ربما لا تولي جواز سفرك كثيرًا من اهتمامك معظم الوقت. إنه وثيقة سفر مهمة، تحاول ألا تفقده، وصورتك فيه مروعة، وتاريخ انتهاء صلاحيته قريب. يتطلب جواز السفر، عمومًا، قدرًا معتدلًا من الاهتمام والرعاية نسبيًا. وحين يتعين عليك إظهاره، في نهاية كل رحلة، فإنك تتوقع أن يؤدي مهمته دون أدنى متاعب. أجل أيها الشرطي، هذا أنا، أنت محق إذ أبدو باللحية مختلفًا بعض الشيء، شكرًا لك أيها الشرطي، نهارك سعيد أنت أيضًا. جواز السفر ليس أمرًا ذا أهمية، فهو غرض عادي، إنه ليس سوى هوية.
سلمان رشدي في المدونة
https://bothinastories.blogspot.com/2018/06/blog-post_30.html
سلمان رشدي في المدونة
https://bothinastories.blogspot.com/2018/06/blog-post_30.html
Blogspot
تجاوز الحدود؛ الخطوة التالية نحو الجحيم!*
سلمان رشدي إن أثمن كتاب أملكه هو جواز سفري. وقد يبدو هذا شيئًا مغالًى في تقديره، مثل معظم المزاعم الجلية. فجواز السفر، في ...
قرأتها مجددًا بطبعة المدى الأخيرة، حكاية فتيات آل مارش الأربع ومعتركات الحياة التي تخوضها كل واحدة منهن بطريقتها، وتتحمل نجاحها أو إخفاقها بصلابة. رغم المثالية الشديدة في حياة الأخوات إلا أن قراءتها تبعث السكينة في نفس المرء.
نشرت ألكوت سيرة فتيات مارش في أربعة أجزاء نساء صغيرات، زوجات صالحات (يظهر هذان الجزآن في مجلد واحد دومًا، وهما كذلك في طبعة المدى، وزوجات صالحات يبدأ من الفصل 23)، ورجال صغار (الذي اقتبس منه المسلسل الكارتوني نوار)، وأبناء العمة جو الذي لا يتعلق مباشرة بحياة الأخوات الأربع، بل بطلاب جو في المدرسة التي أنشأتها مع زوجها (يعني يمكن اعتبار هذا جزء ثانٍ من رجال صغار) وبهذا الجزء الأخير يسدل الستار على حياة فتيات آل مارش.
مناسبة للقراءة الشتوية ولمن أراد قراءة تخلصه من الضجيج. (اكتملت لدي المجموعة كاملة الآن، أعني فيما لو التقيت يومًا بكتابي نساء صغيرات ورجال صغار إن لم يحترقا في مكتبتي البعيدة هناك!)
نشرت ألكوت سيرة فتيات مارش في أربعة أجزاء نساء صغيرات، زوجات صالحات (يظهر هذان الجزآن في مجلد واحد دومًا، وهما كذلك في طبعة المدى، وزوجات صالحات يبدأ من الفصل 23)، ورجال صغار (الذي اقتبس منه المسلسل الكارتوني نوار)، وأبناء العمة جو الذي لا يتعلق مباشرة بحياة الأخوات الأربع، بل بطلاب جو في المدرسة التي أنشأتها مع زوجها (يعني يمكن اعتبار هذا جزء ثانٍ من رجال صغار) وبهذا الجزء الأخير يسدل الستار على حياة فتيات آل مارش.
مناسبة للقراءة الشتوية ولمن أراد قراءة تخلصه من الضجيج. (اكتملت لدي المجموعة كاملة الآن، أعني فيما لو التقيت يومًا بكتابي نساء صغيرات ورجال صغار إن لم يحترقا في مكتبتي البعيدة هناك!)
رأيتك بعيني المغلقة
تتسلق حائطَ أحلامك المذعور
زلّت قدماك بالطحلب النائم
عيناك تشبّثتا بالمسامير المتدلية
بينما كنتُ أنا أصيح دون أن افتح فمي
من أجل أن يبوح رأسُك لليل!
*
جويس منصور
ترجمة: عبد القادر الجنابي
اللوحة: سعاد مردم بك
تتسلق حائطَ أحلامك المذعور
زلّت قدماك بالطحلب النائم
عيناك تشبّثتا بالمسامير المتدلية
بينما كنتُ أنا أصيح دون أن افتح فمي
من أجل أن يبوح رأسُك لليل!
*
جويس منصور
ترجمة: عبد القادر الجنابي
اللوحة: سعاد مردم بك
هل أخلاقنا على المحك؟
كرّس عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان (المولود عام 1925 ) أعماله في الأعوام الخمسة عشر الأخيرة لدراسة المجتمع في حقبة ما بعد الحداثة، وقد اختار لها مصطلحًا بديلًا ونعني مصطلح "الحداثة السائلة"، التي تلازم بشكل طبيعي ، وليست ضدًا بأي حال من الأحوال، الحداثة – التي يفضل باومان وسمها بالصلابة- إذ "لا يمكن للمرء أن يكون من أهل الحداثة دون أن يكون أولًا من أهل ما بعد الحداثة..."، كما يقول فرانسوا ليوتار (الحداثة السائلة، تر: حجاج أبو جبر/ الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2016). برر باومان تفضيله استخدام "السيولة" بأن الحداثة التي افتتحها عصر التنوير كانت قد تصلبت فيما تلاه من عصور، لكنها أخذت تفقد هذه الصلابة بعد الحرب العالمية الثانية، وأخذت تتحول إلى المرحلة السائلة التي تغير شكلها باستمرار ولا يمكنها الاحتفاظ بشكل متماسك، ويصبح الثابت الوحيد فيها هو التغير.
يركز باومان في عمله هذا على الجانب الأخلاقي الذي تأثر كثيرًا بالنزعة الاستهلاكية التي تسم عصرنا الحديث السائل، لذا كان يتساءل إن كانت الأخلاق تحظى بفرصة في عالم استهلاكي – وهو العنوان الأصلي للكتاب- عبر فصول الكتاب الستة التي خصص كلًا منها للحديث عن جانب يشغل إنسان هذا العصر المسكون بالقلق والذي لا يعرف ما يريد. لقد أضحت كل المفاهيم التي تعمقت صلابتها في الحقبة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، أضحت كلها مفاهيم سائلة كالهوية والدولة والمجتمع والثقافة والحضارة نفسها.
في الفصل الأول يحاول باومان تشريح علاقة المرء بالآخرين، مفتتحًا إياه بقول لسيجموند فرويد يرى فيه أن الدعوة إلى أن تحب جارك مثلما تحب نفسك هي من المبادئ الأساسية للحياة المتحضرة، إذ يرى باومان" أن هذا المبدأ مناقض للعقل الذي تشجعه تلك الحضارة، العقل المتمثل في مصلحة الذات، في البحث عن السعادة" (الأخلاق في عصر الحداثة السائلة تر: سعد البازعي وبثينة الإبراهيم / مشروع كلمة 2016)، ورغم أن هذا المبدأ الذي يتحدث عنه فرويد هو مشابه لما طرحه مارتن بوبر في ثنائية (أنا- أنت) التي يراها طريقًا أوحد لتفاعل الإنسان مع الألوهة، لأنَّه إنما يكون يتفاعل مع ذاته بتفاعله مع الآخر، ويضعها في مقابل ثنائية (أنا- هو)، التي تجعل المرء يقصي الآخرين بطريقة أو بأخرى، مما ينمّي "الروسنتميا" أو الاستياء الذي سيشعر به أولئك المحتقرون والمهانون. وإن كان هذا هو الحال مع أولئك الذين نعرفهم، فإن الأمر لن يكون أفضل تجاه الغرباء، وهم في عصرنا اللاجئون أو طالبو اللجوء، الذين يبدو أننا لم نعاملهم كما عاملت الدبابيرُ الدبابيرَ الأخرى التي كانت تنتقل بحرية وتُستقبل في الأعشاش الجديدة كما لو أنها كانت من سكانها الأصليين. لم يعد الأمر مجرد "وصية أمومية" بعدم الحديث إلى الغرباء، لكنها أضحت تأخذ أبعادًا أعظم تتجسد في كراهيتهم والحقد عليهم لأنهم ""نذر الأخبار السيئة"، كما عبر برتولد بريشت ذات يوم، يذكروننا نحن الذين يطرقون أبوابنا كم هو أماننا غير آمن وكم هي راحتنا هزيلة وهشة، كم هي ضعيفة حماية سلامتنا وهدوئنا" (ص61).
يتوسع باومان في الفصل الثاني "القتل الباتر، إرث القرن العشرين وكيف نتذكره؟" فيما بدأه في الأول من وضع للأخلاق على المحك، فلو طبق البشر المبدأ الذي ينادي به فرويد – ونادت به قبله كل الديانات- من محبة الجار كمحبة الذات، فلن يكون هنالك سبب يستدعي قيام الحروب والإبادات العرقية في أنحاء مختلفة من العالم، لكن ذلك المبدأ مثال فقط لأنه لا يتحقق، ولأن الإنسان يفضل أن يكون "ذئبًا أمام الإنسان" على حد تعبير الفيلسوف الروسي ليو شيستوف. ويرى باومان أن الحداثة مسؤولة بصورة ما عما وقع من إبادات جماعية في القرن العشرين، لأنها لم تكن لتتم بلا مخترعات حديثة وتقنية عالية، كما أنه "يمكن محو جنس بشري أو طبقة تنقل عبر الأجيال إمكاناتها التدميرية، من الضروري كبت العواطف الإنسانية والتمظهرات الفردية الأخرى، وإخضاع السلوك الإنساني لسيطرة العقل الأداتي التي لا تناقش" (ص121).
في الفصل الثالث المعنون بـ "الحرية في الحداثة السائلة" يناقش باومان أحد المبادئ التي نادت بها الثورة الفرنسية "الحرية، المساواة، الأخوة" بكونها الأسس التي تقوم عليها الحضارة وتتحقق فيها سعادة الجنس البشري، وتحقيق تلك الأهداف السامية وتوفير شروطها كانت ولا شك مهمة تقع على كاهل النظام السياسي/ الاجتماعي، لكن الملاحظ أنه تم التنازل عنهما شيئًا فشيئًا، إذ بدأ الأفراد يشعرون بانكماش إحساسهم بالأمان كلما تعاظمت حرية التعبير، وبالتالي فإنهم يوافقون على تقديم هذه التنازلات كثمن باهظ يدفعونه لضمان استمرارية الأمن. على صعيد آخر، ظهر نمط جديد من الحرية الشخصية – إن كنا نستطيع تسميتها كذلك- اقترن اقترانًا وطيدًا بثورة المعلومات أو ما سمي بثورة الإنترنت الثانية، وبخاصة بعد أن اشترى روبرت مردوخ موقع "ماي سبيس" الذي بدأ كمدونة شخصية لصاحب
كرّس عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان (المولود عام 1925 ) أعماله في الأعوام الخمسة عشر الأخيرة لدراسة المجتمع في حقبة ما بعد الحداثة، وقد اختار لها مصطلحًا بديلًا ونعني مصطلح "الحداثة السائلة"، التي تلازم بشكل طبيعي ، وليست ضدًا بأي حال من الأحوال، الحداثة – التي يفضل باومان وسمها بالصلابة- إذ "لا يمكن للمرء أن يكون من أهل الحداثة دون أن يكون أولًا من أهل ما بعد الحداثة..."، كما يقول فرانسوا ليوتار (الحداثة السائلة، تر: حجاج أبو جبر/ الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2016). برر باومان تفضيله استخدام "السيولة" بأن الحداثة التي افتتحها عصر التنوير كانت قد تصلبت فيما تلاه من عصور، لكنها أخذت تفقد هذه الصلابة بعد الحرب العالمية الثانية، وأخذت تتحول إلى المرحلة السائلة التي تغير شكلها باستمرار ولا يمكنها الاحتفاظ بشكل متماسك، ويصبح الثابت الوحيد فيها هو التغير.
يركز باومان في عمله هذا على الجانب الأخلاقي الذي تأثر كثيرًا بالنزعة الاستهلاكية التي تسم عصرنا الحديث السائل، لذا كان يتساءل إن كانت الأخلاق تحظى بفرصة في عالم استهلاكي – وهو العنوان الأصلي للكتاب- عبر فصول الكتاب الستة التي خصص كلًا منها للحديث عن جانب يشغل إنسان هذا العصر المسكون بالقلق والذي لا يعرف ما يريد. لقد أضحت كل المفاهيم التي تعمقت صلابتها في الحقبة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، أضحت كلها مفاهيم سائلة كالهوية والدولة والمجتمع والثقافة والحضارة نفسها.
في الفصل الأول يحاول باومان تشريح علاقة المرء بالآخرين، مفتتحًا إياه بقول لسيجموند فرويد يرى فيه أن الدعوة إلى أن تحب جارك مثلما تحب نفسك هي من المبادئ الأساسية للحياة المتحضرة، إذ يرى باومان" أن هذا المبدأ مناقض للعقل الذي تشجعه تلك الحضارة، العقل المتمثل في مصلحة الذات، في البحث عن السعادة" (الأخلاق في عصر الحداثة السائلة تر: سعد البازعي وبثينة الإبراهيم / مشروع كلمة 2016)، ورغم أن هذا المبدأ الذي يتحدث عنه فرويد هو مشابه لما طرحه مارتن بوبر في ثنائية (أنا- أنت) التي يراها طريقًا أوحد لتفاعل الإنسان مع الألوهة، لأنَّه إنما يكون يتفاعل مع ذاته بتفاعله مع الآخر، ويضعها في مقابل ثنائية (أنا- هو)، التي تجعل المرء يقصي الآخرين بطريقة أو بأخرى، مما ينمّي "الروسنتميا" أو الاستياء الذي سيشعر به أولئك المحتقرون والمهانون. وإن كان هذا هو الحال مع أولئك الذين نعرفهم، فإن الأمر لن يكون أفضل تجاه الغرباء، وهم في عصرنا اللاجئون أو طالبو اللجوء، الذين يبدو أننا لم نعاملهم كما عاملت الدبابيرُ الدبابيرَ الأخرى التي كانت تنتقل بحرية وتُستقبل في الأعشاش الجديدة كما لو أنها كانت من سكانها الأصليين. لم يعد الأمر مجرد "وصية أمومية" بعدم الحديث إلى الغرباء، لكنها أضحت تأخذ أبعادًا أعظم تتجسد في كراهيتهم والحقد عليهم لأنهم ""نذر الأخبار السيئة"، كما عبر برتولد بريشت ذات يوم، يذكروننا نحن الذين يطرقون أبوابنا كم هو أماننا غير آمن وكم هي راحتنا هزيلة وهشة، كم هي ضعيفة حماية سلامتنا وهدوئنا" (ص61).
يتوسع باومان في الفصل الثاني "القتل الباتر، إرث القرن العشرين وكيف نتذكره؟" فيما بدأه في الأول من وضع للأخلاق على المحك، فلو طبق البشر المبدأ الذي ينادي به فرويد – ونادت به قبله كل الديانات- من محبة الجار كمحبة الذات، فلن يكون هنالك سبب يستدعي قيام الحروب والإبادات العرقية في أنحاء مختلفة من العالم، لكن ذلك المبدأ مثال فقط لأنه لا يتحقق، ولأن الإنسان يفضل أن يكون "ذئبًا أمام الإنسان" على حد تعبير الفيلسوف الروسي ليو شيستوف. ويرى باومان أن الحداثة مسؤولة بصورة ما عما وقع من إبادات جماعية في القرن العشرين، لأنها لم تكن لتتم بلا مخترعات حديثة وتقنية عالية، كما أنه "يمكن محو جنس بشري أو طبقة تنقل عبر الأجيال إمكاناتها التدميرية، من الضروري كبت العواطف الإنسانية والتمظهرات الفردية الأخرى، وإخضاع السلوك الإنساني لسيطرة العقل الأداتي التي لا تناقش" (ص121).
في الفصل الثالث المعنون بـ "الحرية في الحداثة السائلة" يناقش باومان أحد المبادئ التي نادت بها الثورة الفرنسية "الحرية، المساواة، الأخوة" بكونها الأسس التي تقوم عليها الحضارة وتتحقق فيها سعادة الجنس البشري، وتحقيق تلك الأهداف السامية وتوفير شروطها كانت ولا شك مهمة تقع على كاهل النظام السياسي/ الاجتماعي، لكن الملاحظ أنه تم التنازل عنهما شيئًا فشيئًا، إذ بدأ الأفراد يشعرون بانكماش إحساسهم بالأمان كلما تعاظمت حرية التعبير، وبالتالي فإنهم يوافقون على تقديم هذه التنازلات كثمن باهظ يدفعونه لضمان استمرارية الأمن. على صعيد آخر، ظهر نمط جديد من الحرية الشخصية – إن كنا نستطيع تسميتها كذلك- اقترن اقترانًا وطيدًا بثورة المعلومات أو ما سمي بثورة الإنترنت الثانية، وبخاصة بعد أن اشترى روبرت مردوخ موقع "ماي سبيس" الذي بدأ كمدونة شخصية لصاحب
ها توم أندرسن بمبلغ خرافي، مما جعل من أندرسن نموذجًا يحتذيه الشبان والمراهقين وهم يحلمون بالقدر المنقذ الذي سيضمن لهم الثروة والشهرة معًا، وجعلهم بالتالي لا يتوانون عن عرض تجاربهم الشخصية والأكثر حميمية في سبيل أن يدور دولاب الحظ ويختارهم!
تتجسد الحضارة الاستهلاكية- أو حضارة الفوارغ "Disposable Civilization"كما سماها عبد الوهاب المسيري- في النزوع نحو النسيان أو المحو أو الشطب، فكل ما ينتج في السوق قابل للنسخ بمنتج آخر، وبالتالي إلى تقصير المسافة بين المتجر وسلة المهملات. "هل أنت سعيد؟" سؤال يشغل إنسان هذا العصر الذي ربط سعادته بمقدار الأشياء التي يرغب بها ويحصل عليها، دون أن يعني ذلك شعوره الدائم بالرضا، لأنه شعور آنيٌ لحظوي تقتله اللحظة التالية التي تأتي محمّلة بمزيد من الرغبات، ويصبح عندها كل إشباع لحاجة هو توليد لحاجات أخرى، يقول جورجياس السفسطائي اليوناني: "كيف يمكن لإنسان أن يبرهن على أنه سعيد إذا كان مستعبدًا من امرئ آخر؟" (مقتبس ورد في كتاب السعادة: موجز تاريخي/ عالم المعرفة أكتوبر 2013)"لكنه في الوقت نفسه لا يمانع أن يكون هذا المرء مستعبدًا من رغباته، بل يرى أن عليه إشباعها بأقصى ما يستطيع، وهو هنا يشجع الإنسان المستهلك على زيادة استهلاكه، "وما يحدث أنه يتحول البحث عن حلول المشاكل وتسكين الألم والقلق في المتاجر، وفي المتاجر فقط، إلى سلوك ليس مسموحًا به فحسب، بل يشجَع بحماس ليصبح عادة" (ص 225). ويبدو أن التعليم نفسه يكرس هذه النزعة حين يعزز مبدأ النسيان، "لأننا انتقلنا من حضارة الوقت ولهذا السبب من التعلم والحفظ، إلى حضارة سرعة الزوال، وبالتالي النسيان" (ص237).
لا يبدو الأمر أفضل حالًا بالنسبة للثقافة بشكل عام وللفنون بشكل خاص، فقد طغت عليها نزعة الاستهلاك وسرعة الزوال والنسيان، وأصبح المبدعون – مرغمين أو مختارين- خاضعين لقانون السوق أو العرض والطلب، وكثير منهم ينتظر – مثل الشبان الإنترنتيون- أن يوقف ثري مشهور يهتم بالفنون سيارته أمام متاجرهم، ويختار قطعة أو قطعًا تتحول إلى قطع فنية بمجرد عرضها في معرضه، مهما كانت زهيدة، وعلى الصعيد نفسه يكتسب منتج ما الإقبال عليه بوسمه بعلامة تجارية معينة، وحينئذٍ يصبح معيار الحكم على جودته هو مقدار ما يحقق من مبيعات. وبناء على ذلك كله تغير مفهوم الجمال، إذ أيًا كان الشيء الذي نطلق عليه وصف "جميل" نحكم ضمنيًا أنه قابل للتحسين، ويضحي مبدأ الكمال بلا معنى لأنه سيضع حدًا للتغيير، وبالتالي لن يُتخلص منه ولن يتحول إلى مخلفات، وعندها" لا يصبح الإبداع غير لازم فحسب، بل غير مطلوب أيضًا. وإن كان الجمال يعني الكمال، فإنه حالما يُبلغ الجمال لن يحدث شيء بعده" (ص270).
يتحسر باومان في الفصل السادس "جعل الكوكب مضيافًا لأوروبا" على تراجع دور أوروبا الاقتصادي والعسكري في ظل الهيمنة الأمريكية، وإن كانت الطرق قديما كلها تؤدي إلى روما، فهي في هذا العصر تؤدي إلى واشنطن. لقد انحسر دور أوروبا كما يرى باومان لتأخذ دور المتفرج أو في أحسن الأحوال دور موظف البلاط المطيع، ويرى أن تفوق الولايات المتحدة عسكريًا جعلها تصبح "إمبراطورية العالم"، وإن كانت تخوض الحروب التي تعلنها بنفسها، فإنها صارت الآن تدير حروبًا يحارب فيها آخرون نيابة عنها، كالحرب على الإرهاب التي لم تقلص الهجمات الإرهابية بل زادتها، كما أنها قلصت جنبًا إلى جنب من حريات الأفراد الذين يصبحون بوعي أو بلا وعي منهم تحت رقابة "الأخ الأكبر"، لكنهم يقبلون خوفًا من أن يفقدوا الأمان. وهكذا "ينبع التحدي الحقيقي أمام أوروبا من الأدلة السريعة التراكم على فشل القوة العظمى الوحيدة على الكوكب بشكل بغيض في قيادة الكوكب نحو التعايش وبعيدًا عن الكارثة الوشيكة" (ص308).
إن كتاب باومان هذا هو تقرير من أرض المعركة كما وصفه، معركتنا اليومية التي نحاول أن نخرج منها بأقل الخسائر، حتى إن كانت حياتنا في ظل الحداثة السائلة "هي تمرين على الفناء الكوني"، لكننا ملزمون بالبحث عن الضوء في نهاية النفق.
من الكتب التي أفخر بترجمتها لأسباب عديدة، أهمها مباركة أمي ومشاركة الدكتور سعد البازعي
تتجسد الحضارة الاستهلاكية- أو حضارة الفوارغ "Disposable Civilization"كما سماها عبد الوهاب المسيري- في النزوع نحو النسيان أو المحو أو الشطب، فكل ما ينتج في السوق قابل للنسخ بمنتج آخر، وبالتالي إلى تقصير المسافة بين المتجر وسلة المهملات. "هل أنت سعيد؟" سؤال يشغل إنسان هذا العصر الذي ربط سعادته بمقدار الأشياء التي يرغب بها ويحصل عليها، دون أن يعني ذلك شعوره الدائم بالرضا، لأنه شعور آنيٌ لحظوي تقتله اللحظة التالية التي تأتي محمّلة بمزيد من الرغبات، ويصبح عندها كل إشباع لحاجة هو توليد لحاجات أخرى، يقول جورجياس السفسطائي اليوناني: "كيف يمكن لإنسان أن يبرهن على أنه سعيد إذا كان مستعبدًا من امرئ آخر؟" (مقتبس ورد في كتاب السعادة: موجز تاريخي/ عالم المعرفة أكتوبر 2013)"لكنه في الوقت نفسه لا يمانع أن يكون هذا المرء مستعبدًا من رغباته، بل يرى أن عليه إشباعها بأقصى ما يستطيع، وهو هنا يشجع الإنسان المستهلك على زيادة استهلاكه، "وما يحدث أنه يتحول البحث عن حلول المشاكل وتسكين الألم والقلق في المتاجر، وفي المتاجر فقط، إلى سلوك ليس مسموحًا به فحسب، بل يشجَع بحماس ليصبح عادة" (ص 225). ويبدو أن التعليم نفسه يكرس هذه النزعة حين يعزز مبدأ النسيان، "لأننا انتقلنا من حضارة الوقت ولهذا السبب من التعلم والحفظ، إلى حضارة سرعة الزوال، وبالتالي النسيان" (ص237).
لا يبدو الأمر أفضل حالًا بالنسبة للثقافة بشكل عام وللفنون بشكل خاص، فقد طغت عليها نزعة الاستهلاك وسرعة الزوال والنسيان، وأصبح المبدعون – مرغمين أو مختارين- خاضعين لقانون السوق أو العرض والطلب، وكثير منهم ينتظر – مثل الشبان الإنترنتيون- أن يوقف ثري مشهور يهتم بالفنون سيارته أمام متاجرهم، ويختار قطعة أو قطعًا تتحول إلى قطع فنية بمجرد عرضها في معرضه، مهما كانت زهيدة، وعلى الصعيد نفسه يكتسب منتج ما الإقبال عليه بوسمه بعلامة تجارية معينة، وحينئذٍ يصبح معيار الحكم على جودته هو مقدار ما يحقق من مبيعات. وبناء على ذلك كله تغير مفهوم الجمال، إذ أيًا كان الشيء الذي نطلق عليه وصف "جميل" نحكم ضمنيًا أنه قابل للتحسين، ويضحي مبدأ الكمال بلا معنى لأنه سيضع حدًا للتغيير، وبالتالي لن يُتخلص منه ولن يتحول إلى مخلفات، وعندها" لا يصبح الإبداع غير لازم فحسب، بل غير مطلوب أيضًا. وإن كان الجمال يعني الكمال، فإنه حالما يُبلغ الجمال لن يحدث شيء بعده" (ص270).
يتحسر باومان في الفصل السادس "جعل الكوكب مضيافًا لأوروبا" على تراجع دور أوروبا الاقتصادي والعسكري في ظل الهيمنة الأمريكية، وإن كانت الطرق قديما كلها تؤدي إلى روما، فهي في هذا العصر تؤدي إلى واشنطن. لقد انحسر دور أوروبا كما يرى باومان لتأخذ دور المتفرج أو في أحسن الأحوال دور موظف البلاط المطيع، ويرى أن تفوق الولايات المتحدة عسكريًا جعلها تصبح "إمبراطورية العالم"، وإن كانت تخوض الحروب التي تعلنها بنفسها، فإنها صارت الآن تدير حروبًا يحارب فيها آخرون نيابة عنها، كالحرب على الإرهاب التي لم تقلص الهجمات الإرهابية بل زادتها، كما أنها قلصت جنبًا إلى جنب من حريات الأفراد الذين يصبحون بوعي أو بلا وعي منهم تحت رقابة "الأخ الأكبر"، لكنهم يقبلون خوفًا من أن يفقدوا الأمان. وهكذا "ينبع التحدي الحقيقي أمام أوروبا من الأدلة السريعة التراكم على فشل القوة العظمى الوحيدة على الكوكب بشكل بغيض في قيادة الكوكب نحو التعايش وبعيدًا عن الكارثة الوشيكة" (ص308).
إن كتاب باومان هذا هو تقرير من أرض المعركة كما وصفه، معركتنا اليومية التي نحاول أن نخرج منها بأقل الخسائر، حتى إن كانت حياتنا في ظل الحداثة السائلة "هي تمرين على الفناء الكوني"، لكننا ملزمون بالبحث عن الضوء في نهاية النفق.
من الكتب التي أفخر بترجمتها لأسباب عديدة، أهمها مباركة أمي ومشاركة الدكتور سعد البازعي
لا مجال للالتفات! حسنٌ، لن يكون تراجعًا بأي شكل من الأشكال، لأني ما زلت أمشي على درب يشبه كثيرًا جهاز المشي الكهربائي. تلهث الساقان وتتلعثم الركبتان إذ تشعران بالعطش، لكني ما زلت في مكان واحد، يقال إنه مكاني. هذه طاولتي الجانبية فارغة إلا من علبة المناديل، وتلك مكتبتي الآخذة في التضخم «والكركبة»، وفي السقف عاليًا مصباحان كبيران يتفرع من كل منهما خمسة مصابيح صغيرة، لم يبق منها على قيد الحياة سوى اثنين، ينقذان الليل من كابوس يتربص به في الزوايا، وهذان حذاءان للمشي الطويل كل يوم، وعلى الباب حرفي، هل يكفي كل هذا لجعله مكاني؟.
أوزع نظرات اليوم والليلة على مرآتي الغرفة، لئلا «تصاب أيٌ منهما بالوحشة»، فتكرس واحدة نفسها للأحلام الفارة من قيظ الأسى، وتكتفي الثانية بنواح مثل صفارة إنذار تطلق في أول كل شهر. أجللها بوقار وأقرأ عليها مزِقًا من خطابات بهت لونها بمرور الوقت فتجفل، وتدخل هوة الصمت، وتعتزل الوقت والمصابيح والغرفة والرسائل الباهتة والشِعر الذي لم يعد شعرًا، وتعتزلني.
هل هذا المكان مكاني؟ ما زلت أمد الخرائط الغبية كل يوم بحثًا عن أرضٍ لا تراني غريبة، ولا تحاصرني بنظرات العداء، ولا تحمّلني أكداس الكراهية التي أمضت سنواتها الأخيرة في تكديسها مثلما تكدس أكوام القمامة! لا تسعفني الجغرافيا القاسية بحلول كثيرة، وأكاد أسمع قهقهتها التي تشبه ضحكة الساحرة في قصة «سنووايت» وهي تسخر من بحثي الطويل وتعرف أن لا جدوى من كل ما أفعل، وتؤكد لي أن هذا المكان ليس مكاني، لكني لن أملك غيره!
ينتابني الجدب الذي يتوالى على الشجرة المعمرة في آخر الحي كل عام، وأكتفي بطي بعض الأفكار بدلًا من سحقها، كما تطوى الثياب المتروكة على حبل غسيل منذ ثلاثة أيام، تفقد شيئًا من رائحة مسحوق الغسيل الذي تؤكد الإعلانات أنها تستمر أسبوعًا كاملًا! لماذا أحتفظ بها ما دمت مؤمنة بهشاشتها؟ أظنني أبقيها على سبيل الاحتياط، كما كانت أختي تفعل مع المظلة التي لا تحتمي بها من المطر، ولكنها تحملها معها في كل «مشوار»، عصًا نتكئ عليها كلانا، إذا عجز الوقت أن يمنحنا بعض الوقت لنجرب المزيد من نكهات القهوة – رغم أننا لا نغير قهوتنا- ونلتقط صورًا لمزيد من القلوب التي تفاجئنا بها رسومات رغوة القهوة غير الكثيفة في أكوابنا!.
أجبر عنقي على ألا يستدير لأي من الجهات الأربع سوى الأمام، أحاول تخليصه من عقدة «دوارة الرياح» وأرجحته في كل وجهة، كلما سمع صوتًا يأتي من بعيد ليغدق عليه حنانًا طارئًا. يستجيب العنق مكرهًا ويأخذ في التصلب ليحول نفسه إلى عمود إضاءة ليلية، يحرس الظلمة مثلما يفعل القمر المكتمل الذي يظهر مرة كل بضع سنوات، سيفي عنقي بالغرض ريثما يعود ذلك القمر الكبير إلى الظهور ثانية.
http://www.al-jazirah.com/2016/20161210/cm19.htm
(اللوحة لسعاد مردم بك)
أوزع نظرات اليوم والليلة على مرآتي الغرفة، لئلا «تصاب أيٌ منهما بالوحشة»، فتكرس واحدة نفسها للأحلام الفارة من قيظ الأسى، وتكتفي الثانية بنواح مثل صفارة إنذار تطلق في أول كل شهر. أجللها بوقار وأقرأ عليها مزِقًا من خطابات بهت لونها بمرور الوقت فتجفل، وتدخل هوة الصمت، وتعتزل الوقت والمصابيح والغرفة والرسائل الباهتة والشِعر الذي لم يعد شعرًا، وتعتزلني.
هل هذا المكان مكاني؟ ما زلت أمد الخرائط الغبية كل يوم بحثًا عن أرضٍ لا تراني غريبة، ولا تحاصرني بنظرات العداء، ولا تحمّلني أكداس الكراهية التي أمضت سنواتها الأخيرة في تكديسها مثلما تكدس أكوام القمامة! لا تسعفني الجغرافيا القاسية بحلول كثيرة، وأكاد أسمع قهقهتها التي تشبه ضحكة الساحرة في قصة «سنووايت» وهي تسخر من بحثي الطويل وتعرف أن لا جدوى من كل ما أفعل، وتؤكد لي أن هذا المكان ليس مكاني، لكني لن أملك غيره!
ينتابني الجدب الذي يتوالى على الشجرة المعمرة في آخر الحي كل عام، وأكتفي بطي بعض الأفكار بدلًا من سحقها، كما تطوى الثياب المتروكة على حبل غسيل منذ ثلاثة أيام، تفقد شيئًا من رائحة مسحوق الغسيل الذي تؤكد الإعلانات أنها تستمر أسبوعًا كاملًا! لماذا أحتفظ بها ما دمت مؤمنة بهشاشتها؟ أظنني أبقيها على سبيل الاحتياط، كما كانت أختي تفعل مع المظلة التي لا تحتمي بها من المطر، ولكنها تحملها معها في كل «مشوار»، عصًا نتكئ عليها كلانا، إذا عجز الوقت أن يمنحنا بعض الوقت لنجرب المزيد من نكهات القهوة – رغم أننا لا نغير قهوتنا- ونلتقط صورًا لمزيد من القلوب التي تفاجئنا بها رسومات رغوة القهوة غير الكثيفة في أكوابنا!.
أجبر عنقي على ألا يستدير لأي من الجهات الأربع سوى الأمام، أحاول تخليصه من عقدة «دوارة الرياح» وأرجحته في كل وجهة، كلما سمع صوتًا يأتي من بعيد ليغدق عليه حنانًا طارئًا. يستجيب العنق مكرهًا ويأخذ في التصلب ليحول نفسه إلى عمود إضاءة ليلية، يحرس الظلمة مثلما يفعل القمر المكتمل الذي يظهر مرة كل بضع سنوات، سيفي عنقي بالغرض ريثما يعود ذلك القمر الكبير إلى الظهور ثانية.
http://www.al-jazirah.com/2016/20161210/cm19.htm
(اللوحة لسعاد مردم بك)
Al-Jazirah
الغريبة تجلو مرآتها
كان الإعلان الأخير بهدف إغلاق القناة مرة واحدة وإلى الأبد...
لكن نصحني الأصدقاء بتركها مفتوحة لتظل أرشيفًا، ثم وصلتني بعض التعليقات هنا وهناك ألا أفعل، وهو أمر يدفعني أن أواصل جعلها فسحة سماوية، أو هذا ما نحاول أنا وهي تقديمه هنا....
أعتذر ممن شعر بالحزن بعد إعلان الإغلاق... وهأنذا أعلن عودتها...
أرجو أن أتمكن من الانتظام فيها أكثر...
الخريف على الأبواب، والخريف من الفصول المحببة....
خريفًا سعيدًا أتمناه لكل من يتابع القناة وتمسك بها 🎈🎈🎈
لكن نصحني الأصدقاء بتركها مفتوحة لتظل أرشيفًا، ثم وصلتني بعض التعليقات هنا وهناك ألا أفعل، وهو أمر يدفعني أن أواصل جعلها فسحة سماوية، أو هذا ما نحاول أنا وهي تقديمه هنا....
أعتذر ممن شعر بالحزن بعد إعلان الإغلاق... وهأنذا أعلن عودتها...
أرجو أن أتمكن من الانتظام فيها أكثر...
الخريف على الأبواب، والخريف من الفصول المحببة....
خريفًا سعيدًا أتمناه لكل من يتابع القناة وتمسك بها 🎈🎈🎈
على عتبة الخريف، أقف، عند الباب الذي تركه آب مواربًا في أسبوعه الأخير "الذي يفتح للشتاء بابًا" كما تقول أمي. أؤرجح هشاشتي على نقاط أحرف اسمي الكثيرة، تثير قليلًا من الغبار، ذهبيًا بلون النخالة التي كانت أمي تضعها مع حليها كي لا تسود. جاء أيلول حاملًا حساسية من غبار الطلع، حساسية من حياة أخرى تفكر بالبدء في مكان ما حولي، وأفكر أنا بالخروج من هذه الحلقة التي تحيط بعنقي مثل طوق حيوان أليف!
على طرف المقعد أترك مظاريف كثيرة لرسائل أفكر في كتابتها وأعجز، ينتابني شيء من الخرس أداويه بالنوم، أو بالأرق، بالكتابة أو بالمحو، بالبكاء أو بالضحك بهستيريا تنتهي بما يشبه البكاء! أخرج أقلامي الكثيرة ولا أختار سوى الأزرق، لون الستائر الفاتحة للغرفة القديمة التي صار لي بعدها ثلاث غرف أخر، ولم تكن ستارة أي منها فاتحة، كلها كانت بألوان الخريف ودرجاته. على الطرف الآخر من الطاولة أترك علبة حلوى، ذهبية هي الأخرى بلون أيلول، وباقة ورد لم أجلبها من بائع الزهور بعد، وبطاقة أفكر في رسمها، وسنوات كثيرة لردمها في حفرة تحت بلاط الغرفة. سأقيم حفلًا خطابيًا للنمل الذي لم يعد يقاسمني فتات الحلوى، ولم يعد يقيم معي حفل تأبين لنملة مسحوقة بين طيات كتاب. للخرائط التي لم تعد تعنيني لأني أعرف مسبقًا أن لا أرض ترحب بي، وأيقنت أننا "سنذوي مثل زبيب تحت الشمس" كما تنبأ هيوز، لأقلام التلوين التي تركت أغطيتها مفتوحة فجفت أو بهتت ألوانها، لبطاقات الهاتف القديمة وتذاكر معرض الكتاب الأخير، للورقة التي كتب عليها رقم الهاتف القديم بقلم بنفسجي يذكرني بدفاتري في الصف الحادي عشر، لقائمة الأدوية وإيصالات البريد، لحياتي السابقة، سأقيم حفلًا للوداع لا يسمح فيه باصطحاب المناديل الورقية سريعة الذوبان، ويسمح فقط بالمناديل المطرزة بالأحرف الأولى والقبعات الطويلة كما يليق بحفل رسمي.
الساعة 4:10 مساء، متأخرة بساعة عن التوقيت الذي يحبه كلاوديو (3:10 بقايا القهوة، بينيديتي)، وبعد ساعة من النصف الأول لحبة الضغط بعيار 80/ 12.5، وما زال هنالك ثماني ساعات قبل موعد سندريلا (12:00ص)، وأربع ساعات وعشرون دقيقة قبل موعد النشرة الرئيسية على التلفزيون السوري، و وأربع عشرة ساعة على مجيء الحافلة المدرسية قبل ستة وعشرين عامًا، وثلاث ساعات على موعد القهوة الداكنة التي تترك في أكوابنا قلوبًا منشورة على حبل غسيل، هل تبادلنا الحب أو تتنبأ بخيباتنا الكثيفة؟! أبلل أصابعي لأستطيع عد ما تبقى من ساعات، مثلما أفعل حين أعد الأوراق النقدية وأفشل في الحالتين، ولا يبقى لي سوى طعم النقود المشبعة بعطر رجالي ودخان سجائر، أحدهم وضعها في جيبه قرب قلبه، أعني النقود لا الساعات. أرفع الشراشف لأغسلها بدورة تدوم 52 دقيقة، هذه ساعة خديجة! الآن أحسب الساعات التي يحتاجها شرشفي كي يجف، سآخذ غفوة حتى تمر كل هذه الساعات، وحتى يفتح الخريف الباب متسعًا ليدخل بـ "الأصفر شهر أيلول تحت الشبابيك"!
https://youtu.be/ItewI5m-UZs
على طرف المقعد أترك مظاريف كثيرة لرسائل أفكر في كتابتها وأعجز، ينتابني شيء من الخرس أداويه بالنوم، أو بالأرق، بالكتابة أو بالمحو، بالبكاء أو بالضحك بهستيريا تنتهي بما يشبه البكاء! أخرج أقلامي الكثيرة ولا أختار سوى الأزرق، لون الستائر الفاتحة للغرفة القديمة التي صار لي بعدها ثلاث غرف أخر، ولم تكن ستارة أي منها فاتحة، كلها كانت بألوان الخريف ودرجاته. على الطرف الآخر من الطاولة أترك علبة حلوى، ذهبية هي الأخرى بلون أيلول، وباقة ورد لم أجلبها من بائع الزهور بعد، وبطاقة أفكر في رسمها، وسنوات كثيرة لردمها في حفرة تحت بلاط الغرفة. سأقيم حفلًا خطابيًا للنمل الذي لم يعد يقاسمني فتات الحلوى، ولم يعد يقيم معي حفل تأبين لنملة مسحوقة بين طيات كتاب. للخرائط التي لم تعد تعنيني لأني أعرف مسبقًا أن لا أرض ترحب بي، وأيقنت أننا "سنذوي مثل زبيب تحت الشمس" كما تنبأ هيوز، لأقلام التلوين التي تركت أغطيتها مفتوحة فجفت أو بهتت ألوانها، لبطاقات الهاتف القديمة وتذاكر معرض الكتاب الأخير، للورقة التي كتب عليها رقم الهاتف القديم بقلم بنفسجي يذكرني بدفاتري في الصف الحادي عشر، لقائمة الأدوية وإيصالات البريد، لحياتي السابقة، سأقيم حفلًا للوداع لا يسمح فيه باصطحاب المناديل الورقية سريعة الذوبان، ويسمح فقط بالمناديل المطرزة بالأحرف الأولى والقبعات الطويلة كما يليق بحفل رسمي.
الساعة 4:10 مساء، متأخرة بساعة عن التوقيت الذي يحبه كلاوديو (3:10 بقايا القهوة، بينيديتي)، وبعد ساعة من النصف الأول لحبة الضغط بعيار 80/ 12.5، وما زال هنالك ثماني ساعات قبل موعد سندريلا (12:00ص)، وأربع ساعات وعشرون دقيقة قبل موعد النشرة الرئيسية على التلفزيون السوري، و وأربع عشرة ساعة على مجيء الحافلة المدرسية قبل ستة وعشرين عامًا، وثلاث ساعات على موعد القهوة الداكنة التي تترك في أكوابنا قلوبًا منشورة على حبل غسيل، هل تبادلنا الحب أو تتنبأ بخيباتنا الكثيفة؟! أبلل أصابعي لأستطيع عد ما تبقى من ساعات، مثلما أفعل حين أعد الأوراق النقدية وأفشل في الحالتين، ولا يبقى لي سوى طعم النقود المشبعة بعطر رجالي ودخان سجائر، أحدهم وضعها في جيبه قرب قلبه، أعني النقود لا الساعات. أرفع الشراشف لأغسلها بدورة تدوم 52 دقيقة، هذه ساعة خديجة! الآن أحسب الساعات التي يحتاجها شرشفي كي يجف، سآخذ غفوة حتى تمر كل هذه الساعات، وحتى يفتح الخريف الباب متسعًا ليدخل بـ "الأصفر شهر أيلول تحت الشبابيك"!
https://youtu.be/ItewI5m-UZs
YouTube
فيروز - ورقوا الاصفر شهر ايلول - جودة عالية - HD
اغنية ورقوا الاصفر شهر ايلول
غناء الفنانة فيروز
غناء الفنانة فيروز
قراءات 1
هذه قصة دمية متحركة، كما يقول الغلاف، لكن بينوكيو مثل أي طفل يرغب بالاكتشاف ومعرفة ما على الضفة الأخرى.
ماذا لو أن بينوكيو أصغى لكلام أبيه ولم يخض كل هذه المغامرات، هل كان سيصبح ولدًا حقيقيًا في النهاية، أو أنه سيظل "دمية"؟
المغامرات هي ما جعلت من بينوكيو إنسانًا، ولم يظل "بين الحفر" هيابًا من التجربة والحياة، وإن تحول إلى حمار!
هذه قصة دمية متحركة، كما يقول الغلاف، لكن بينوكيو مثل أي طفل يرغب بالاكتشاف ومعرفة ما على الضفة الأخرى.
ماذا لو أن بينوكيو أصغى لكلام أبيه ولم يخض كل هذه المغامرات، هل كان سيصبح ولدًا حقيقيًا في النهاية، أو أنه سيظل "دمية"؟
المغامرات هي ما جعلت من بينوكيو إنسانًا، ولم يظل "بين الحفر" هيابًا من التجربة والحياة، وإن تحول إلى حمار!
"لا أسعد من صخرة صغيرة
تهيم على الدرب وحدها..."
إميلي دكنسن
ترجمة محمد عيد إبراهيم
تهيم على الدرب وحدها..."
إميلي دكنسن
ترجمة محمد عيد إبراهيم