أشباهنا في العالم
11.2K subscribers
319 photos
15 videos
3 files
161 links
حكايا من الضفة الأخرى
"في الترجمة والكتابة والكتب وتفاصيل صغيرة"
Download Telegram
عام 1981 كنت موظفًا في واحدة من دور النشر الحكومية بوصفي محررًا. كانت المدة المعتادة لإصدار كتاب وفق ذلك النظام تبلغ سنة ونصف، ووجدتها فترة طويلة جدًا إن أردنا أن نتصرف سريعًا ونصدر عناوين جديدة بالتزامن تقريبًا مع طبعاتها الأصلية. لم يكن مسموحًا امتلاك دور نشر خاصة في ذلك الوقت في يوغسلافيا، لكني استغللت الفرصة القانونية لنشر ترجمتي الخاصة بطبعة مستقلة. كانت الفكرة الأساسية إصدار عمل آرثر سي كلارك "2010: أوديسة اثنان" بهذه الطريقة الوحيدة، لكن استجابة القراء كانت مواتية بحيث لم أستطع التوقف ببساطة. في السنوات الثمانية عشرة التالية نشرت في بولاريس أكثر من 200 عنوان، معظمها ترجمات. على أية حال، كان علي في أواخر عام 2000 اتخاذ قرار لما أفضله أكثر، أن أكون ناشرًا أم كاتبًا. لم يعد باستطاعتي القيام بالعملين معًا وأنا أبلغ الخمسينيات من عمري، فاخترت أن أكون كاتبًا ولم أندم لذلك.
زوران جيفكوفيتش
#ترجمة_كل_يوم
"لم أفكر أبدًا بالموت أو الخلود، ولكن بالنظر إلى هذا التشخيص أو احتمالية التشخيص، أدركت أن الموت يمكن أن ينظر إليه، من ناحية طبية، لا على أنه حتمي، بل على أنه احتمال.
في الماضي لم أدرك يومًا الإحساس بالموت بهذا القرب، ولكن إن فكرت بالأمر حقًا، ستجد بعيشك كل يوم أن هنالك بلا شك نسبة ضئيلة للموت لكنها موجودة بلا شك، مهما كان ما تفعله، وأينما كنت.
ربما شغلني التفكير بالموت طوال الوقت، ولكن هذا ما تفعله حين تكتب أدبًا، أن تفكر بالموت. إنه الأمر الوحيد الذي لا يمكن لأحد – لا أحد على الإطلاق- أن يتحاشاه، الأمر الوحيد الذي يحدث لكل البشر بلا استثناء. لقد أدركت أن هذا هو الموت بعد أن بدأت بكتابة الأدب. كان علي أن أعرف ذلك قبلًا، لكني لم أفعل. لقد فهمته حين كان علي العيش مع شخصيات قصصي، ودهشت لكوني لم أفهمه من موت أي أحد في حياتي، بل من الأشخاص الذين لم يموتوا بعد، الذين يعيشون في رواياتي".
هيرومي كاواكامي
#ترجمة_كل_يوم
"ليس هنالك ما هو غير عادي في كوني ولدت في أمريكا اللاتينية وانتقالي إلى إسبانيا، لكنني هاجرت حين كنت صبيًا، وهذا ما أتاح لي تعليمين حكوميين وجعلني أفقد ثوابتي الوطنية للأبد. ولم تكن فكرتي، بل فكرة والديّ. انتقلنا من بوينس آيرس -التي كانت مدينة كبيرة نشطة مركزية- إلى بلدة صغيرة مسالمة في جنوب إسبانيا. قد تكون الهجرة الطبيعية من بوينس آيرس إلى مدريد، لكني لم أغير البلدان فحسب، بل غيرت الإيقاع. لا أظن أن هنالك الكثير من كتّاب أمريكا اللاتينية ممن هاجروا إلى غرناطة تحديدًا. وكان هذا يعني أن عليّ أن أعيد تعلم ضوابطي الاجتماعية، حتى طريقتي في المشي، كما أن علي أن أعيد تعلم لغتي الأم. إن كنت راشدًا ولديك لكنة يمكن أن تكون فاتنة ومثيرة لأنك شخص أجنبي، لكنك لا تفكر بذلك حين تكون في الثانية عشر، وحين تدخل الثانوية تحاول أن تنتمي لمكان ما ولم أكن أنتمي لأي مكان. لذا اكتسبت سريعًا القدرة على التحدث باللكنة الأندلسية كيلا أكون محط الأنظار طوال الوقت.
لدي الآن لكنتان؛ أتكلم بلكنتي الأرجنتينية حين أكون خارج إسبانيا ببساطة، لكن من جهة أخرى لقد عشت في غرناطة لأكثر من عشرين عامًا، وزوجتي إسبانية ، ومات أمي في إسبانيا، وهو ما يعني الكثير بالنسبة لي: فلا يمكنني أن أذهب الآن وأختار ساحلًا، الاختيار بين مسقط الرأس وقبر أمي، لا أستطيع فعل ذلك. أظن أن كل هذه الأحداث السيَرية قد منحتني إحساسًا بالغرابة تجاه الجغرافيا، تجاه الفضاء الذي تسرد فيه قصة، تجاه أصول الشخصيات. وبعد عدة سنوات أصبحت هذه الأمور مركزية في كتابتي".
أندريس نيومان
#ترجمة_كل_يوم
‏"لقد صُمِّمت اللغة السياسية لكي تجعل الأكاذيب تلبس ثوب الحقائق، ولكي تقتل ما هو جدير بالاحترام"
جورج اوريل
كلمات متقاطعة 


كلمات متقـاطـعة

بثينة الإبراهيم

يخطر لي أحيانًا أن أتخيل شكل الحياة دون ذاكرة، كيف سيكون لونها؟ بيضاء كما يرى سعد الله ونوس لتكون البداية ممكنة؟ من قرر أن البياض هو لون الفراغ؟ الأسود أيضًا يمكنه أن يكون كذلك باقتدار، والأحمر والأصفر وغيرها من الألوان التي تلزم سطحًا واحدًا دون تعرجات أو منعطفات!

 حسنٌ، لنترك حديث الألوان جانبًا ولنعد لموضوع الذاكرة "البيضاء" أو الفارغة، في رواية "قبل أن أخلد للنوم" لـ س.ج.واتسون (ترجمة أفنان سعد الدين صدرت عن الدار العربية للعلوم عام 2012)  تعاني البطلة "كريستين" من فقدان الذاكرة أو بالأحرى من استمرار ذاكرتها ليوم واحد فقط، الأمر الذي جعل طبيبها يسألها كتابة يومياتها كنوعٍ من التوثيق وأن تعيد قراءتها يوميًا ليكون لديها مخزونٌ تستند عليه طيلة اليوم الذي تصبح فيه ذاكرتها "ملونة"!

هذا الخواء القسري الذي حاصر كريستين جعل حياتها تبدو مثل كلمات متقاطعة، حتى لو ملأت فراغات المربعات ستتشكل لديها كلمات مفيدة، لكن مجموع الكلمات لا يمكن أن يمنحها جملة! يبدو الأمر غاية في الصعوبة، أعني أن يجد المرء نفسه كل صباح مثل ورقة فارغة – بغض النظر عن لونها- بلا تاريخ أو هوية، ويحتاج من يخبره بمن يكون حتى إن كان يعرف اسمه، غير أنه يفتقر إلى الماضي، أرضيته التي يحتاج أن يثبّت قدميه عليها، وهو ما يمنح الآخرين فرصة لتشكيل تاريخه كما يريدون دون أن يتمكن من التدخل أو الاعتراض، لأنه لا يملك خيارًا آخر سوى تصديق ما يقال له!

هنالك شعوب بعقول سليمة وذواكر ممتلئة- بالمعنى الحرفي والمجازي للكلمة وعلى الصعيدين الإيجابي والسلبي أيضًا والأخير أكثر ربما-  لكنها تنزع إلى الاستسلام وتسلّم تاريخها لفرد (المستبد) يصوغه كيفما يشاء، ويملأ أرجاء البلاد بصوره وأقواله، بنوعٍ من التذكير القهري بأنه هناك وهنا وفي كل مكان، يفصّل التاريخ على مقاساته وأبعاده هو وحده هذا إن لم يمحُ التاريخ ويبدأه بيوم توليه السلطة الذي يجبّ ما قبله، نوع من غطرسة الوضيع على حد تعبير محمود درويش البليغ.

إن كان الأمر صعبًا فيما يتعلق بالشعوب، فلا أظنه يقل صعوبة عن ذلك بالنسبة لنا جميعًا كأفراد نعيش تواريخنا ونكتبها بطريقة خفية. نحرص على التقاط الصور أو كتابة اليوميات أو الاحتفاظ بقصاصات من هنا وهناك لنا وللأصدقاء الذين ينفضّون سريعًا بعد حفلة الشاي الأخيرة التي لاكوا فيها حفنة من ذكريات، لجمعٍ لم يبق منهم سوى آثار أقدامٍ حملتها الريح وغادرت، نتشبث بها كما نتشبث بدوارة الريح عند العاصفة، ونقاوم لأننا نوقن أن القفز بالاتجاه المعاكس للذاكرة ليس لعبة حاصلها صفر!

لن تكون الذاكرة بيضاء بأي شكل – مع الاعتذار لونوس- أظنها ستظل موجعةً مهما كان اللون الذي اتخذته "هوية" لها، وستبقى مثل الأرض التي نقرت الطيور حَـبّها، جرداء مجوفة وليس فيها إلا "آثار ثقوب"!

 "كل المياه لها ذاكرة جيدة

لأنها تحاول دومًا العودة من حيث أتت"

توني موريسون 
أنا بالتأكيد، وفي الأقل، أستحق ما تستحقه زنبقة (لو كنت مثلها جميلًا)....
رامبرانت
"خلدت إلى النوم مرة بعد قراءة كتاب فرويد "تفسير الأحلام"، ورأيت حلمًا استطعت تذكره تمامًا في الصباح التالي، وطبقت عليه منهج فرويد لتفسير كل تفاصيله. ظننت في تلك اللحظة أنني في بداية حقبة جديدة؛ فمنذ تلك اللحظة لن تكون أحلامي مبهمة، لكن ذلك لم يحدث، فقد كانت تلك المرة الوحيدة التي أضاء فيها فرويد العتمة في لا وعيي. منذ تلك اللحظة واصلت رؤية الأحلام كالسابق، لكني كنت أنساها، وإن تذكرتها لم أكن أفهم حتى بداياتها. لن يكون شرح طبيعة أحلامي مرضيًا لمحلل نفسي على منهج فرويد أكثر مما سيفعل لآخر يتبع منهج يونغ. لقد قرأت فرويد لأني رأيته كاتبًا ماهرًا... كاتبًا لقصص بوليسية مثيرة يمكن للمرء قراءتها بشغف عظيم. أنا أيضًا أقرأ ليونغ المهتم بأمور تشغل الكاتب كالرموز والأساطير، لكنه ليس كاتبًا جيدًا كفرويد، لكنني على أية حال أقرأ لكليهما".
إيتالو كالفينو
#ترجمة_كل_يوم
يميل الإنسان بطبعه إلى التصوير، إلى الرسم وتحويل الكلمات إلى رموز، أو تعزيزها بصور، منذ أن رسم على كهف ألتيمرا المدرج على قائمة كنوز إسبانيا الاثني عشر (وهو من أوائل الكهرف المزينة برسوم الحيوانات المكتشفة في العالم). كانت تلك وسيلة التعبير لدى الإنسان قبل ابتكار اللغة بشكليها المنطوق والمكتوب. وحتى بعد ذلك، لم يتخلَ الإنسان عن الرسم، بل عزز به ما يكتبه، ولم يجعل منه أداة للزينة فقط. ولو عدنا إلى كتب التراث العربي -وغيره من تراث الأمم السابقة- لوجدنا الكتب المزينة بالرسوم والشخصيات (كما في مقامات الحريري مثلًا)، وبمرور الزمن ابتكر الإنسان المجلات المصورة (هل يمكن القول إنها مشتقة من الكتب المزينة بالرسوم؟ ولمَ لا؟)، ومن هذه -التي تسمى المانجا في اليابان- نشأ فن الأنمي الذي يدرسه هذا الكتاب.
تأتي أهمية الكتاب من كونه الأول الذي يتطرق لدراسة الأنمي، فن الرسوم المتحركة اليابانية، بكثير من التوسع، إذ سبر تاريخ الفن وبين أنواعه وتصنيفاته وفقًا لمعايير متعددة، ثم كتب مراجعات لأعمال شهيرة أو مؤثرة حتى إن كان ذلك من وجهة نظر شخصية للكاتب، الذي كان خبيرًا ومطلعًا ويعرف ما يقول حقًا. وهو مهم لأن المكتبة العربية تفتقر إلى دراسات جادة بهذا الفن وغيره من الرسوم المتحركة، فيما تغص بدراسات أصيلة ومترجمة متعلقة بالسنما وبالإعلانات.
هذا الكتاب فريد، ولا تأتي فرادته من كونه واحدًا في نسيجه فقط كما تقول العرب، بل لأنه كتب بشغف كبير وواضح تجاه هذا الفن، الذي يمتعض الأستاذ طارق الخواجي من ربطه بالأطفال، أو جعله حكرًا عليهم، بمعنى آخر، لما في ذلك من تسطيح للأنمي، ومحبيه بالضرورة! وهذا أمر أعانيه شخصيًا عندما أتحدث عن بعض مسلسلات الكارتون التي كنت أتابعها، وهي ليست مخصصة للأطفال أساسًا، مثل صاحب الظل الطويل وأخي العزيز وليدي ليدي، كلها بالمناسبة مر عليها الكاتب في دراسته، إلى جانب أعمال أخرى اشتهر في العالم العربي مثل عدنان ولينا وغرندايزر ومازنجر ورعد العملاق، وجكايات عالمية؛لكن الأفلام لم تحظ باهتمام مماثل من القنوات التلفزيونية فيما يبدو!
أنا من محبي الأنمي، لكني سأتحول إلى "أوتاكو" بعد هذا الكتاب.
كيف تصبح روائيًا عدّاء؟ هاروكي موراكامي
ترجمة بثينة الإبراهيم

يمكنني أن أحدد بدقة اللحظة التي خطر لي فيها أن أكتب رواية. كانت الساعة الواحدة والنصف تقريباً من بعد ظهيرة الأول من أبريل عام 1978، وكنت ذلك اليوم في استاد جينغو الرياضي وحيداً في أقصى الملعب أشرب الجعة وأتابع المباراة. كان استاد جينغو يقع قريباً من شقتي حينها، وكنت مشجعاً كبيراً لفريق ياكولت سوالوز. كان ذلك يوماً ربيعياً جميلاً، فليس ثمة غيوم في السماء وكان يهب نسيم دافئ. لم تكن هنالك مقاعد في أقصى الملعب حينئذٍ، بل مجرد منحدر معشب. كنت استلقي على العشب وأرشف الجعة الباردة، وأرفع نظري إلى السماء بين الحين والآخر واستمتع بالمباراة على مهل. لم يكن الاستاد مزدحماً جداً كالعادة بالنسبة لفريق سوالوز، فقد كانت المباراة الافتتاحية في الموسم وكان يواجه فريق هيروشيما كارب على أرضه. أذكر أن ياسودا كان يهاجم من أجل سوالوز، كان مهاجماً قصيراً عريض المنكبين برميات بارعة. وقد كسب النصف الأول من الجولة الأولى، وفي النصف الثاني من الجولة كان الضارب الذي افتتح الجولة لفريق سوالوز هو دايف هاميلتون، لاعب أمريكي شاب انضم للفريق حديثاً. تصدى هاميلتون لضربة على خط اليسار من الملعب، وتردد صدى صوت التقاء المضرب بالكرة في القلب عبر الملعب. أدار هاميلتون الأولى وأوقف الثانية ببساطة. كانت تماماً تلك هي اللحظة التي باغتتني فيها الفكرة: أتعرف؟ يمكنني أن أحاول كتابة رواية. ما زلت أذكر السماء الرحبة المفتوحة والشعور بالعشب الطازج وضربة المضرب الرائعة. هبط شيءٌ ما من السماء في تلك اللحظة، وأياً كان ذلك فقد قبلته.

لم أطمح يوماً أن أكون روائياً، كانت لديّ تلك الرغبة القوية فقط في كتابة رواية، ولم يكن لديّ صورة واضحة عما أردت الكتابة عنه، بل مجرد الإيمان بأني إن كتبتها الآن فسأتمكن من الخروج بشيء مقنع. حينما فكرت بالجلوس إلى مكتبي في المنزل والتأهب للكتابة أدركت أنني لا أملك قلم حبر لائقا، لذا ذهبت إلى متجر كينوكونيا في شينجوكو واشتريت حزمة من ورق الكتابة وقلم حبر «سيلار» بخمسة دولارات، كان ذلك استثماراً لرأسمال صغير من جهتي.

حدث هذا في ربيع عام 1978، وبحلول الخريف كنت قد فرغت من مئتي صفحة كتبت بخط اليد على ورق الكتابة اليابانية، وانتابني شعور رائع بعد إنهائها، ولم يكن لديّ أدنى فكرة عما سأفعله بالرواية حين أنهيها، لكني تركت الزخم يقودني وأرسلتها إلى مجلة أدبية لتدرج في مسابقة للكتاب الجدد. كنت قد أرسلتها دون الاحتفاظ بنسخة لي، لذا بدوت كما لو أنني لا أهتم كثيراً إن لم يقع الاختيار عليها واختفت للأبد. كان هذا هو العمل الذي نشر تحت عنوان «اسمع غناء الرياح». كنت مهتماً أكثر في الانتهاء منها سواء أرأت النور يوماً ما أم لا.

ذلك الخريف فاز الفريق الخاسر على الدوام ياكولت سوالوز بالبطولة وواصل فوزه بهزيمة هانكيو بريفز في الدوري الياباني، وكنت متحمساً للغاية وحضرت عدداً من المباريات في استاد كوراكوين، (لم يخطر لأحد أبداً أن ياكولت سيفوز لذا فإنهم قرروا مسبقاً أن تقام على أرضهم، استاد جينغو، مباريات البيسبول الجامعية).

أذكر ذلك الوقت بوضوح شديد، كان خريفاً جميلاً بطقس مشمس رائع، وكانت السماء صافية تماماً وكانت أشجار الجينكجو أمام متحف ميجي التذكاري ذهبية أكثر مما سبق لي أن رأيت، كان ذلك هو الخريف الأخير لعشرينياتي.

في الربيع التالي، حين تلقيت مكالمة هاتفية من محرر في جونزو يخبرني أن روايتي وصلت للقائمة القصيرة، كنت قد نسيت تماماً أنني دخلت المسابقة، فقد انشغلت كثيراً بأمور أخرى. في البداية لم يكن لديّ فكرة عما كان يتحدث عنه، لكن الرواية فازت بالجائزة ونشرت في الصيف. استقبل الكتاب على نحو جيد، كنت حينها في الثلاثين، ودون أن أعرف حقاً ما الذي يجري عندما وجدت نفسي فجأة أصنف ككاتب جديد واعد، كنت مندهشاً جداً، لكن الأشخاص الذين يعرفونني كانوا أكثر مني اندهاشاً.
http://www.al-jazirah.com/2016/20160820/cm9.htm
كيف تصبح روائيًا عدّاء؟ (2) هاروكي موراكامي
ترجمة بثينة الإبراهيم

بعد ذلك، وبينما كنت ما أزال أدير متجري، كتبت رواية أخرى متوسطة الطول- الكرة والدبابيس- عام 1973، وفي أثناء عملي على هذه الرواية كتبت بضع قصص قصيرة وترجمت بعض القصص ل_ ف. سكوت فيتزجيرالد. رُشحت كل من «الكرة والدبابيس» و»اسمع غناء الريح» لجائزة أكتاغاوا الرفيعة، قيل إنهما مرشحتان قويتان لكن لم تفز أي منهما في النهاية. ومع ذلك لم أكن مهتمًا بشكل أو بآخر حقًا، فلو إنني فزت بها كنت سأنشغل بالمقابلات وتكليفات الكتابة، وكنت أخشى أن يتعارض ذلك مع إدارة النادي.

كنت أدير نادي الجاز خاصتي كل يوم لثلاث السنوات، أتابع الحسابات وأتفقد المخزون وأعد الجداول لموظفيّ وأقف خلف المنضدة لمزج شراب الكوكتيل بنفسي وأطهو ثم أغلق المتجر في الساعات الأولى من الصباح، وعندها فقط أكتب في المنزل على طاولة المطبخ حتى أشعر بالنعاس. كنت أشعر كما لو أنني أعيش حياة شخصين. كان كل يوم شاقًا جسديًا، وقد خلقت كتابة الروايات وإدارة النادي في الوقت نفسه مشاكل أخرى، فإدارة عمل في الخدمات يعني أنه يتعين عليك قبول أي كان من يجتاز الباب، ولا يهم من يدخل إلا أن كان بغيضًا فعلًا، إذ يتوجب عليك تحيته بابتسامة ودودة على وجهك. ويعود الفضل في ذلك في كوني صادفت جميع صنوف البشر الغريبين وتعرضت لأحداث استثنائية. قبل أن أبدأ الكتابة، انهمكت، من منطلق الواجب، بل وحتى الحماس، بعدد من الخبرات، وأظنني استمتعت بمعظمها وبكل المحفزات التي جلبتها. وجدت نفسي تدريجيًا، رغم ذلك، أرغب بكتابة رواية أكثر بلاغة. لقد استمتعت في الأساس بعملية الكتابة أثناء عملي بالروايتين الأوليين «اسمع غناء الريح والكرة والدبابيس 1973»، لكن كانت هنالك أجزاء لم أكن راضيًا عنها تمامًا، فقد كنت مع هاتين الروايتين قادرًا فقط على الكتابة على دفعات مختطفًا قليلًا من الوقت هنا وهناك، نصف ساعة هنا، ساعة هناك. ولأنني كنت متعبًا دائمًا وشعرت كما لو أني كنت أسابق الساعة كلما كتبت، لم أكن قادرًا على التركيز. بهذا النمط من المقاربة المبعثرة كنت قادرًا على كتابة بعض الأمور المنعشة الممتعة، لكن النتيجة كانت بعيدة تمامًا عن كونها رواية معقدة أو عميقة. شعرت أنني قد منحت فرصة رائعة لأكون روائيًا، فرصة لا تحظى بها كل يوم، واشتعلت رغبة فطرية في استغلالها بقدر استطاعتي وأن أكتب الرواية التي ستشعرني بالرضا. كنت أعلم أن باستطاعتي كتابة رواية أكثر طولًا. وبعد أن فكرت بالأمر مليًا قرّرت أن أغلق النادي لفترة للتركيز على الكتابة وحدها. كان دخلي في ذلك الوقت من نادي الجاز أكبر من دخلي كروائي، واقع عليّ الإذعان له.

معظم الأشخاص الذين أعرفهم كانوا معارضين بشدة لقراري، أو اعتراهم شك كبير به. «إن ناديك يمنحك مدخولًا جيدًا الآن» قالوا، «لم لا تجعل أحدهم يديره لك أثناء انقطاعك لكتابة روايتك؟» يبدو ذلك منطقيًا من وجهة نظر العالم، إذ لم يصدق معظم الأشخاص أنني سأنجح ككاتب محترف، لكنني لم أستطع العمل بنصيحتهم، فأنا شخص يخلص كليًا لما يفعله، لكني لم أستطع القيام بشيء ذكي ككتابة رواية في الوقت الذي يدير لي أحدهم متجري، عليّ الاضطلاع بالأمر بكل ما أملك، وسأتقبل فشلي إن فشلت. لكني كنت أعلم إن قمت بأمر بفتور ولم ينجح فسأندم دائمًا.

بعت النادي رغم اعتراضات الآخرين، وعلقت لافتة تشير إليّ كروائي - على الرغم من شعوري بقليل من الحرج- وانطلقت لأكسب عيشي من الكتابة. «أحتاج أن أكون حرًا لعامين فقط لأكتب»، شرحت لزوجتي» وإن لم ينجح الأمر يمكننا دومًا افتتاح نادٍ صغير في مكان ما، فأنا ما زلت شابًا ويمكننا دومًا البدء من جديد». «حسن» قالت. كان هذا عام 1981 وما زلنا مدينين بمبلغ كبير، لكني فكرت أنني سأبذل جهدي وسأرى كيف تسير الأمور.


كيف تصبح روائياً عدّاءً 3
هاروكي موراكامي
ترجمة بثينة الإبراهيم


رتبت أموري لكتابة روايتي وقد سافرت ذلك الخريف إلى هوكايدو لأسبوع لأجري بحثاً من أجلها. كنت قد أنهيت رواية «مطاردة خروف جامح» بحلول شهر أبريل التالي، كنت مصمماً على أنها مسألة حياة أو موت، لذا علي بذل كل طاقتي فيها. كانت هذه الرواية أطول بكثير من روايتيّ السابقتين وأوسع مجالاً وأكثر تركيزاً في الحبكة.

شعرت بإحساس جيد حين أنهيت الرواية بأني قد ابتكرت أسلوبي الخاص في الكتابة. كان جسدي بأكمله مفتوناً بالتفكير كم هو رائع وكم هو صعب أن أكون قادراً على الجلوس إلى مكتبي، دون أن أقلق لمرور الوقت، مركزاً على الكتابة. كان ثمة عروق فيّ ما زالت هاجعة لم تمسّ، شعرت أنني يمكنني، وقد تحقق ذلك الآن فعلاً، أن أعتاش من كتابة الرواية، وهكذا لم تراودني فكرة افتتاح نادٍ مرة أخرى أبداً. ولكن رغم ذلك يخطر لي أحياناً كم هو لطيف إدارة نادٍ صغير في مكان ما.

لم تعجب روايةُ «مطاردة خروف جامح» المحررين في جونزو الذين كانوا يبحثون عن شيء مألوف أكثر، وأذكر كيف كان تلقيهم فاتراً، لقد بدا الأمر في حينها أن مفهومي عن الرواية لم يكن تقليدياً (وأتساءل كيف هو الآن)، وبدا أن القراء أحبوا هذا الكتاب الجديد، وهذا ما جعلني أكثر سعادة. كانت هذه نقطة البداية الحقيقية لي كروائي، أظن أنني لو واصلت كتابة روايات حسية كالتي كتبتها أثناء إدارتي للنادي - اسمع غناء الريح والكرة والدبابيس 1973 - لكنت قد وصلت إلى نهاية مميتة.

لقد واجهت مشكلة، مع ذلك، بقراري في أن أصبح كاتباً محترفاً؛ مشكلة البقاء لائقاً جسدياً. كنت سأكتسب الوزن إن لم أفعل شيئاً، وقد كانت إدارة النادي تتطلب مجهوداً جسدياً كل يوم، وكان باستطاعتي الحفاظ على وزني، ولكن عندما بدأت الجلوس إلى مكتبي للكتابة طوال اليوم، كان مستوى طاقتي يهبط تدريجياً وأخذت أكتسب بضعة أرطال. كنت أدخن كثيراً أيضاً حين كنت أركز في عملي، كنت حينئذٍ أدخن ستين سيجارة في اليوم. كانت أصابعي كلها صفراء، وتنبعث رائحة الدخان من كل جسدي. ورأيت أن هذا لا يمكن أن يكون في صالحي أبداً، فإن كنت أرغب بحياة مديدة كروائي، فعليّ العثور على وسيلة تحفظ لياقتي وتبقي وزني صحياً.

للجري فوائد كثيرة، أولها أنك لا تحتاج إلى شخص آخر لتقوم به ولا تحتاج لمعدات خاصة، كما أنه ليس عليك الذهاب إلى أي مكان خاص لتقوم بذلك، فما دمت تملك حذاء جري وطريقاً جيداً يمكنك أن تجري بقدر ما تريد. ليس الأمر نفسه بالنسبة للتنس، إِذْ عليك أن تتجه إلى ملعب التنس وستكون بحاجة لشخص آخر يلعب معك، صحيح أن السباحة تقوم بها وحدك لكن ما يزال عليك الذهاب إلى الحوض.

بعد أن أغلقت النادي، غيرت نمط حياتي كلياً، لذا انتقلنا إلى ناراشينو في إقليم شيبا. لقد كانت ريفية تماماً في ذلك الوقت ولم يكن هنالك أي مبانٍ رياضية لائقة، لكن كانت هنالك طرق. كانت هنالك قاعدة قريبة لقوات الدفاع الذاتي، لذا حافظوا على صيانة الطرق من أجل آلياتهم، كما كان هنالك لحسن الحظ ساحة تدريب في الجوار تابعة لجامعة نيهون، وإن ذهبت في الصباح الباكر يمكنني استخدامها بحرية، أو ربما علي القول استعارة مضمارها دون إذن، لذا لم يكن علي التفكير كثيراً بأي رياضة سأختار - ولا يعني ذلك أن لديّ خيارات كثيرة - حين قررت أن أتجه للجري.

http://www.al-jazirah.com/2016/20160903/cm15.htm
كيف تصبح روائيًا عدّاءً (4)
هاروكي موراكامي
ترجمة: بثينة الإبراهيم
أقلعت عن التدخين بعد ذلك بوقت قصير. لقد كان الإقلاع عن التدخين نتيجة طبيعية للجري كل يوم. لم يكن الإقلاع أمرًا سهلًا، لكني لم أستطع مواصلة التدخين والجري في الوقت نفسه. أصبحت هذه الرغبة البسيطة بالجري أكثر محفزًا قويًا لي لئلا أعود للتدخين وعونًا كبيرًا في التخلص من أعراض الانسحاب، لقد كان الإقلاع عن التدخين مثل لفتة رمزية لوداع الحياة التي اعتدت عيشها.
لم أبغض يومًا الجري لمسافات طويلة. حين كنت في المدرسة لم أكترث يومًا بحصص التربية البدنية وكنت أكره اليوم الرياضي، لأنها كانت مفروضة علي من الأعلى، ولم أكن أحتمل أن أجبر على فعل شيء لم أرغب بالقيام به في الوقت الذي لا أرغب فيه بذلك. في المقابل، كلما استطعت فعل ما أود القيام به، في الوقت الذي أرغب فيه بذلك، بالطريقة التي أريدها كنت أبذل قصارى جهدي. وبما أنني لم أكن رياضيًا أو منظمًا لم أكن صالحًا للرياضات التي تحتاج قرارات سريعة، لذا كان الجري لمسافات طويلة والسباحة مناسبين لشخصيتي، وقد كنت دومًا مدركًا بعض الشيء لذلك، مما قد يفسر تمكني من إدراج الجري في حياتي اليومية.
إن سمحت لي بقطع دورة صغيرة من الجري، أظن أنه يمكنني أن أقول الأمر نفسه عن الدراسة. لم أكن مهتمًا بالأمور التي كنت مجبرًا على دراستها في كل حياتي الدراسية من الابتدائية حتى الجامعة. كنت أقول لنفسي إنها كانت أمرًا لا بد من إنجازه، كما أنني لم أكن مهملًا حقًا وتمكنت من المتابعة حتى الجامعة، لكني لم أجد الدراسة ممتعة أبدًا. وبالتالي، رغم أن درجاتي لم تكن مما يجدر بي إخفاؤه عن الآخرين، لا أحتفظ بأي ذكرى لتلقيّ الثناء لأني أحرزت درجة جيدة أو لأنني كنت الأفضل في أي شيء. لقد بدأت أستمتع بالدراسة بعد أن دخلت النظام التعليمي وأصبحت عضوًا في المجتمع كما يقولون. إن شغفت بأمر وتمكنت من دراسته بسرعتي الخاصة وبحثه بالطريقة التي تعجبني فسأبرع في اكتساب المعرفة والمهارات، فن الترجمة مثلًا، فقد تعلمته بنفسي، بنظام الأجر مقابل العمل. يستغرق اكتساب مهارة ما بهذا الشكل وقتًا طويلًا، وستمر بالكثير من التجارب والأخطاء، لكن ما تتعلمه يستمر معك.
أسعد ما في كوني كاتبًا محترفًا هو أنني أستطيع الخلود للنوم والنهوض باكرًا. حين كنت أدير النادي لم أكن أخلد إلى النوم قبل الفجر تقريبًا. يغلق النادي عند الساعة الثانية عشرة لكن يتعين علي عندها تنظيف المكان ومراجعة الإيصالات والجلوس والتحدث وتناول شيء ما والاسترخاء. أفعل كل ذلك فتصبح الساعة الثالثة فجرًا دون أن أشعر وقد اقترب شروق الشمس. أجلس غالبًا إلى طاولة مطبخي وأكتب حين تطلع الشمس خارجًا، ومن الطبيعي أن يكون النهار قد انتصف حين أستيقظ أخيرًا.
بعد أن أغلقت النادي وبدأت حياتي كروائي، كان أول ما فعلناه أنا وزوجتي هو تغيير نمط حياتنا تمامًا، فقد قررنا أن نخلد إلى النوم بعد أن يهبط الليل بوقت قصير، وأن نستيقظ مع الشروق، ولقد كان هذا مقبولًا لنا فهذا نمط الحياة التي يعيشها الأشخاص المحترمون. وكنا قد أغلقنا النادي فقررنا أيضًا أنه من الآن وصاعدًا سنقابل الأشخاص الذين نود لقاءهم فقط وألا نلتقي بأولئك بمن لا نريد قدر استطاعتنا. لقد شعرنا أننا نستطيع أن نتيح لنفسنا بهذا النوع من الدلال المعتدل، لبعض الوقت على الأقل.
لقد كان تغييرًا هائلًا، من الحياة المنفتحة التي عشناها لسبع سنين إلى حياة أكثر انغلاقًا. أظن أن ذلك الوجود المنفتح لبعض الوقت كان مفيدًا، فقد تعلمت الكثير من الدروس الهامة خلال ذلك الوقت، لقد كان مدرستي الحقيقية، لكنك لا تستطيع أن تعيش هكذا طوال حياتك، فذلك كالمدرسة تمامًا، تدخلها وتتعلم شيئًا ثم سيكون عليك مغادرتها.
"‏أنا لم أعد شجاعاً يا عزيزتي، أنا مكسور بالكامل، لقد كسروني .. هذا العالم نشيِّده فينهار، ثم نشيده ثانيةً فننهار نحن".

هيمنغواي
"كنيسة المسيح، أكسفورد. 28 أكتوبر 1876
عزيزتي جرترود
ستشعرين بالأسف والدهشة والحيرة حين تعرفين المرض الغريب الذي أصابني منذ رحيلك. لقد أرسلت لإحضار طبيب وقلت: أعطني دواء لأنني متعب. فقال: هراء، لست بحاجة للدواء. اخلد للنوم. فقلت: لا، إنه ليس تعبًا يعالجه النوم، أنا متعب من وجهي.
فبدا حزينًا بعض الشيء وقال: آه، إن أنفك متعب. يتحدث المرء كثيرًا حين يظن أنه يعرف الكثير. فقلت: لا، ليس أنفي، ربما كان شعري. ثم بدا أكثر حزنًا وقال: الآن فهمتك، هل كنت تعزف البيانو بشعرك؟ فقلت: لا، لم أفعل حقيقة، والأمر لا يتعلق بالشعر، إنه يتعلق بذقني وأنفي. ثم بدا أكثر تجهمًا وقال: هل كنت تكثر المشي على على ذقنك مؤخرًا؟ فقلت: لا. قال: حسن، إن هذا يحيرني جدًا، هل تظن أنها الشفاه؟ فقلت: طبعًا، إنها هي. ثم بدا حزينًا جدًا وقال: أظنك كنت تكثر من القبل. فقلت له: نعم، لقد منحت قبلة واحدة لطفلة صغيرة، صديقتي. فكر ثانية وقال: هل أنت متأكد أنها كانت واحدة؟ فقلت: ربما كانت إحدى عشرة قبلة.
ثم قال الطبيب: عليك ألا تقبّلها ثانية حتى تشفى شفتاك. فقلت: ولكن ماذا أفعل؟ فكما تعرف، أدين لها بمئة واثنتين وثمانين قبلة أخرى.
ثم بدا حزينًا جدًا وانهمر الدمع على خديه وقال: يمكنك إرسالها إليها في صندوق. فتذكرت عندها صندوقًا صغيرًا اقتنيته مرة من دنفر، وخطر لي أنني سأهديه يومًا لفتاة صغيرة. لذا حزمتها لك بعناية شديدة، أبلغيني إن وصلتك سالمة، أو إن كان أي منها قد ضاع في الطريق إليك"!
لويس كارول
#ترجمة_كل_يوم
Forwarded from أجنحة صغيرة للصباح
أصل أسمائي المستعارة
فرناندو بيسوا

‎ترجمة: نزار آغري

وضعت في كاييرو كل طاقتي الدرامية في نزع الشخصنة، وفي ريكاردو رييس وضعت كل انضباطي الذهني، مصاغاً في القالب الموسيقي الذي يناسبه، وفي ألفارو دي كامبوس وضعت كل الشحن العاطفي الذي أتجنبه عادة سواء في شخصي أو في طريقة عيشي.

فتأمل، عزيزي كاسياس مونتيرو، أن هؤلاء ينبغي أن يكونوا، في حال النشر، بدائل عن فرناندو بيسوا، ملوثين وبسطاء.
الآن أريد أن أجيب عن سؤالك حول أصل أسمائي المستعارة. وسأرى إن كان في مقدوري أن أجترح جواباً شافياً.
أبدأ من الجانب السيكولوجي.
أصل أسمائي المستعارة هو في الأساس جانب من الهستيريا التي تقبع في أعماقي. لا أعرف بالضبط إن كنت هستيرياً عادياً أم أنني هستيري هزيل عصبياً. أرجح الفرضية الثانية، لأنّ شخصيتي تنطوي على مظاهر من الكسل لا تعتبر عادة من أعراض الهستيريا بمعناها الدقيق. وبناء على ذلك، فإن الأصل الذهني لأسمائي المستعارة يكمن في نزعة عضوية راسخة لدي نحو نزع الشخصنة والتكلف. هذه الظواهر ـ لحسن حظي وحظ الآخرين ـ تتمظهر في النشاط الذهني. أعني أنها لا تتجلى في حياتي العملية، على السطح ومن خلال الاحتكاك مع الآخرين، بل هي تنفجر في داخلي وأنا أصطدم بها لوحدي. فلو كنت امرأة (في المرأة تنبثق الظواهر الهستيرية على شكل هجمات وما شابه)، فإن كل قصيدة لألفارو دي كامبوس (أو، لي، بطريقة هستيرية أكثر هستيرية)، سوف تتسبب في إثارة الشغب في الجوار. ولكنني رجل، والهستيريا عندنا نحن الرجال تأخذ طابعاً ذهنياً، ولهذا فإن الأمر ينتهي بالصمت وكتابة الشعر.
هذا يفسر، إلى حد كبير، الأصل العضوي لأسمائي المستعارة.
والآن سأروي القصة المباشرة لأسمائي المستعارة. أبدأ بأولئك الذين ماتوا، وبالبعض ممن لم أعد أتذكرهم. أولئك الذين ضاعوا في الماضي البعيد والمنسي إلى حدٍّ كبير من طفولتي.
منذ طفولتي، كانت تحركني رغبة عميقة في أن أصنع حولي عالماً خيالياً، محاطاً بأصدقاء وأقارب لا وجود لهم. (لا أعرف، بالطبع، هل حقاً لم يكن لهم وجود أم أنني أنا لم أكن موجوداً. في أمور كهذه، وفي غيرها من الأمور، ينبغي ألا نكون دوغمائيين). بما أنني أعرف نفسي باعتباري الشخص الذي هو أنا، فأنا أتذكر أنني تأكدت من خلال الملامح والحركات والهيئة والتاريخ من أن أثبت ذهنياً العديد من الشخصيات غير الحقيقية التي كانت بالنسبة لي مرئية على قدم المساواة مع أولئك الذين نعتبرهم من الواقع الفعلي بالرغم من أننا قد نكون مضللين في ذلك. هذه النزعة، المترسخة عندي منذ أن وعيت على من أسميه «أنا»، ظلت ترافقني وتخمد قليلاً تلك الموسيقى التي تسحرني دون أن تخفي طريقتها في أن تسحرني.
وهكذا فأنا أتذكر ما يمكن أن يعتبر اسمي المستعار الأول، أو بالأحرى صاحبي الأول الذي لا وجود له، وهو شوفالييه دي با، وكان عمري ست سنوات، حيث بعثت برسائل منه إليّ، وما زالت شخصيته، التي لا يلفها الغموض بشكل كلي، تستحوذ على الجانب المكرس للحنين من عاطفتي. كذلك أتذكر، بشكل أقل وضوحاً، شخصية أخرى لا أتذكر اسمها، باستثناء أنه كان هو أيضاً غريباً وكان، لا أعرف كيف، غريماً لشوفالييه دي با. هذه أشياء تحدث لكل الأطفال، أليس كذلك؟ ربما. وربما لا. ولكن في تلك الفترة قد تأثرت بهم، وما زلت أتأثر بهم، لأنني أتذكرهم بطريقة تستدعي بذل الكثير من الجهد لكي أقتنع أنه لم يكن لهم وجود.
هذا الميل لإحاطة نفسي بعالم آخر، مساو لهذا العالم ولكن مع ناس آخرين، لم يغادر مخيلتي قط. وهو مر بمراحل عديدة بما فيها المرحلة الراهنة التي تحدث الآن في سنوات نضوجي. داهمني إلحاح روحي، غريب كلياً، لسبب أو آخر، بخصوص ما أكون أو ما يفترض أن أكون. تكلمت إليه، مباشرة، وبشكل عفوي، كما لو كان أحد أصدقائي وهيأت له اسماً ووضعت له تاريخاً، وعلى الفور رأيت في داخلي هيئته ـ وجهه، قوامه، وسلوكه. وهكذا فقد خلقت العديد من الأصدقاء والمعارف ووضعت لهم ذرية، مع أنه لم يكن لهم وجود قط على أرض الواقع، ولم أزل حتى اليوم ـ بعد مرور ثلاثين سنة تقريباً ـ أسمعهم وأحس بهم وأراهم. أكرر: أسمعهم وأحس بهم وأراهم، وأتلقى منهم التحيات.
حوالى عام 1912، إن لم أكن مخطئاً (وهذا ما أشك فيه كثيراً)، خطرت لي فكرة أن أكتب عدة قصائد ذات طابع وثني. خربشت بعض الأشياء بصيغة الشعر الحر (ليس على طريقة ألفارو دي كامبوس ولكن بأسلوب نصف عادي إلى حد ما) ومن ثم تخليت عن المحاولة. ولكن في تلك الخربشة الغامضة، عثرت على الملامح الأولية للشخص الذي كان يكتب. (من دون علمي، كان ريكاردو رييس قد ولد).
بعد سنة ونصف أو سنتين، أتذكر أنني تلقيت التحدي من سا كارنيرو: أن أخلقه في هيئة شخصية ريفية معقدة إلى حدّ ما وأقدمه للناس، لا أذكر على وجه الدقة كيف، ولكن على أساس أنه كائن فعلي. اشتغلت عدة أيام عليه، غير أني لم أفلح. اليوم الذي رفعت يدي عنه ـ وكان ذلك في 8 آذار (مارس)، 1914 ـ جلست إلى طاولة عالية وأخذت ورقة وبدأت أكتب، واقفاً، كما أفعل دوماً حين تواتيني الفرص
Forwarded from أجنحة صغيرة للصباح
ة لذلك. وكتبت حوالى ثلاثين قصيدة، واحدة بعد الأخرى، في نوع من الانخطاف، دون أن أعرف ماهيتها. كان يوماً مظفراً في حياتي، ولن أصادف مثله مرة أخرى أبداً. بدأت بالعنوان: حارس الغنم. وتبع ذلك انبثاق شخص من داخلي أسميته، منذ ذلك الحين، ألبيرتو كاييرو. أستمحيكم العذر لسخافة الجملة: من أعماقي نهض سيدي. كان هذا رد فعلي الفوري. وهكذا لم أكد أنهي تلك القصائد الثلاثين حتى أسرعت لتلقف المزيد من الأوراق ومضيت أكتب، دون توقف هذه المرة أيضاً، القصائد الست التي شكلت «المطر المائل» لفرناندو بيسوا. دفعة واحدة وبالتمام والكمال. كان هذا إيذاناً بعودة فرناندو بيسوا، عودة ألبيرتو كاييرو إلى فرناندو بيسوا نفسه. ومن الأصح القول إن هذا كان رد فعل فرناندو بيسوا على لا وجوده المتمثل في ألبيرتو كاييرو.
مع ظهور ألبيرتو كاييرو حاولت ـ بشكل غريزي ولا واع ـ أن أجد له تلاميذ. وهكذا من قلب وثنيته المزيفة، أخذت ريكاردو رييس الخمول، الذي أوجدت اسمه وألبسته إياه، إذ سبق أن رأيته هناك في تلك المرحلة. وفجأة، وبالضد من ريكاردو رييس، نهضت من أعماقي وبشكل متهور شخصية جديدة. انبثقت، فجأة، من بين حروف الآلة الكاتبة، ومن دون انقطاع أو تصحيح، «الأنشودة المظفرة» لألفارو دي كامبوس. الأنشودة للعنوان والاسم للرجل.
ثم أنشأت طغمة لا وجود لها، ونظمتها كلها في مراتب فعلية. وعمدت إلى قياس العلاقات المتبادلة والدخول في صداقات وصرت أسمع في داخلي نقاشات وآراء متصارعة، وفي كل هذا يبدو لي أنني أنا، بوصفي خالق هذه الأشياء، كنت الأقل حضوراً. يبدو أن كل شيء كان يسير بمعزل عني. ويبدو أن الأمور ما زالت تسير على هذا النحو. إذا أتيح لي يوماً أن أنشر السجالات الجمالية التي جرت بين ريكاردو رييس وألفارو دي كامبوس، فسوف تلاحظون الفرق بينهما وتدركون أن لا علاقة لي بالأمر.
عندما كان «أورفيو» قيد النشر، بدا ضرورياً في اللحظة الأخيرة القيام بحذف بعض الأشياء للتكيف مع الترقيم الصحيح للصفحات. فاقترحت على سا كارنيرو أن أضيف قصيدة «قديمة» لي حول ما كان عليه حال ألفارو دي كامبوس قبل أن يتعرف إلى كاييرو ويخضع لتأثيره. وهكذا ألفت «آكل الأفيون»، وحاولت فيها أن أكشف النقاب عن الميول الخفية لدى ألفارو دي كامبوس، على أساس ما سيكشف عنه لاحقاً، ولكن من دون القيام بأي تلميح لعلاقته بمعلمه كاييرو. كان علي أن أقوم بتطوير الكتابة خارج القصائد أو بتلفيق قصائد أخرى عبر الطاقة المزدوجة لنزع الشخصية. ولكن في نهاية الأمر، لا أعتقد أن القصيدة كانت سيئة بل هي في الواقع تكشف عن ألفارو وهو في بداية انطلاقته.
أظن أنني كشفت لك عن أصل أسمائي المستعارة. إن بقيت بعض النقاط التي تحتاج إلى المزيد من الإيضاح (أنا أكتب بسرعة، وحين أكتب بسرعة يعوزني الوضوح)، فإنني أنوي القيام بذلك من أجلك في الوقت المناسب. ولا شك في أن تحقيق كل ذلك أمر هستيري بالفعل، لأنني ذرفت دموعاً حقيقية أثناء كتابة بعض الفقرات من «ملاحظات في ذكرى معلمي كاييرو» بقلم ألفارو دي كامبوس. ومن شأن هذا أن يجعلك تدرك مع من تتعامل يا عزيزي كاسياس مونتيرو.
تعليق إضافي حول كل هذا. لقد رأيت أمامي، في الفضاء الشاحب ولكن الفعلي للحلم، أوجه وملامح ألبيرتو كاييرو وريكاردو رييس وألفارو دي كامبوس. وضعت لهم أعماراً وحياة. ولد ريكاردو رييس في 1887 (ومع أنني لا أتذكر اليوم والشهر، فإنّهما مدونان في مكان ما)، في أوبورتو، وهو طبيب، ويعيش الآن في البرازيل. ألبيرتو كاييرو ولد في 1889 وتوفي في 1915. وهو كان ولد في ليشبونة ولكنه قضى كل عمره تقريباً في الريف. لم يكن يزاول أي مهنة ولم يتلق تعليماً يذكر. ولد ألفارو دي كامبوس في تافيرا في الخامس عشر من تشرين الأول (أكتوبر) عام 1890 (في الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر، كما أخبرتني فيريرا غوميز، وهذا صحيح فقد تأكدت من ذلك من خلال القيام بعملية تنجيم لتلك الساعة). وكما تعرف، فإنه كان مهندساً بحرياً (في غلاسكو) وهو يعيش الآن هنا في ليشبونة، عاطلاً عن العمل. كان كاييرو متوسط القامة، ومع أنه كان نحيفاً فإنه لم يظهر نحيفاً كما كان عليه في الواقع. ريكاردو أقصر إلى حد ما، ليس كثيراً، وهو قوي البنية، وشرس. ألفارو دي كامبوس، طويل القامة (يبلغ طوله 175 سنتميتراً، أطول مني بسنتيمترين)، رهيف القد مع ميل بسيط إلى الانحناء. كلهم حليقو الذقن: كاييرو شاحب الوجه، لا لون له، عيناه زرقاوان. رييس بني غامض اللون. كامبوس يتأرجح بين اللونين الفاتح والغامق، نموذج غامض للبرتغالي اليهودي، ولهذا شعره ناعم وغالباً ما يفرقه إلى جنب، ويرتدي نظارة وحيدة العدسة. لم يتلق كاييرو، كما قلت، تعليماً ذا شأن ـ المرحلة الابتدائية فقط، توفي أبوه وأمه في وقت مبكر فاضطر إلى ملازمة البيت حيث عاش على الدخل الذي كانت تدره بعض الأملاك ـ عاش مع إحدى خالاته من جهة الأم. ريكاردو رييس كان طبيباً، كما ذكرت، واستقر في البرازيل منذ عام 1919 ولكنه تعرض للترحيل بسبب ميوله الملكية. وهو غدا لاتينياً