أشباهنا في العالم
11.2K subscribers
319 photos
15 videos
3 files
161 links
حكايا من الضفة الأخرى
"في الترجمة والكتابة والكتب وتفاصيل صغيرة"
Download Telegram
إن الكتاب في هذا البلد، وبخاصة الروائيين، قد دخلوا الساحة من الباب الخلفي، فكل كاتب أعرف تقريبًا كان يريد أن يصبح شيئًا آخر، ثم وجد نفسه يكتب باعتياد شغوف. بالنسبة لي، كنت سأصبح موسيقيًا ثم اكتشفت أنني وإن كنت أتمتع بالولع إلا أنني لم أكن أمتلك موهبة ما قبل الاحتراف. لذلك اتجهت إلى جامعة جونز هوبكنز لأبحث عن شيء أفعله، وهناك وجدت نفسي أكتب القصص، مرتكبًا كل الأخطاء التي يرتكبها الكتّاب الجدد. وبعد أن كتبت ما يعادل صفحات راية من الكتابات السيئة، أدركت أن هذا ما كنت أريد القيام به، حين لم أكن أفعله جيدًا. لا أذكر أن هذه القناعة قد تشكلت بفطنة أو بوصفها تجربة مفرحة، بل مثل إيمان مطلق أنني سأمضي حياتي على هذا النحو، في السراء والضراء. في جامعة جونز هوبكنز استفدت كثيرًا من أستاذ وشاعر أسباني عجوز قرأت معه دون كيخوته. لا أذكر شيئًا مما قاله عن الرواية، لكن بيدرو ساليناس العجوز - وهو ميت الآن- الذي كان لاجئًا من حكم فرانكو في أسبانيا، جسد لعيني البريئتين الساذجتين إمكانية أن تصبح الحياة مكرسة لتركيب الجمل ويمكن لسرد القصص أن يكون نبيلًا وعظيمًا. أما إن كانت الأعمال قد أصبحت عظيمة ونبيلة فتلك مسألة أخرى. لكني لا أرى أن تجربتي فريدة؛ فقد تقرر أن تكون عازف كمان أو نحاتًا أو رسامًا، لكنك تجد نفسك وقد أصبحت روائيًا.
جون بارث
روائي وناقد أمريكي
#ترجمة_كل_يوم
الرسالة الأولى
منزل "ذا تشست نتز"،
غيلفورد
15 مايوم 1869
عزيزتي إيزابيل
لا يمكن للكلمات أن تصف لك كم كنت مذعورًا ومفزوعًا ومذهولًا (وكل الكلمات على وزن مفعول، بما فيها ما قالته لي أخواتي يا لك من ملعون! عندما سمعن بما حدث). لقد كان ذلك حين اكتشفت أنني أخذت تذكرتك معي إلى غيلفورد، وحاولت أن أعود هناك إن كان ذلك ممكنًا، لكني علمت أنك قد وصلت لندن قبل وصولي هنا ببعض الوقت. لذا لم يكن هنالك ما يمكن فعله سوى أن أنتف شعري (لم يبق منه شيء تقريبًا)، وأن أنوح وأن أسلم نفسي إلى الشرطة.
آمل أنك لم تتعرضي لإزعاج بسبب سهوي، ولكن كما ترين كنت تتكلمين طوال الطريق (رغم أنني رجوتك ألا تفعلي) حتى أنك سحبت كل شيء من رأسي، بما فيه ذلك الجزء الصغير من الدماغ الذي يوجد هناك عادة.
لن تغفر لي الآنسة ليولد أبدًا بسبب ذلك، أنا متأكد من هذا. لكني ما زلت آمل أنك بعد سنوات عدة، حين تريني رجلًا هرمًا أتوكأ على عصا أعرج نحو بابك، فقد ترتخي قسمات وجهك المتجهمة للحظة، ثم ربما تقولين وأنت ترفعين سبابتك اليسرى: "نسيت كل شيء وغفرت لك".
بالكاد أجرؤ على سؤالك عما حدث حقًا في بادنغتون، وإن كان السيد والسيدة، اللذان كانا في المقصورة، قد ساعداك لحل المشكلة، أو إن كانت خادمتك تحمل مالًا يكفي، أو إن كان عليك الذهاب للسجن. إن حدث ذلك فلا تقلقي؛ سأفعل ما بوسعي لإخراجك، ولا يمكن لهم أن يعدموك تحت أي ظرف.
أنا آسف بحق من أجل ذلك، وأقدم لك كل أنواع الاعتذارات، أنا المخلص لك
سي. ل. دوغسون
(لويس كارول)

الرسالة الثانية
كنيسة المسيح، أوكسفورد
29 مايو 1869
عزيزتي إيزابيل
حزنت لدى سماعي من الآنسة ليولد أنك لست بخير، وآمل ألا تفكري بالكتابة لي عن "أليس" إلى أن تستعيدي عافيتك. أنا أكتب لك هذه الرسالة لأنك قد تكوني في مزاج يسمح لك بالقراءة، أو أن يقرأها أحد لك. وما دمت بهذه الحالة، أود إخبارك بالسبب الحقيقي لأخذي تذكرة القطار الخاصة بك. ستعرفين طبعًا بعد هذا أن رسالتي الأخيرة كانت خدعة. حسن لقد أخبرتني، كما تعرفين، أن تلك هي المرة الأولى التي تسافرين فيها وحدك بالقطار، وقد جعلني ذلك أفكر طبعًا: "ما الذي يمكنني فعله لأمنحها مغامرة مثيرة فعلًا؟"
لقد خطرت لي ثلاث خطط. الأولى أن أنتظر حتى ينطلق القطار من ريدنغ، ثم أطلق النار من مسدس على نافذة مقصورتك، فتقترب الرصاصة من رأسك وتفزعك قليلًا. لكن كان هناك الكثير من العقبات لتنفيذ هذه الخطة؛ منها أنني لا أحمل معي مسدسًا معبأ، وأن الرصاصة قد تذهب إلى النافذة الخطأ، وهناك بعض الناس الأغبياء الذين لن يعتبروا الأمر دعابة.
كانت الخطة الثانية أن أعطيك، حين يبدأ القطار بالتحرك، ما يبدو مثل كعكة الزبيب، لكنه سيتضح لاحقًا أنها أفعى جرسية. كانت العقبة الوحيدة أمام تنفيذ هذه الخطة أننا لا نملك هذا في ريدنغ، هناك فقط كعك الزبيب الذي لن يكون مجديًا على الإطلاق.
أما الخطة الثالثة فكانت في الاحتفاظ بالتذكرة، بحيث تصابين بالذعر حين تبلغين لندن. لقد رتبت الأمر مع الحارس طبعًا لئلا يكون في الأمر مبالغة. كان عليه أن يبدي بعض التجهم في البداية، ثم يجعل ملامحه العابسة تتقد بابتسامة تنم عن اللطف. لقد كنت واضحًا جدًا في هذه النقطة وقد كانت آخر كلماتي له: "هل أنت واثق أنك قادر على إظهار اللطف؟" وجعلته يجرب ذلك عددًا من المرات على رصيف المحطة قبل أن أسمح له بالذهاب.
لقد بت تعرفين الآن كامل خطتي لجعل رحلتك مغامرة حقيقية، آمل فقط أنها كانت ناجحة. آمل بقوة أن أسمع أنك استعدت صحتك ثانية، وسأظل المخلص لك.
سي. ل. دوغسون
(لويس كارول)
ملاحظة: علي أن أقول لك بصراحة أن كل هذه الرسالة كذب،وأن السبب الحقيقي كان أن أتمكن من أقدم لك هدية لطيفة يسهل حملها. اقترح الأصدقاء مفكًا أو صندوق أشغال يدوية أو أرغن، ولكني قلت بذكاء: "كل هذه جيدة بطريقة ما، لكنها تستخدم في أوقات محددة، في حين أن تذكرة القطار تكون في متناول اليد دومًا!" هل كان خياري صائبًا؟
#ترجمة_كل_يوم
لقد كنت سريالية في طفولتي، كنت أقضي ساعات طويلة في الخربشة بالأقلام الجافة وفي ابتكار لغتي ومصطلحاتي الخاصة. أظنني ما زلت أعيش هذه السنوات، فما زال ذلك يحدث لي. في الوقت نفسه، لقد نشأت بخلفية إيديولوجية عما يجب أن يكونه الفن أو لا يكونه. وربما كان الرسم الرمزي لهذا السبب مهمًا بالنسبة لي على الدوام، بحسب ميلي. لقد كنت أتجول في المتاحف وأتفحص الأعمال الفنية العظيمة منذ الطفولة، لذا فإنني نشأت أفضل هذا الفن على غيره من الفنون. لم يكن ذلك، على أية حال، السبب الذي دعاني للرسم على هذا النحو، فقد حظيت بفرص عديدة للقفز من هذا القارب، ولدي قائمة بالأعمال المفاهيمية والمجموعات التجريبية التي تطوف في ذهني وأود تنفيذها. أواصل العودة إلى الرسم الرمزي بشغف لا يلين، إذ يمكنني العمل من بلوغ عمق الحياة وكثافتها والشعور بأني لا أستطيع فعل أشياء أخرى وصنع أشياء أخرى. حواري مع الماضي هو حوار مع الحاضر أيضًا، وباعتباري شخصًا يشعر دومًا بضغط الحياة، فإنني أود العثور على طريقة لإيقافها، وهذا هو الفن؛ إنه يلغي المسافة، وهو يتمتع بالقوة لإلغاء الزمن، إنه نوع من السحر. أعتقد أنني اتجهت للرسم لهذا السبب، أحب التناقض في استخدامي لشيء مادي ،مثل الرسم الشخصي (البورتريه)، للإشارة إلى أمر مجرد مثل المشاعر المعقدة، ولهذا أرسم الناس وأحوالهم دومًا.
ماريا كرين
#ترجمة_كل_يوم
(اللوحة من أعمالها بعنوان "ظهر الملاك")
الضفة الأخرى
بثينة الإبراهيم

 لا يمكن القول إنّ العنزةَ التي أرادتِ الانتقالَ إلى الضفةِ الأخرى من النهرِ للحصول على العشبِ الطريِ اللذيذِ كانت تفعل ذلك بدافع الطمعِ وحده، فكلنا نفعل ذلك تحت مسمياتٍ مختلفةٍ، وإلا ما كان يمكن أن تسقط أسطورةُ بحرِ الظلمات، أو ما كانت ستكتشف بلادُ العم سام وغيرها! بالأحرى كان ذاك طموحًا مشروعًا للعنزةِ الجسورةِ التي أقدمتْ على عبورِ الجسرِ غيرَ عابئةٍ بالغول ومهّدت الطريقَ لأختيها لينتقلا بدورهما إلى المرعى الجديد.

في قصيدتها "أغنية في الفناء الأمامي" كانتِ الشاعرةُ الأفروأمريكية غويندولين بروكس تتحدث على لسان فتاةٍ بيضاء تتوقُ إلى استكشاف الفناء الخلفي أو "الضفة الأخرى" التي تحذّرها والدتها من العبور إليها، فهي بعكس ِ حقلِ العنزة – حسب رأي الأم- ليس فيها ما يغري، بل كل ما تراه الأم هو الجانب الأسود المظلم الذي يشبه بشرةَ ساكنيه!

أمضيتُ حياتي كلَها في الفناءِ الأمامي

أود لو ألقيتُ نظرة على الخلف

حيث تنمو أعشابٌ قاسيةٌ وجائعةٌ لا تهم أحدا

إن الوردةَ تزعج البنت!

يجسد منطق الأم النظرة المثقلة بإرث العنصرية في أمريكا ضد السود وتفوق العرق الأبيض المزعوم على غيره من الأعراق، في حين أن الفتاة تبدو كمن يبحث عن مغامرةٍ في عالمٍ مجهول ويمنع عليه دخوله، فهي ترى عالمها بتفاصيله وقوانينه الصارمة مثيرًا للملل كالوردة التي تزعج البنت مثلًا أو الخلود إلى الفراش في ساعة محددة، بينما يضج الفناء الخلفي بالحياة والمرح وحتى الانحراف المتمثل في جوني مي التي ستكون امرأةً سيئة السمعة!

أمي تسخر وأنا أقول كم هو رائعٌ

أنهم لا يذهبون إلى الفراش عند التاسعة إلا ربعًا

أمي تقول إن "جوني مي"

ستكبر لتصير امرأة سيئة .

قد يتبادر إلى الذهن عند قراءة القصيدة للوهلة الأولى أنّ الفتاةَ تتعاطف مع سكان الجانب الآخر، وقد يبدو هذا غريبًا إذا ما عرفنا أن الشاعرة هي أفروأمريكية لا تستطيع الانسلاخ من تاريخ أجدادها وما عانوه من عبودية وتمييز عنصري، لكن ما يظهر لنا أن الفتاة في القصيدة لا ترى في الفناء الخلفي أكثر من مجرد فرصة للمغامرة وتغيير رتابة الفناء الأمامي الذي تعيش فيه حياتها كلها، وهو منطق استعلائي بلا شك يظهر خطابًا عنصريًا مكرسًا في كل جوانب الحياة، حين لا ترى أن أولئك بشرٌ "يحبون الحياة إذا ما استطاعوا إليها سبيلا"!

لم تمتلك الفتاة البيضاء في قصيدة بروكس جرأة العنزة لتحدث منعطفًا في العلاقة بين السود والبيض في أمريكا ولم تتمكن مثل تلك العنزة من القضاء على "الغول"، ولكنها اختصرت حياة جيرانها في مطلبٍ شخصيٍ فقط يحقق لها متعةً مؤقتة سرعان ما تعود بعدها إلى "قواعدها سالمة"!

لمست بروكس رغبة الأفروأمريكيين أنفسهم بالعبور نحو "الضفة الأخرى" في قصيدة أخرى لها بعنوان "الكتاب التمهيدي للسود"، فقد كانت تتحدث إليهم بنبرةٍ عالية، إن لم نقل غاضبة، وتطلب إليهم احترام تاريخهم الطويل، فتقول مثلًا في المقطع الثاني من القصيدة:

يقول الأبيض بمرح

كم هو رائع أن تكون أبيض

ويقول الأسود الخامل

كم هو رائع أن تكون أبيض

وهذا يعني أن الأبيض

قادرٌ بقوته و... قوتك

لا يستطيع الأسود أن يغير بشرته ولكنه يتمنى لو ولد ببشرةٍ فاتحة، لأنها تفتح الأبواب المغلقة في وجهه – وليس هذا مقتصرًا على السود فقط، فما يروج له إعلان إحدى الماركات في العالم العربي بأن ذات البشرة الداكنة هي سمراء وفاشلة، بمعنى أنها لن تحصد النجاح وتقبل الآخرين ما لم تكن ذات بشرة فاتحة- وهم بالتالي وإن كانوا يتكئون على مطالب شخصية إلا أنها مختلفة الدوافع عن تلك التي كانت وراء رغبة الفتاة البيضاء في "أغنية الفناء الأمامي"، لأنهم يحاولون إيجاد متسع وفسحة لهم في هذا العالم، بعد تاريخٍ طويل من البؤس والشقاء.

ومع ذلك لا يبدو أن بروكس مقتنعة بكل تلك الأسباب، وترى أن على الأسود أن يفتخر بلونه ويحترمه فتقول في مطلع القصيدة:

الأسود

هوية

استغراقٌ

ميثاق

على كل أسود أن يعيه

لأنه يحقق مجده فيه.

كلٌ من العنزة والفتاة البيضاء والرجل الأسود كان لديه حلم، ولكن لا يبدو أن الأحلام تتحقق إلا في الحكايات!! 

‏(مقال منشور سابقًا)
أنا طائر صغير
حبيس عن التحليق في الفضاء
وفي قفصي أجلس وأغني
له، لذاك الذي حبسني هنا
علي أن أكون سجينًا سعيدًا
لأن ذلك، يا إلهي، يجعله سعيدًا!
ليس لدي شيء آخر أفعله
سوى الغناء طوال اليوم
وذاك الذي علي أن أسعده
يصغي إلى أغنياتي
لقد أمسك بي وربط جناحي الطليق
لكنه ما يزال يجثو على ركبته ليسمعني أغني....
لويزا ماي ألكوت
#ترجمة_كل_يوم
في الصباح التالي، حين كان يقرأ صحيفته، قرأ مقالًا يقول إن الآنسة ميداس -الشابة الأكثر ثراء في المدينة- كانت مريضة جدًا وإن الأطباء يئسوا من شفائها. كان صانع الزجاج رجلًا مثقفًا، إلى جانب كونه كادحًا ذا تقاطيع مريحة و شديد الفقر. تذكر فجأة دواءه الثمين، وقرر استخدامه على نحو أفضل، بدلًا من علاج مرضه هو.
ارتدى أفضل ثيابه وصفف شعره ومشط شاربه وغسل يديه وعقد ربطة عنقه ولمّع حذاءه ومسح صداره، ثم وضع قارورة علاجه السحري الشافي لكل الأمراض في جيبه. وأغلق بابه ونزل الدرج وقطع الدروب باتجاه القصر الكبير، حيث تقيم الآنسة ميداس.
فتح كبير الخدم الباب وقال:
-لا نحتاج صابونًا ولا صورًا مطبوعة ولا خضارًا ولا زيتًا للشعر ولا كتبًا ولا خميرة للخبز. سيدتي تحتضر وقد تحضرنا للجنازة.
حزن صانع الزجاج لأنه الخادم ظنه بائعًا متجولًا: يا صديقي، قال بفخر، لكن الخادم قاطعه قائلًا:
-ولا نحتاج شاهدة قبر أيضًا، هناك مقبرة عائلية وقد أُعد المدفن.
-لن تكون هناك حاجة للمقبرة إن أذنت لي بالكلام، قال صانع الزجاج.
-لا نحتاج أطباء يا سيدي، لقد يئسوا من شفاء سيدتي، ويئست هي منهم. أكمل الخادم بهدوء
-لست طبيبًا، أجاب صانع الزجاج.
-ولا هم، ولكن ما وظيفتك؟
-لقد جئت لعلاج سيدتي بواسطة مركب سحري.
-ادخل من فضلك، واجلس في الردهة، سأتحدث إلى مدبرة المنزل. قال كبير الخدم بلباقة أكثر.
تحدث إلى المدبرة التي ذكرت الأمر لمدير المنزل، الذي استشار الطاهي الذي قبّل الخادمة وأرسلها لرؤية الغريب. هكذا يحيط الأثرياء أنفسهم بالمراسم، حتى وهم يحتضرون!
ليمان فرانك بوم
#ترجمة_كل_يوم
ذلك اليوم، أثناء بحثي في أوراقي، وجدت في مكتبي نسخة من الرسالة التالية التي أرسلتها منذ عام إلى صديق قديم من أيام الدراسة:
"عزيزي تشارلز، أذكر حين كنا أنت وأنا معًا في إيتون، لم يكن أي منا ما يمكن تسميته بالشخصية ذات الشعبية؛ لقد كنت مخلوقًا ساخرًا واعيًا فطنًا قاسيًا، صورتي الشخصية التي لن أجرؤ على رسمها، لكن لا أستطيع الادعاء أنها كانت جذابة، هل يمكنك؟ لا أعرف أي جاذبية حيوانية جمعتنا معًا؛ فلم يسبق لي حتمًا أن أجرب أي شيء من شعور أوريستس وبيلاديس نحوك، ولدي سبب يجعلني أعتقد أنك، من جانبك، كنت حرًا من أي مشاعر حب تجاهي. ومع ذلك، كنا نمشي معًا ونتحدث باستمرار خارج أوقات الدراسة، وحين كانت تدور أحاديثنا حول زملائنا ومعلمينا كنا نفهم بعضنا بعضًا، وحين كنت ينتابني دومًا إحساس بالانجذاب، إحساس مبهم بالحب لشيء فائق الجمال، سواء أكان جامدًا أم متحركًا، لم يكن برودك الساخر يؤثر بي. كنت أشعر أنني متفوق في ذلك حينها أكثر مما أنا عليه اليوم.
لقد مر وقت طويل منذ أن كتبت لك، ووقت أطول منذ أن رأيتك. عثرت مصادفة على صحيفة من مقاطعتك قبل أيام، ووقعت عيني على اسمك. أخذت أفكر بالأيام الخوالي، وأتذكر الأحداث التي وقعت منذ أن انفصلنا؛ فجلست لكتابة هذه الرسالة. لا أدري ما الذي كنت تفعله، لكنك ستسمع، إن اخترت الإصغاء، كيف هزني العالم.
شارلوت برونتي
#ترجمة_كل_يوم

"الجزء الأول"
(اللوحة: رجل يكتب رسالة لغابرييل ميتسو)
بداية، بعد رحيلي عن إيتون، قابلت أخوالي اللورد تينيديل والمبجل جون سيكومب، وسألاني إن كنت أنوي الانخراط في الكنيسة، وعرض علي خالي الرجل النبيل الإقامة في سيكومب، التي تعود ملكيتها له، إن رغبت، ثم ألمح خالي الآخر إلى أنني إن صرت كاهنًا لسيكومب وسكيف، فقد يُسمح لي أن آخذ واحدة من قريباتي الست، بناته اللاتي أكرههن جميعًا، سيدة لبيتي وأبرشيتي.
لقد رفضت كلًا من الكنيسة والزواج، أن تكون قسًا صالحًا أمر جيد، لكني ما كنت لأكون كذلك. بالنسبة للزوجة- أوه، يا له من كابوس أن تكون مقيدًا طوال حياتك بواحدة من قريباتك! لا شك أنهن كيّسات وجميلات، لكن لا كياستهن ولا فتنتهن تحرك وترًا في صدري. حين أفكر بقضاء أمسيات الشتاء قرب مدفأة الردهة في منزل راعي الأبرشية بمفردي مع واحدة منهن- سارة ذات البنية القوية كتمثال ضخم مثلًا- لا، لا بد أنني سأكون زوجًا سيئًا، في ظل ظروف كهذه، إلى جانب كوني كاهنًا سيئًا.
حين رفضت عرض خاليّ، سألاني ما الذي أنويه فعله؟ فقلت إنني سأفكر. لقد ذكراني بأني لا أمتلك مالًا، ولا أتوقع أن أحصل على شيء منه، وبعد صمت طويل سأل اللورد تينيديل بصرامة "إن كنت أفكر باتباع نهج أبي والعمل بالتجارة؟"، لم أكن أفكر بذلك، لا أظن أن طريقة تفكيري تؤهلني لأصبح تاجرًا ماهرًا، فذوقي وطموحي لا يسيران في هذا الاتجاه، ولكن الازدراء الذي علا قسمات لورد تينيديل وهو ينطق كلمة "تجارة" –بالإضافة إلى نبرة صوته الساخرة المحتقرة- جعلني أتخذ قراري على الفور
شارلوت برونتي
#ترجمة_كل_يوم

"الجزء الثاني"
(اللوحة: صورة شخصية لرجل في مكتبه للرسام الهولندي جيرارد تر بورش ويعرف باسم تربورغ أيضًا)
كان أبي مجرد اسم أحمله، ومع ذلك فقد كان اسمًا لا أسمح بذكره بتهكم أمامي. أجبتهما بسرعة وحماس: " لا يممكني فعل شيء أضل من اتباع خطى أبي؛ نعم، سأكون تاجرًا". لم يعترض خالاي، وافترقنا كلنا باستياء مشترك. حين أتذكر هذه الصفقة، أجد أنني كنت مصيبًا جدًا في نفض عبء رعاية آل تينيديل عن كاهلي، لكنني كنت أحمق لأثقل نفسي سريعًا بعبء آخر، عبء قد لا يكون أقل وطأة، عبء لم أجربه قبلًا بلا شك.
كتبت على الفور لإدورد- أنت تعرف إدورد- أخي الوحيد، يكبرني بعشرة أعوام، وقد تزوج من ابنة أحد ملاك المصانع الأثرياء، وصار هو مالكًا لمصنع ولأملاك أبي التي كانت له قبل موته. لا بد أنك تذكر أن أبي كان يومًا فاحش الثراء، لكنه أفلس قبل وفاته بوقت قصير، وأن أمي عاشت فقيرة لستة أشهر بعده، دون أن يقدم لها أخواها الأرستقراطيان المساعدة، أخواها اللذان شعرا بالإهانة لأنها تزوجت برجل من آل كريمسورث، ملاك المصانع في المقاطعة. في نهاية الأشهر الستة، أنجبتني إلى الحياة، وغادرتها هي نفسها بلا كثير من الندم، كما أظن، لأنها لم تمنحها شيئًا من الأمل أو الراحة.
اعتنى أقارب أبي بأخي إدورد وبي أيضًا، حتى صرت في التاسعة من عمري. صادف في تلك الفترة أن منصبًا لتمثيل بلدة هامة في ريفنا قد صار شاغرًا، وتقدم إليه السيد سيكومب. استغل عمي كريمسورث، الذي كان تاجرًا ذكيًا، الفرصة لكتابة رسالة شديدة اللهجة للمرشح، قائلًا: إن لم يحاول هو اللورد تينيديل القيام بشيء من أجل دعم ولدي أختهما اليتيمين، فإنه سيفضح سلوكهما المتعنت والدنيء تجاه أختهما، وسيفعل ما بوسعه ليجعل من انتخاب السيد سيكومب صعبًا. عرف هذا الرجل المهذب واللورد ت أن آل كريمسورث كانوا سلالة عنيدة عديمة الضمير، كما عرفا أيضًا أن لهم تأثيرًا في البلدة، فقررا، وفقًا للضرورة، أن يتكفلا بنفقات تعليمي. أرسلت إلى إيتون، حيث بقيت لعشر سنوات، ولم نلتق إدورد وأنا طوال تلك الفترة. حين كبر مارس التجارة وسعى وراء هدفه بحذر ومهارة ونجاح، وبدأ الآن، في سنته الثلاثين، يكون ثروة على نحو سريع.
شارلوت برونتي
#ترجمة_كل_يوم

"الجزء الثالث"
(رجل يكتب رسالة، للرسام الهولندي كاسبار نيتشر، القرن الثامن عشر)
عرفت بهذا عبر الرسائل القصيرة التي كنت أتلقاها منه، ثلاث أو أربع مرات في السنة، ولم تكن تلك الرسائل تختم أبدًا دون إبداء كراهية راسخة لآل سيكومب، وشيء من التوبيخ لي لأني قبلت العيش على إحسانهم، كما قال. في البداية، حين كنت ما أزال صبيًا، لم أتمكن من فهم لمَ عليّ- باعتباري بلا أبوين- ألا أكون ممتنًا لخاليّ تينيديل وسيكومب لتكفلهما بتعليمي؛ ولكن حين كبرت وسمعت تدريجيًا عن العداء المستمر والكراهية حتى الموت التي أظهراها تجاه أبي، وعن معاناة أمي، وعن كل أخطائهما تجاه عائلتنا باختصار، تبين لي عندها عار الاتكال الذي عشت عليه، واتخذت قرارًا بألا أقبل صدقة من الأيدي التي رفضت قضاء حاجات أمي المحتتضرة. لقد كنت مغمورًا بهذه الأحاسيس حين رفضت تولي أبرشية سيكومب، والزواج بواحدة من قريباتي النبيلات.
وهكذا نشأ بيني وبين خاليّ صدع يتعذر إصلاحه، فكتبت لإدورد أخبره بما حدث، وأبلغته عن عزمي باتباع خطاه وأن أكون تاجرًا. وسألته أيضًا إن كان يمكنه أن يمنحني عملًا. كشف لي رده أن تصرفي لم يلق استحسانه، لكنه قال إنني أستطيع القدوم إلى المقاطعة، إن أحببت، و"سيرى ما الذي يمكن فعله ليؤمن لي عملًا". لجمت كل تعليق – حتى الذهني منها- على رسالته، وحزمت حقائبي وأمتعتي، وانطلقت نحو الشمال مباشرة.
شارلوت برونتي
#ترجمة_كل_يوم

"الجزء الرابع والأخير، رغم أن الرسالة لم تنته"
(اللوحة: شاب يكتب رسالة؛ غابرييل متسو)
Forwarded from أجنحة صغيرة للصباح
‏أصدقاءنا القراء⚘⚘
‏أحباءنا في كل مكان⚘⚘
‏نحمل اليوم لكم بشرى خاصة:
‏ عند طلبكم من دار أثر خمس كتب أو أكثر ستحصلون على شحن مجاني⚘
‏تواصلوا معنا⚘
الكذبة رقم 1: ستتمكن من زيارة أماكن رائعة. رغم أنك ستضطر بحسب تحليلك لزيارة مدن مثل هولاند في ميتشغان وبليثفيل في أركنساس، فإنك ستغير طريقك نحو شيكاغو ونيويورك سيتي ولوس أنجلس. إليك ما سيحدث: ستكون منشغلًا جدًا فلا تتمكن من رؤية شيء (وسيبدو التصميم الداخلي لمكتبة بارنز ونوبل واحدًا سوا أكنت في ماديسون أم ميامي). سيكون جدولك كالتالي باختصار: ستسافر برحلة الساعة 7صباحًا، وحالما تحط طائرتك ستجري لإجراء مقابلات إذاعية وتلفزيونية وصحفية، أو ستحضر حفلات غداء يتبعها أمور مشابهة وأمسيات توقيع. تذهب للنوم وتنهض وتفعل ذلك كله في مدينة أخرى. يبدو أن الوكلاء الأدبيين يواجهون مشاكل مع الجغرافيا أو أنهم مجرد ساديين، لأن الجولة نادرًا ما تجدول بما يتناسب وراحتك في السفر (في جولتي الأخيرة سافرت من لوس أنجلس إلى ميامي عبر طيران أنكورا)، وستقضي في التنقل وقتًا أكبر مما ستقضيه في الإقامة. لم أدرك أنني كنت أجتاز طريق ألامو إلا بعد خرجت من فندقي في سان أنطونيو مثلًا. لهذا السبب عليك أن تحدد وقتًا لاستراحتك وتطلب من الوكيل تخصيص ميزانية لزيارة متحف غريس لاند (منزل ألفيس بريسلي) حين تكون في ممفيس، هذا ليس أمرًا تافهًا، هذا ما يفعله كل الأمريكيين.
الكذبة رقم 2: ستكون سيد القرار. حمدًا لله أن هذه كذبة، كما سيقول كل كاتب يضطر للقيادة بنفسه من دنفر إلى بولدر حتى كولورادو سبرنغز. أنتجت جولات الكتب نسلًا غريبًا يدعى مرافقون إعلاميون، والحقيقة إنه ليس أمرًا جذابًا بقدر ما يوحي اسمه. فهم رجال ونساء يقضي عملهم ملازمتك فيقابلونك في الطائرة ويصطحبونك لتوقيع أكداس من الكتب، ثم يأخذونك إلى المقابلات ويوقظونك حين تغط في نوم عميق، ويفتحون كتابك على صفحة العنوان عند التوقيع. كما أنك تستطيع البكاء على أكتافهم إن كنت تمر بأزمة انفصال، ويبتهجون لك إن عرفوا أن اسمك في قائمة نيويورك تايمز للأفضل مبيعًا، ويحاول العثور على مصبغة للتنظيف الجاف لتنظيف تنورة مبقعة في أقل من أربع ساعات، ويساعدونك في شراء قميص فريق أفالانش للهوكي لابنك، حين يكون لديك عشر دقائق بين المواعيد المجدولة. لقد صار عدد من المرافقين أصدقاء جيدين لي لأني أراهم كل عام.
الكذبة رقم 3: ستقيم في فنادق فخمة. ينفق الناشر الكثير من المال لتحصل على نوم هادئ، لكن غرفة في فندق جيد في بوسطن ونيويورك ولوس أنجلس وشيكاغو تكلف أكثر مما تسمح به الميزانية. في رحلتي الأولى مع أتريا، أُسكنت في فندق صغير في بوسطن، وحين أخذت المصعد إلى الطابق الخامس وجدت جرذًا يركض في الردهة (كان تعليق المدير على ذلك: أوه، هل عاد مرة أخرى؟!) لم يكن في هذا الفندق حمام في الغرفة، كان هناك مرحاض فقط بين الأسرّة، كأنه نوع غريب من الطاولات الجانبية. لا داعي للقول إن هذه تجربة صادمة، لكن الكثير غيرها إرباك دائم. فقد بكيت أكثر من مرة لأن بطاقة دخول الغرفة لا تعمل، وأخبرني المدير اللطيف إني كنت أحاول دخول الغرفة الخطأ (كتبت عنوان غرفتي على يدي).
جودي بيكولت
#ترجمة_كل_يوم
الكذبة رقم 4: باستطاعتك اكتساب المزيد من أميال السفر. صحيح، لكن مع خطوط طيران مختلفة، لذا لا يبدو أبدًا أنها تتراكم! كما أنك تستقل طائرة كل يوم تقريبًا، وستكون معروفًا لدى إدارة أمن المواصلات أكثر مما يجب لأي شخص آخر. ثم لا تجعلني أبدأ الحديث عن ضياع الأمتعة التي لا تصل إليّ أبدًا لأنني أتنقل من مدينة لأخرى.

الكذبة رقم 5: سيلتف حولك حشد من المعجبين المتيمين. ذلك ممكن تمامًا، كما أن من الممكن ألا يكون جمهورك سوى منسق الأمسية في المكتبة والمشرد الذي دخلها لأنها تمطر في الخارج.

الكذبة رقم 6: ستحظى أخيرًا ببعض الوقت لنفسك؛ عليك أن تكتب أطنانًا من الصفحات! إن استطعت كتابة فصل في جولة تستغرق ستة أسابيع، فسيكون ذلك إنجازًا هائلًا. في جولة الترويج للكتب، سيكون إنجازًا عظيمًا إن تمكنت من غسل أسناني مرتين في اليوم!

الكذبة رقم 7: ستظهر في برنامج "هذا الصباح..." أو "الليلة" مع جاي لينو. أو برنامج الجدة واسرمان للكتب، الذي يشاهده 15 بيتًا!

جودي بيكولت

#ترجمة_كل_يوم