أشباهنا في العالم
11.1K subscribers
319 photos
15 videos
3 files
161 links
حكايا من الضفة الأخرى
"في الترجمة والكتابة والكتب وتفاصيل صغيرة"
Download Telegram
نيسان في بيركشاير
تمشي الكلاب في خلسة، تهتاج الغيوم وتزبد
ويبدأ البشر بإعداد الطعام، زبدة ولهب أزرق مرتعش، بصل مقطع
ينقر المطر الرمل الخشن والسخام
من هواء الظهيرة. هنا وهناك، مثل فوضى بعد حفلة،
يلون الزهري البراعم بضبابية.
لكن سيكون هناك أسابيع طويلة من الوحل والكنزات.
قبلها، يسقط عصفور ويتسرب في هواء الفناء الخلفي،
مثل حديث أصدقاء قدامى،
يبدو المرتكز المعتدل الدقيق لحياتنا.
تنتظرنا بيوتنا في الفناء، مثل الظلال الملتفة في البراعم.
على الأغصان الباردة لشجرة الفرسيثية
تتمايل أسمال صفراء فاتحة.
كم مر على موت السيد فورسيث؟
نمضي إلى المرج.
إضاءة، كاميرا، ابدأ التصوير: هذه قصة حياتنا.
ويليام ماثيوز
#ترجمة_كل_يوم
(اللوحة: منظر شتائي، فاسيلي كندنسكي)
إلى هامبورغ

غادرنا لندن يوم الجمعة الرابع عشر من سبتمبر 1798، ووصلنا يارماوث ظهيرة السبت. ثم أبحرنا في الساعة الحادية عشرة من صباح الأحد. كنت أسأل القبطان قبل رفع المرساة، الأمر الذي لم أتوقف عنه إلى أن توقفت السفينة عند مصب نهر إلبي. فوجئت حين صعدت إلى ظهر السفينة صباح الثلاثاء في العاشرة، أننا لن نستطيع رؤية الشواطئ، رغم أننا كنا في النهر، الذي كنت أراه بحرًا ساكنًا. لكن أوه، كان النسيم لطيفًا والحركة خفيفة.  حين تقدمنا باتجاه كوكسهافن، ظهرت الشواطئ منخفضة ومستوية، وفيها القليل من السكان، ويتناثر هنا وهناك بعض بيوت الفلاحين ومعالف الماشية وأكوام القش والأكواخ والطواحين. كانت بعض السفن راسية عند كوكسهافن، مكان قبيح معتم. صرفنا بعض البحارة وتقدمنا بقارب البريد إلى أعلى النهر.
رفعنا المرساة بين السادسة والسابعة، وكان القمر منعكسًا على المياه والشواطئ صخورًا واضحة، وينبعث نور من البيوت هنا وهناك.  كانت هناك سفن راسية بالقرب منا. شربنا الشاي على السطح تحت ضوء القمر، واستمتعت بالعزلة والهدوء والمسرة الهادئة. كنا ما نزال نسمع رطانة مبهمة للكثير من الألسن التي تثرثر في المقصورة. أويت إلى فراشي بين العاشرة والحادية عشرة، وكانت المجموعة تلعب الورق بصمت. في الساعة الرابعة أيقظنا رفع المرساة، وحتى الساعة السابعة كنت أستلذ في نومي المتقطع بأننا نتقدم نحو هامبورغ، لكننا شعرنا بالخيبة حين عرفنا أن هناك ضبابًا كثيفًا وأننا لن نبحر حتى يتبدد. صعدت إلى السطح كان الهواء باردًا ورطبًا والسفن تتحرك والشواطئ محتجبة، وليس هنالك أمل بصفاء الجو. ورغم ذلك، ظهرت الشمس عند العاشرة ورأينا الشواطئ الخضراء كلماتقدمنا، على الضفة اليمنى كانت هناك كثيرة وأبراج مدببة حمراء وزرقاء وخضراء والبيوت مسقفة ومبلطة ومحاطة بأشجار صغيرة، وجزيرة خضراء جميلة ببيوت وغابات، وحين تقدمنا أصبحت الضفة اليسرى أكثر إثارة.
كانت البيوت دافئة ومريحة ومظللة بالأشجار ومصبوغة بأناقة. بلانكنيز، قرية أو بلدة تتناثر بيوتها على جوانب تلال ثلاثة، غابات كثيفةحيث تستقر المنازل وتنام في الأسفل، والبيوت نصف مختبئة ونصف ظاهرة بين الأشجار الصغيرة.
تهجع القوارب العارية ذات الصواري عند السفوح الجرداء لتلال بلانكنيز، كانت البيوت تكثر كلما اقتربنا من هامبورغ، وضفاف إلبي أكثر انحدارًا، وبعض المنازل ذات طرازإنجليزي. 
في ألتونا نستقل قاربًا ونجدف عبر الممر الضيق لإلبي المزدحم بالسفن من كل الأمم. نزلنا قرب بوم هاوس حيث استقبلنا الحمالون، مستعدين لحمل أمتعتنا إلى أي مكان في البلدة. ذهب وليم للبحث عن مسكن لنا، وظل بقيتنا لحراسة الأمتعة. كان هناك قاربان يوشكان على المغادرة، أحدهما يحمل بحارة من كل الأعمار. كانت هناك امرأة مسنة ترتدي قبعة زرقاء بحواف من الدانتيل الفضي العريض وتربطها أسفل ذقنها، وترتدي معطفًا باهتًا. حين وقفنا في الشارع الذي يطل من ناحية على إلبي، استمتعت بالمشاهدالكثيرة وثياب الناس الذين يمرون أمامنا. كانت هناك امرأة ألمانية ترتدي قبعة كبيرة من القش، بقمة مسطحة وحواف على شكل صدفة دون زركشة، بشريط سادة حول القمة، كانت كبيرة بحجم مظلة صغيرة حرفيًا. ترتدي فتيات هامبورغ قبعات بيض بحواف متدلية عريضة، مجعدة وقاسية ولسانين طويلين من الشرائط. أما نساء هانوفر فقبعاتهن مدورة تظهر الوجه كله ولها شرائط مستقيمة كثيرة. 
ترتدي بائعات الفاكهة قبعات قش كبيرة على هيئة طبق مقلوب، أو مناديل بيضاء معقودة حول الرأس مثل قبعة الأسقف. كانت السترات شائعة، وغالبًا ما كانوا يرتدون معاطف صغيرة وسترات من ألوان مختلفة. في حين أن السيدات لم يكن يرتدين قبعات، وكانت ثيابهن مختلفة الطرز. كان هناك جنود يرتدون معاطف حمراء كئيبة، أما الرجال فلا يختلفون عن الرجال الإنجليز إلا قليلًا، وكانوا يضعون غلايين في أفواههم. 
رأينا وليم، بعد انتظار ساعة تقريبًا، يصحبه حمالان حملا أمتعتنا على عربتين يدويتين، في شوارع مغبرة، سيئة التعبيد، متجهين جميعًا نحو النزل بعد عناء كبير وبحث طويل. 

دوروثي وردزورث
#ترجمة_كل_يوم
(اللوحة: مرفأ السفن في ميناء هامبورغ للرسام فالنتاين روث)


قطعة قديمة تفي بالغرض مؤقتًا
نهار طيب
لكن فن كتابة الرسائل في أول نشوئه لم يكن فنًا احتل مجلدات عذبة كثيرة جدًا حينها، فالرجال والنساء كانوا رسميًا السيدات والسادة، وكانت اللغة ما تزال فخمة وجافة جدًا لتتمكن من الانعطاف والتحول بسرعة وحرية على نصف صفحة من ورق الملاحظات. إن فن كتابة الرسائل هو غالبًا فن كتابة المقالات على نحو مبطن. ولكن كيفما كان، فقد كان فنًا يمكن للمرأة أن تمارسه دون أن تفقد أنوثتها. كما يمكنها ممارسته في لحظات غريبة، إلى جانب فراش الأب المريض، وأثناء آلاف المقاطعات،و دون تعليق مثير، وبلا سم كما كان، وبالتظاهر غالبًا أنه يخدم غرضًا معينًا. ومع ذلك وجدنا في تلك الرسائل التي لا حصر لها، والتي ضاع معظمها اليوم، قوة الملاحظة والذكاء اللذين أخذا شكلًا مختلفًا لدى إيفلينا في رواية “كبرياء وهوى”. كانت مجرد رسائل إلا أنها كانت مشوبة ببعض الكبرياء، فقد عانت دوروثي- دون أن تعترف بذلك- الألم في كتابتها وكان لديها آراء حول طبيعته:”لا أعتبر الباحثين أفضل الكتّاب (أعني في كتابة الرسائل، وقد يكونون كذلك في الكتب)… أرى أن كل الرسائل يجب أن تتمتع بالحرية والسهولة لأنها حديث المرء”. كانت تتفق مع عم عجوز لها رمى دواة الحبر على رأس سكرتيره لأنه استخدم (وضع قلمًا على الورقة) بدلًا من قول (كتب) ببساطة، ورغم ذلك فقد كانت ترى أن هنالك حدودًا لهذه الحرية والسهولة: “… فالكثير من الأمور التي تختلط معًا” يفضل قولها على كتابتها في رسالة. وهكذا نأتي إلى شكل من الأدب – إن سمحت لنا دوروثي أوزبورن بتسميته كذلك- مختلف عن غيره، والذي ندمنا كثيرًا اليوم لضياعه منا إلى الأبد، كما يبدو.

تقدم دوروثي أوزبورن، وهي تملأ ورقاتها الرائعة قرب فراش والدها أو بجانب زاوية الموقد، تصويرًا للحياة، وقورًا ولعوبًا، جادًا وحميميًا، لجمهور من شخص واحد، لكنه جمهور متأنق، كما لا يمكن لروائي ولا مؤرخ أن يفعل. فقد كان من شأنها إبقاء حبيبها على اطلاع بما يحدث في بيتها، فلا بد أن ترسم السيد الجليل جوستنيان إيشام – الذي تدعوه السير سولمون إيشام- الأرمل المغرور والد البنات الأربع وصاحب المنزل الكبير في نورثمبتونشاير الذي يطمح للزواج بها، تقول:”يا إلهي! سأعطي أي شيء مقابل الحصول على رسالة من رسائله اللاتينية لأرسلها لك” يصفها فيها لصديق من أكسفورد ويثني عليها تحديدًا:”بأنها يمكن أن تكون رفيقة ومحاوِرة”. و لا بد أن تصور نسيبها مول المعتل الصحة الذي استيقظ ذات صباح فزعًا من الإصابة بالاستسقاء فأسرع لزيارة الطبيب في كامبريدج. كما سترسم صورة لنفسها وهي تتجول في الحديقة ليلًا وتستنشق الياسمين، “ورغم ذلك لم أكن مسرورة” لأن تمبل ليس معها. كانت تكتب أي إشاعات تسمعها لتسلية حبيبها، فالسيدة سندرلاند مثلًا قد تعطفت ووافقت على الزواج بالسيد سميث العادي الذي يعاملها كأميرة، ويعتقد السيد جوستنيان أنها مثال سيء للزوجات، غير أن السيدة سندرلاند تخبر الجميع أنها تزوجته شفقة به، “وكان هذا الأمر الأكثر إثارة للشفقة سمعته في حياتي” كما تقول دوروثي. وسرعان ما نعرف ما يكفي عن أصدقائها كلهم ونتلقف بلهفة أي إضافة إلى الصورة التي تتشكل في أذهاننا.
فرجينيا وولف (عن دوروثي أوزبورن)
#ترجمة_كل_يوم
(اللوحة: بورتريه للسيدة دوروثي تمبل "أوزبورن"، الرسام مجهول)
كانت القصة التي تبدأ بها السلسلة مشهورة: يقسم الملك المحطم القلب على الزواج بعذراء وقتلها فجرًا، وشجاعة شهرزاد التي تلهيه بحكايات عجيبة حتى تمر عليهما ألف ليلة وليلة، وتنجب له ابنًا. قادت الحاجة إلى إتمام ألف مقطع ومقطع ناسخي العمل لكل أنواع التحريف، ولم يكن أي من ذلك مربكًا بقدر حكاية الليلة 602، بقليل من السحر بين الليالي. يستمع الملك في تلك الليلة الغريبة إلى قصته من شفتي الملكة، ويستمع إلى بداية القصة التي تتضمن كل الحكايات الأخرى والحكاية نفسها على نحو مهول. هل يتمتع القارئ بإدراك لكل الاحتمالات الواسعة الواردة في هذا الإقحام، بخطره العجيب؟ هل كانت الملكة ستستمر، والملك سيصغي إلى الأبد إلى الحكاية المبتورة، الحكاية التي صارت لانهائية ودائرية، لألف ليلة وليلة؟ تحكي شهرزاد كثيرًا من القصص، من المرجح أن تكون إحداها قصة ألف ليلة وليلة.
يبني شكسبير في المشهد الثالث من هاملت مسرحًا على المسرح، وتعكس الحقيقة التي مثلتها المسرحية هنا –قتل الملك بالسم- المسرحية الأساسية بطريقة ما وتكفي لاقتراح إمكانية الدوران اللانهائي. (يلاحظ دي كوينسي في مقال له عام 1840 أن الأسلوب الصلب وغير المتقن في هذه المسرحية الصغيرة يجعل كل الدراما التي تتضمنها تبدو أكثر شبهًا بالحياة نسبيًا، وأضيف أن هدفها الأساسي هو العكس: أي أن تجعل الواقع يبدو غير حقيقي بالنسبة لنا).
ظهرت هاملت عام 1602. في نهاية عام 1635 ألّف الكاتب الشاب بيير كورنيل كوميديا سحرية، حيث يسافر بريدامان والد سليندر في أنحاء أوروبا بحثًا عن ابنه، فيدخل – بدافع من الفضول أكثر من كونه الإيمان- كهف ألكاندر الساحر العجيب. فيريه الأخير، على نحو خادع، حياة ابنه الخطرة، فنراه يطعن غريمه ويهرب من القانون ويُقتل في حديقة ثم يتحدث إلى بعض أصدقائه. يوضح ألكاندر هذا الغموض، فيصبح سليندر ممثلًا بعد ان قتل الغريم، ولا يعود مشهد الدم المسفوح في الحديقة إلى الواقع (واقع خيال كورنيل) بل إلى مأساة. لقد كنا في مسرح دن أن نعلم
خورخي بورخيس
#ترجمة_كل_يوم
(اللوحة: ألف ليلة وليلة، الرسام: أ. ميلهوف)
انتقلنا لمنزلنا الجديد أنا وزوجتي الذكية كاري منذ أسبوعٍ فقط- منزل آل لوريل، بريكفيلد تيراس هولواي- وهو منزل جميلٌ بست غرف وصالة استقبال أمامية، بالإضافة إلى القبو. كما أن لدينا حديقة صغيرة أمامية وعشر درجاتٍ توصل إلى الباب الأمامي الذي نبقيه مغلقًا، أما كومينجز و جوينج وغيرهما من أصدقائنا الحميمين فيستخدمون المدخل الجانبي الصغير، الأمر الذي يوفر على الخادمة عناء التوجه إلى الباب الأمامي وتعطيلها عن عملها. كما أن للمنزل حديقة خلفية جميلة تطل على السكة الحديدية، وكنا في بداية الأمر نشعر ببعض القلق حيال ضجيج القطارات، لكن المالك قال إننا سنعتادها بعد وقتٍ قصير، وخفّض الإيجار بمقدار جنيهين. لقد كان محقًا، فلم يكن يصلنا أي ضجيجٍ من خلف جدار الحديقة المتصدع.
أحب أن أكون في المنزل بعد انصرافي من العمل في المدينة، فما فائدة المنزل إن لم تكن فيه؟ لقد كان شعاري: «ما أحلى الرجوع إلى المنزل»، ولذا أكون دومًا هناك مساءً، فقد يأتي صديقنا القديم جوينج دون موعد، وكذلك قد يفعل كومينجز الذي يسكن مقابلنا، ونشعر - زوجتي كارولين وأنا - بالسعادة لقدومهما. لكننا قد نمضي أمسياتنا معًا دون أصدقاء، ويكون لدينا دائمًا ما نفعله: دقّ مسمارٍ هنا، تركيب ستارةٍ هناك، تعليق مروحةٍ، تثبيت سجادة، وكل هذه الأمور أستطيع القيام بها وأنا أضع غليوني في فمي، بينما كاري تقوم بتثبيت زر قميصٍ، أو إصلاح كيس مخدةٍ، أو التمرّن على عزف «سيلفيا جافوت» على البيانو الصغير الجديد، من صنع و. بيلكسون (مكتوبةٌ بأحرف صغيرة) من كولارد وكولارد (مكتوبة بأحرف كبيرة جدًا)، كما أننا كنا نشعر بالراحة لمعرفة أن ولدنا ويلي يبلي حسنًا في عمله مصرف أولدهام، ونأمل أن يقدم المزيد.
جورج وويدون سميث
#ترجمة_كل_يوم
(الرسمة: غلاف إحدى الطبعات)
ثمة سطر في رواية نورا إفرون الصادرة عام 1983 قلب محروق: "أرني امرأة تبكي عندما حين يتساقط ورق الشجر في الخريف، وسأريك حمقاء حقيقية". أعدت قراءتها مؤخرًا وقل لنفسي: انتظري لحظة، أنا أبكي أحيانًا عندما تتساقط الأوراق. ورغم أنني تمنيت دومًا أن ألتقي بإفرون المتوفاة، فلعل من الأفضل أنني لم أضطر للاعتراف لها بحساسيتي، التي واضح أنها لم تكن أمرًا جميلًا عندها بقدر ما هي الآن.
كما أنني عرفت أيضًا ببكائي قليلًا إن عثرت على حصاة مخددة تبدو مثل وجه عابس، وأنشق إن رأيت ظربانًا في فنائي يبدو وحيدًا، وكأنه قد تبين له أن كل رفاقه الظرابين ذهبوا في مغامرة دونه. أضحك أيضًا إن رأيت غصنًا يبدو كأنه يرفع لي إصبعه [في إشارة بذيئة]، وأضحك إن رأيت نملة تحاول حمل نصف حلقة من حبوب الإفطار فروت لوبس. أرسم، لكوني رسامة كارتون، طيورًامتكلمة وأزهارًا مبتسمة ودجاجات مرتدية جوارب، وكثيرًا ما تبدو هذه الكائنات حقيقية لي، وممتلئة بالأحاديث الداخلية مثل الناس.
شاهدت يومًا مقطع فيديو لهلكوبتر تنقذ بقرة في إيطاليا، فقد علقت في وادٍ ولم تستطع هي _لا يمكنني الحديث عن الحيوانات كأنها غير عاقلة- أن تتسلق الجدران لتخرج. تساءلت إن كانت تلك البقرة قد شعرت بالذعر؟ يقول طبيب بيطري صديق إن الحيوانات لا تفكر بالماضي والمستقبل، إنها تعيش اللحظة. ولهذا فمن اللطف والمسؤولية أن تنوّم كلبًا يتألم لأنه يعاني مرضًا قاتلًا. لن يقول الكلب في نفسه "أود أن أظل على قيد الحياة لأرى تساقط الثلج"، سيشعر الكلب فقط بأن ساقيه تؤلمانه، وأنه لن يستطيع أن يثب إلى كرسيه المفضل وأنه يتقيأ ثانية. لم تكن البقرة تفكر مسبقًا بهلاكها وتقلق حيال افتقاد عائلتها لها، ولم تومض ذكريات من طفولتها أمام عينيها. كانت تعرف أنها عالقة فقط.
ماري لورا فيلبوت
#ترجمة_كل_يوم
(الرسمة: إنقاذ البقرة، لماري لورا فيلبوت)

الجميع يفضلها خضراء!
بثينة الإبراهيم

لم تختر زوجة الأب الشريرة لسنو وايت تفاحة خضراء لتحاول التخلص منها. كانت تفاحتها حمراء - بلون الحذر والخوف والموت على رأي حاتم الطائي - خادعة ببريقها ومذاقها الحلو، فجلب قضمة الموت المؤقت لسنو وايت، والسعادة المؤقتة - أيضاً - لزوجة أبيها!

لا يمكن أن تكون التفاحة الخضراء محتالة؛ فبرغم طعمها اللاذع لكنها تضعك أمام خيارين، أحلاهما حامض، إما التوقف عند أول قضمة، أو المضي حتى التهام البذور. لكن الحمراء بمذاقها السكري تغريك بالمتابعة حد التخمة!

طرح أحدهم سؤالاً أو لغزاً ساذجاً على جوجل إجابات، يقول فيه: كيف تجعل تفاحة خضراء وأخرى حمراء بنفس اللون؟ جاءت الردود أن ذلك ممكن بتقشيرهما. هناك آخر قال انظر إليهما بكاميرا أبيض وأسود. لكن هذا الحل ليس دقيقاً؛ فقلب الخضراء يختلف عن قلب الحمراء؛ فالأول أبيض جداً، بينما يميل الثاني إلى الأصفر! يذكرك هذا بالبشر، أليس كذلك؟!

لون التفاحة الخضراء هو لون السلام كما اختارته منظمة السلام الأخضر الشهيرة المعنية بقضايا البيئة، وقد يسمى منسوبوها بالخضر؛ لذا يمكن الوثوق بالتفاحة الخضراء لهذا السبب، ولأنك تعرف طعمها قبل أن تأكلها، لكن لا يمكنك أن تكون على هذه الدرجة من الثقة مع الحمراء، فيقول لك البائع إنها حلوة مثل السكر لتجدها هشة وباهتة، وتصلح فقط لإعداد الفطيرة، أو ينتهي بك الأمر لغليها مع عود قرفة!

نجت التفاحة الخضراء من التكرار الذي غرقت فيه نظيرتها الحمراء، فكل الحكايات - بدءا بتفاحة نيوتن المزعومة التي قد تكون أي فاكهة أخرى أساساً - تغص بالتفاحات الحمر، أو لعلها ذهبية في أحسن الأحوال. وحتى في محاولاتنا الفنية البدائية لرسم سلة الفاكهة المملة كنا نكدس التفاح الأحمر إلى جانب البرتقال والموز؛ لتبقى الخضراء نائية بنفسها عن عالم المبتذل والعادي، ولأنها تهبط إليك من «المحل الأرفع»، رغم المحاولات لجعلها مشاعاً في نكهة معجون أسنان أو شاي أخضر، غير أن النعناع يكسب في الحالتين! وربما كان هذا هو سبب اختيارها لتكون بطلة رئيسة في لوحة ابن الإنسان (للفنان السريالي رينيه ماغريت - رسمها عام 1964)؛ إذ أحسنت أداء دورها في إخفاء وجه الرجل مبرهنة على أن كل ما نراه يخفي شيئاً آخر، كما قال ماغريت نفسه في حديثه عن لوحته.

كثير من الثمار تبدأ حياتها خضراء، لكنها لا تبقى وفية للون. فالطماطم تفتتح مسيرتها قبل أن تؤول إلى الموائد بلون أخضر، تتخلى عنه بسهولة مقابل الأحمر. كما سبق أن تنازلت عن اسمها من تفاحة الحب لتغدو مجرد حبة طماطم! كانت التفاحة الخضراء الكبيرة في مدينة الألعاب التي يخترقها قطار الدودة المبتسمة - الخضراء أيضاً فكلاهما يتمتع بحس فني رفيع - بسعادة فرصة لاختبار التنفس في المرتفعات، إلا إن تحولت الوجوه إلى خضراء هي الأخرى! يقول مفسرو الأحلام إن رؤية التفاحة الخضراء في الحلم تشير إلى حب يتفتح وينمو، ربما لهذا كانت تفاحة مدينة الألعاب خضراء ولا شيء آخر!

بالمناسبة، هل سبق أن خطر لك أن ألوان التفاح هي ذاتها ألوان إشارة المرور، وأن الجميع يفضلها خضراء دوماً!
علامةُ تعجُّب!!!

بثينة الإبراهيم

انظرْ إلى أصابعِك، هل خطر لك أنها قد تكونُ علامة تعجّبٍ؟ صحيحٌ أنها مقلوبة، لكنّها تظل علامة للتعجب. ربما لأنها تستشعر الدهشة في كل لمسةٍ، فلو لمستَ نسيجًا مخمليًا ستتحوّل أصابعك إلى خمسِ علامات تعجبٍ أو إعجاب. يقال في الشطرنج لو وضعتَ علامة تعجبٍ واحدة فذلك يعني أنّ نقلة خصمك جيدة، وإن كانتا اثنتين فهذا يعني أنها ممتازة. حسنٌ، ماذا يمكن أن نقول عن خمسٍ دفعة واحدة!!!!! إنها «سوبر ممتازة». أشعة الشمسِ أيضاً تشبه علاماتِ التعجب، لكنها ليست مقلوبةٌ؛ ربما لأنها تبدو عاقلة ومنطقية وواضحةً، أليس هذا ما يصفون به الحقيقة التي تبدو مثل الشمس؟

تظهِر علامة التعجبِ خطابك وديًا ولطيفًا إن أدرجتَها في رسائلك لأصدقائك، رغم أنّ أحد الكتّاب الأمريكان الكبار «فرنسيس سكوت فيتزجيرالد» يقول: قلّل من استخدامِ علامة التعجب؛ لأنك تبدو كمن يضحك على نكاته التي يطلقها! عبارته قاسية، أليس كذلك؟ يبدو أنه كان يعاني من ازدحامِ علامات التعجب من حوله!

في سياقٍ أكثر رعبًا رأيت علامة التعجب السوداء مثل أثرِ حذاءٍ في مسرحِ جريمة مظلم، تمامًا مثل تلك التي في الألعاب التي حمّلتها على جهاز الآيباد، وتمتلئ بكل شيء، وعليك أن تبحثَ عن سلاحِ الجريمة أو أي أثر يوصلك إلى الحقيقة، وربما لذلك كان رسامو المجلات المصوّرة يضعونها في بالوناتِ الحوار كلّما كان هناك إطلاقٌ للنار، هل يمكن اعتبارها مجرمة بناءً على ذلك، ونسقط عنها صفة الودية أو الذكاء في الحركة؟ ربما كان ذلك قناعًا ترتديه هذه العلامة في لحظاتٍ معينة لتسترعي انتباهك، وبخاصة إذا جاءت في عربة صفراءَ مثلثة الشكل!

أظن الرقمَ (1) وعلامة (!) هما توأمٌ مختلف، تفرقّهما الشامة التي تزين التعجبَ في أسفل الذقن، أو لنقل إنها ترتدي حذاءً بينما أخوها حافي القدمين. والغريبُ أنها تبدو أكثر استقامة وصرامة من الـ 1 المائل. بالمناسبة، صاحب الظل الطويل يشبه كثيراً علامة التعجب بزيه الأسود واستقامته وطوله، أظنني بدأتُ أحب علامة التعجب أكثر رغم أني خفت منها قليلًا حين رأيتها تظهر لي العين «الصفراء»!

قرأتُ مرة أن استخدام النساء لعلامات التعجب أكثر من استخدامِ الرجال لها. أنا أستخدمها كثيراً ولكن لست أدري لماذا؟! هل تذكّرك هذه العلامة ببعض الوجوه الطويلة التي يكون الذقنُ فيها منتفخًا أو فيه نقطة في الوسط «لا أعرف ماذا تسمّى لكني لا أحبها أبدًا». قد يكون صاحب الوجه بهذا الوصف في الرسوم المتحركة أبله. وتذكّر لوريل وهاردي مثلًا، فلوريل النحيل غبي جدًا، وهاردي السمين - بالمناسبة وجهه يشبه علامة الاستفهام - يتذاكى لكنه أكثر غباءً...

من المثيرِ للدهشة أنك لا تجدُ علامة التعجب في اللغة الهندية، ربما لأن الهندَ «أم العجائب»، ولا تحتاج لهذا الخط ليعبر عنها. ما رأيك أنت؟
من منا لا يود العيش في أرض الخلود؟! الأرض التي لا يكبر فيها طفل، ولا ترن فيها الأجراس منذرة بانتهاء الوقت منذ زمن! نفرلاند، حيث نقضي الوقت (الذي لا يمر كالوقت) في الحكايا والمغامرات، حيث نظل أطفالًا وتمر الأيام ولا نكبر. بيتر، البطل الذي يحارب كل ما يجعلك تكبر، فهو ليس فتىً عاديًا، هو الصبا وهو المرح وهو طائر صغير فر لتوه من عشه، وفوق كل هذا هو فتى عادل!
اللوحة: بيتر بان، بهجة الطيران، ديبرا ماكفارلين، مجموعة ساعتجي.
#الكتاب_المرافق: بيتر بان، جي إم باري، ترجمة كوثر محمد محمود عن دار كلمات عربية (هنداوي)
"ما الفارق بين قارئ وناقد؟ يتماهى القارئ مع العمل الأدبي، فيما يظل الناقد على مسافة ليرى الشكل الذي يبتدعه. يسعى القارئ إلى المتعة فيما يرغب الناقد في إدراك كيف يعمل. الإيروتيكي والتأويلي على طرفي نقيض دومًا، ولكن يتوجب عليهما، على الرغم من ذلك، أن يكونا رفيقين."
تشارلز سيميك، المسخ يعشق متاهته، ترجمة تحسين الخطيب.
لم يبق الكثير من سماء دمشق، تساقطت معظم القطع وظل القليل منها فقط، قليل لا يكفي ليظلل من تبقى وما تبقى!
ضاقت الفسحة السماوية منذ أربعين عامًا، وازدادت في السنوات السبع الأخيرة... شتات مهول وتغريبة لا نهاية لها تلوح في الأفق!
مقطع للتشويق
من عمل سيصدر قريبًا بإذن الله (ترجمة)

"متى أبهجت الروايات كلًا من الناشئة والبالغين أكثر من سلسلة الشفق لستيفاني مايرز، أو كتب هاري بوتر لجي كي رولينغ (التي يعادل طولها بالمجمل طول رواية الحرب والسلم)؟ متى كانت آخر مرة أحدثت فيها الروايات أي هزة ثقافية أكبر من السلسلة المابعد رؤيوية المتروك لتيم لاهاي وجيري جنكنز التي بيع منها 65 مليون نسخة؟ متى باع المؤلفون كتبًا أكثر لجمهور أكثر إخلاصًا مما فعل جون غريشام ووم كلانسي ونورا روبرتس وستيفن كنغ وشتايغ لارسون؟ متى بز جنس أدبي شعبية الرواية الرومانسية، التي تجني بليون دولار في مبيعاتها في العام؟ متى استطاع أي روائي أن يتبجح بامتلاكه للمبلغ الذي تملكه جي كي رولينغ في حسابها البنكي؟

تعاني الروايات الأدبية زمنًا عسيرًا، لكن متى لم تمر بوقت عسير؟ ينبغي ألا يتذمر الروائيون الذين يستهدفون القراء المتعجبين، إن لم يكن لهم قراء سوى هؤلاء. ومع ذلك، على مدى العقد الماضي، حظيت كثير من الروايات الأدبية بريادة كبيرة، منها أعمال مثل الكفارة لإيان ماكإيوان وحياة باي ليان مارتل، والسمي لجومبا لاهيري، وعداء الطائرة الورقية لخالد حسيني، والحرية لجوناثان فرانزن (التي جعلته يظهر على غلاف مجلة تايم) والطريق لكورماك مكارثي التي تعد ، برأيي، قصة جيدة بقدر ما يأمل إنسان أن يروي".