أشباهنا في العالم
11.2K subscribers
319 photos
15 videos
3 files
161 links
حكايا من الضفة الأخرى
"في الترجمة والكتابة والكتب وتفاصيل صغيرة"
Download Telegram
كانت أمي تقسم خضراواتها إلى ربانية ولا ربانية، وكانت الأولى تشمل تفاح الأرض (قلقاس بيت المقدس) لأنه يبدو مقدسًا، وخضار السلطة لأنها تساعد على النوم كما أنها لطيفة على الأمعاء، وهذه كلها حاجات جسدية للحفاظ على الصحة الروحية. إن الشمندر يساعدنا، برأيها، على تذكر دم المسيح، في حين أن القرنبيط بشبهه بالدماغ البشري يجعلنا نتأمل معجزات الخالق العظيم.
أما الكراث بشكله القضيبي فلم يكن جيدًا، وكان اللفت الأصفر واللفت غذاء للمخلوقات غير الآدمية، والبطاطا تحرض على البلادة والملفوف يسبب تطبل البطن.
هكذا كانت بداياتي مع البستنة.
كانت حصتنا في ستينيات القرن العشرين في شمال إنجلترا أساسية لنظامنا الغذائي لأننا كنا فقراء، لكن كانت هناك أزهار تعرّش على السياج تبعد الريح، وحوض صغير وضع جانبًا لقطف الأزهار. كانت هذه الحصص في البلدات الصناعية الكالحة للطبقة العاملة تغذي الروح إلى جانب الجسد، ورغم أن أمي كانت غريبة الأطوار، إلا أنها آمنت بالروح وعلمتني أها موجودة. "ليس على المرء أن يحيا بالخبز وحده" كانت هذه العبارة مكتوبة فوق الفرن، لكن ألصقت عبارة "وسيذيب أمعاءه مثل الشمع" في المرحاض الخارجي، تحذيرًا من الإكثار من السلطة، كما أظن!
تعلمت البستنة بالطريقة التي تعلمت بها الكتابة، بدافع الضرورة. كنا نحتاج للخضار والزهور، وكنت أحتاج لسرد قصة طويلة عن الحياة لنفسي، وما زلت أفعل. مثل شجرة الفاصولياء التي تنمو وتنمو ويمكنني تسلقها لأهرب من استحالة الحياة في الأسفل، ولأجد عالمًا آخر يمكنني فيه العثور على العمالقة والقلاع والدجاجات التي تعزف القيثارة.
جانيت ونترسن
#ترجمة_كل_يوم
ي الخامس من نوفمبر من عام 1954، تقدمت مارلين مونرو بطلب للحصول على الطلاق من جو ديماغيو، الذي كان يتناول العشاء مع فرانك سيناترا، حين سمع من مخبر خاص على الأرجح أنه إن ذهب إلى منزل بعينه في جادة ورنغ غربي هوليوود، فسيجد مارلين في أحضان رجل آخر.
هناك روايات مختلفة لما حدث تلك الليلة، لكن الأكيد أن مجموعة من الرجال من بينهم ديماغيو وسيناترا اتجهوا إلى العنوان المذكور، وحطم أحدهم باب عش الغرام المزعوم، مسببين الذعر للمرأة التي تعيش هناك فلورنس كوتز، التي تعرف باسم فلورنس كوتز روسا، وكانت في فراشها وحدها. كانت السيدة روسا تغط في النوم حوالي الساعة 11 ليلًا، حين حطم خمسة أو ستة رجال الباب الخلفي لمنزلها، منتزعين إياه من المفاصل تاركين الزجاج مبعثرًا على الأرض، حسب ما ذكرته صحيفة لوس أنجلس تايمز مضيفة "وأشعل نور ساطع فوقها (السيدة روسا)ووجهت بعدد من الرجال كان بعضهم يحمل أداة ظنتها لأول وهلة فأسًا. نجم عن هذه الحادثة، التي صارت تعرف باسم "مداهمة الباب الخطأ"،قضية ضد سيناترا وديماغيو وأربعة آخرين رفعتها السيدة روسا، وحلت بحصولها على 7500 دولار.
ادعت صديقة لمونرو أنها كانت معها في تلك الليلة، ولكن بعد سنوات اعترف هال شيفر، عازف بيانو جاز ومدرب الصوت لمونرو والذي صار فيما بعد عشيقها السري، أنهما كانا متواعدين تلك الليلة في منزل على بعد بضع ياردات.
بروس ويبر
مراسل صحفي لنيويورك تايمز
#ترجمة_كل_يوم
كانت جو أول من استيقظ في الفجر الرمادي لصباح عيد الميلاد. لم يكن هناك أي جورب معلق على الموقد، ولوهلة شعرت بخيبة الأمل التي شعرت بها منذ زمن، حين وقع جوربها الصغير لأنه كان غاصًا بالأشياء الجميلة، ثم تذكرت وعد أمها فمدت يدها تحت الوسادة وسحبت كتابًا له غلاف قرمزي. كانت تعرف جيدًا، إنها تلك القصة القديمة عن أجمل حياة يمكن أن تعاش، وشعرت جو أنه مرشد حقيقي لأي مسافر يذهب في رحلة طويلة. أيقظت ميغ بقولها "ميلاد مجيد"، وحثتها على النظر إلى ما تحت وسادتها. كان كتابًا بغلاف أخضر له الصورة نفسها من الداخل وكلمات قليلة خطتها أمهما، التي جعلت هداياهما الأثمن في نظرهما.
ما لبثت بيث وأيمي أن استيقظتا وبحثا ليجدا كتابين صغيرين تحت وسادتيهما أيضًا، كان على غلاف أحدهما حمامة والآخر غلافه أزرق. جلس جميعهن ينظرن إلى الكتب ويتحدثن عنها، في حين أن الشرق أصبح ورديًا معلنًا طلوع النهار
لويزا ماي ألكوت
#ترجمة_كل_يوم
في الحقيقة، لقد كان الروك آند رول امتدادًا لما يحدث؛ الفرق الكبيرة الإيقاعية، وراي نوبل ويل برادلي وغلين ميلر، استمعت إلى هذه الموسيقى قبل أن أسمع إلفيس بريسلي. لكن موسيقى الروك آند رول كانت مفعمة بالطاقة وعنيفة وحادة. لقد كانت موسيقى أساسية، انبثقت من العتمة وتزامنت مع القنبلة الذرية وكان الفنانون نجومًا مثل آلهة صوفية. موسيقى الإيقاع والبلوز والكونتري والويسترن والبلوغراس والإنجيلية كانت موجودة دومًا –لكنها كانت مقسمة- لقد كانت رائعة لكنها ليست خطرة. كانت موسيقى الروك آند رول سلاحًا خطرًا، لقد انتشر مثل سرعة الضوء، لقد كان يصور الزمن وبخاصة في وجود القنبلة الذرية التي سبقت ظهوره ببضع سنوات. في ذلك الزمن، كان الناس يخشون نهاية العالم، وكانت المواجهة الكبرى بين الرأسمالية والشيوعية تلوح في الأفق. كانت موسيقى الروك آند رول تجعلك تنسى الخوف، وقد حطمت الحواجز التي بناها العرق والدين والإيديولوجيا. كنا نعيش تحت غيمة الموت، وكان الجو مشعًا (من الإشعاع). لم يكن هنالك غد ويمكن لكل شيء أن ينتهي في أي لحظة، لقد كانت الحياة رخيصة. كان هذا هو الشعور الطاغي في ذلك الوقت بلا مبالغة. كانت موسيقى دوو- ووب ندًا للروك آند رول، وقد وازنت الأمورَ أغانٍ مثل "في سكون الليل" و"ملاك الأرض" و"على بعد آلاف الأميال"، فقد كانت صادقة وكئيبة لعالم لا يبدو أنه يمتلك قلبًا. قد يكون لفرق دوو- ووب امتداد أيضًا في موسيقى ذا إنك سبوت والغناء الإنجيلي، لكن هذا ليس مهمًا، فقد كان هذا جديدًا أيضًا. كانت فرق مثل فايف ستينز وذا ميدولاركس كأنها تغني على ناصية شارع خيالي نهاية الحي. دخل جيري لي لويس مثل مذنَبٍ ذي شريط ضوئي من مجرة بعيدة. كانت القنبلة الذرية تغذي موسيقى الروك آند رول، بكل دمارها وتركيزها، لا يبدو أنها كانت امتدادًا لأي شيء بالرغم من أنها كانت كذلك حتمًا.
بوب ديلان
#ترجمة_كل_يوم 
إن الكتاب في هذا البلد، وبخاصة الروائيين، قد دخلوا الساحة من الباب الخلفي، فكل كاتب أعرف تقريبًا كان يريد أن يصبح شيئًا آخر، ثم وجد نفسه يكتب باعتياد شغوف. بالنسبة لي، كنت سأصبح موسيقيًا ثم اكتشفت أنني وإن كنت أتمتع بالولع إلا أنني لم أكن أمتلك موهبة ما قبل الاحتراف. لذلك اتجهت إلى جامعة جونز هوبكنز لأبحث عن شيء أفعله، وهناك وجدت نفسي أكتب القصص، مرتكبًا كل الأخطاء التي يرتكبها الكتّاب الجدد. وبعد أن كتبت ما يعادل صفحات راية من الكتابات السيئة، أدركت أن هذا ما كنت أريد القيام به، حين لم أكن أفعله جيدًا. لا أذكر أن هذه القناعة قد تشكلت بفطنة أو بوصفها تجربة مفرحة، بل مثل إيمان مطلق أنني سأمضي حياتي على هذا النحو، في السراء والضراء. في جامعة جونز هوبكنز استفدت كثيرًا من أستاذ وشاعر أسباني عجوز قرأت معه دون كيخوته. لا أذكر شيئًا مما قاله عن الرواية، لكن بيدرو ساليناس العجوز - وهو ميت الآن- الذي كان لاجئًا من حكم فرانكو في أسبانيا، جسد لعيني البريئتين الساذجتين إمكانية أن تصبح الحياة مكرسة لتركيب الجمل ويمكن لسرد القصص أن يكون نبيلًا وعظيمًا. أما إن كانت الأعمال قد أصبحت عظيمة ونبيلة فتلك مسألة أخرى. لكني لا أرى أن تجربتي فريدة؛ فقد تقرر أن تكون عازف كمان أو نحاتًا أو رسامًا، لكنك تجد نفسك وقد أصبحت روائيًا.
جون بارث
روائي وناقد أمريكي
#ترجمة_كل_يوم
الرسالة الأولى
منزل "ذا تشست نتز"،
غيلفورد
15 مايوم 1869
عزيزتي إيزابيل
لا يمكن للكلمات أن تصف لك كم كنت مذعورًا ومفزوعًا ومذهولًا (وكل الكلمات على وزن مفعول، بما فيها ما قالته لي أخواتي يا لك من ملعون! عندما سمعن بما حدث). لقد كان ذلك حين اكتشفت أنني أخذت تذكرتك معي إلى غيلفورد، وحاولت أن أعود هناك إن كان ذلك ممكنًا، لكني علمت أنك قد وصلت لندن قبل وصولي هنا ببعض الوقت. لذا لم يكن هنالك ما يمكن فعله سوى أن أنتف شعري (لم يبق منه شيء تقريبًا)، وأن أنوح وأن أسلم نفسي إلى الشرطة.
آمل أنك لم تتعرضي لإزعاج بسبب سهوي، ولكن كما ترين كنت تتكلمين طوال الطريق (رغم أنني رجوتك ألا تفعلي) حتى أنك سحبت كل شيء من رأسي، بما فيه ذلك الجزء الصغير من الدماغ الذي يوجد هناك عادة.
لن تغفر لي الآنسة ليولد أبدًا بسبب ذلك، أنا متأكد من هذا. لكني ما زلت آمل أنك بعد سنوات عدة، حين تريني رجلًا هرمًا أتوكأ على عصا أعرج نحو بابك، فقد ترتخي قسمات وجهك المتجهمة للحظة، ثم ربما تقولين وأنت ترفعين سبابتك اليسرى: "نسيت كل شيء وغفرت لك".
بالكاد أجرؤ على سؤالك عما حدث حقًا في بادنغتون، وإن كان السيد والسيدة، اللذان كانا في المقصورة، قد ساعداك لحل المشكلة، أو إن كانت خادمتك تحمل مالًا يكفي، أو إن كان عليك الذهاب للسجن. إن حدث ذلك فلا تقلقي؛ سأفعل ما بوسعي لإخراجك، ولا يمكن لهم أن يعدموك تحت أي ظرف.
أنا آسف بحق من أجل ذلك، وأقدم لك كل أنواع الاعتذارات، أنا المخلص لك
سي. ل. دوغسون
(لويس كارول)

الرسالة الثانية
كنيسة المسيح، أوكسفورد
29 مايو 1869
عزيزتي إيزابيل
حزنت لدى سماعي من الآنسة ليولد أنك لست بخير، وآمل ألا تفكري بالكتابة لي عن "أليس" إلى أن تستعيدي عافيتك. أنا أكتب لك هذه الرسالة لأنك قد تكوني في مزاج يسمح لك بالقراءة، أو أن يقرأها أحد لك. وما دمت بهذه الحالة، أود إخبارك بالسبب الحقيقي لأخذي تذكرة القطار الخاصة بك. ستعرفين طبعًا بعد هذا أن رسالتي الأخيرة كانت خدعة. حسن لقد أخبرتني، كما تعرفين، أن تلك هي المرة الأولى التي تسافرين فيها وحدك بالقطار، وقد جعلني ذلك أفكر طبعًا: "ما الذي يمكنني فعله لأمنحها مغامرة مثيرة فعلًا؟"
لقد خطرت لي ثلاث خطط. الأولى أن أنتظر حتى ينطلق القطار من ريدنغ، ثم أطلق النار من مسدس على نافذة مقصورتك، فتقترب الرصاصة من رأسك وتفزعك قليلًا. لكن كان هناك الكثير من العقبات لتنفيذ هذه الخطة؛ منها أنني لا أحمل معي مسدسًا معبأ، وأن الرصاصة قد تذهب إلى النافذة الخطأ، وهناك بعض الناس الأغبياء الذين لن يعتبروا الأمر دعابة.
كانت الخطة الثانية أن أعطيك، حين يبدأ القطار بالتحرك، ما يبدو مثل كعكة الزبيب، لكنه سيتضح لاحقًا أنها أفعى جرسية. كانت العقبة الوحيدة أمام تنفيذ هذه الخطة أننا لا نملك هذا في ريدنغ، هناك فقط كعك الزبيب الذي لن يكون مجديًا على الإطلاق.
أما الخطة الثالثة فكانت في الاحتفاظ بالتذكرة، بحيث تصابين بالذعر حين تبلغين لندن. لقد رتبت الأمر مع الحارس طبعًا لئلا يكون في الأمر مبالغة. كان عليه أن يبدي بعض التجهم في البداية، ثم يجعل ملامحه العابسة تتقد بابتسامة تنم عن اللطف. لقد كنت واضحًا جدًا في هذه النقطة وقد كانت آخر كلماتي له: "هل أنت واثق أنك قادر على إظهار اللطف؟" وجعلته يجرب ذلك عددًا من المرات على رصيف المحطة قبل أن أسمح له بالذهاب.
لقد بت تعرفين الآن كامل خطتي لجعل رحلتك مغامرة حقيقية، آمل فقط أنها كانت ناجحة. آمل بقوة أن أسمع أنك استعدت صحتك ثانية، وسأظل المخلص لك.
سي. ل. دوغسون
(لويس كارول)
ملاحظة: علي أن أقول لك بصراحة أن كل هذه الرسالة كذب،وأن السبب الحقيقي كان أن أتمكن من أقدم لك هدية لطيفة يسهل حملها. اقترح الأصدقاء مفكًا أو صندوق أشغال يدوية أو أرغن، ولكني قلت بذكاء: "كل هذه جيدة بطريقة ما، لكنها تستخدم في أوقات محددة، في حين أن تذكرة القطار تكون في متناول اليد دومًا!" هل كان خياري صائبًا؟
#ترجمة_كل_يوم
لقد كنت سريالية في طفولتي، كنت أقضي ساعات طويلة في الخربشة بالأقلام الجافة وفي ابتكار لغتي ومصطلحاتي الخاصة. أظنني ما زلت أعيش هذه السنوات، فما زال ذلك يحدث لي. في الوقت نفسه، لقد نشأت بخلفية إيديولوجية عما يجب أن يكونه الفن أو لا يكونه. وربما كان الرسم الرمزي لهذا السبب مهمًا بالنسبة لي على الدوام، بحسب ميلي. لقد كنت أتجول في المتاحف وأتفحص الأعمال الفنية العظيمة منذ الطفولة، لذا فإنني نشأت أفضل هذا الفن على غيره من الفنون. لم يكن ذلك، على أية حال، السبب الذي دعاني للرسم على هذا النحو، فقد حظيت بفرص عديدة للقفز من هذا القارب، ولدي قائمة بالأعمال المفاهيمية والمجموعات التجريبية التي تطوف في ذهني وأود تنفيذها. أواصل العودة إلى الرسم الرمزي بشغف لا يلين، إذ يمكنني العمل من بلوغ عمق الحياة وكثافتها والشعور بأني لا أستطيع فعل أشياء أخرى وصنع أشياء أخرى. حواري مع الماضي هو حوار مع الحاضر أيضًا، وباعتباري شخصًا يشعر دومًا بضغط الحياة، فإنني أود العثور على طريقة لإيقافها، وهذا هو الفن؛ إنه يلغي المسافة، وهو يتمتع بالقوة لإلغاء الزمن، إنه نوع من السحر. أعتقد أنني اتجهت للرسم لهذا السبب، أحب التناقض في استخدامي لشيء مادي ،مثل الرسم الشخصي (البورتريه)، للإشارة إلى أمر مجرد مثل المشاعر المعقدة، ولهذا أرسم الناس وأحوالهم دومًا.
ماريا كرين
#ترجمة_كل_يوم
(اللوحة من أعمالها بعنوان "ظهر الملاك")
الضفة الأخرى
بثينة الإبراهيم

 لا يمكن القول إنّ العنزةَ التي أرادتِ الانتقالَ إلى الضفةِ الأخرى من النهرِ للحصول على العشبِ الطريِ اللذيذِ كانت تفعل ذلك بدافع الطمعِ وحده، فكلنا نفعل ذلك تحت مسمياتٍ مختلفةٍ، وإلا ما كان يمكن أن تسقط أسطورةُ بحرِ الظلمات، أو ما كانت ستكتشف بلادُ العم سام وغيرها! بالأحرى كان ذاك طموحًا مشروعًا للعنزةِ الجسورةِ التي أقدمتْ على عبورِ الجسرِ غيرَ عابئةٍ بالغول ومهّدت الطريقَ لأختيها لينتقلا بدورهما إلى المرعى الجديد.

في قصيدتها "أغنية في الفناء الأمامي" كانتِ الشاعرةُ الأفروأمريكية غويندولين بروكس تتحدث على لسان فتاةٍ بيضاء تتوقُ إلى استكشاف الفناء الخلفي أو "الضفة الأخرى" التي تحذّرها والدتها من العبور إليها، فهي بعكس ِ حقلِ العنزة – حسب رأي الأم- ليس فيها ما يغري، بل كل ما تراه الأم هو الجانب الأسود المظلم الذي يشبه بشرةَ ساكنيه!

أمضيتُ حياتي كلَها في الفناءِ الأمامي

أود لو ألقيتُ نظرة على الخلف

حيث تنمو أعشابٌ قاسيةٌ وجائعةٌ لا تهم أحدا

إن الوردةَ تزعج البنت!

يجسد منطق الأم النظرة المثقلة بإرث العنصرية في أمريكا ضد السود وتفوق العرق الأبيض المزعوم على غيره من الأعراق، في حين أن الفتاة تبدو كمن يبحث عن مغامرةٍ في عالمٍ مجهول ويمنع عليه دخوله، فهي ترى عالمها بتفاصيله وقوانينه الصارمة مثيرًا للملل كالوردة التي تزعج البنت مثلًا أو الخلود إلى الفراش في ساعة محددة، بينما يضج الفناء الخلفي بالحياة والمرح وحتى الانحراف المتمثل في جوني مي التي ستكون امرأةً سيئة السمعة!

أمي تسخر وأنا أقول كم هو رائعٌ

أنهم لا يذهبون إلى الفراش عند التاسعة إلا ربعًا

أمي تقول إن "جوني مي"

ستكبر لتصير امرأة سيئة .

قد يتبادر إلى الذهن عند قراءة القصيدة للوهلة الأولى أنّ الفتاةَ تتعاطف مع سكان الجانب الآخر، وقد يبدو هذا غريبًا إذا ما عرفنا أن الشاعرة هي أفروأمريكية لا تستطيع الانسلاخ من تاريخ أجدادها وما عانوه من عبودية وتمييز عنصري، لكن ما يظهر لنا أن الفتاة في القصيدة لا ترى في الفناء الخلفي أكثر من مجرد فرصة للمغامرة وتغيير رتابة الفناء الأمامي الذي تعيش فيه حياتها كلها، وهو منطق استعلائي بلا شك يظهر خطابًا عنصريًا مكرسًا في كل جوانب الحياة، حين لا ترى أن أولئك بشرٌ "يحبون الحياة إذا ما استطاعوا إليها سبيلا"!

لم تمتلك الفتاة البيضاء في قصيدة بروكس جرأة العنزة لتحدث منعطفًا في العلاقة بين السود والبيض في أمريكا ولم تتمكن مثل تلك العنزة من القضاء على "الغول"، ولكنها اختصرت حياة جيرانها في مطلبٍ شخصيٍ فقط يحقق لها متعةً مؤقتة سرعان ما تعود بعدها إلى "قواعدها سالمة"!

لمست بروكس رغبة الأفروأمريكيين أنفسهم بالعبور نحو "الضفة الأخرى" في قصيدة أخرى لها بعنوان "الكتاب التمهيدي للسود"، فقد كانت تتحدث إليهم بنبرةٍ عالية، إن لم نقل غاضبة، وتطلب إليهم احترام تاريخهم الطويل، فتقول مثلًا في المقطع الثاني من القصيدة:

يقول الأبيض بمرح

كم هو رائع أن تكون أبيض

ويقول الأسود الخامل

كم هو رائع أن تكون أبيض

وهذا يعني أن الأبيض

قادرٌ بقوته و... قوتك

لا يستطيع الأسود أن يغير بشرته ولكنه يتمنى لو ولد ببشرةٍ فاتحة، لأنها تفتح الأبواب المغلقة في وجهه – وليس هذا مقتصرًا على السود فقط، فما يروج له إعلان إحدى الماركات في العالم العربي بأن ذات البشرة الداكنة هي سمراء وفاشلة، بمعنى أنها لن تحصد النجاح وتقبل الآخرين ما لم تكن ذات بشرة فاتحة- وهم بالتالي وإن كانوا يتكئون على مطالب شخصية إلا أنها مختلفة الدوافع عن تلك التي كانت وراء رغبة الفتاة البيضاء في "أغنية الفناء الأمامي"، لأنهم يحاولون إيجاد متسع وفسحة لهم في هذا العالم، بعد تاريخٍ طويل من البؤس والشقاء.

ومع ذلك لا يبدو أن بروكس مقتنعة بكل تلك الأسباب، وترى أن على الأسود أن يفتخر بلونه ويحترمه فتقول في مطلع القصيدة:

الأسود

هوية

استغراقٌ

ميثاق

على كل أسود أن يعيه

لأنه يحقق مجده فيه.

كلٌ من العنزة والفتاة البيضاء والرجل الأسود كان لديه حلم، ولكن لا يبدو أن الأحلام تتحقق إلا في الحكايات!! 

‏(مقال منشور سابقًا)
أنا طائر صغير
حبيس عن التحليق في الفضاء
وفي قفصي أجلس وأغني
له، لذاك الذي حبسني هنا
علي أن أكون سجينًا سعيدًا
لأن ذلك، يا إلهي، يجعله سعيدًا!
ليس لدي شيء آخر أفعله
سوى الغناء طوال اليوم
وذاك الذي علي أن أسعده
يصغي إلى أغنياتي
لقد أمسك بي وربط جناحي الطليق
لكنه ما يزال يجثو على ركبته ليسمعني أغني....
لويزا ماي ألكوت
#ترجمة_كل_يوم
في الصباح التالي، حين كان يقرأ صحيفته، قرأ مقالًا يقول إن الآنسة ميداس -الشابة الأكثر ثراء في المدينة- كانت مريضة جدًا وإن الأطباء يئسوا من شفائها. كان صانع الزجاج رجلًا مثقفًا، إلى جانب كونه كادحًا ذا تقاطيع مريحة و شديد الفقر. تذكر فجأة دواءه الثمين، وقرر استخدامه على نحو أفضل، بدلًا من علاج مرضه هو.
ارتدى أفضل ثيابه وصفف شعره ومشط شاربه وغسل يديه وعقد ربطة عنقه ولمّع حذاءه ومسح صداره، ثم وضع قارورة علاجه السحري الشافي لكل الأمراض في جيبه. وأغلق بابه ونزل الدرج وقطع الدروب باتجاه القصر الكبير، حيث تقيم الآنسة ميداس.
فتح كبير الخدم الباب وقال:
-لا نحتاج صابونًا ولا صورًا مطبوعة ولا خضارًا ولا زيتًا للشعر ولا كتبًا ولا خميرة للخبز. سيدتي تحتضر وقد تحضرنا للجنازة.
حزن صانع الزجاج لأنه الخادم ظنه بائعًا متجولًا: يا صديقي، قال بفخر، لكن الخادم قاطعه قائلًا:
-ولا نحتاج شاهدة قبر أيضًا، هناك مقبرة عائلية وقد أُعد المدفن.
-لن تكون هناك حاجة للمقبرة إن أذنت لي بالكلام، قال صانع الزجاج.
-لا نحتاج أطباء يا سيدي، لقد يئسوا من شفاء سيدتي، ويئست هي منهم. أكمل الخادم بهدوء
-لست طبيبًا، أجاب صانع الزجاج.
-ولا هم، ولكن ما وظيفتك؟
-لقد جئت لعلاج سيدتي بواسطة مركب سحري.
-ادخل من فضلك، واجلس في الردهة، سأتحدث إلى مدبرة المنزل. قال كبير الخدم بلباقة أكثر.
تحدث إلى المدبرة التي ذكرت الأمر لمدير المنزل، الذي استشار الطاهي الذي قبّل الخادمة وأرسلها لرؤية الغريب. هكذا يحيط الأثرياء أنفسهم بالمراسم، حتى وهم يحتضرون!
ليمان فرانك بوم
#ترجمة_كل_يوم
ذلك اليوم، أثناء بحثي في أوراقي، وجدت في مكتبي نسخة من الرسالة التالية التي أرسلتها منذ عام إلى صديق قديم من أيام الدراسة:
"عزيزي تشارلز، أذكر حين كنا أنت وأنا معًا في إيتون، لم يكن أي منا ما يمكن تسميته بالشخصية ذات الشعبية؛ لقد كنت مخلوقًا ساخرًا واعيًا فطنًا قاسيًا، صورتي الشخصية التي لن أجرؤ على رسمها، لكن لا أستطيع الادعاء أنها كانت جذابة، هل يمكنك؟ لا أعرف أي جاذبية حيوانية جمعتنا معًا؛ فلم يسبق لي حتمًا أن أجرب أي شيء من شعور أوريستس وبيلاديس نحوك، ولدي سبب يجعلني أعتقد أنك، من جانبك، كنت حرًا من أي مشاعر حب تجاهي. ومع ذلك، كنا نمشي معًا ونتحدث باستمرار خارج أوقات الدراسة، وحين كانت تدور أحاديثنا حول زملائنا ومعلمينا كنا نفهم بعضنا بعضًا، وحين كنت ينتابني دومًا إحساس بالانجذاب، إحساس مبهم بالحب لشيء فائق الجمال، سواء أكان جامدًا أم متحركًا، لم يكن برودك الساخر يؤثر بي. كنت أشعر أنني متفوق في ذلك حينها أكثر مما أنا عليه اليوم.
لقد مر وقت طويل منذ أن كتبت لك، ووقت أطول منذ أن رأيتك. عثرت مصادفة على صحيفة من مقاطعتك قبل أيام، ووقعت عيني على اسمك. أخذت أفكر بالأيام الخوالي، وأتذكر الأحداث التي وقعت منذ أن انفصلنا؛ فجلست لكتابة هذه الرسالة. لا أدري ما الذي كنت تفعله، لكنك ستسمع، إن اخترت الإصغاء، كيف هزني العالم.
شارلوت برونتي
#ترجمة_كل_يوم

"الجزء الأول"
(اللوحة: رجل يكتب رسالة لغابرييل ميتسو)