الشعر الذي أحب يحيل العاديّ إلى سحريّ؛ هو الصلةُ بوالدتي التي خدّ فقدُها في نفسي أخدودا عميقا ..
كانت والدتي تقرأ عليّ قصيدة “طائر البومة والهرّة” كلَّ ليلة حتى أنام. كان هذا ديدنها لسنوات حتى استطعت تلاوة القصيدة لها حفظا. مازال ذلك المشهد حيّا أمامي:
“قارب البازلاء الخضراء” يبحر خلال بحر عظيم مرصع بالنجوم؛
“ملعقة سحرية” تغرفُ “قطعا من السفرجل” ..
“أشجار اللوبيا ذات الأفنان” تظللّ “الدّوبل اللطيف” ..
والزوجان الخياليان “طائر البوم والهرة” يتراقصان على الرمال تحت ضوء القمر ..
أحفظ القصيدة عن ظهر قلب: قلبي وقلب أمّي ..
أليسا پايپر
ترجمة حمد الشمري
كانت والدتي تقرأ عليّ قصيدة “طائر البومة والهرّة” كلَّ ليلة حتى أنام. كان هذا ديدنها لسنوات حتى استطعت تلاوة القصيدة لها حفظا. مازال ذلك المشهد حيّا أمامي:
“قارب البازلاء الخضراء” يبحر خلال بحر عظيم مرصع بالنجوم؛
“ملعقة سحرية” تغرفُ “قطعا من السفرجل” ..
“أشجار اللوبيا ذات الأفنان” تظللّ “الدّوبل اللطيف” ..
والزوجان الخياليان “طائر البوم والهرة” يتراقصان على الرمال تحت ضوء القمر ..
أحفظ القصيدة عن ظهر قلب: قلبي وقلب أمّي ..
أليسا پايپر
ترجمة حمد الشمري
نص:
عندما غضبت لم أكن أتصور إنها ستكون بتلك الوقاحة. لم تترك كلمة أو عبارة قبيحة لم تقلها. وصفتني بأقذع الصفات، ومن فرط حدة كلماتها وعلوّ صوتها لم أستطع حتى أن أرد عليها، تداخلت كلماتهزا فلم أعد أفهم منها شيئاً، ولم يعلق بي سوى قولها إنني رجل خائن. تركتها تستمر في شتائمها ومضيت. كنت أظن أن الأمر قد انتهى وأنني سأكون مرتاح البال لكن خاب ظنّي، فقد وجدت أختها الأخرى تحدثني بصوت امرأة لائمة معاتبة وتخبرني بأنها ليست غاضبة ولا حزينة ولكنها تريد أن تعرف السبب الذي جعلني أفضّلها عليهن.
لم أجد الرد المناسب ولأنها كانت تتحدث بصوت هادئ ومتألم وعدتها بأنني سأجيبها في وقت آخر. لكنني لم أكن صادقا في وعدي، فكيف سأخبرها بأن دهشتي بتفاصيل تلك الاخرى هي من جعلني أفضلها عليهن.
مرت أيام عديدة ولم يستجدّ شيئاً إذ كان الصمت هو سيد المكان حتى جاءت تلك اللحظة التي كانتا فيه تتهامسان وكانت إحداهن تقول للأخرى: لقد كانت غاوية وذات سطوة لذا أخذها وأخرجها للناس. ألم تلاحظي كيف كان متباهيا وهو يلمح نظرات الإعجاب نحوها حتى كاد أن يصبح مغرورا. إنه يعرفنا منذ سنوات و لم يلقِ لنا بالاً أو يفكّر في أمرنا.لقد أخبرته ذات مرة بأنني مللت الإقامة في هذا المكان ولكن أجابني برده المكرر: أن الأمر لم يحن بعد.
لم أكن أجادله أو أعترض أو أو أبدي له استيائي. ربما هذا ما ساعده في أن يفكر بسواي، وها هو يفعل دون أن يبدو عليه أيّ شعور بالندم أو الذنب، وهو لا يعرف أيضاً أنه حتى لو نفذ قراره وأخرجني للناس فسوف أظهر في هيئة امرأة عجوز. سوف أبدو تلك الفكرة الهرمة التي يكتبها بملل وعدم رغبة حقيقية سوى أنه يقوم بفعل الواجب. ثم تنهدت وقالت بحسرة ممتلئة بالغيرة: إنّ كل ما أريد معرفته هو: لماذا كتبها قبلنا؟
نص لطامي السميري
عندما غضبت لم أكن أتصور إنها ستكون بتلك الوقاحة. لم تترك كلمة أو عبارة قبيحة لم تقلها. وصفتني بأقذع الصفات، ومن فرط حدة كلماتها وعلوّ صوتها لم أستطع حتى أن أرد عليها، تداخلت كلماتهزا فلم أعد أفهم منها شيئاً، ولم يعلق بي سوى قولها إنني رجل خائن. تركتها تستمر في شتائمها ومضيت. كنت أظن أن الأمر قد انتهى وأنني سأكون مرتاح البال لكن خاب ظنّي، فقد وجدت أختها الأخرى تحدثني بصوت امرأة لائمة معاتبة وتخبرني بأنها ليست غاضبة ولا حزينة ولكنها تريد أن تعرف السبب الذي جعلني أفضّلها عليهن.
لم أجد الرد المناسب ولأنها كانت تتحدث بصوت هادئ ومتألم وعدتها بأنني سأجيبها في وقت آخر. لكنني لم أكن صادقا في وعدي، فكيف سأخبرها بأن دهشتي بتفاصيل تلك الاخرى هي من جعلني أفضلها عليهن.
مرت أيام عديدة ولم يستجدّ شيئاً إذ كان الصمت هو سيد المكان حتى جاءت تلك اللحظة التي كانتا فيه تتهامسان وكانت إحداهن تقول للأخرى: لقد كانت غاوية وذات سطوة لذا أخذها وأخرجها للناس. ألم تلاحظي كيف كان متباهيا وهو يلمح نظرات الإعجاب نحوها حتى كاد أن يصبح مغرورا. إنه يعرفنا منذ سنوات و لم يلقِ لنا بالاً أو يفكّر في أمرنا.لقد أخبرته ذات مرة بأنني مللت الإقامة في هذا المكان ولكن أجابني برده المكرر: أن الأمر لم يحن بعد.
لم أكن أجادله أو أعترض أو أو أبدي له استيائي. ربما هذا ما ساعده في أن يفكر بسواي، وها هو يفعل دون أن يبدو عليه أيّ شعور بالندم أو الذنب، وهو لا يعرف أيضاً أنه حتى لو نفذ قراره وأخرجني للناس فسوف أظهر في هيئة امرأة عجوز. سوف أبدو تلك الفكرة الهرمة التي يكتبها بملل وعدم رغبة حقيقية سوى أنه يقوم بفعل الواجب. ثم تنهدت وقالت بحسرة ممتلئة بالغيرة: إنّ كل ما أريد معرفته هو: لماذا كتبها قبلنا؟
نص لطامي السميري
كنتُ طفلا حين زرنا منزل عمتي في فرجينيا. يومَها توفي أخي الذي يكبرني بعامين. قفز واصطدم رأسُه بأرضيّة المسبح؛ بقي تحت الماء لثلاث دقائق قبل أن يخرجوه.
كانت أصابته بالغة في الدماغ.
منذ ذلك الحادث وأنا أمشي وأتخيل أن اللّهَ يسألني عمّا إن كنت سأفتدي أخي وأختار قَدَرَه بدلا عنه لو عاد بنا الزمن إلى الوراء؛ ولكن إجابتي كانت دوما هي الرفض. خلقتْ تلك الإجابةُ داخلي شعورا عميقا بالخزي والعار.
سهّل عليّ هذا الشعور الكثيرَ حين أردتُ الكتابة عن شخصية المذنب!
- عقيل شارما (Akhil Sharma)
كاتب وأستاذ جامعي هندي/أمريكي
ترجمة حمد الشمري
كانت أصابته بالغة في الدماغ.
منذ ذلك الحادث وأنا أمشي وأتخيل أن اللّهَ يسألني عمّا إن كنت سأفتدي أخي وأختار قَدَرَه بدلا عنه لو عاد بنا الزمن إلى الوراء؛ ولكن إجابتي كانت دوما هي الرفض. خلقتْ تلك الإجابةُ داخلي شعورا عميقا بالخزي والعار.
سهّل عليّ هذا الشعور الكثيرَ حين أردتُ الكتابة عن شخصية المذنب!
- عقيل شارما (Akhil Sharma)
كاتب وأستاذ جامعي هندي/أمريكي
ترجمة حمد الشمري
هذه الرواية من أدب الحرب، إذ تتحدث عن سنوات الحرب الأهلية في نيجيريا التي دامت أربع سنوات وتعرف بالحرب البيافرية، حيث كانت قبائل الإيبو ترغب بالانفصال عن نيجيريا، وأعلنت استقلالها، الذي لم يعترف به سوى دول قليلة ليس لها ثقل سياسي، كالعادة! وكما يحدث عادة ينقسم العالم إزاء ما يحدث في هذا البلد أو ذاك، ويغفل ما يحدث للبشر الذين يتخطفهم الموت بكثرة، بالقصف والجوع والمرض، بكل شيء. ولا يبقى سوى الحق الذي يبدو أنه يفنى أيضًا! استسلمت بيافرا وعادت لحضن نيجيريا، ودفعت الثمن بمزيد من الانتقامات التي لا تكشف سوى رداءة الإنسان وسهولة انتقاله من الأقصى إلى الأقصى... هذه الحروب هي المحك الذي يختبر المبادئ والإنسانية، وكلاهما لا يصمد كثيرًا! من يمكنه الصمود والعالم يبدو أشبه بثور الروديو!
هذا الكتاب محفز ومحبط أيضًا لمن ابتلي بعشق اللغات وتعلمها! كثيرًا ما يكون الدافع نحو تعلم اللغات اقتصاديًا، فالبائع البسيط في الهند مثلًا، وفي كل مكان، لن يصرّف بضاعته ما لم يتعلم لغات الزبائن. حاول الكاتب استقصاء قاسم مشترك يجمع مفرطي اللغات المتعددين، كأن يكون الأمر متعلقًا بالدماغ وتشكيله، لكن لم يعثر على دليل يجزم بوجود مثل هذا. كان الجميع من هؤلاء المفرطين يؤكد على أهمية التدريب، لكن كيف ينتقل الشخص من لغة إلى أخرى بسرعة كما فعل الأسطورة ميزوفانتي- الذي فاق عدد اللغات التي يتقنها المئة، وقد تعلم كثيرًا منها في ظرف أسبوعين في عيادته لجرحى الحرب واستماعه لترتيلهم للصلوات- قد ظل سرًا... الكتاب يملأ بالحماس والضآلة والإنهاك والحماس من جديد لتعلم اللغة. والترجمة رصينة ومتقنة. هذا الكتاب يثبت إمكانية الإطاحة ببرج بابل!
الغراب متهم دومًا في الثقافة العربية بحمله لنُذُر الشؤم والفراق والموت، غير أنه في حقيقة الأمر طائر ذكي ومظلوم في الآن نفسه!
في هذا الكتاب يحاول الغراب أن يغير هذه الصورة، فيجيء مواسيًا للعائلة التي فقدت الأم تاركًا لهم ريشاته لإثبات حضوره... ذكرني هذا الغراب نوعًا بالمربية مكفيّ التي تأتي لتحسين سلوك أطفال الأسرتين في الجزء الأول والثاني من الفيلم- وكليهما قد فقد فردًا، الأم في الجزء الأول والأب المفقود في الحرب في الجزء الثاني- وتختفي حين لا تعود العائلة بحاجة لها. الغراب هنا كان مثل ناني مكفيّ التي لا ترتدي سوى الأسود، طرد عنهم الشيطان الذي جاء متنكرًا عدة مرات، ولم يظفر بالدخول للبيت، واختفى بعد أن رأى أنهم ليسوا بحاجته، الحزن مشروع طويل الأمد ولا يزول، لكن يصبح قابلًا للتعايش... رحل الغراب في تلك اللحظة فحسب!
في هذا الكتاب يحاول الغراب أن يغير هذه الصورة، فيجيء مواسيًا للعائلة التي فقدت الأم تاركًا لهم ريشاته لإثبات حضوره... ذكرني هذا الغراب نوعًا بالمربية مكفيّ التي تأتي لتحسين سلوك أطفال الأسرتين في الجزء الأول والثاني من الفيلم- وكليهما قد فقد فردًا، الأم في الجزء الأول والأب المفقود في الحرب في الجزء الثاني- وتختفي حين لا تعود العائلة بحاجة لها. الغراب هنا كان مثل ناني مكفيّ التي لا ترتدي سوى الأسود، طرد عنهم الشيطان الذي جاء متنكرًا عدة مرات، ولم يظفر بالدخول للبيت، واختفى بعد أن رأى أنهم ليسوا بحاجته، الحزن مشروع طويل الأمد ولا يزول، لكن يصبح قابلًا للتعايش... رحل الغراب في تلك اللحظة فحسب!
خشيت أيضًا من لامبالاتي بالكتب، فلم تكن القراءة تفعل بي مثلما تفعله بوالديّ، إذ كانت تبلبلهما أو تحولهما إلى كائنين تائهين في الزمن، لا ينتبهان تمامًا متى أجيء ومتى أغادر. قرأت الكتب بما يكفي لإرضائهما فحسب، وللإجابة عن الأسئلة المفاجئة التي قد تظهر أثناء تناول الطعام – ما رأيك بـﭘـيـﭗ؟ هل فعل إزولو الصواب؟[1]- شعرت أحيانًا أنني دخيل في منزلنا. كان في غرفتي مكتبة مكتظة بالكتب الفائضة التي ليس لها مكان في غرفة المكتب والممر، وقد جعلا إقامتي تبدو مؤقتة، وكأنني كنت في مكان لا يتعين علي أن أكون فيه. شعرت بخيبة أمل والديّ في الطريقة التي ينظران فيها إلى بعضهما بعضًا حين أتحدث عن كتاب، وكنت أعرف أن ما قلته لم يكن خطأ لكنه كان عاديًا فحسب، ولم يوسم بعلامة أصالتهما. كان الذهاب إلى نادي الموظفين معهما بلاء؛ فقد كنت أرى تنس الريشة مملًا، وبدت لي كرة الريشة ناقصة كأن من ابتكر اللعبة قد توقف في منتصف الطريق.
في المدونة هذا الصباح
قراءة طيبة
في المدونة هذا الصباح
قراءة طيبة
Forwarded from الأمثولة
تحولات بيكتور #قصة_قصيرة لـ هيرمان هسه ترجمها عن الألمانية: دارين أحمد
https://youtu.be/L4sbHWlIeBY
https://youtu.be/L4sbHWlIeBY
تغريدة متسلسلة عن 15روائي وكيف تعاملوا مع شخصياتهم الروائية:
ألقِ نظرة على تغريدة @tami__m: https://twitter.com/tami__m/status/982257819939319815?s=09
ألقِ نظرة على تغريدة @tami__m: https://twitter.com/tami__m/status/982257819939319815?s=09
Twitter
tami
#الروائي_و_شخصياته يتعاطى مع شخصياته بمبدأ الثأر الشخصي. إنه يكن لهم عداوة ما، وربما كراهية أيضاً، ساديته في الكتابة سر رضا الشخصيات، وكلما تألمت شعر أن الحكاية تأخذ مسارها الصحيح وهو لا يكتفي بساديته مع شخصياته بل أحيانا تستشعر انه يرغب في أن تمتد تلك السادية…
قال مسلمة بن عبدالملك: "ما شيءٌ يُؤتى العبد بعد الإيمان بالله تعالى، أحبّ إليّ من جوابٍ حاضرٍ، فإن الجواب إذا انعقب لم يكن شيئًا".
المحاسن والأضداد، الجاحظ
المحاسن والأضداد، الجاحظ
الأسماء القاتلة..
"بين اسمين"
بثينة الإبراهيم
حين قال تعالى مخاطبًا الملائكة:" وعلّم آدمَ الأسماءَ كلها ثم عرضهم على الملائكةِ وقال أنبئوني بأسماءِ هؤلاءِ إن كنتم صادقين" البقرة-31، أصبحتِ الأسماءُ مرادفًا للمعرفةِ بصورةٍ ما حتى مع اختلاف المفسرين وتعدّدِ آرائهم حول القصد من الأسماء إن كانت أسماءَ الأشياءِ في الكونِ، أو أسماءَ البشرِ من بني آدمَ كما قال ابنُ عبّاس. وربما يمكننا القولُ بأنّ الشغفَ بالأسماءِ توقٌ نحو استكشاف المجهولِ الذي قد يكون الحقيقةُ يومًا ما.
وما دام الأمرُ كذلك فليس بغريبٍ إذن أن "تكونَ الوردةُ اسمًا، ونحن لا نملك إلا الأسماء"، بهذه العبارة ختم أمبرتو إيكو روايتـَه الضخمة اسم الوردة – ترجمة أحمد الصمعي/ دار الكتاب الجديد ، بيروت 2013- التي تلتقي مع رواية أورهان باموق "اسمي أحمر" في اختيار الاسمِ ليكون عنوانًا لها ومفتتحًا وعتبةً أولى يقف عليها القارئُ مثلما وقف أوديبُ على أعتابِ طيبة، وليست تلك نقطةَ الالتقاءِ الوحيدةِ بين العملين، إذ يمكن وصفُ حبكيتهما بالبوليسيةِ حين يحضر القتلُ بقوةٍ فيهما، القتلُ بدافعِ حماية المعرفةِ/ الاسمِ/ الحقيقة!
تبدأ كلتا الروايتين بجريمةِ قتلٍ غريبةٍ لا يُستدعى للتحقيقِ فيها رجل شرطةٍ، بل يكلّف أحدُ أبناءِ المهنةِ – إن صحّ الوصف- بذلك، فالمحققُ في اسم الوردة هو الراهبُ "غوليالمو" الذي يكلّفه رئيسُ الديرِ بالتحقيقِ في موتِ عددٍ من الرهبانِ في ظروفٍ غامضةٍ، وهو "قرة" في اسمي أحمر الذي يكلّفه السلطان بمعرفةِ قاتلِ النقّاش "ظريف أفندي"، وكما أن المحققَ هو ابنُ المهنةِ فالقاتل هو ابنُها أيضًا في كلتا الروايتين، فهو راهبٌ أعمى في عمل إيكو وهو نقّاشٌ في رواية باموق.
حين سرقَ بروميثيوس قبسَ النار عاقبه زيوس بتقييده بالسلاسل إلى صخرةٍ كبيرةٍ، وسلّط عليه نسرًا يلتهم كبده كل نهارٍ وينمو ثانية في الليل ليكون عذابَه سرمديًا لم ينتهِ إلا حين خلّصه هرقل. وهذا تقريبًا ما حدث في كلتا الروايتين، فالراهب يورج الأعمى قتل كل الرهبانِ الذين وصلوا إلى قاعة "أقصى أفريقيا" في المكتبة / المتاهة، تلك القاعة التي تضمُّ بين مقتنياتها كتابَ أرسطو " صناعة فن الشعر" الذي يتحدث فيه عن الملهاة منطلقًا من إيمانه بأنها مجردُ حماقاتٍ لا يجوز للرهبان أن يطّلعوا عليها كي لا تلهيهم عن مهمتهم الأساسيةِ في حفظ النصوصِ المقدسةِ وشرحها؛ الحفظ لا البحث لأن من "خاصيّات المعرفة أنها كانت كاملة ومعرّفة منذ البداية"! بالتوازي نجد النقّاش "زيتون" يقتل زميله لأنه كان يعمل على رسم صورةٍ للسلطان على طريقةِ الغرب الكافر (الرسم بالمنظور) ونصّب نفسه حاميًا للمدرسة القديمة التي لا يتطابق فيها المرسوم مع الواقع كي لا يقع النقّاش في شَركِ تحدي القدرةِ الإلهية، الأمر الذي يجعل المعرفةَ في كلا العملين مقصورةً على التقليدِ وكل محاولةٍ للبحثِ و التجديدِ هي محاولةٌ لهدم صرحِ المعرفة القائمِ منذ الأزل.
من هذا المنطلقِ يبدو يورج الأعمى والنقاش زيتون شخصيتين مقابلتين للإله زيوس، وكلُ من يحاول الحصول على نار المعرفِة هو مقابلٌ موضوعيٌ لبروميثيوس، والعقوبةُ هي القتلُ الذي يتجدّد لكلِ من يحاول إعادةِ "سرقة" القبس المتوهّج، إلى حينِ ظهور هرقل المعادلِ لغوليالمو وقرة لكشف الحقيقة ووضع حدٍّ لعذاباتِ المعرفة ومريديها.
يحضر العمى علامةً ودلالةً وبرغم انطفاءِ نور العينين إلا أنه يعني نورًا آخر يتجسّد فيه الحكمةُ والإتقان واكتمالِ المعرفة، فالراهب يورج وصل إلى العمى لكثرة اطّلاعه والنقّاش المتقن المُجيد هو الذي يتمكّن من الرسم بمهارة بعد أن يفقد بصرَ،ه الأمر الذي يجعل بعضَهم يسمل عينيه عامدًا ليبلغَ تلك المرتبة، ولعلّ العمى بهذه الصورة يصبح كما وصفه بورخيس بأنه هبة، وتصير اليدان مبصرةً أكثر من العينين على حد تعبير يورج!
قد يمضي الاسم/ المعرفة/ الحقيقة ناعمًا مثل وردةٍ وقد يتضرّج بالأحمر، وما بينهما أفق يمتد!
(مقال قديم نشر في الملحق الثقافي لصحيفة الجزيرة السعودية عام 2014)
"بين اسمين"
بثينة الإبراهيم
حين قال تعالى مخاطبًا الملائكة:" وعلّم آدمَ الأسماءَ كلها ثم عرضهم على الملائكةِ وقال أنبئوني بأسماءِ هؤلاءِ إن كنتم صادقين" البقرة-31، أصبحتِ الأسماءُ مرادفًا للمعرفةِ بصورةٍ ما حتى مع اختلاف المفسرين وتعدّدِ آرائهم حول القصد من الأسماء إن كانت أسماءَ الأشياءِ في الكونِ، أو أسماءَ البشرِ من بني آدمَ كما قال ابنُ عبّاس. وربما يمكننا القولُ بأنّ الشغفَ بالأسماءِ توقٌ نحو استكشاف المجهولِ الذي قد يكون الحقيقةُ يومًا ما.
وما دام الأمرُ كذلك فليس بغريبٍ إذن أن "تكونَ الوردةُ اسمًا، ونحن لا نملك إلا الأسماء"، بهذه العبارة ختم أمبرتو إيكو روايتـَه الضخمة اسم الوردة – ترجمة أحمد الصمعي/ دار الكتاب الجديد ، بيروت 2013- التي تلتقي مع رواية أورهان باموق "اسمي أحمر" في اختيار الاسمِ ليكون عنوانًا لها ومفتتحًا وعتبةً أولى يقف عليها القارئُ مثلما وقف أوديبُ على أعتابِ طيبة، وليست تلك نقطةَ الالتقاءِ الوحيدةِ بين العملين، إذ يمكن وصفُ حبكيتهما بالبوليسيةِ حين يحضر القتلُ بقوةٍ فيهما، القتلُ بدافعِ حماية المعرفةِ/ الاسمِ/ الحقيقة!
تبدأ كلتا الروايتين بجريمةِ قتلٍ غريبةٍ لا يُستدعى للتحقيقِ فيها رجل شرطةٍ، بل يكلّف أحدُ أبناءِ المهنةِ – إن صحّ الوصف- بذلك، فالمحققُ في اسم الوردة هو الراهبُ "غوليالمو" الذي يكلّفه رئيسُ الديرِ بالتحقيقِ في موتِ عددٍ من الرهبانِ في ظروفٍ غامضةٍ، وهو "قرة" في اسمي أحمر الذي يكلّفه السلطان بمعرفةِ قاتلِ النقّاش "ظريف أفندي"، وكما أن المحققَ هو ابنُ المهنةِ فالقاتل هو ابنُها أيضًا في كلتا الروايتين، فهو راهبٌ أعمى في عمل إيكو وهو نقّاشٌ في رواية باموق.
حين سرقَ بروميثيوس قبسَ النار عاقبه زيوس بتقييده بالسلاسل إلى صخرةٍ كبيرةٍ، وسلّط عليه نسرًا يلتهم كبده كل نهارٍ وينمو ثانية في الليل ليكون عذابَه سرمديًا لم ينتهِ إلا حين خلّصه هرقل. وهذا تقريبًا ما حدث في كلتا الروايتين، فالراهب يورج الأعمى قتل كل الرهبانِ الذين وصلوا إلى قاعة "أقصى أفريقيا" في المكتبة / المتاهة، تلك القاعة التي تضمُّ بين مقتنياتها كتابَ أرسطو " صناعة فن الشعر" الذي يتحدث فيه عن الملهاة منطلقًا من إيمانه بأنها مجردُ حماقاتٍ لا يجوز للرهبان أن يطّلعوا عليها كي لا تلهيهم عن مهمتهم الأساسيةِ في حفظ النصوصِ المقدسةِ وشرحها؛ الحفظ لا البحث لأن من "خاصيّات المعرفة أنها كانت كاملة ومعرّفة منذ البداية"! بالتوازي نجد النقّاش "زيتون" يقتل زميله لأنه كان يعمل على رسم صورةٍ للسلطان على طريقةِ الغرب الكافر (الرسم بالمنظور) ونصّب نفسه حاميًا للمدرسة القديمة التي لا يتطابق فيها المرسوم مع الواقع كي لا يقع النقّاش في شَركِ تحدي القدرةِ الإلهية، الأمر الذي يجعل المعرفةَ في كلا العملين مقصورةً على التقليدِ وكل محاولةٍ للبحثِ و التجديدِ هي محاولةٌ لهدم صرحِ المعرفة القائمِ منذ الأزل.
من هذا المنطلقِ يبدو يورج الأعمى والنقاش زيتون شخصيتين مقابلتين للإله زيوس، وكلُ من يحاول الحصول على نار المعرفِة هو مقابلٌ موضوعيٌ لبروميثيوس، والعقوبةُ هي القتلُ الذي يتجدّد لكلِ من يحاول إعادةِ "سرقة" القبس المتوهّج، إلى حينِ ظهور هرقل المعادلِ لغوليالمو وقرة لكشف الحقيقة ووضع حدٍّ لعذاباتِ المعرفة ومريديها.
يحضر العمى علامةً ودلالةً وبرغم انطفاءِ نور العينين إلا أنه يعني نورًا آخر يتجسّد فيه الحكمةُ والإتقان واكتمالِ المعرفة، فالراهب يورج وصل إلى العمى لكثرة اطّلاعه والنقّاش المتقن المُجيد هو الذي يتمكّن من الرسم بمهارة بعد أن يفقد بصرَ،ه الأمر الذي يجعل بعضَهم يسمل عينيه عامدًا ليبلغَ تلك المرتبة، ولعلّ العمى بهذه الصورة يصبح كما وصفه بورخيس بأنه هبة، وتصير اليدان مبصرةً أكثر من العينين على حد تعبير يورج!
قد يمضي الاسم/ المعرفة/ الحقيقة ناعمًا مثل وردةٍ وقد يتضرّج بالأحمر، وما بينهما أفق يمتد!
(مقال قديم نشر في الملحق الثقافي لصحيفة الجزيرة السعودية عام 2014)
لا نصيحة في المعرفة، لكنّها التجربة ..
وأعني بالتجربة هنا التجربة الداخلية، الباطنيّة العميقة، فهي النبع الذي تمتح منه التصورات وتُستفزّ الأخيلة ومنه تسيل وتهدر. "لأنك مهما سافرت فأن أعماقك هي أقصى الأمكنة" فلتكن إذن على متن هذا السفر الأبديّ، وليكن وكَدْك الجوهر، باتجاه الداخل. اخلع نعليك وأسرج قنديلك واتبع أنوار الروح المضيئة، وأنت تهبط للداخل، ثمّة نور ما يتقطّر من هنا وهناك، يفيض عليك من بين الشقوق المهترئة، هذا هو عصير التجارب المريرة وثمرة الآلام والخوف والفقدان الكبير، عليك به، أعني هذا النور، وحّدهُ واجعله حزمة واحدة وامش خلفه، ستمضي على الأرجح وحيدًا بين الطرق الملتوية ونتوءات الكهوف .. وربما، في طريقك، جرحك بطنك، أو ربما، شخب الدم غزيرا من قدمك، لا بأس، واصل، ثمة ضوء هناك عند نقطة بعيدة، في آخر النفق، هي محطتك الأخيرة، ستنفجر عندها البصيرة وتسيل بكلّ المكنونات .. اكتب هناك، هناك تكون الكتابة ( حقيقيّة ) وليست ( جيدة ) وحسب. فما أكثر الكتابة الجيدة وأقل الحقيقية. هناك ستعرف لماذا وبأي شعور قال درويش " كم كنت وحدك .. " وهناك ستعرف غربة دنقل وهو يصيح: أنت لا تعرف ما معنى أن يمشي الإنسان ويمشي .. بحثا عن إنسان آخر. وهناك ستعرف كبرياء عدوان وهو يقول: كم كابرت كي لا أصرخ إني وحدي .. إني وحدي
معتصم الهقاص
Twitter: @moutassim1
وأعني بالتجربة هنا التجربة الداخلية، الباطنيّة العميقة، فهي النبع الذي تمتح منه التصورات وتُستفزّ الأخيلة ومنه تسيل وتهدر. "لأنك مهما سافرت فأن أعماقك هي أقصى الأمكنة" فلتكن إذن على متن هذا السفر الأبديّ، وليكن وكَدْك الجوهر، باتجاه الداخل. اخلع نعليك وأسرج قنديلك واتبع أنوار الروح المضيئة، وأنت تهبط للداخل، ثمّة نور ما يتقطّر من هنا وهناك، يفيض عليك من بين الشقوق المهترئة، هذا هو عصير التجارب المريرة وثمرة الآلام والخوف والفقدان الكبير، عليك به، أعني هذا النور، وحّدهُ واجعله حزمة واحدة وامش خلفه، ستمضي على الأرجح وحيدًا بين الطرق الملتوية ونتوءات الكهوف .. وربما، في طريقك، جرحك بطنك، أو ربما، شخب الدم غزيرا من قدمك، لا بأس، واصل، ثمة ضوء هناك عند نقطة بعيدة، في آخر النفق، هي محطتك الأخيرة، ستنفجر عندها البصيرة وتسيل بكلّ المكنونات .. اكتب هناك، هناك تكون الكتابة ( حقيقيّة ) وليست ( جيدة ) وحسب. فما أكثر الكتابة الجيدة وأقل الحقيقية. هناك ستعرف لماذا وبأي شعور قال درويش " كم كنت وحدك .. " وهناك ستعرف غربة دنقل وهو يصيح: أنت لا تعرف ما معنى أن يمشي الإنسان ويمشي .. بحثا عن إنسان آخر. وهناك ستعرف كبرياء عدوان وهو يقول: كم كابرت كي لا أصرخ إني وحدي .. إني وحدي
معتصم الهقاص
Twitter: @moutassim1