قيل لي كثيرًا إن الغرباءَ لا يؤسسون مكتبةً، لكني لم أستطع التخلي عن طبعي في جمع الكتب!
حقًا! كيف يجرؤ الغريب على صنع مكتبة وتكديس الكتب وهو يعرف يقينًا أنه غريب، راحل عن البلاد مهما طال به الأمد.
كلما دار حديث حول احتمال مغادرتي لهذه البلاد، نظرت إلى مكتبتي بخوف. كانت هذه أجمل مكتباتي. لم أسمع بأحد كان له مكتبات (بصيغة الجمع) فلكل قارئ مكتبة يكبّرها ويرعاها بسنيّ عمره.
إن حدث واضطررت للتخلي عنها، ستكون المرة الثالثة (إن لم أحسب مجموعة الكتب التي تركتها في دبي قبل اثني عشر عامًا) ويقال في الأمثال: الثالثة ثابتة. قد أتعلم عندها أن الفردوس مفقود، كما يقول مانغويل في حديثه عن مكتبته التي اضطر للتخلي عنها.
تمكن صديق من إنقاذ مكتبته الضخمة من مصير مماثل لمكتبتي المحروقة في سوريا، فقط لأنه تبرع بها إلى جهة خارج سوريا، تكفلت هي بأمر حزم الكتب ونقلها، غير أن ذلك يعني أيضًا أنها لم تعد ملكه، يعني أن جزءًا من تاريخه أصبح حقًّا مملوكًا لطرف آخر، يتصرف فيه كما يشاء. ذلك يعني أنه تنازل عن كل القصاصات التي تركها بين طيات الكتب، وكل الأسطر التي رسم تحتها خطوطًا، وكل الملاحظات التي سجَّلها على هوامش الصفحات. ولست أدري حقًّا أينا أوفر حظًّا؟
قد يرى الكثيرون أن الحديث عن الكتب المتروكة في الديار محض رفاهية، يتمتع بها أولئك الذين تمكنوا بشكل ما من النجاة بأرواحهم خارج ذلك الجحيم. وهذا صحيح فقط إن كان هناك ما يجعل الكتب مقابلاً عادلاً نفتدي به العالقين هناك. لكن الأمور لم تكن أبدًا بهذا الشكل، وكنا نحن في جحيم آخر، نبحث عن مطهرنا الخاص الذي قد يأذن لنا بالانتقال إلى نعيم ندرك جيدًا أنه سيظل منقوصًا ما دامت النار مشتعلة هناك.
يقول د. سيم سوتر أمين مكتبة جامعة جورجتاون في محاضرة ألقاها في قطر عام 2013 عن مصير المكتبات في زمن الحرب: «لا تدمر الكتب غالبًا باعتبارها أشياء مادية بل مواد ذات ارتباط بالذاكرة. فعندما تحاول جماعة أو دولة إخضاع جماعة أو دولة أخرى فإن أول شيء تفعله هو محو آثار ذاكرتها من أجل إعادة تكوين هويتها». الأمر هو هكذا باختصار، تدمير الذاكرة، تدمير الأشياء التي تغذي مخزون هذه الذاكرة،والتي ستصبح بمرور الأيام مجرد أثر بعد عين، ثم «ستنسى كأنها لم تكن»!
الأمر لم يعد مقتصرًا على تدمير البلد الذي نعرف، بل امتد إلى تدمير هوياتنا كأفراد، ومحو ملامحنا الحميمة إلى جانب تلك المرتبطة بملامح الوطن، وسيصبح لكل منا جبل هزائمه وخسائره الخاصة جنبًا إلى جنب «الحرف القرمزي» الذي سيحمله الوطن أمدًا طويلاً، ثم سنتحول شيئًا فشيئًا إلى ما يشبه الحزازيات، بلا جذور، أو بجذور هشة على أحسن تقدير!
(هذا جزء من حديث، يتبعه أجزاء أخرى عن مكتباتي المفقودة)
حقًا! كيف يجرؤ الغريب على صنع مكتبة وتكديس الكتب وهو يعرف يقينًا أنه غريب، راحل عن البلاد مهما طال به الأمد.
كلما دار حديث حول احتمال مغادرتي لهذه البلاد، نظرت إلى مكتبتي بخوف. كانت هذه أجمل مكتباتي. لم أسمع بأحد كان له مكتبات (بصيغة الجمع) فلكل قارئ مكتبة يكبّرها ويرعاها بسنيّ عمره.
إن حدث واضطررت للتخلي عنها، ستكون المرة الثالثة (إن لم أحسب مجموعة الكتب التي تركتها في دبي قبل اثني عشر عامًا) ويقال في الأمثال: الثالثة ثابتة. قد أتعلم عندها أن الفردوس مفقود، كما يقول مانغويل في حديثه عن مكتبته التي اضطر للتخلي عنها.
تمكن صديق من إنقاذ مكتبته الضخمة من مصير مماثل لمكتبتي المحروقة في سوريا، فقط لأنه تبرع بها إلى جهة خارج سوريا، تكفلت هي بأمر حزم الكتب ونقلها، غير أن ذلك يعني أيضًا أنها لم تعد ملكه، يعني أن جزءًا من تاريخه أصبح حقًّا مملوكًا لطرف آخر، يتصرف فيه كما يشاء. ذلك يعني أنه تنازل عن كل القصاصات التي تركها بين طيات الكتب، وكل الأسطر التي رسم تحتها خطوطًا، وكل الملاحظات التي سجَّلها على هوامش الصفحات. ولست أدري حقًّا أينا أوفر حظًّا؟
قد يرى الكثيرون أن الحديث عن الكتب المتروكة في الديار محض رفاهية، يتمتع بها أولئك الذين تمكنوا بشكل ما من النجاة بأرواحهم خارج ذلك الجحيم. وهذا صحيح فقط إن كان هناك ما يجعل الكتب مقابلاً عادلاً نفتدي به العالقين هناك. لكن الأمور لم تكن أبدًا بهذا الشكل، وكنا نحن في جحيم آخر، نبحث عن مطهرنا الخاص الذي قد يأذن لنا بالانتقال إلى نعيم ندرك جيدًا أنه سيظل منقوصًا ما دامت النار مشتعلة هناك.
يقول د. سيم سوتر أمين مكتبة جامعة جورجتاون في محاضرة ألقاها في قطر عام 2013 عن مصير المكتبات في زمن الحرب: «لا تدمر الكتب غالبًا باعتبارها أشياء مادية بل مواد ذات ارتباط بالذاكرة. فعندما تحاول جماعة أو دولة إخضاع جماعة أو دولة أخرى فإن أول شيء تفعله هو محو آثار ذاكرتها من أجل إعادة تكوين هويتها». الأمر هو هكذا باختصار، تدمير الذاكرة، تدمير الأشياء التي تغذي مخزون هذه الذاكرة،والتي ستصبح بمرور الأيام مجرد أثر بعد عين، ثم «ستنسى كأنها لم تكن»!
الأمر لم يعد مقتصرًا على تدمير البلد الذي نعرف، بل امتد إلى تدمير هوياتنا كأفراد، ومحو ملامحنا الحميمة إلى جانب تلك المرتبطة بملامح الوطن، وسيصبح لكل منا جبل هزائمه وخسائره الخاصة جنبًا إلى جنب «الحرف القرمزي» الذي سيحمله الوطن أمدًا طويلاً، ثم سنتحول شيئًا فشيئًا إلى ما يشبه الحزازيات، بلا جذور، أو بجذور هشة على أحسن تقدير!
(هذا جزء من حديث، يتبعه أجزاء أخرى عن مكتباتي المفقودة)
كانت مكتبتي الأولى بسيطة للغاية، ثلاثة رفوف صغيرة. لكنها حوت كتبًا عظيمة؛ إذ جمعت أثناء سنوات الدراسة الجامعية ما استطعت جمعه من كتب التراث، فلدي قطر الندى وبل الصدى وشذور الذهب ومغني اللبيب لابن هشام. ومقدمة ابن خلدون التي لم أتمكن من قراءتها لسوء الطباعة، وكنت حينئذ قارئة مبتدئة تهمني القراءة دون النظر إلى الأمور الأخرى التي تعلمتها لاحقًا من أختي، صاحبة المكتبة الأشهى والتي تغريني بقراءة ما فيها والعزوف عما في مكتبتي من كتب تجبرني عليها الدراسة الجامعية.
في مكتبتي أيضًا اثنتا عشرة قصة مهاجرة لماركيز بطبعة قديمة جدًا جدًا، والحب والظلال لإيزابيل الليندي وقد كتبت عنها بحثًا في السنة الجامعية الأخيرة لمادة الأدب والنقد في الغرب. كانت هذه من المواد المفضلة لدي، وعلى خلاف طبعي المتحفظ كنت أشارك في نقاش بحوث الزملاء الآخرين، الذين يروني كائنًا غريبًا عنهم! فيها مجموعة قصصية للطاهر بن جلون (وقد عرفته من رواية طفل الرمال إحدى روايات مكتبة أختي) كانت بعنوان أعناب مركب العذاب، اشتريتها من مكتبة ميسلون في دمشق في أولى زياراتي لها مع أختي، زيارة قضيتها في قراءة أرشيف ممل في وزارة الثقافة!
لم أشتر كل الكتب في مكتبتي، فبعضها كان هدايا لعيد ميلادي على مدى سنوات (وهكذا قرأت لفاطمة المرنيسي) وبعضها استوليت عليه بوضع اليد من مجموعة كتب لأكبر إخوتي، إذ كانا مهتمين بالأدب والشعر رغم تخصصاتهما العلمية (في الهندسة الكهربائية والمحاسبة) وهكذا حصلت على جميل بثينة والحب العذري لخريستو نجم، ومن هذا الكتاب تعلمت أن أتعاطف مع جميل وألا أحب بثينة، ولهذا أيضًا اخترت أن تكون القصة مختلفة في #يوميات_بثين_وجميل.
كان من بينها أيضًا أحلى عشرين قصيدة حب جمعها فاروق شوشة، ومن بين القصائد قصيدة منسوبة ليزيد بن معاوية وإلى الوأواء الدمشقي:
نالت على يدها ما لم تنله يدي
نقشًا على معصم أوهت به جلدي
أذكر أني حين درّستها لطالبات الصف العاشر ملت إلى ترجيح نسبتها إلى يزيد، رغم تعاطف طالباتي مع الوأواء!
في مكتبتي أيضًا تهذيب سيرة ابن هشام بتحقيق عبدالسلام هارون، وحياة المسيح لجورج فورد قال عنها صاحب المكتبة الذي باعني إياها إنها نسخة نادرة.
عام 2003 ذهبت مع أبي إلى دمشق في أول زيارة رسمية، إذ ذهبت لتقديم امتحان التعيين (المسابقة) وهناك اشتريت معجم الأدوات النحوية والمعجم الوسيط (وفقدتهما مع ما فقدت في الإمارات) وروايتي ذات لصنع الله إبراهيم وعابر سرير لأحلام مستغانمي، وقد قرأت لها قبلًا ذاكرة الجسد وفوضى الحواس، وكان لا بد من قراءة "جزئهما الثالث" وهذا آخر ما قرأته لها!
في كل رحلة إلى حلب، أنتهز الفرصة لأشتري لأختيّ كتبًا، وفي ذات صيف اشتريت نسختين من كتاب رسائل الحنين إلى الياسمين لغادة السمان، إذ كانت إحدى أخواتي تحب غادة والأخرى تحب غسان، وكان هذا غباء مني، إذ ظننت في البدء أن هذا كتاب الرسائل بينهما!
أذكر أني قرأت ليون الأفريقي في إحدى تلك الرحلات، أتخفف بها من ثقل المواد الجامعية والامتحانات.
"يتبع"
في مكتبتي أيضًا اثنتا عشرة قصة مهاجرة لماركيز بطبعة قديمة جدًا جدًا، والحب والظلال لإيزابيل الليندي وقد كتبت عنها بحثًا في السنة الجامعية الأخيرة لمادة الأدب والنقد في الغرب. كانت هذه من المواد المفضلة لدي، وعلى خلاف طبعي المتحفظ كنت أشارك في نقاش بحوث الزملاء الآخرين، الذين يروني كائنًا غريبًا عنهم! فيها مجموعة قصصية للطاهر بن جلون (وقد عرفته من رواية طفل الرمال إحدى روايات مكتبة أختي) كانت بعنوان أعناب مركب العذاب، اشتريتها من مكتبة ميسلون في دمشق في أولى زياراتي لها مع أختي، زيارة قضيتها في قراءة أرشيف ممل في وزارة الثقافة!
لم أشتر كل الكتب في مكتبتي، فبعضها كان هدايا لعيد ميلادي على مدى سنوات (وهكذا قرأت لفاطمة المرنيسي) وبعضها استوليت عليه بوضع اليد من مجموعة كتب لأكبر إخوتي، إذ كانا مهتمين بالأدب والشعر رغم تخصصاتهما العلمية (في الهندسة الكهربائية والمحاسبة) وهكذا حصلت على جميل بثينة والحب العذري لخريستو نجم، ومن هذا الكتاب تعلمت أن أتعاطف مع جميل وألا أحب بثينة، ولهذا أيضًا اخترت أن تكون القصة مختلفة في #يوميات_بثين_وجميل.
كان من بينها أيضًا أحلى عشرين قصيدة حب جمعها فاروق شوشة، ومن بين القصائد قصيدة منسوبة ليزيد بن معاوية وإلى الوأواء الدمشقي:
نالت على يدها ما لم تنله يدي
نقشًا على معصم أوهت به جلدي
أذكر أني حين درّستها لطالبات الصف العاشر ملت إلى ترجيح نسبتها إلى يزيد، رغم تعاطف طالباتي مع الوأواء!
في مكتبتي أيضًا تهذيب سيرة ابن هشام بتحقيق عبدالسلام هارون، وحياة المسيح لجورج فورد قال عنها صاحب المكتبة الذي باعني إياها إنها نسخة نادرة.
عام 2003 ذهبت مع أبي إلى دمشق في أول زيارة رسمية، إذ ذهبت لتقديم امتحان التعيين (المسابقة) وهناك اشتريت معجم الأدوات النحوية والمعجم الوسيط (وفقدتهما مع ما فقدت في الإمارات) وروايتي ذات لصنع الله إبراهيم وعابر سرير لأحلام مستغانمي، وقد قرأت لها قبلًا ذاكرة الجسد وفوضى الحواس، وكان لا بد من قراءة "جزئهما الثالث" وهذا آخر ما قرأته لها!
في كل رحلة إلى حلب، أنتهز الفرصة لأشتري لأختيّ كتبًا، وفي ذات صيف اشتريت نسختين من كتاب رسائل الحنين إلى الياسمين لغادة السمان، إذ كانت إحدى أخواتي تحب غادة والأخرى تحب غسان، وكان هذا غباء مني، إذ ظننت في البدء أن هذا كتاب الرسائل بينهما!
أذكر أني قرأت ليون الأفريقي في إحدى تلك الرحلات، أتخفف بها من ثقل المواد الجامعية والامتحانات.
"يتبع"
كنت في الصف العاشر أو الحادي عشر حين قرأت دواوين نزار قباني، شأن معظم مراهقات البلدة في سنوات التسعينيات، وكانت هذه من مكتبة أختي لأني لم أبدأ تأسيس مكتبتي حينئذ. لم يبق في ذهني مما قرأت له شيء، ولا حتى عناوين دواوينه، واقتنعت أن قصائده لا تسمع إلا بصوت كاظم الساهر، وهذا مطرب تعرفت عليه في الصف التاسع من صديقتي التي تحبه جدًا، فأخذت أجمع أشرطته كلها، لكن هذه حكاية أخرى، نحن نتحدث عن الكتب!
مكتبات البلدة فقيرة للغاية، القرطاسية فيها قبيحة والكتب رديئة الطباعة (كان هذا واضحًا لي منذ أن كنت في ذلك العمر) وإن وجدت الكتب كانت في معظمها روايات عبير، أو روايات بيار روفائيل (ولمن لا يعرفه، وحتمًا لا يعرفه كثيرون، فهو كاتب لبناني لا يبدو أن كتبه عرفت إلا في بلدتي ولدى أخواتي).
ذهبت مرة لشراء هدية لأختي في عيد ميلادها من إحدى المكتبات، ونقلت نظري في أرجاء المكتبة فلم أر كتبًا، وسألت البائع هل عندكم كتب؟ فقال كتب مدرسة ما في كتب مدرسة، دفاتر في دفاتر! وكانت كتب المدرسة تباع للصفوف الإعدادية والثانوية، ثم صدر قانون يقضي بجعل الصفوف من السابع وحتى التاسع صفوفًا تابعة لمرحلة التعليم الأساسي، ولذا فإن الطلاب لا يشترون الكتب لكن عليهم إعادتها إلى المدرسة في نهاية العام. اشتريت يومها كتاب قصة مدينتين لتشارلز دكنز، وظلت أختي تحتفظ بها رغم كونها طبعة مختصرة سيئة، حتى احترقت مكتبتانا معًا.
كان عندي زميلة تبرعت بإعارتي كتبًا من مكتبة خالها بعدما رأته من حبي للقراءة،وهكذا قرأت الطريق المسدود لإحسان عبدالقدوس. لزميلتي هذه طريقة خاصة في القراءة إذ تقرأ الصفحات الأولى لتتعرف الشخصيات، ثم الوسطى لتعرف تصاعد الأحداث، ثم الأخيرة لمعرفة النهاية. وقد أخبرتني أن بطلة الطريق المسدود تموت (وحرقت الأحداث!) فلما قرأت الرواية وأنهيتها لم أجد أنها ماتت، وظننتها خلطت بين هذه الرواية ورواية أخرى، لكنها أكدت لي أن البطلة تموت وفتحت لي الصفحة الأخيرة وقالت: انظري، كتب هنا "تمت"، وهي تعني تمّت! ترى ماذا كان سيقول همتي دمتي عن قراءتها للكلمة وتشكيل نهاية مختلفة بناء عليها، مثلما تعني الكلمات عنده ما يريد لها أن تعنيه! لعلها أرادت كتابة نهاية أكثر مأساوية من هيام البطلة على وجهها وتيهها دون أن تعرف لنفسها هوية واضحة.
"يتبع"
مكتبات البلدة فقيرة للغاية، القرطاسية فيها قبيحة والكتب رديئة الطباعة (كان هذا واضحًا لي منذ أن كنت في ذلك العمر) وإن وجدت الكتب كانت في معظمها روايات عبير، أو روايات بيار روفائيل (ولمن لا يعرفه، وحتمًا لا يعرفه كثيرون، فهو كاتب لبناني لا يبدو أن كتبه عرفت إلا في بلدتي ولدى أخواتي).
ذهبت مرة لشراء هدية لأختي في عيد ميلادها من إحدى المكتبات، ونقلت نظري في أرجاء المكتبة فلم أر كتبًا، وسألت البائع هل عندكم كتب؟ فقال كتب مدرسة ما في كتب مدرسة، دفاتر في دفاتر! وكانت كتب المدرسة تباع للصفوف الإعدادية والثانوية، ثم صدر قانون يقضي بجعل الصفوف من السابع وحتى التاسع صفوفًا تابعة لمرحلة التعليم الأساسي، ولذا فإن الطلاب لا يشترون الكتب لكن عليهم إعادتها إلى المدرسة في نهاية العام. اشتريت يومها كتاب قصة مدينتين لتشارلز دكنز، وظلت أختي تحتفظ بها رغم كونها طبعة مختصرة سيئة، حتى احترقت مكتبتانا معًا.
كان عندي زميلة تبرعت بإعارتي كتبًا من مكتبة خالها بعدما رأته من حبي للقراءة،وهكذا قرأت الطريق المسدود لإحسان عبدالقدوس. لزميلتي هذه طريقة خاصة في القراءة إذ تقرأ الصفحات الأولى لتتعرف الشخصيات، ثم الوسطى لتعرف تصاعد الأحداث، ثم الأخيرة لمعرفة النهاية. وقد أخبرتني أن بطلة الطريق المسدود تموت (وحرقت الأحداث!) فلما قرأت الرواية وأنهيتها لم أجد أنها ماتت، وظننتها خلطت بين هذه الرواية ورواية أخرى، لكنها أكدت لي أن البطلة تموت وفتحت لي الصفحة الأخيرة وقالت: انظري، كتب هنا "تمت"، وهي تعني تمّت! ترى ماذا كان سيقول همتي دمتي عن قراءتها للكلمة وتشكيل نهاية مختلفة بناء عليها، مثلما تعني الكلمات عنده ما يريد لها أن تعنيه! لعلها أرادت كتابة نهاية أكثر مأساوية من هيام البطلة على وجهها وتيهها دون أن تعرف لنفسها هوية واضحة.
"يتبع"
لم أعرف بلدي كما يفترض بي، شأني شأن كثيرين منها. فلم أزر الساحل ولا حماة ولا آثار تدمر الشهيرة، ولا حتى آثار الصالحية التي تقع في حدود محافظتنا. ولم أر من حمص إلا جامعتها وشارع الدبلان ومركز انطلاق الباصات. لذا حين قرأت دمشقي لسعاد العامري أوائل هذا العام، حننت إلى دمشق، رغم أني لم أرها إلا مرتين، وفي الثالثة اتجهت من الپولمان إلى المطار، فلم أر منها شيئًا لهذا السبب، ولقضائي الرحلة التي استغرقت ثماني ساعات في البكاء. كانت أول رحلة لي خارج سوريا وأول رحلة دون أحد من عائلتي.
ذكرتني رواية العامري برواية دمشق بسمة الحزن لألفة الإدلبي، وقد اقتبس عنها مسلسل (بسمة الحزن) تقرأ المؤلفة مقتطفًا من روايتها في بداية تتر المسلسل. كم تعاطفت مع صبرية ووجدت مشهد فحص الداية مذلًا مهينًا. أذكر أني قرأتها في جلسة واحدة في بدايات العام الدراسي، والشمس تميل نحو المغيب. كانت من إصدارات دار طلاس، التي يملكها "العماد مصطفى طلاس" ذو المواهب المتعددة! وإن كان لهذه الدار من حسنة فهي إصداراتها الغزيرة في كل الفنون وطبعاتها الجيدة وأسعارها الزهيدة. كانت أختي صاحبة المكتبة المغرية، تنتقي ما تريد من العناوين وتتصل بالدار ليرسلوا لها الكتب في طرد "ضد الدفع" مع شركات السفريات، وكانت حينئذ شركة القدموس. وهكذا حصلت على إصدارات دار الحوار. وحصلت على إصدارات المدى من مكتبة النوري في دمشق. كان هذا في التسعينيات، ولم أزل حينها طالبة في الثانوية. فقرأت من إصدارات دار طلاس لا شيء خلف الفولاذ لجاكلين سوزان، والمسيح يصلب من جديد لنيكوس كازنتزاكيس وغيرها مما لا أذكره. وقرأت كتب إيزابيل الليندي بيت الأرواح وإيفالونا وحكايات إيفالونا، وابنة الحظ وصورة عتيقة، وباولا وبلدي المخترع والخطة اللانهائية. وقرأت رواياتها للناشئة مملكة التنين الذهبي ومدينة البهائم وغابة الأقزام. وفي عام 2009 قرأت لها حصيلة الأيام وانقطعت عنها إلى أن قرأت لها إنيس حبيبة روحي هذا العام.
معظم الكتب التي قرأتها في تلك الفترة (وبخاصة في المراهقة) لا أذكر من تفاصيلها إلا القليل جدًا. ولهذا أعدت قراءة الأمير الصغير وأرض البشر لأنطوان دو سانت أكزوبيري، وليتني أحصل على نسخة من طيران الليل أو فرصة تتيح لي استعادة كتبي من مصر لأكمل قراءة كتابه القلعة (عن دار الشروق).
في مصر حين قرأت رواية لا سكاكين في مطابخ المدينة لخالد خليفة، تعرفت إلى حلب كما لم أعرفها حين عشت فيها. لم أقرأ لخالد من قبل، ولا من بعد، لكني شاهدت بعض مسلسلاته مثل سيرة آل الجلالي وقوس قزح وزمن الخوف (وهذا مسلسل يستحق المشاهدة). يبدو أنني عشت فيها كما يعيش السائح، يبقى على التخم ولا يتوغل، يمشي في الشوارع وهو موقن أنه طارئ على المكان، سيحمل حقيبته في وقت ما ليغادر.
حاولت مرة بعد أخرى أن تكون الكتب مرساة لي، لكنها في كل مرة تصر على أن تكون عكس ذلك. ولم تزل الرحلة مستمرة.
"يتبع"
ذكرتني رواية العامري برواية دمشق بسمة الحزن لألفة الإدلبي، وقد اقتبس عنها مسلسل (بسمة الحزن) تقرأ المؤلفة مقتطفًا من روايتها في بداية تتر المسلسل. كم تعاطفت مع صبرية ووجدت مشهد فحص الداية مذلًا مهينًا. أذكر أني قرأتها في جلسة واحدة في بدايات العام الدراسي، والشمس تميل نحو المغيب. كانت من إصدارات دار طلاس، التي يملكها "العماد مصطفى طلاس" ذو المواهب المتعددة! وإن كان لهذه الدار من حسنة فهي إصداراتها الغزيرة في كل الفنون وطبعاتها الجيدة وأسعارها الزهيدة. كانت أختي صاحبة المكتبة المغرية، تنتقي ما تريد من العناوين وتتصل بالدار ليرسلوا لها الكتب في طرد "ضد الدفع" مع شركات السفريات، وكانت حينئذ شركة القدموس. وهكذا حصلت على إصدارات دار الحوار. وحصلت على إصدارات المدى من مكتبة النوري في دمشق. كان هذا في التسعينيات، ولم أزل حينها طالبة في الثانوية. فقرأت من إصدارات دار طلاس لا شيء خلف الفولاذ لجاكلين سوزان، والمسيح يصلب من جديد لنيكوس كازنتزاكيس وغيرها مما لا أذكره. وقرأت كتب إيزابيل الليندي بيت الأرواح وإيفالونا وحكايات إيفالونا، وابنة الحظ وصورة عتيقة، وباولا وبلدي المخترع والخطة اللانهائية. وقرأت رواياتها للناشئة مملكة التنين الذهبي ومدينة البهائم وغابة الأقزام. وفي عام 2009 قرأت لها حصيلة الأيام وانقطعت عنها إلى أن قرأت لها إنيس حبيبة روحي هذا العام.
معظم الكتب التي قرأتها في تلك الفترة (وبخاصة في المراهقة) لا أذكر من تفاصيلها إلا القليل جدًا. ولهذا أعدت قراءة الأمير الصغير وأرض البشر لأنطوان دو سانت أكزوبيري، وليتني أحصل على نسخة من طيران الليل أو فرصة تتيح لي استعادة كتبي من مصر لأكمل قراءة كتابه القلعة (عن دار الشروق).
في مصر حين قرأت رواية لا سكاكين في مطابخ المدينة لخالد خليفة، تعرفت إلى حلب كما لم أعرفها حين عشت فيها. لم أقرأ لخالد من قبل، ولا من بعد، لكني شاهدت بعض مسلسلاته مثل سيرة آل الجلالي وقوس قزح وزمن الخوف (وهذا مسلسل يستحق المشاهدة). يبدو أنني عشت فيها كما يعيش السائح، يبقى على التخم ولا يتوغل، يمشي في الشوارع وهو موقن أنه طارئ على المكان، سيحمل حقيبته في وقت ما ليغادر.
حاولت مرة بعد أخرى أن تكون الكتب مرساة لي، لكنها في كل مرة تصر على أن تكون عكس ذلك. ولم تزل الرحلة مستمرة.
"يتبع"
تكتب ديانا ما يشبه تاريخًا لعائلتها (أو لأبيها)، وتربطها بالطعام ليتبين أن الأمر أكبر من الطعام، وأنها قصص عن الحب والاختلاف والإيمان والجمال.
#صدر_حديثا عن #منشورات_تكوين و #دار_الرافدين #عائلة_روبنسن_السويسرية لـ #يوهان_داﭬﺪ_ﭬﻴﺲ ترجمة #بثينة_الإبراهيم
"إن الأرض كلها أرض الرب، وأينما عشت حياةً طيبةً نافعة تحت أنظاره كانت تلك البقعة وطنك."
نُشرت رواية عائلة روبنسن السويسرية أول مرة باللغة الألمانية عام 1813، وترجمت إلى لغات عديدة منذ ذلك الوقت، واقتبست عنها أفلام ومسلسل أنمي ياباني من إنتاج استديو نيبون إنيميشن عام 1981، عرف في أرجاء الوطن العربي باسم فلونة روبنسن كروزو.
بُنيت القصة على تقرير لقبطان سفينة روسية اكتشف في إحدى رحلاته البحرية عددًا من الجزر الخصيبة، وعند نزول البحارة على إحدى هذه الجزر وجدوا عائلة من أب وأم وأربعة أولاد، تحطمت سفينتهم ولم ينج منها أحد سواهم، فاتخذوا من الجزيرة موطنًا لهم.
ماذا يفعل المرء إن ألقى به البحر إلى جزيرة لم يسكنها بشر قبله؟ وما الذي سيعتمل في صدره سوى الوحشة والكآبة والخوف؟ غير أنه سيدرك سريعًا أن عليه الاعتناء بنفسه، والحرص على ما يتوفر عنده من موارد. بل إنه يسعى إلى إعمار الأرض، بشكل أو بآخر، الأرض التي أنقذته.
"إن الأرض كلها أرض الرب، وأينما عشت حياةً طيبةً نافعة تحت أنظاره كانت تلك البقعة وطنك."
نُشرت رواية عائلة روبنسن السويسرية أول مرة باللغة الألمانية عام 1813، وترجمت إلى لغات عديدة منذ ذلك الوقت، واقتبست عنها أفلام ومسلسل أنمي ياباني من إنتاج استديو نيبون إنيميشن عام 1981، عرف في أرجاء الوطن العربي باسم فلونة روبنسن كروزو.
بُنيت القصة على تقرير لقبطان سفينة روسية اكتشف في إحدى رحلاته البحرية عددًا من الجزر الخصيبة، وعند نزول البحارة على إحدى هذه الجزر وجدوا عائلة من أب وأم وأربعة أولاد، تحطمت سفينتهم ولم ينج منها أحد سواهم، فاتخذوا من الجزيرة موطنًا لهم.
ماذا يفعل المرء إن ألقى به البحر إلى جزيرة لم يسكنها بشر قبله؟ وما الذي سيعتمل في صدره سوى الوحشة والكآبة والخوف؟ غير أنه سيدرك سريعًا أن عليه الاعتناء بنفسه، والحرص على ما يتوفر عنده من موارد. بل إنه يسعى إلى إعمار الأرض، بشكل أو بآخر، الأرض التي أنقذته.
لسنا بحاجة أن يلقي بنا البحر إلى جزيرة مقفرة لنعمر الأرض، لكننا بحاجة إلى إعمار القلوب، قبل الأرض، بالحب والرأفة والحنان، "فالأرض الخضراء لا تغدو خضراء إلا بعزم الإنسان".
#صدر_حديثا عن #منشورات_تكوين و #دار_الرافدين ضمن سلسلة #مرايا رواية #رجال_صغار لـ #لويزا_ماي_ألكوت ترجمة #بثينة_الإبراهيم
نُشرت رواية رجال صغار عام 1871، وعدت جزءًا ثانيًا من رائعة لويزا ماي ألكوت "نساء صغيرات"، ثم أعقبه جزء ثالث وأخير بعنوان "أولاد جو".
في هذا الجزء تظهر جو مارش، التي غدت السيدة باير بعد زواجها، وهي تدير مدرسة للأولاد. واستلهمت الكاتبةُ القصةَ من أبيها الشغوف بإصلاح التعليم ومن المدرسة التي أسسها. حققت هذه الرواية، كسابقتها، نجاحًا عظيمًا واقتبست منها أفلام عديدة، ومسلسل أنمي ياباني من إنتاج استديو نيبون أنيميشن ضمن سلسلة مسرح روائع العالم، وقد ركز على "نان"، إحدى التلميذتين في المدرسة، واشتهر عربيًا باسم "نوّار".
لم تؤسس جو مدرسة للأولاد فحسب، بل حرصت على أن يكون المكان بيتًا حقيقيًا، وبخاصة للأيتام منهم. وبمساعدة زوجها الأستاذ باير، داوت قلوبهم المكسورة، كما تعهدت أبدانهم العليلة بالغذاء والدواء. فقد آمنت أن الحب "زهرة تكبر في أي تربة، ولا يتلف ثمار معجزاتها الحلوة صقيع الخريف ولا ثلج الشتاء، بل تتفتح جميلة شذية طوال العام، وتبارك من يعطيه ومن يتلقاه".
نُشرت رواية رجال صغار عام 1871، وعدت جزءًا ثانيًا من رائعة لويزا ماي ألكوت "نساء صغيرات"، ثم أعقبه جزء ثالث وأخير بعنوان "أولاد جو".
في هذا الجزء تظهر جو مارش، التي غدت السيدة باير بعد زواجها، وهي تدير مدرسة للأولاد. واستلهمت الكاتبةُ القصةَ من أبيها الشغوف بإصلاح التعليم ومن المدرسة التي أسسها. حققت هذه الرواية، كسابقتها، نجاحًا عظيمًا واقتبست منها أفلام عديدة، ومسلسل أنمي ياباني من إنتاج استديو نيبون أنيميشن ضمن سلسلة مسرح روائع العالم، وقد ركز على "نان"، إحدى التلميذتين في المدرسة، واشتهر عربيًا باسم "نوّار".
لم تؤسس جو مدرسة للأولاد فحسب، بل حرصت على أن يكون المكان بيتًا حقيقيًا، وبخاصة للأيتام منهم. وبمساعدة زوجها الأستاذ باير، داوت قلوبهم المكسورة، كما تعهدت أبدانهم العليلة بالغذاء والدواء. فقد آمنت أن الحب "زهرة تكبر في أي تربة، ولا يتلف ثمار معجزاتها الحلوة صقيع الخريف ولا ثلج الشتاء، بل تتفتح جميلة شذية طوال العام، وتبارك من يعطيه ومن يتلقاه".
حين أصبح العالم قرية صغيرة، كبرت المسافات بين المرء وأخيه، وأجدبت الأرض وذوت "زهرة الحب". وهذه الرواية بمثابة دعوة من جو ورجالها الصغار إلى القارئ ليعمر قلبه باللطف وتقدير الأشياء الجميلة في الطبيعة والبشر ليدرك الجوهر الذي لا تراه العين.
صورة پانورامية لإصدارات هذا العام.
(ملاحظة: بثين في الصورة الثانية تشبه زكية الذكية، إحدى شخصيات مجلة ماجد، وتأمل أن تكون ذكية مثلها) 💛🌻
(ملاحظة: بثين في الصورة الثانية تشبه زكية الذكية، إحدى شخصيات مجلة ماجد، وتأمل أن تكون ذكية مثلها) 💛🌻
نستأنف حديث الكتب:
في الصف العاشر، طلبت منا مدرسة اللغة العربية تلخيص بعض الكتب التي نستعيرها من مكتبة المدرسة. لم تكن مكتبة المدرسة أكبر من غرفة أبعادها 3*3 (رغم أني أكره الهندسة والأرقام ولا أعرف قياسها على الحقيقة، لكني لا أظنها أكبر من ذلك) فيها أربع خزانات معدنية، رفوفها العلوية لها أبواب زجاجية. أما ما تحويه من كتب، فقد كان منها كتب حول التربية والثقافة الاشتراكيتين، ولا أحد يفكر باستعارتها مطلقًا. وبعض الطبعات القديمة جدًا من كتب جرجي زيدان ومحمد مندور وطه حسين والعقاد وغيرهم من كتاب الفترة نفسها. إلى جانب الدواوين الشعرية (طبعة دار العودة ذات الأغلفة السميكة الحمراء) لإيليا أبو ماضي، وبدر شاكر السياب وبضعة دواوين أخرى، ودواوين الشعراء القدامى بطبعات دار صادر وبأغلفة ورقية عادية. إلى جانب بعض روائع الأدب العالمي بطبعات مختصرة. أذكر أني قرأت الحرب والسلم بنسخة لا تتجاوز 200 صفحة، وكرهت تولستوي يومها، وعزفت عن قراءة كتبه حتى قرأت اعترافاته قبل أعوام أربعة.
قرأت كتاب الأدب ومذاهبه لمحمد مندور وفتنت به كثيرًا، وتعلمت الكثير عن الأدب حينها. وبعدها بسنوات خصصت دفترًا صغيرًا أكتب فيه ما تقع عيني عليه من مصطلحات أدبية، وأسماء بعض الآلهة، وبعض الطرائف من هنا وهناك، وتخلصت منه في سنواتي الجامعية.
حين أصبحت مدرسة، اتخذت وسيلة لمعاقبة طالباتي إن خرقن قانونًا من قوانين الحصة، بأن يدفعن غرامة قدرها (ليرة واحدة) عن كل مرة، وكانت إحدى الطالبات هي أمينة الصندوق، وصار عندنا مبلغ من المال اتفقت طالباتي على أن يشترين به كتبًا جديدة لمكتبة المدرسة بدلًا من الكتب التي أكلها الدود المخيف! كلفتني الطالبات بشراء الكتب في إحدى رحلاتي إلى حلب، وفعلت وعدت محملة بالغنائم.
لا أذكر كل العناوين لكني جلبت نسخة من مئة عام من العزلة، وقرأتها عدد من الطالبات وكرهنها وكرهن ماركيز كثيرًا. وبعد أيام استدعتني أمينة المكتبة لتقول لي إن أحد الكتب (لعزيز نيسن) يصف قميص نوم تلبسه إحدى الشخصيات.
بعد هذا ندمت أشد الندم لأني حاولت بث روح التجديد والحداثة.
يتبع
في الصف العاشر، طلبت منا مدرسة اللغة العربية تلخيص بعض الكتب التي نستعيرها من مكتبة المدرسة. لم تكن مكتبة المدرسة أكبر من غرفة أبعادها 3*3 (رغم أني أكره الهندسة والأرقام ولا أعرف قياسها على الحقيقة، لكني لا أظنها أكبر من ذلك) فيها أربع خزانات معدنية، رفوفها العلوية لها أبواب زجاجية. أما ما تحويه من كتب، فقد كان منها كتب حول التربية والثقافة الاشتراكيتين، ولا أحد يفكر باستعارتها مطلقًا. وبعض الطبعات القديمة جدًا من كتب جرجي زيدان ومحمد مندور وطه حسين والعقاد وغيرهم من كتاب الفترة نفسها. إلى جانب الدواوين الشعرية (طبعة دار العودة ذات الأغلفة السميكة الحمراء) لإيليا أبو ماضي، وبدر شاكر السياب وبضعة دواوين أخرى، ودواوين الشعراء القدامى بطبعات دار صادر وبأغلفة ورقية عادية. إلى جانب بعض روائع الأدب العالمي بطبعات مختصرة. أذكر أني قرأت الحرب والسلم بنسخة لا تتجاوز 200 صفحة، وكرهت تولستوي يومها، وعزفت عن قراءة كتبه حتى قرأت اعترافاته قبل أعوام أربعة.
قرأت كتاب الأدب ومذاهبه لمحمد مندور وفتنت به كثيرًا، وتعلمت الكثير عن الأدب حينها. وبعدها بسنوات خصصت دفترًا صغيرًا أكتب فيه ما تقع عيني عليه من مصطلحات أدبية، وأسماء بعض الآلهة، وبعض الطرائف من هنا وهناك، وتخلصت منه في سنواتي الجامعية.
حين أصبحت مدرسة، اتخذت وسيلة لمعاقبة طالباتي إن خرقن قانونًا من قوانين الحصة، بأن يدفعن غرامة قدرها (ليرة واحدة) عن كل مرة، وكانت إحدى الطالبات هي أمينة الصندوق، وصار عندنا مبلغ من المال اتفقت طالباتي على أن يشترين به كتبًا جديدة لمكتبة المدرسة بدلًا من الكتب التي أكلها الدود المخيف! كلفتني الطالبات بشراء الكتب في إحدى رحلاتي إلى حلب، وفعلت وعدت محملة بالغنائم.
لا أذكر كل العناوين لكني جلبت نسخة من مئة عام من العزلة، وقرأتها عدد من الطالبات وكرهنها وكرهن ماركيز كثيرًا. وبعد أيام استدعتني أمينة المكتبة لتقول لي إن أحد الكتب (لعزيز نيسن) يصف قميص نوم تلبسه إحدى الشخصيات.
بعد هذا ندمت أشد الندم لأني حاولت بث روح التجديد والحداثة.
يتبع
أذكر في كل مناسبة أنني في خصام مع الأدب العربي، شعره ونثره، إلا ما ندر. ولا أعني الأدب العربي بمطلقه، بل أعني الأدب الذي تمتلئ به الساحة الثقافية منذ سنوات، دون أن يملأها حقًا. لكني مع ذلك أقرأه على استحياء، وأحاول التقاط ما أتوسم فيه شيئًا يغير رأيي.
أول رواية قرأتها لعبدالله البصيّص هي رواية طعم الذئب، رغم أنها ليست أول ما كتب، لكني سعيدة أني بدأت بها إذ لم تكن الخيبة نصيبي. هذه رواية مكتملة، اللغة فيها مدهشة تشي بتمكن الكاتب منها.
ما العيب في أن يكون "البطل" جبانًا؟ (في تناقض صارخ) وما العيب في حب السلامة؟ لكن الصحراء قاسية ولا تقبل المختلف، وقد تحامت العشيرة طرفة بن العبد قبل ذيبان، لما رأت ما رأته من انصرافه للشرب واللهو والصيد. وهذا ما لم يتعلمه ذيبان رغم دروس أمه وسمعة أبيه.
الذئب في ليلة نوم ذيبان على الشجرة لم يكن ذئبًا، بل كان ثعلب الأمير الصغير بكل حكمته، يعلم ذيبان ما لم تعلمه الأيام، يفتح عينيه وقلبه ليرى الجوهر الذي لا تراه العين.
حاول ذيبان في مرتين أن يلبس لباسًا فضفاضًا عليه، وفي المرتين تعثر. في الأولى حين ثأر لكرامته وقتل من أهانه، وندم في اللحظة نفسها وجبن، وفي المرة الثانية حين بالغ في تباهيه بفراء الذئب. وفي المرتين كان مثل النمر الذي لبس قفازين أبيضين، ليزيد أناقة مظهره، فأثار غضب السباع واستيائها، حتى عاد إلى رشده وخلعهما قانعًا بجلده البرتقالي المخطط في قصيدة لغوندلن بروكس(وهذا دور يتخذه الحمار عادة في الحكايات، أعني أن يلبس ثوبًا لا يليق به).
تقول أمي رحمها الله في حكاية عن رجل فقير دعا ربه أن يكبّر بأسه فأخطأ فقال يا ربي كبر راسي
فكبر رأسه كثيرًا، فقال يا ربي صغر راسي، فصغر كثيرًا، وفي دعائه الثالث والأخير قال رب أعد رأسي كما كان. وهذا ما حدث مع ذيبان في المرتين، ولم تسنح له فرصة ثالثة ليعود إلى جبنه وحياته كما كانت.
أول رواية قرأتها لعبدالله البصيّص هي رواية طعم الذئب، رغم أنها ليست أول ما كتب، لكني سعيدة أني بدأت بها إذ لم تكن الخيبة نصيبي. هذه رواية مكتملة، اللغة فيها مدهشة تشي بتمكن الكاتب منها.
ما العيب في أن يكون "البطل" جبانًا؟ (في تناقض صارخ) وما العيب في حب السلامة؟ لكن الصحراء قاسية ولا تقبل المختلف، وقد تحامت العشيرة طرفة بن العبد قبل ذيبان، لما رأت ما رأته من انصرافه للشرب واللهو والصيد. وهذا ما لم يتعلمه ذيبان رغم دروس أمه وسمعة أبيه.
الذئب في ليلة نوم ذيبان على الشجرة لم يكن ذئبًا، بل كان ثعلب الأمير الصغير بكل حكمته، يعلم ذيبان ما لم تعلمه الأيام، يفتح عينيه وقلبه ليرى الجوهر الذي لا تراه العين.
حاول ذيبان في مرتين أن يلبس لباسًا فضفاضًا عليه، وفي المرتين تعثر. في الأولى حين ثأر لكرامته وقتل من أهانه، وندم في اللحظة نفسها وجبن، وفي المرة الثانية حين بالغ في تباهيه بفراء الذئب. وفي المرتين كان مثل النمر الذي لبس قفازين أبيضين، ليزيد أناقة مظهره، فأثار غضب السباع واستيائها، حتى عاد إلى رشده وخلعهما قانعًا بجلده البرتقالي المخطط في قصيدة لغوندلن بروكس(وهذا دور يتخذه الحمار عادة في الحكايات، أعني أن يلبس ثوبًا لا يليق به).
تقول أمي رحمها الله في حكاية عن رجل فقير دعا ربه أن يكبّر بأسه فأخطأ فقال يا ربي كبر راسي
فكبر رأسه كثيرًا، فقال يا ربي صغر راسي، فصغر كثيرًا، وفي دعائه الثالث والأخير قال رب أعد رأسي كما كان. وهذا ما حدث مع ذيبان في المرتين، ولم تسنح له فرصة ثالثة ليعود إلى جبنه وحياته كما كانت.