أشباهنا في العالم
11.2K subscribers
319 photos
15 videos
3 files
161 links
حكايا من الضفة الأخرى
"في الترجمة والكتابة والكتب وتفاصيل صغيرة"
Download Telegram
"لم أكن ذكيًا بالقدر الذي ظننت أني كنته. كنت جيدًا في المدرسة بشكل عام، المدرسة الكاتدرائية في بومباي. حين جئت إلى إنجلترا لم أشعر أنني متأخر، ولكن إن اطلعت على تقاريري المدرسية، فسترى أنني لم أكن جيدًا جدًا. كان أبي، قبل دخولي مدرسة رجبي، مثل العديد من الآباء الهنود، يفرض علي عملًا إضافيًا. أذكر أني كنت مضطرًا لكتابة مقالات وأشياء أخرى في المنزل، وكنت أمتعض بشدة. كان يجعلني ألخص أعمال شكسبير. ليس من الغريب في أسرة هندية أن أبناءها، وبخاصة الولد الأكبر والأوحد، يجب أن ينشؤوا على هذا النحو. انغمست في العمل في رجبي، ويعود ذلك في جزء منه إلى التعاسة الاجتماعية. لم تكن كتابة إبداعية جدًا، فقد كنت منجذبًا إلى التاريخ في ذلك الوقت. فزت بجوائز لكتابتي بحوث طويلة، ولا أدري لماذا -بالنظر إلى ولعي بالقراءة- لم يخطر لي سواء في المدرسة أم في الجامعة أن أدرس الأدب. لم تبد قراءة الروايات عملًا حقيقيًا. في الواقع، لم يعتقد أبي أن التاريخ عمل أيضًا.كان يريدني أن أدرس شيئًا معقولًا في كامبريدج؛ الاقتصاد."
سلمان رشدي
#ترجمة_كل_يوم
ما غاية الفن؟ (1)
جانيت ونترسُن
ترجمة بثينة الإبراهيم

سألت سيدة أمريكية تسافر إلى باريس عام 1913- ذاك النمط من السيدات الأمريكيات اللاتي ما زلن يسافرن إلى باريس عام 2013- عزرا باوند حول رأيه بغاية الفن، فأجاب باوند: «اسأليني ما الغاية من باقات الورد». كانت أوروبا تستعد للحرب، فهل كانت باقات الورد مهمة؟ ما الذي يمكن للفن أن يقدمه لنا الآن، ونحن نشهد احتمال قيام حرب أخرى؟

أعرف أن هنالك إحساسًا خفيًا ينتاب عشاق الفن بأنه ترف، ففي الوقت الذي لا تعد فيه الأفلام والموسيقى والكتب والمسرح أمتعة مصنوعة يدويًا أو عطرًا، فقد لا يعترف معظم الناس بأهمية الفن. لا أحد يشك بأنه يتعين علينا جميعًا أن ندفع للمشافي والمدارس، ولكن إن كان الحديث عن الفن فسيكون الرد أن ذلك يعتمد على السوق، ومن أراد الفن فعليه أن يدفع من أجله. إن الفن خاص ومحدد ونخبوي وقد يكون زائفًا. يُكتفى في بريطانيا بالعظام من القدماء - شكسبير وديكنز وموزارت وبوتشيني- لتغذية الاهتمام العام بالفن.

أصبحت الفنون الحديثة دائرة إعلامية، أعمالًا منقادة للمال وتواقة للجوائز، معتمدة على التسويق والترويج، الأمر الذي قد يجعل الجمهور يميز بضعة أسماء إضافية، لكنه يجعل الجميع يسخرون من المنتج. لقد شرحت كلمة «المنتَج» الأمر كله، فقد تحول الفن إلى سلعة نشك في تميزها. ينتمي الفنانون الموتى - سواء أكانوا كتّابًا أم رسامين أم موسيقيين - إلى التراث، في حين أن الفنانين الأحياء ينتمون إلى العلاقات العامة.

قد تكون الرأسمالية ناجحة في التعاطي مع الفن - كما فعلت مع الدين الذي استحوذت عليه - فهي تكره المنافسة - التي تعني تحديًا لنظامها - رغم إصرارها على حرية السوق. يعرف من لديه اطلاع بسيط على التاريخ الإنجليزي عن الصراع الكبير بين الكنيسة والدولة، وكلنا يعلم بوجود قوتين: العالم المادي والعالم الخفي، الرب والمال. حسن، لقد فاز المال في المعركة الكبرى، وليست هنالك قوة فاعلة في الغرب تتحدى تعاليم الرأسمالية. وعبرت الكنيسة ظاهريًا، رغم كل إخفاقاتها، عن احترامها لنظام مختلف من القيم رحبت به مارغريت تاتشر لأنه «ليس هنالك بديل».

إن الفن هو نظام مختلف من القيم، لكنه يخذلنا باستمرار، ينتابنا الشك في وجوده، لكنه يترك لنا آثارًا من الجمال. يعترينا شعور بأنه ليس هنالك أكثر مما يمكن لعالم المادة أن يقدمه للحياة، وأن الفن هو دليل، إشارة، تحول في أحسن حالاته. لسنا بحاجة للإيمان به، لكن يمكننا تجربته. تفترض التجربة أن أساس الثقافة العامة هو واقع جزئي فقط، وهذه معلومة مهمة يقدمها لنا الفن.

حين تستغرق وقتًا في قراءة كتاب أو الاستماع إلى الموسيقى أو النظر إلى لوحة، فإن أول ما تفعله هو تحويل انتباهك إلى داخلك، وسيتعين على العالم الخارجي، بكل مطالبه، الانتظار. حين تبدأ بسحب طاقتك من العالم، يبدأ الفن بالوصول إليك بطاقاته الخاصة المختلفة جدًا.

يبدأ التركيز والإبداع المستخدمان في صنع العمل الفني باختراقك. ولا يعني هذا أنك ستستعيد طاقتك، كما يحدث إن نمت جيدًا أو في أيام الإجازات، لكنه يعني أنك ستشحن بطاقة مختلفة كليًا. حين أقرأ لهاييني أو هيوز، فلست أقرأ رأي شاعر ما في العالم، لكنني أدخل عالمًا مختلفًا، عالمًا مبنيًا على أسس مختلفة منذ البداية.

«من الصعب معرفة الأخبار من خلال القصائد، لكن الناس يموتون على نحو يثير الشفقة كل يوم لافتقادهم لما يوجد هناك» (وليم كارلوس وليمز).

يحمل عالم الفن - مهما تنوع - ما ينكره العالم المادي بوضوح، الحب والخيال، إذ يُخلق الفن منهما، من الحب المغامر المتقد للعمل نفسه، كما لو أنه ليس هنالك شيء آخر، ومن القوى الخيالية التي تخلق شيئًا جديدًا من المادة الوضيعة. لا تحصل التجارب الفنية على تمويل ضخم من الدولة، أو رأسمال مغامر أو قروض بفائدة عالية، بل تنجز حين يلتقط أحدهم قلمًا أو فرشاة أو يجلس إلى البيانو أو يحمل قطعة من الصلصال ويغيرها إلى الأبد.

تفضل ثقافة المال الأرقام، الدخل الصافي والمبيعات وردود الفعل، إنها تريد عائدًا لاستثمارها وترغب بمزيد من المال. ولا يمكن للفن أن يقدم عوائد واضحة، فمعدل المقايضة هو الطاقة من أجل الطاقة، والحماسة من أجل الحماسة. إن الوقت الذي تمضيه مع الفن هو الوقت الذي يقضيه معك؛ ليست هنالك طرق مختصرة ولا طرق سريعة، هنالك التجربة فقط.

http://www.al-jazirah.com/2017/20170311/cm19.htm
ما غاية الفن؟ (2)
جانيت ونترسن
ترجمة: بثينة الإبراهيم

لا يمكن للفن أن يغير حياتنا - فهو ليس حمية غذائية أو معلمًا روحيًا- ولا أن يقدم لنا حلولًا سريعة. ما يمكن للفن فعله هو تحفيز الرغبة الحقيقية لدينا. أعني أنه يمكنه تنبيهنا إلى حقيقة أنفسنا وحيواتنا، الحقائق التي تكمن مختنقة تحت ضغط منطقة الطوارئ في الأربع وعشرين ساعة التي تدعى الواقع. يمكن للفن أن يعيد لنا وعينا بهدوء أحيانًا وبشكل مثير أحيانًا أخرى، لكن مسؤولية التصرف إزاء ما نجد هو مسؤوليتنا نحن.

أعرف رجلًا، تطوع للعمل كسائق سيارة إسعاف في الحرب العالمية الثانية، وفي الوقت الذي كان فيه الرجال يحملون صور حبيباتهم في جيوب قمصانهم العلوية، كان هو يحمل صورة كرسي الملكة آن. في أثناء شعوره باليأس لما أوصلته وغيره من الملايين حماقة البشر إليه، كان بحاجة إلى ما يذكره بعظمة الروح البشرية وخسارتها أيضًا. لقد آمن، مثل باربرا هيبورث، بأن الفن يؤكد على الحياة ويحافظ عليها في أعلى مستوياتها.

لقد أصبح بائع أنتيكات لأنه أراد أن يكون محاطًا بما يسميه اليهود «الحضور الحقيقي»، حيث الروح والجسد أو الروح والمادة لم ينفصلا أبدًا. ليس مهمًا إن كنا نتحدث عن كرسي أو لوحة أو كتاب أو إنسان، فما يجعلنا نشعر أننا أحياء هو صفة الحياة المودعة هناك. هذه الصفة غزيرة في الفن، وهي سبب خلود الفن وأنه لا يخضع للزمن، فنحن لا نقرأ شكسبير لنتعرف طبيعة الحياة في إنجلترا في العصر الإليزابيثي، بل نقرأه لنكتشف أنفسنا الآن. اذهب لرؤية تمثال «ملاك الشمال» لأنتوني غورملي، وسترى حجم الإبداع نفسه الذي تجده في دير وستمنستر أو شارتر. المعيار مختلف والإحساس تغير لكن الروح ظلت هي نفسها.

يتعلق الإنتاج الشامل بالمنتجات المستنسخة، في حين أن الفن يتعلق بالرؤية الفردية. يمكن للأفراد أن يعملوا معًا كما يحدث في المسرح أو الأوبرا، أو حيث يعمل المساعدون تحت رئاسة أستاذ، أو يمكنهم العمل منفردين. أيًا يكن شكل حدوثه، لن يكون الفن مصنعًا أو خط إنتاج. حتى أعمال دوشامب الجاهزة كانت طريقة لإجبارنا على التركيز على الشيء بعينه كما هو حقًا.

لا تريد لك الرأسمالية أن تركز، فالاستهلاك الطائش هو ما يلائم السوق أكثر، إذ يتعين على أحدهم شراء كل ذلك الإنتاج الهائل من المواد الميتة عديمة الجدوى. في المقابل، إن الفن كله مسرح حي، إذ يستمر الحوار بين المادة والصانع والمالك والمستمتع والقارئ.

إن الفن سلسلة، تمر من يد إلى يد، تضاع ويعاد اكتشافها، ويعثر عليها في المواد باعتبارها دليلًا على الروح الحية التي تقاوم المادية المتطرفة. نعم، يغدو الفن ملكًا لجامع أعمال فنية أو غنائم رجل غني. نعم، يقايَض الفن بمبالغ مالية طائلة، لكن هذا ليس هو غاية الفن ولا طبيعته. فإذا انقطع المال يبقى الفن. إن دمرت الحرب لندن غدًا، فلا بد أن يبدأ أحدهم البناء من الأنقاض. لماذا فجرت طالبان تماثيل بوذا؟ لماذا أحرق هتلر الكتب؟ لماذا مُنع نشر أوليس؟ لماذا رفض فرانكو عرض غورنيكا ؟

الفن فعال ومواجِه وقوي، فهو يتحدى ما نحن عليه، وهذا يصدق على كرسي الملكة آن أو الموناليزا، كما كان يصدق على منحوتة راشيل وايتريد «المنزل» ، (التي هدمها مجلس مقاطعة باو في اليوم الذي فازت فيه بجائزة تيرنر).

يمكننا أن نقمع قوى الفن بكل الطرق، بتحطيمه أو منعه، هذا واضح جدًا. الخدعة المفضلة هي جعله مألوفًا بحيث لا نراه بعد الآن (كونستابل )، أو جعله مثاليًا، بحيث نقرأه ولا نسمح له بقراءتنا (ديكنز)، لو أمكننا مشاهدة اقتباس منه على التلفاز فسيكون ذلك أفضل. قد لا يبدو كرسي الملكة آن خطرًا بمقارنته بعمل راشيل وايتريد، ولكن قبل أن نعزي أنفسنا بقِدمه، لنأخذه إلى إيكيا ولنرَ كيف ستبدو الأخشاب المصنّعة متوسطة الكثافة باهتة.

لا تخدعك الطريقة التي تتبنى بها الرأسماليةُ الفن. إنها تتظاهر بفعل ذلك من أجل المال، لكن خلف المال يكمن الرعب، الرعب الذي قد يكون طريقة مختلفة للعيش.

هناك طريقة أخرى، وهي ليست يوتوبيا وليم مورِس، أو بيئة لشركة أوميغا للتصميم الداخلي، إنه احتفاء بالروح البشرية. يذكّرنا الفن بكل الاحتمالات التي اقتنعنا بنسيانها. في الحرب أو في السلم، نحن بحاجة إلى هذه البدائل.

http://www.al-jazirah.com/2017/20170318/cm17.htm
"أنقح كثيرًا، وذلك مؤلم. تعرف أن الأمر انتهى حين لا يكون بإمكانك فعل المزيد له، رغم أنه لا يكون أبدًا بالشكل الذي أردته. في الواقع، كان أقسى ما كتبته هو مشهد الانتحار في "بلاد أخرى". كنت أعلم دومًا أن روفوس سينتحر باكرًا، لأن هذا كان المشهد الرئيس في الكتاب، لكني واصلت تأجيله. لذلك علاقة بلا شك بأن أشهد مرة أخرى انتحار صديقي الذي قفز من الجسر. كما أنه كان من الخطر جدًا إنجازه من الناحية الفنية لأن هذه الشخصية المركزية تموت في الصفحات المئة الأولى، وما يزال هناك بضع مئات من الصفحات. كان المغزى من الانتحار أن يكون مثل مقدمة طويلة، وقد كان الضوء الوحيد على آيدا، فأنت لا تدخل عقلها أبدًا، لكني كنت مضطرًا أن أجعلك ترى ما يحدث لهذه الفتاة بجعلك تشعر بالصدمة لموت أخيها، وهو سر علاقتها بالجميع. إنها تحاول جعل الجميع يدفع ثمن ذلك. لا يمكنك فعل ذلك، لأن الحياة ليست كذلك، وأنت لا تدمر سوى نفسك".
جيمس بالدوين
#ترجمة_كل_يوم
من يجرؤ؟
روبرتو بولانيو
ترجمة: بثينة الإبراهيم

إن أكثر الكتب التي أتذكرها هي تلك التي سرقتها في مكسيكو سيتي، وكان عمري بين السادسة عشرة والتاسعة عشرة، والكتب التي اشتريتها في تشيلي حين كنت في العشرين أثناء الأشهر الأولى للانقلاب. كانت هناك مكتبة مذهلة في مكسيكو سيتي، وكانت تدعى المكتبة الزجاجية، وتقع في ألاميدا. كانت جدرانها وسقفها كلها من الزجاج، زجاج ودعامات من الحديد. كانت تبدو من الخارج مكانًا يستحيل سرقته، كما أن إغراء المحاولة كان يتغلب على حذري؛ فجربت ذلك بعد فترة.

كان أول كتاب يقع في يدي مجلدًا صغيرًا لبيير لويس (الشاعر الحسي من القرن التاسع عشر) ذا صفحات رقيقة كصفحات الإنجيل، ولا أذكر الآن إن كان «أفروديت» أو «أغاني بليتيس». أذكر أنني كنت في السادسة عشرة، وأن لويس قد صار ملهمي لفترة. ثم سرقت كتبًا لماكس بيربوم (المنافق السعيد)، ولكتاب مكسيكيين كانوا ما يزالون متدربين في ذلك الوقت تقريبًا، الذين قد أقابلهم في صباح ما في أفيندا نينو بيرديدو، الشارع المزدحم الذي تخفيه خرائط مكسيكو سيتي خاصتي عني اليوم؛ لأنه قد يكون موجودًا في خيالي فقط، أو كما لو أن الشارع بمتاجره تحت الأرض وعازفي الشارع قد ضاعوا فعلاً، كما ضعت أنا في عمر السادسة عشرة.

من تلك الحقبة الضبابية، ومن هذه السرقات السرية، أتذكر عددًا من كتب الشعر، لكن رواية أنقذتني من الجحيم، وهبطت بي للأسفل مرة ثانية. كانت تلك الرواية هي الخريف لألبير كامو، وأذكر كل ما يتعلق بها كأنه تجمد في نور شبحي، نور المساء الساكن، رغم أنني قرأتها، أو التهمتها، في ضوء صباح مكسيكو سيتي الاستثنائي، الذي يسطع - أو سطع - بأشعة حمر وخضر، محاطًا بالضجيج، جالسًا على مقعد في ألاميدا بلا مال، وكل النهار أمامي، وبالأحرى كل حياتي أمامي. لقد تغير كل شيء بعد كامو.

أذكر النسخة: لقد كان كتابًا بأحرف كبيرة ككتاب قراءة للمدرسة الابتدائية، ضعيفًا وذا غلاف قماشي برسوم مخيفة، كان كتابًا يصعب سرقته ولم أعرف أين أخبئه تحت ذراعي أم تحت حزامي؛ لأنه كان يظهر من سترتي المدرسية الواسعة، ثم حملته في النهاية تحت أنظار كل موظفي المكتبة الزجاجية، وكانت تلك إحدى أفضل طرق السرقة، تعلمتها من قصة لإدغار ألان بو.

بعد ذلك، بعد أن سرقت الكتاب وقرأته، تحولت من قارئ حذر إلى قارئ نهم، ومن لص كتب إلى مختطف لها. أردت قراءة كل شيء، كان في أيام براءتي مثل الرغبة في الكشف أو محاولة الكشف عن الحفريات الخفية التي حملت شخصية كامو على القبول بمصيره الفظيع.

ورغم النبوءات، كانت مهنتي بوصفي مختطفًا للكتب طويلة ومثمرة، لكن اكتشف أمري. لم يحدث ذلك في المكتبة الزجاجية لحسن الحظ، بل في مكتبة القبو، التي تقع - أو كانت تقع - كما يبين اسمها مقابل ألاميدا، في أفينيدا خواريز، وقد كانت - كما يشير اسمها - قبوًا تتكوم فيه أحدث كتب بوينس آيريس وبرشلونة في أكداس براقة. كان القبض علي مهينًا. لقد كان الأمر يبدو كما لو أن «ساموراي» المكتبة قد وضعوا سيفًا على رأسي. لقد هددوا بطردي خارج البلاد، وبضربي في قبو المكتبة، فبدا لي ذلك مثل نقاش بين فلاسفة جدد حول خراب الخراب. في النهاية، بعد مشاورات مطولة، سمحوا لي بالذهاب، لكن ليس قبل مصادرة كل الكتب التي حملتها، ومن بينها الخريف، التي لم أسرق أيًّا منها هناك.

سافرت إلى تشيلي بعد ذلك بفترة قصيرة، وإن كنت قد صادفت رولفو وأريولا في المكسيك، فقد صادفت نيكانور بارا وإنريك لين في تشيلي. لكن أظن أن الكاتب الوحيد الذي رأيته كان رودريغو ليرا، وكان يمشي مسرعًا في ليلة تفوح منها رائحة الغاز المسيل للدموع. ثم وقع الانقلاب، وقضيت وقتي بعدها في التردد على مكتبات سانتياغو؛ بوصفها طريقة غير مكلفة لتجنب الضجر والجنون. لم يكن في مكتبات سانتياغو موظفون - على عكس مكتبات المكسيك - وكان يديرها شخص واحد هو المالك غالبًا. اقتنيت هناك الأعمال الكاملة لنيكانور بارا وكتب إنريك لين وخورخي تيلير التي فقدتها سريعًا. كانت تلك قراءات أساسية بالنسبة لي، على الرغم من أن «أساسية» ليست الكلمة المناسبة. لقد ساعدتني هذه الكلمة على التنفس، لكن التنفس ليست هي الكلمة المناسبة أيضًا.

أكثر ما أذكره حول زياراتي لهذه المكتبات هي عيون بائعي الكتب، التي كانت تبدو أحيانًا مثل عيون الرجل المشنوق، وأحيانًا يغطيها غبش النوم، الذي أعرف الآن أنه كان أمرًا آخر. لا أذكر أبدًا رؤية مكتبات أكثر وحدة. لم أسرق كتبًا في سانتياغو، لقد كانت زهيدة الثمن فاشتريتها. في آخر مكتبة زرتها، حين كنت أتأمل رف الروايات الفرنسية القديمة، فجأة سألني بائع الكتب، وهو رجل نحيل طويل في نحو الأربعين، إن كنت أرى أنه من الصواب أن يقترح كاتب كتبه على رجل حكم عليه بالموت.

كان البائع يقف في زاوية مرتديًا قميصًا أبيض بأكمام مرفوعة إلى المرفق، وكانت تفاحة آدم لديه بارزة ترتعش كلما تحدث. فقلت إن ذلك لا يبدو صحيحًا، وسألته عن أي رجال محكومين نتحدث؟ نظر إلي البائع وقال إنه يعرف حق المعر
فة أن أكثر من روائي يستطيع اقتراح كتبه لرجل على حافة الموت، ثم قال إننا نتحدث عن قراء يائسين، أنا لست مؤهلاً للحكم، لكن إن لم أفعل ذلك أنا فسيفعله سواي.

سألني: ما هو الكتاب الذي ستمنحه لرحل محكوم؟ قلت: لا أعرف. فقال البائع: ولا أنا، وأظن ذلك رهيبًا. ما هي الكتب التي يقرؤها الرجال اليائسون؟ ما هي الكتب التي يحبونها؟ كيف تتخيل غرفة القراءة لرجل محكوم؟ فقلت: ليس لدي فكرة، فقال: لا أستغرب ذلك، فأنت ما تزال شابًّا، ثم إنها مثل القارة القطبية الجنوبية، ليس القطب الشمالي، بل القارة القطبية الجنوبية.

لقد تذكرت الأيام الأخيرة لآرثر غوردون بيم (في رواية إدغار ألان بو)، لكني قررت ألا أقول شيئًا. قال البائع: لنر، من هو الرجل الشجاع الذي سيلقي بهذه الرواية إلى حضن رجل حكم عليه بالموت؟ فانتقى كتابًا جيدًا كفاية ورماه على كومة كتب. دفعت له وغادرت، وحين استدرت للخروج أظن البائع ضحك أو نشج، وحين خطوت للخارج سمعته يقول: من الوضيع المتعجرف الذي قد يجرؤ على فعل ذلك؟ ثم قال شيئًا آخر لكني لم أستطع سماعه.

http://www.al-jazirah.com/2017/20170218/cm35.htm
"كنت أكتب كثيرًا قبل المرض (في الطفولة)، أردت أن أكون صحفية كما أردت أن أكون راقصة. هل تعلم ما الذي جعلني أتمنى أن أصبح صحفية؟ قراءة رواية إيفلين ووف "سبق صحفي" ( رواية ساخرة لكاتب إنجليزي حول صحافة الإثارة) حين كنت في الحادية عشرة. كانت كافية لجعل أي أحد يرغب أن يكون صحفيًا، وكنت مولعة بها بلا شك. كنت أقرأ كثيرًا، ولكني كنت أقرأ دون تمييز، فحين أذهب إلى المكتبة وأتجول فيها يقودني كتاب إلى كتاب آخر، لكني أرى أن هذه هي الطريقة المثلى. جاء لزيارتي في جوهانسبيرغ طالب في جامعة أكسفورد يعد رسالة حول أعمالي يومًا، ففعلت ما لم أفعله من قبل، قلت له: هاك، هذه صناديق أوراقي، وافعل ما تريد. لقد أحببته كثيرًا لأنه كان ذكيًا ونشيطًا. كنت ألاقيه على الغداء، حين يرتاح كل منا من عمله. فجأة أخرج دفتر أطفال؛ كتبت فيه قائمة احتفظت بها لستة أشهر حين كنت في الثانية عشرة، للكتب التي قرأتها وكتبت عنها مراجعات بسيطة. إحداها كانت عن "ذهب مع الريح"، وهل تعرف ما كان أسفلها؟ مراجعتي لكتاب "يوميات بيبس" (يوميات سامويل بيبس وهو مدير البحرية في إنجلترا وعضو في البرلمان). كنت حينها ما أزال أقرأ كتب الأطفال بنهم، ولم أجد فرقًا بين هذه الكتب وبين ذهب مع الريح أو يوميات بيبس!"
نادين جورديمر
#ترجمة_كل_يوم
"أعتقد أن للأذن علاقة بالأمر وأنا أعني ذلك حرفيًا. أقرأ ترجماتي بصوت عالٍ معظم الأحيان، وقد تكون صحيحة من الناحية الفنية غالبًا، لكنها لا تبدو صحيحة، إيقاعها ليس صحيحًا. فقد تكون بحاجة لفاصلة في موضع ما أو شيء من هذا القبيل. هذا يصدق على ترجمة كالفينو تحديدًا. عند ترجمة كتاب مدن لا مرئية، قرأت الكتاب بأكمله بصوت عالٍ. كان يأتي لزيارتي تشارلز داردن -صديق أمريكي يدرس الموسيقى في سيينا على بعد عشرين ميلًا من بيتي- في إجازات نهاية الأسبوع لأني أملك بيانو كبير من طراز شتاينواي وهو يحب العزف عليه. كنا يوم السبت بعد العشاء نشرب كأسًا إضافيًا من النبيذ، وأقرأ له ثلاث أو أربع مدن لامرئية -عملي طوال الأسبوع- وقد كان في ذلك فائدة عظيمة. لم يكن ذلك مسألة ترجمة الكلمات بدقة، بل كانت مسألة اختيار الصوت والإيقاع والتناغم بدقة".
وليام ويفر
#ترجمة_كل_يوم
"- إذن تقول إن والدتك اتخذت موقفًا عمليًا حول الكتابة؟"
- ليس تمامًا، بالمناسبة لقد كانت امرأة ذكية ومهذبة، وقد ارتادت المدرسة الثانوية نفسها التي ارتدتها أنا، وكانت واحدة من القلائل الذين يحرزون درجات عالية. ذهبت إلى الشرق وارتادت مدرسة لآداب السلوك ومن ثم سافرت إلى كل أنحاء أوروبا. كانت تتقن اللغة الألمانية والفرنسية، وما زلت أحتفظ بتقاريرها المدرسية: " A+, A+......." تبين أنها كانت كاتبة جيدة، لكنها لم تكن تمتلك موهبة السوقية التي تطلبها المجلات الصقيلة. كنت أنا مثقلًا بهذه السوقية لحسن الحظ، لذا تمكنت من تحقيق حلمها حين كبرت بالكتابة في كوليبر وذا ساترداي إيفننغ بوست وكوزموبوليتان وليديز هوم جورنال وغيرها، وكان ذلك يسيرًا علي. تمنيت فقط لو أنها عاشت لترى ذلك، تمنيت لو أنها رأت أحفادها، لديها عشرة أحفاد، ولكن لم تتح لها الفرصة لرؤية أي منهم حتى أولهم. لقد حققت حلمًا آخر من أحلامها، فقد عشت في كيب كود لسنوات عديدة، وكانت تتمنى العيش هناك. ربما كان هذا شائعًا بين الأبناء أعني محاولتهم لتحقيق أحلام أمهاتهم المستحيلة. لقد تبنيت أولاد أختي بعد وفاتها، ومن الجميل رؤيتهم يحاولون تحقيق أحلامها المستحيلة.
- وماذا كانت أحلام أختك؟
- لقد أرادت أن تعيش مثل عائلة روبنسون كروزو مع الحيوانات الودودة جدًا وفي عزلة تامة ملائمة. عمل ابنها الأكبر جيم مربيًا للماعز على قمة جبل في جامايكا طوال السنوات الثمانية الماضية، بلا هاتف أو كهرباء".
كورت فونيغوت
#ترجمة_كل_يوم
"- هل تقرئين من أعمالك في أمسيات قرائية أمام الجمهور كثيرًا ؟
-ليس كثيرًا. أفعل ذلك حين يطلب مني. لم يطلبوا مني ذلك في فنلندا، ولا أذكر المرة الأخيرة التي فعلت فيها ذلك.أوه، ألمانيا، العام الماضي، يا إلهي! لقد كانت الرحلة الأكثر كارثية. لقد كانت مؤسسة أكاديمية في ألمانيا، وقلت لهم:" اسمعوا، أريد القيام بما أفعله دومًا. سأقرأ القصة ثم سأستمع إلى الأسئلة"، فقالوا، كما يفعل الأكاديميون دومًا: "أوه، لا تتوقعي أن يطرح طلابنا الأسئلة". قلت لهم:" اسمعوا، دعوني أهتم بهذا لأنني أعرف كيف أفعل". على أية حال، ما حدث كان نمطيًا في ألمانيا: التقينا في الساعة الرابعة لنقاش اللقاء الذي سيقام عند الثامنة، لأنهم لا يحتملون أي فوضى أو إشكال، لا لا، لا يمكنهم احتماله. قلت:" لا تقلقوا". كانت القاعة كبيرة جدًا، وقرأت قصة باللغة الإنجليزية وجرى الأمر على نحو جيد جدًا، بل على نحو رائع. قلت:" سأستقبل الأسئلة الآن"، ثم بدأت المجموعة المؤلفة من أربعة أساتذة رهيبين بالرد على أسئلة الجمهور والنقاش فيما بينهم، تلك المسائل الأكاديمية الطويلة جدًا المثيرة للسأم فأخذ الجمهور بالنهوض والتسلل خارجًا. صاح طالب شاب وهو يمشي في الممر، بعد أن انتهى أحد الأساتذة من قول شيء طويل جدًا: "بلا بلا بلا" (يعني هذه ثرثرة لا طائل منها). لذا قلت دون أدنى اكتراث بشعور الأستاذ:" سأتلقى الأسئلة بالإنجليزية من الجمهور". فعاد الجميع وجلسوا، ومضى الأمر على نحو جيد... كانت أسئلة حيوية تمامًا! لقد كان الأساتذة حانقين بلا شك. تلك كانت ألمانيا، ألمانيا هي الأسوأ، إنها كذلك حقًا؛ انتهى. "
دوريس ليسينج
#ترجمة_كل_يوم
"أنا لا أثني على الحبكة بوصفها تمثيلًا دقيقًا للحياة، بل بوصفها طرقًا ليواصل القراء القراءة. حين كنت أدرّس الكتابة الإبداعية، كنت أخبر طلابي أن يجعلوا لشخصياتهم هدفًا مباشرًا، حتى لو كان ذلك كأسًا من الماء، إذ ما زال على الشخصيات المحبطة من الحياة الحديثة العقيمة أن تشرب الماء من حين لآخر. كتب أحد طلابي قصة عن راهبة علقت قطعة من خيط الأسنان بين أضراس الجانب الأيسر من فكها السفلي، ولم تستطع التخلص منها طوال اليوم. وجدت ذلك رائعًا، فقد تحدثت القصة عن مسائل أكثر أهمية من خيط الأسنان، لكن ما جعل القراء يواصلون هو القلق حول الوقت الذي سيزال فيه خيط الأسنان أخيرًا. لم يقرأ أحد تلك القصة دون أن يجيل أصبعه في فمه. والآن هاك هذه الطرفة العملية الرائعة، إن أهملت الحبكة، فأنت تقصي أي أحد يرغب بشيء ما، تعزل القارئ، وهو أمر دنيء. يمكنك أن تقصي القارئ أيضًا إن لم تخبره مباشرة بمكان القصة، ومن تكون شخصياتها".
كورت فونيغوت
#ترجمة_كل_يوم
"-هل تقرأ لمعاصريك من الكتاب؟
- لا، أقرأ الكتب التي عرفتها وأحببتها عندما كنت شابًا، والتي أعود إليها كما تفعل مع أصدقاء قدامى: العهد القديم، ديكنز، كونراد، سيرفانتس (دون كيشوت)، أقرأ هذه كل عام، كما أقرأ الإنجيل، فلوبير، بلزاك - لقد ابتكر عالمًا غنيًا خاصًا به، شلال دم يجري عبر عشرين كتابًا- وديستويفسكي، تولستوي، شكسبير، كما أقرأ لميلفيل أحيانًا، ومن الشعراء أقرأ لمارلو، كامبيون، جونسون، هيريك، دون، كيتس وشيللي. ما زلت أقرأ لهوسمان. لقد قرأت هذه الكتب كثيرًا بحيث أنني لا أبدأ دومًا بالصفحة الأولى وأواصل القراءة حتى النهاية، بل أقرأ مشهدًا واحدًا، أو حول شخصية واحدة، كما تلتقي بصديق وتتحدث إليه لبضع دقائق.
-وفرويد؟
- كان الجميع يتحدثون عن فرويد حين كنت أعيش في أورليانز. لكني لم أقرأ له أبدًا، ولا شكسبير فعل، وأشك أن ميلفيل قرأ له، وأجزم بأن موبي ديك لم يفعل".
ويليام فوكنر
#ترجمة_كل_يوم
Forwarded from i-Articles
حوار مع الروائي ايتالو كالفينو

https://drive.google.com/open?id=0BxVUKnnH-uHKM0FjZGl0REhaUTA
"ذهبت أمي هذا الصباح إلى السوق في يووانغ، وحالما عادت إلى البيت بدأت تصرخ بإخوتي وبي. ثم بدأت بإعداد العشاء: الأرز والملفوف المملح. وحين فرغنا من الأكل، بكت وبكت.
أعرف لماذا تبكي، إنها مريضة وهي الوحيدة التي تعمل في الحقول الآن. نحن في منتصف موسم الحصاد، وبالإضافة إلى ذلك كان على أمي أن تعتني بالثور الذي اشترته لمساعدتها في حرث الأرض. كان أبي مسافرًا، يبحث عن عمل في هوهوت في منغوليا الوسطى.
إن كان أحد بمثل شجاعة أمي يبكي لأنه مريض، فكيف سيحتمل البقية منا ذلك؟"
مذكرات ما يان
#ترجمة_كل_يوم
لا تتبع إيران قوانين الحقوق الفكرية، وهذا يعني أن أي كتاب يمكن ترجمته دون إذن، وليس للكاتب أي سلطة على جودة الكتاب. لم أكن أرغب بترجمة رديئة لكتاب مضحك بالفارسية، لأنني كنت حريصة أثناء كتابة قصصي أن تكون طريفة دون أن تكون مهينة، وكنت أخشى أن الترجمة السيئة ستحرج عائلتي على نحو فظيع. لذا عثرت على مترجم في إيران، وحالما فرغ من الترجمة ، أريل المخطوط إلى دائرة الرقابة، فلا يمكن أن يصدر كتاب في إيران دون إذن الحكومة. بعد ستة أشهر عاد إلينا المخطوط (ونحن محظوظون في ذلك، لأن مترجم أوليس لجيمس جويس سلم المخطوط قبل سبعة عشر عامًا وما يزال ينتظر!) كان علي حذف بعض الأجزاء القليلة وفصل "قانون الخنزير" بأكمله. وقد كنت أعتبر هذا الفصل روح الكتاب، لذا كان مؤلمًا أن أضطر لحذفه. هذه هي الحال في ظل الحكومة الدينية الإسلامية.. لم يصل الكتاب إلى المكتبات بعد، لذا ليس لدي فكرة كيف سيستقبله القراء. فإن كان "مضحك بالفارسية" مضحكًا حقاً بالفارسية، فسيمنح بعض المرح لقرائه في إيران، وأشعر أن بإمكانهم أن يحظوا ببعض المرح الآن.
فيروزة دوماس
#ترجمة_كل_يوم
عام 1981 كنت موظفًا في واحدة من دور النشر الحكومية بوصفي محررًا. كانت المدة المعتادة لإصدار كتاب وفق ذلك النظام تبلغ سنة ونصف، ووجدتها فترة طويلة جدًا إن أردنا أن نتصرف سريعًا ونصدر عناوين جديدة بالتزامن تقريبًا مع طبعاتها الأصلية. لم يكن مسموحًا امتلاك دور نشر خاصة في ذلك الوقت في يوغسلافيا، لكني استغللت الفرصة القانونية لنشر ترجمتي الخاصة بطبعة مستقلة. كانت الفكرة الأساسية إصدار عمل آرثر سي كلارك "2010: أوديسة اثنان" بهذه الطريقة الوحيدة، لكن استجابة القراء كانت مواتية بحيث لم أستطع التوقف ببساطة. في السنوات الثمانية عشرة التالية نشرت في بولاريس أكثر من 200 عنوان، معظمها ترجمات. على أية حال، كان علي في أواخر عام 2000 اتخاذ قرار لما أفضله أكثر، أن أكون ناشرًا أم كاتبًا. لم يعد باستطاعتي القيام بالعملين معًا وأنا أبلغ الخمسينيات من عمري، فاخترت أن أكون كاتبًا ولم أندم لذلك.
زوران جيفكوفيتش
#ترجمة_كل_يوم
"لم أفكر أبدًا بالموت أو الخلود، ولكن بالنظر إلى هذا التشخيص أو احتمالية التشخيص، أدركت أن الموت يمكن أن ينظر إليه، من ناحية طبية، لا على أنه حتمي، بل على أنه احتمال.
في الماضي لم أدرك يومًا الإحساس بالموت بهذا القرب، ولكن إن فكرت بالأمر حقًا، ستجد بعيشك كل يوم أن هنالك بلا شك نسبة ضئيلة للموت لكنها موجودة بلا شك، مهما كان ما تفعله، وأينما كنت.
ربما شغلني التفكير بالموت طوال الوقت، ولكن هذا ما تفعله حين تكتب أدبًا، أن تفكر بالموت. إنه الأمر الوحيد الذي لا يمكن لأحد – لا أحد على الإطلاق- أن يتحاشاه، الأمر الوحيد الذي يحدث لكل البشر بلا استثناء. لقد أدركت أن هذا هو الموت بعد أن بدأت بكتابة الأدب. كان علي أن أعرف ذلك قبلًا، لكني لم أفعل. لقد فهمته حين كان علي العيش مع شخصيات قصصي، ودهشت لكوني لم أفهمه من موت أي أحد في حياتي، بل من الأشخاص الذين لم يموتوا بعد، الذين يعيشون في رواياتي".
هيرومي كاواكامي
#ترجمة_كل_يوم
"ليس هنالك ما هو غير عادي في كوني ولدت في أمريكا اللاتينية وانتقالي إلى إسبانيا، لكنني هاجرت حين كنت صبيًا، وهذا ما أتاح لي تعليمين حكوميين وجعلني أفقد ثوابتي الوطنية للأبد. ولم تكن فكرتي، بل فكرة والديّ. انتقلنا من بوينس آيرس -التي كانت مدينة كبيرة نشطة مركزية- إلى بلدة صغيرة مسالمة في جنوب إسبانيا. قد تكون الهجرة الطبيعية من بوينس آيرس إلى مدريد، لكني لم أغير البلدان فحسب، بل غيرت الإيقاع. لا أظن أن هنالك الكثير من كتّاب أمريكا اللاتينية ممن هاجروا إلى غرناطة تحديدًا. وكان هذا يعني أن عليّ أن أعيد تعلم ضوابطي الاجتماعية، حتى طريقتي في المشي، كما أن علي أن أعيد تعلم لغتي الأم. إن كنت راشدًا ولديك لكنة يمكن أن تكون فاتنة ومثيرة لأنك شخص أجنبي، لكنك لا تفكر بذلك حين تكون في الثانية عشر، وحين تدخل الثانوية تحاول أن تنتمي لمكان ما ولم أكن أنتمي لأي مكان. لذا اكتسبت سريعًا القدرة على التحدث باللكنة الأندلسية كيلا أكون محط الأنظار طوال الوقت.
لدي الآن لكنتان؛ أتكلم بلكنتي الأرجنتينية حين أكون خارج إسبانيا ببساطة، لكن من جهة أخرى لقد عشت في غرناطة لأكثر من عشرين عامًا، وزوجتي إسبانية ، ومات أمي في إسبانيا، وهو ما يعني الكثير بالنسبة لي: فلا يمكنني أن أذهب الآن وأختار ساحلًا، الاختيار بين مسقط الرأس وقبر أمي، لا أستطيع فعل ذلك. أظن أن كل هذه الأحداث السيَرية قد منحتني إحساسًا بالغرابة تجاه الجغرافيا، تجاه الفضاء الذي تسرد فيه قصة، تجاه أصول الشخصيات. وبعد عدة سنوات أصبحت هذه الأمور مركزية في كتابتي".
أندريس نيومان
#ترجمة_كل_يوم
‏"لقد صُمِّمت اللغة السياسية لكي تجعل الأكاذيب تلبس ثوب الحقائق، ولكي تقتل ما هو جدير بالاحترام"
جورج اوريل
كلمات متقاطعة 


كلمات متقـاطـعة

بثينة الإبراهيم

يخطر لي أحيانًا أن أتخيل شكل الحياة دون ذاكرة، كيف سيكون لونها؟ بيضاء كما يرى سعد الله ونوس لتكون البداية ممكنة؟ من قرر أن البياض هو لون الفراغ؟ الأسود أيضًا يمكنه أن يكون كذلك باقتدار، والأحمر والأصفر وغيرها من الألوان التي تلزم سطحًا واحدًا دون تعرجات أو منعطفات!

 حسنٌ، لنترك حديث الألوان جانبًا ولنعد لموضوع الذاكرة "البيضاء" أو الفارغة، في رواية "قبل أن أخلد للنوم" لـ س.ج.واتسون (ترجمة أفنان سعد الدين صدرت عن الدار العربية للعلوم عام 2012)  تعاني البطلة "كريستين" من فقدان الذاكرة أو بالأحرى من استمرار ذاكرتها ليوم واحد فقط، الأمر الذي جعل طبيبها يسألها كتابة يومياتها كنوعٍ من التوثيق وأن تعيد قراءتها يوميًا ليكون لديها مخزونٌ تستند عليه طيلة اليوم الذي تصبح فيه ذاكرتها "ملونة"!

هذا الخواء القسري الذي حاصر كريستين جعل حياتها تبدو مثل كلمات متقاطعة، حتى لو ملأت فراغات المربعات ستتشكل لديها كلمات مفيدة، لكن مجموع الكلمات لا يمكن أن يمنحها جملة! يبدو الأمر غاية في الصعوبة، أعني أن يجد المرء نفسه كل صباح مثل ورقة فارغة – بغض النظر عن لونها- بلا تاريخ أو هوية، ويحتاج من يخبره بمن يكون حتى إن كان يعرف اسمه، غير أنه يفتقر إلى الماضي، أرضيته التي يحتاج أن يثبّت قدميه عليها، وهو ما يمنح الآخرين فرصة لتشكيل تاريخه كما يريدون دون أن يتمكن من التدخل أو الاعتراض، لأنه لا يملك خيارًا آخر سوى تصديق ما يقال له!

هنالك شعوب بعقول سليمة وذواكر ممتلئة- بالمعنى الحرفي والمجازي للكلمة وعلى الصعيدين الإيجابي والسلبي أيضًا والأخير أكثر ربما-  لكنها تنزع إلى الاستسلام وتسلّم تاريخها لفرد (المستبد) يصوغه كيفما يشاء، ويملأ أرجاء البلاد بصوره وأقواله، بنوعٍ من التذكير القهري بأنه هناك وهنا وفي كل مكان، يفصّل التاريخ على مقاساته وأبعاده هو وحده هذا إن لم يمحُ التاريخ ويبدأه بيوم توليه السلطة الذي يجبّ ما قبله، نوع من غطرسة الوضيع على حد تعبير محمود درويش البليغ.

إن كان الأمر صعبًا فيما يتعلق بالشعوب، فلا أظنه يقل صعوبة عن ذلك بالنسبة لنا جميعًا كأفراد نعيش تواريخنا ونكتبها بطريقة خفية. نحرص على التقاط الصور أو كتابة اليوميات أو الاحتفاظ بقصاصات من هنا وهناك لنا وللأصدقاء الذين ينفضّون سريعًا بعد حفلة الشاي الأخيرة التي لاكوا فيها حفنة من ذكريات، لجمعٍ لم يبق منهم سوى آثار أقدامٍ حملتها الريح وغادرت، نتشبث بها كما نتشبث بدوارة الريح عند العاصفة، ونقاوم لأننا نوقن أن القفز بالاتجاه المعاكس للذاكرة ليس لعبة حاصلها صفر!

لن تكون الذاكرة بيضاء بأي شكل – مع الاعتذار لونوس- أظنها ستظل موجعةً مهما كان اللون الذي اتخذته "هوية" لها، وستبقى مثل الأرض التي نقرت الطيور حَـبّها، جرداء مجوفة وليس فيها إلا "آثار ثقوب"!

 "كل المياه لها ذاكرة جيدة

لأنها تحاول دومًا العودة من حيث أتت"

توني موريسون