الفور مدى صعوبة أن يولد فنان في منزل كهذا ليعمل على تفسير جمال قومه هو، فهو لم يتعلم إدراك ذلك الجمال. بل بدلًا من ذلك تعلم ألا يراه، وإن فعل فقد تعلم أن يخجل منه ما دام لا يتوافق مع النموذج القوقازي".
لانغستون هيوز
#ترجمة_كل_يوم
Forwarded from أجنحة صغيرة للصباح
بئر"

إعتاد جدي أن يلقي بذكرياته في بئر قريتنا، و كذلك فعل والدي و فعلت من بعدهم. كانت الذكريات الجميلة خفيفةً جداً فلا تلبث أن تغادر مع وشوشات الفتيات العاشقات و حداء رعاة الأبل عند الفجر، أما الذكريات السيئة فكانت كالحجارة، تقبع في هاوية البئر، فلا دلو يقدر على حملها ولا البكاء يذيبها. عندما وُضعت المضخة الكهربائية غادر الرعاة للأبد، و أُغلقت فوهة البئر فلم يعد بإستطاعتي أن ألقي بذاكرتي هناك و صرت أحملها معي حتى أنحنى ظهري. كانت المضخة قويةً جداً حتى أنها إستطاعت أن تسحب ذكرياتنا السوداء و تدفعها عبر الأنابيب المعدنية إلى بيوت القرية. شرِب أهل القرية من ذكرياتنا و غسلوا أجسادهم بها فأصبحت أرى وجه جدي في كل بيت.

صالح الغبين.
‏"في هذه الحياة ستتعلم كل شيءٍ وحدك
إلا القسوة سيقوم شخص آخر بتعليمها لك !"

آل باتشينو
Forwarded from نادي أصدقاء نوبل
"في يوم العمال عام 1978، أثناء فحصي الذاتي الشهري المنتظم اكتشفت كتلة في الثدي الأيمن تبين لاحقًا أنها خبيثة. أثناء إقامتي اللاحقة في المستشفى – لاستئصال الثدي وما أعقب ذلك- تجاوزت مراحل عديدة من الألم واليأس والسخط والحزن والهرم. كنت أجاز هذه المراحل، وأنا أشعر أحيانًا أنني ليس لدي خيار، ومدركة أحيانًا أخرى أن باستطاعتي اختيار التغافل – أو السلبية القريبة جدًا من التغافل- لكني لم أرغب بذلك. حين أخذت أشعر أنني قادرة أكثر على معالجة الأجزاء المختلفة لهذه التجربة ودراستها، بدأت أشعر أيضًا أنني أصبحت شخصًا أكثر كمالًا أثناء عملية فقدي لثديي.

هناك إحساس من الرغبة، بعد الخضوع لعملية الاستئصال لدى الكثير من النساء من بينهم أنا نفسي، بالعودة إلى الماضي، بعدم الرغبة في المرور بهذه التجربة أيًا يكن التثقيف العميق الذي سيثمر عنها. وهذا الإحساس، هذا الحنين، تثيره الكثير من استشارات ما بعد العمليات الجراحية للنساء المصابات بسرطان الثدي. يعزز هذا الارتباط المتقهقر بالماضي التركيز على سرطان الثدي بوصفه مشكلة تجميلية، مشكلة يمكن حلها بعملية تعويضية".

أودري لورد

#ترجمة_كل_يوم
"لقد عملت مع اللغة طوال حياتي بوصفي كاتبة ومخرجة مسرحية ومعلمة. كنت أستعذب الإنجليزية وأهواءها، وأتحدث من الإسبانية ما يكفي للدردشة حول الوقت والمواسم. أما فرنسيتي فكانت مقبولة لطالبة مدرسة، ومن الإيطالية امتلكت ما يكفي لأعرف إن كان النقاش سيمضي في اتجاه أحادي. ولأنني كنت ممثلة أيضًا، فقد كنت جيدة في لغة الجسد، التي تعني -بطرق عديدة- التعبير الأكثر فصاحة في اللغات جميعًا.
في حانة روكسي، قاطعت ساقيّ وانكببت على مفكرتي مميلة جسدي نحو آلة القهوة. لم يكن هنالك حاجة للسيد إلى مترجم ليعرف أن المحادثة انتهت.
كانت قهوة حانة روكسي مدهشة في تحريري من تعب السفر.
كافيين، خطيئة صغيرة. إدمان بدأ حين انتقلت للعيش في ملبورن أول مرة، متقاسمة المنزل وآلة صنع القهوة مع صديقتي سوزان، التي تعيش في إحدى ضواحي روما في أول الشارع من حانة روكسي قرب المدرسة البريطانية.
كنا نناقش الأخبار، ونحن نتناول الشاي من إبريق لطيف، قبل أن أنطلق إلى أسواق باريولي لأموّن زاويتي من الثلاجة وللحصول على القدر المطلوب من الكافيين".
أليسا بايبر
#ترجمة_كل_يوم
رسائل غير متبادلة
بثينة الإبراهيم

يحث موقع ديبريت لآداب اللياقة أو ما يعرف بالإتيكيت البريطاني على ضرورة العودة إلى كتابة الرسائل بخط اليد، منبهًا إلى خطورة البريد الإلكتروني وقبح الرسائل النصية والمكالمات الهاتفية الغاضبة، ويتساءل القائمون عليه عن أي إرث من حضارتنا سنتركه للأجيال القادمة إن كان كل ما نملكه هو البيانات البنكية والوثائق الرسمية، ولا بد من محاربة هذه العتمة بكتابة رسائل الحب والعائلة، وأن نستعيد تركيزنا الذي سلبته التقنية بالاعتماد على خاصية المسح دون تلويث الورقة بلطخ الحبر!

ظل فن كتابة الرسائل يحتل حيزًا لا بأس به – إن لم يكن كبيرًا- من الأدب الإنجليزي والفرنسي على الأقل بحسب ما وصلنا أكثر من الآداب الأخرى، وإن لم تكتب تلك الرسائل بالدرجة الأولى بغرض النشر، لكنها صارت بعد ذلك متاحة بعد وفاة أصحابها بما يمنحنا صورة عن مجتمعات لم نعش فيها، إلا أننا عشناها بطريقة أو بأخرى. وقد كانت نوعًا من الكتابة يمارسه الجميع- رجالًا ونساءً- كلٌ بحسب قدراته ومواهبه الأدبية إن صح التعبير.

من الواضح أن النساء بدأن كتابة الرسائل في القرن السادس عشر كما تشير إلى ذلك فرجينيا وولف في حديثها عن دوروثي أوزبورن في كتابها القارئ العادي/ الجزء الثاني، منبهةً إلى أنها - دوروثي- لو ولدت بعد هذا التاريخ بقرن لكتبت الرواية، ولو ولدت قبله بمئة عام لم تكن لتكتب شيئًا، فهي نفسها كانت تستهجن كتابة المرأة، غير أنها لم تعتبر كتابة الرسائل من هذا النمط من الكتابة الذي قد يجلب لها استهزاء المجتمع وتجريح كبريائها.

على أية حال، ليست حالة دوروثي فريدة في ذلك العصر، فمثلها كثيرات لجأن إلى كتابة اليوميات أو الرسائل للتعبير عن ذواتهن وأحلامهن وأفكارهن، أو حتى لتبادل الإشاعات والأمور اليومية العادية الباهتة كما كانت دوروثي تفعل في رسائلها إلى حبيبها تمبل.

ما فعلته دوروثي فعله مثلها كثير سواء في الغرب أو في الشرق، ولدينا في المكتبة العربية الكثير من الكتب التي نشرت فيها رسائل متبادلة بين الأدباء (الرجال إلى الرجال، أو الرجال إلى النساء)، والأمثلة على ذلك كثيرة يصعب حصرها كلها، لكن لعل أشهرها رسائل مي زيادة وجبران وغسان كنفاني وغادة السمان وعبدالرحمن منيف ومروان قصاب باشي وغيرها. وقد يبدو الأمر طبيعيًا حتى الآن، لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: هل هناك رسائل متبادلة بين امرأة وامرأة؟ أعني ليس على الصعيد العائلي، بل بين نساء يعملن في المجال نفسه، ولنقل بين الأديبات وهو مجال حديثنا هنا، لماذا لا تكتب النساء رسائل يخاطبن فيها عقول بعضهن بعضًا كما يفعل الرجال؟ والمقصود هنا نمط الرسائل المعتاد الذي يتطلب مرسلًا ومرسًلا إليه وعنوانًا بريديًا، ولا أقصد الرسائل العامة – أو بالأحرى الخطابات- التي قد توجهها الناشطات في مجال تحرير المرأة (أو عكسه) إلى نساء العالم، ما أحاول إثارة التساؤل حوله، هو كتابة الرسائل بشكل شخصي.

يقال إن المرأة عدوة المرأة، أو بمعنى آخر تغار المرأة من نظيرتها، وقد لا تأمن أن تسرق هؤلاء بعضًا من أفكارها، رغم أن هذا الأمر واردٌ في عالم الرجال أيضًا لكن هذا الهاجس لا يستحوذ عليهم، يمكنني القول إن هنالك الكثير من النساء اللاتي يفكرن بهذه الطريقة، وترى كل واحدة منهن أنها أكبر من أن تتعاطى مع قريناتها، وبخاصة إذا جمعتهن مهنة واحدة، وخاصة إذا كانت صاحبة الأفكار الجديدة أصغر منهن. هل هي حقًا عقدة «خيانة الأخوات»؟ ألا يخون» الإخوة»؟ تقتصر كتابة المرأة للمرأة - بحسب ما اطلعت عليه حتى الآن وكلها إصدارات غربية- على رسائل لنساء لا تعرفهن ولا تعرف عددهن رغم أنها تدعوهن أخواتي، كما فعلت أندريا دوركين مثلًا في كتابها رسائل من ساحة الحرب، وكانت تركز على أمور عامة وخاصة في الآن نفسه، أعني أنها قد تحدث لكل بنات جنسها ولها على حد سواء.

يتفق الباحثون على أن النساء بارعات في كتابة الرسائل، ومن تجربة شخصية – قد لا تكون مناسبة للتعميم- يمكنني القول إنهن كذلك، لكن أكثر صديقة صمدت معي في موضوع المراسلات كتبت لي ثلاثًا فقط، فهل السبب لعنة صندوق البريد التي تطاردني أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟ تتساءل بيبلونة!!
http://www.al-jazirah.com/culture/2015/12122015/fadaat24.htm
"حين كنت شابًا كنت قارئًا مولعًا بسارتر، وقرأت للروائيين الأمريكيين وبخاصة الجيل الضائع؛ فوكنر وهمنغواي وفتزجيرالد ودوس باسوس، وبالأخص فوكنر. من بين الكتاب الذين قرأتهم في شبابي، كان واحدًا من القلة الذين أهتم بهم، ولم أصب بخيبة الأمل حين أعدت قراءته، كما حدث لي مع همنغواي. لم أكن لأعيد قراءة سارتر اليوم. فبالمقارنة مع كل ما قرأته يبدو أدبه منتهي الصلاحية، وقد فقد الكثير من قيمته. أما بالنسبة لمقالاته فأرى أن معظمها أقل أهمية باستثناء كتاب واحد هو "سانت جينيه: كوميدي أم شهيد"، الذي ما زلت أحبه؛ فهي مفعمة بالتناقضات والغموض والتشتت والأخطاء.
هذا لم يحدث لي مع فوكنر أبدًا، وقد كان الروائي الأول الذي أقرأ له حاملًا ورقة وقلمًا، لأن تقنيته أذهلتني. كان الروائي الأول الذي حاولت تجديد عمله بمحاولتي احتذاءه، في تنظيم الوقت وتقاطع الزمان والمكان مثلًا، وفواصل السرد وقدرته على سرد قصة من وجهات نظر مختلفة لخلق الغموض مما يمنحها عمقًا مضاعفًا. وكان ذلك مفيدًا لي لكوني من أمريكا اللاتينية، لأن أعماله مصدر هام للتقنيات الوصفية القابلة للتطبيق على عالم لا يختلف، بصورة ما، عن الذي وصفه فوكنر. وقرأت طبعًا بشغف نهِم روائئي القرن التاسع عشر؛ فلوبير وبلزاك وديستويفسكي وتولستوي وستاندال وهوثورن وديكنز وملفل، وما زلت قارئًا شرهًا لكتّاب القرن التاسع عشر.
بالنسبة لأدب أمريكا اللاتينية، كان الأمر غريبًا، فلم أكتشفه حتى عشت في أوروبا وأخذت أقرأه بحماس شديد. كان علي تدريسه في الجامعة بلندن، وقد كانت تجربة مثرية لأنها أجبرتني على النظر إلى أدب أمريكا اللاتينية ككل. ومنذئذ؛ قرأت بورخيس الذي كنت مطلعًا عليه بعض الشيء، وكاربنتيير وكورتاثار وغويمارس روسا وليمازا ليما، أي الجيل كله باستثناء ماركيز. كما بدأت أقرأ أدب أمريكا اللاتينية في القرن التاسع عشر، لأنني كنت أدرّسه. أدركت عندها أن لدينا كتّابًا مثيرين للاهتمام للغاية، والروائيين بشكل أقل من كتاب القصص والشعراء. فقد كان سارمينتو مثلًا – الذي لم يكتب رواية واحدة- أحد أعظم كتاب القصص الذين أنجبتهم أمريكا اللاتينية، وكانت "فوكاندو" عملًا عظيمًا له. لكن لو كان علي اختيار اسم لاخترت بورخيس، لأن العالم الذي يبتكره كان يبدو لي أصيلًا بلا شك. وإلى جانب أصالته الفائقة، فقد وهب ثقافة وخيالًا هائلين كانا من صنعه بشكل واضح. ثم إن هناك لغة بورخيس التي كسرت بشكل ما تقليدنا وابتكرت تقليدًا جديدًا. فاللغة الإسبانية لغة تميل إلى الغزارة والوفرة والكثرة، وكان الكتّاب العظام كلهم مسهبين في أساليبهم من ثربانتس إلى أورتيغا ي غاست وفالي إنكلان أو ألفونسو رايس. أما بورخيس فقد كان على العكس منهم في إيجازه واقتصاده ودقته. إنه الكاتب الوحيد باللغة الإسبانية الذي يملك أفكارًا بقدر ما يملك من الكلمات. إنه أحد أعظم كتاب عصرنا".
مارغو فارغاس يوسا
#ترجمة_كل_يوم
"- أمضيت وقتًا طويلًا في السنوات الأخيرة في دعم حركات التحرر في أمريكا اللاتينية، ألم يساعدك هذا أيضًا في جعل الواقع والخيالي أقرب إليك، وأن يجعلك أكثر جدية؟
- حسن، لا تعجبني صفة "الجدية"، لأنني لا أرى نفسي جادًا، ليس بالصورة التي يتحدث بها المرء عن رجل جادة أو امرأة جادة على الأقل. لكن محاولاتي في السنوات الأخيرة فيما يتعلق بأنظمة بعينها في أمريكا اللاتينية – الأرجنتين وتشيلي والأورغواي ونيكاراغوا قبلها كلها- قد استحوذت علي إلى الحد الذي جعلني أوظف الخيالي في قصص محددة للتعامل مع هذا الموضوع بطريقة قريبة جدًا من الواقع برأيي. لذلك أشعر أنني أقل حرية من قبل. فقد كنت قبل ثلاثين سنة أكتب أمورًا تخطر لي وأحاكمها بمعايير جمالية فقط، فأنا كاتب قبل كل شيء، لكني الآن كاتب موجوع، مشغول بوضع أمريكا اللاتينية الذي يتسلل إلى كتاباتي باستمرار بطريقة واعية ولا واعية. ورغم القصص التي تحمل إشارات دقيقة إلى مسائل سياسية وعقائدية محددة، إلا أن قصصي لم تتغير في جوهرها، فهي ما تزال قصصًا من الخيال.
مشكلة الكاتب الملتزم، كما يسمونه اليوم، أن يسمر في كونه كاتبًا، وإذا تحول ما يكتبه إلى أدب ذي محتوى سياسي، فقد يصبح كاتبًا عاديًا. وهذا ما حدث لعدد من الكتّاب. لذا فإن المسألة هي مسألة توازن. بالنسبة لي، ما أقدمه يجب أن يكون أدبًا دومًا، بأقصى ما أستطيع، وأن أتجاوز الممكن، لكني أحاول في الوقت نفسه إضافة توليفة من الواقع المعاصر وهذه موازنة صعبة. في مجموعة "المقصيّون" هناك قصة عن الجرذان بعنوان "ساتاراسا"، وهي قصة مبنية على الصراع بين الكتائب الأرجنتينية، كان الإغواء فيها أن أصف المستوى السياسي وحده".
خوليو كورتاثار
#ترجمة_كل_يوم
"لقد كان عملي بوصفي أمينة مكتبة ذا فائدة كبيرة، فائدة هائلة. جاءت الآنسة ليونارد التي تعمل في فرع هدسون بارك لمكتبة نيويورك العامة الواقعة مقابل منزلنا لرؤيتي يومًا ولم أكن في البيت. وسألت أمي إن كانت تظن أنني مهتمة بالانضمام إليهم والعمل في المكتبة، لأنني كنت مولعة بالكتب وأحب الحديث عنها مع الآخرين. فقالت أمي إنها لا تظنني كذلك، فأولاد الإسكافي لا يملكون أحذية، ولو أصبحت من طاقم العمل فلن أحظى بوقت للقراءة. حين عدت إلى البيت أخبرتني بذلك، فقلت لها إن ذلك مثالي حتمًا، وكنت سأخبر الآنسة ليونارد أنني سأعمل نصف النهار فقط. لو كان مطلوبًا مني العمل طوال النهار وفي الأمسيات وفي أوقات إضافية فلن يكون ذلك مناسبًا.
كانوا يعطوننا الكتب لمراجعتها -بشكل تطوعي- وكنت أحب ذلك. لم يدفعوا لنا لكني حظيت بالوقت لاكتشاف ما أنا مفتونة به. أعتقد أنني ما زلت أحتفظ في مكان ما بنسخ كربونية من تلك الملخصات والبطاقات المكتبية، لقد كانت من الأمور التي تبرز أفضل ما لدي.
كنت أتساءل دومًا لماذا لا يعطوني كتابًا عن الفن أو كتابًا طبيًا أو حتى تاريخيًا أو نقديًا. كانوا يعطوني أدبًا دائمًا، أدب أفلام صامتة".
ماريان مور
#ترجمة_كل_يوم
حساب جديد
لدي قاموس قديم، عمره مئة وعشرون سنة تقريبًا، أحتاجه لعمل محدد أقوم به هذا العام. كانت صفحاته بينة عند الهوامش وهشة، وكبيرة جدًا. كنت أخشى تمزقها وأنا أقلبها. حين أفتح القاموس كنت أخشى أيضًا أن أمزق ظهره، الذي كان ممزقًا أساسًا في المنتصف. كان علي أن أقرر، في كل مرة أفكر في العودة إليه، إن كان الأمر يستحق تخريب الكتاب أكثر بغية البحث عن كلمة بعينها. وبما أنني بحاجته لهذا العمل، فقد كنت أعرف أنني سأخربه، إن لم يكن اليوم فسيكون غدًا، وأنني في الوقت الذي سأفرغ فيه من هذا العمل فسيكون في حالة أكثر بؤسًا مما كان عليه عندما بدأت، إن لم قد تلف كليًا. حين أخذته من الرف اليوم، لاحظت أنني أعامله بقدر كبير من العناية أكثر مما أعامل به ابني الصغير. في كل مرة أحمله، كنت أحرص بشدة على ألا أؤذيه؛ كان هدفي الأول ألا أؤذيه. ما فاجأني اليوم هو أنه على الرغم من أن ابني يجب أن يكون أكثر أهمية لي من قاموسي القديم، فلا أستطيع القول إنني هدفي الأول في كل مرة أتعامل فيها معه هو ألا أؤذيه، بل يكون هدفي الأول دومًا أمر آخر، أن أعرف مثلًا واجبه المنزلي، أو أن أقدم العشاء على المائدة، أو أنهي مكالمة هاتفية. إن وقع له مكروه أثناء ذلك، فلا يبدو أنه مهم لي بقدر ما يهمني إنهاء المهمة، أيًا كانت. لماذا لا أعامل أبني كما أعامل القاموس القديم على الأقل؟

ليديا ديفيس

#ترجمة_كل_يوم
طعم الكرز: طعم الموت أم طعم الأمل؟
بثينة الإبراهيم


«وداعاً للطرق المعبَّدة/ وداعاً لإشارات المرور/ عليّ أن أتّخذ دربي عبر الغابة/ عليّ أن أكون شقياً»

- منذر مصري

يقول المؤرخ الروماني تيتوس ليفيوس عن مستعمرة ماسيليا إن من أراد الانتحار فيها، كان يتقدم بطلب إلى مجلس الشيوخ، وهذا الأخير كان يقدم نبات الشوكران السام مجانًا للراغب بالانتحار إن وجدت أسبابه معقولة! ويبدو أن السيد بادي في فيلم طعم الكرز (قصة وإخراج عباس كيارستامي حاصل على السعفة الذهبية في مهرجان كان عام 1997) كان يبحث عن موافقة مماثلة، فيقطع الدروب بحثًا عن شخص مناسب لهذه المهمة التي يراها بسيطة مقابل مبلغ من المال، ولا يبدو أنه يختار عشوائيًا-رغم اختياره العشوائي- بل حرص على أن يكون دقيقًا في مهمته في العثور على «المخلص»!

رغم أن غالب المشاهد كانت تدور في وقت الظهيرة القائظة، إلا أن السواد لم يغب عن الأفق، سواد الكآبة التي كانت تسيطر على السيد بادي وتثير في نفسه الرغبة الملحة بالانتحار والتخلص من حياة لم يعد يراها مجدية. لكنه بالإضافة إلى ذلك يبدأ رحلة مدفوعًا بأمل العثور على من يقبل أن يهيل عليه التراب، بعد إقدامه على وضع حد لحياته، القاحلة المجدبة كالصحراء التي يدور فيها، تمامًا مثل شمس الظهيرة، لا طائل منها سوى الحروق، ولم تفلح مظاهر البناء التي كان يتجول قربها، في إقناعه أن الحياة تستمر ولا تتوقف عند غيابه أو غياب غيره ولا أن تثنيه عن عزمه!

قد يكون سبب إصرار بادي على إيجاد ذلك الشخص المأمول، شخص يعرف بنيته في الإقدام على قتل نفسه صمام أمان له، وكأن وجود المطلع على سره يؤكد له أنه لن يتردد في إنهاء حياته، شخص يبدو كالمسمار المثبت في الجدار الذي كان الطلبة الهنود يربطون به شعورهم كي لا يناموا أوقات الدراسة، وحين وافق الرجل المسن على أن يكون صمام الأمان أو المسمار، ألح عليه بادي أن يوقظه قبل أن يدفنه بحجر أو اثنين، وحتى أن يهزه من كتفه ليتأكد أنه ليس نائمًا ويكون قد دفنه حيًا، وفي هذا يبدو مثل دون أوغوسطو بطل رواية ضباب لميغيل دو أنامونو (ترجمة صالح علماني، دار أثر 2016)الذي كان يرغب في الانتحار وحين أخبره كاتب القصة أنه سيقتله اعترض، مع أن النتيجة واحدة في النهاية، الموت والدفن في حفرة!

لا شك أن بادي كان يشعر بالوحدة طوال الوقت، وكان يتخلص منها في جولته بالسيارة مع الشخص المختار (المجند الشاب، الأفغاني المتدين، الرجل المسن) كان عندها يشعر بالصحبة المؤقتة التي انتهت سريعًا بهرب المجند ورفض المتدين وموافقة المسن ووصوله إلى عمله على أن يلتقيا في اليوم التالي، رغم أن احتمال لقائهما فعليًا كان ضئيلًا.

كانت الابتسامة التي غمرت وجه بادي بعد نجاح مهمته في شطرها الأول قد خففت من تجهم ملامحه، بخاصة حين اطمأن أن الشيخ سيحافظ على وعده وسيأتي في الوقت المحدد، فبدا كمن عثر أخيرًا على رفيق مناسب يرافقه في رحلة العودة إن استيقظ، أو يحمل مجرفته ليردم بها الحفرة/ القبر في المكان الذي اختاره ليكون مستقره الأخير تحت ظل الشجرة. كان ما يحرض السيد بادي طوال الوقت هو «الآمال الشاقة» بتعبير الشاعر منذر مصري، حتى أولئك الرومان الذين يتقدمون بطلبهم إلى مجلس الشيوخ، الأمل الذي يترك لبادي وللجميع النهايات مفتوحة على مصراعيها، فسحة يلونونها «كما شاء الهوى»..

http://www.al-jazirah.com/2016/20160716/cm18.htm