أشباهنا في العالم
11.2K subscribers
319 photos
15 videos
3 files
161 links
حكايا من الضفة الأخرى
"في الترجمة والكتابة والكتب وتفاصيل صغيرة"
Download Telegram
Channel photo updated
لم أفهم أبدًا مغزى الحديث عن الموسيقى، لقد كان ذلك يتعبني دومًا لأنه مرهق و ممل أو لأنه محبط وغبي. لأنك إما ستتحدث عن الجوانب التقنية وهو أمرمرهق وممل، أو ستتحدث بطريقة عاطفية وهذا أمرمحبط وغبي، مجرد ثرثرة . في الحقيقة، بعيدًا عن الموسيقى، لم تكن أحاديث زملائي أفضل من أحاديث موظفي المكاتب، لأن لهم روح موظفي المكاتب. إلى جانب أنني، على عكس الكثير منهم، كنت أستمتع بإحساس أن أكون في مدينة جديدة غير مألوفة لي؛ وأن أرتاد الأماكن العامة وأدرك أن الناس يتحدثون لغة بالكاد أتقنها أو لا أتقنها بتاتًا، وأتفحص الثياب والقبعات (رغم أن المرء يرى قليلًا منها هذه الأيام) التي اختار المواطنون الصالحون ارتداءها للخروج، وأكتشف ازدحام المتاجر أو خلوها من أثناء ساعات العمل، وأرى كيف يتفاعلون مع الأخبار في الصحف، وأنظر إلى أمثلة بعينها للعمارة المحلية التي يمكن للمرء أن يراها في منطقة محددة من العالم، وألاحظ الخطوط التي تحتل لافتات المتاجر (وأقرأ هذه مثل بدائي دون أن أفهم شيئًا)، وأتفرس في الوجوه في المترو والحافلات التي أستقلها لهذا السبب تحديدًا، أن أختار وجوهًا وأتساءل إن كنت سألتقيها في مكان آخر، وأضيع عامدًا في أجزاء من المدينة تعلمت فيها كيف أجد طريقي، حاملًا خارطة بيدي إن احتجتها، وأن أراقب روعة مرور كل نهار يخفت في كل نقطة من العالم واللحظة المتغيرة المتعددة التي تضاء فيها المصابيح.
خافيار مارياس
#ترجمة_كل_يوم
"-هل أدركت حين كنت طفلة أنك تودين أن تصبحي كاتبة؟
-لا، أردت أن أكون قارئة. لقد ظننت أن كل شيء يجب أن يكتب قد كتب مسبقًا أو سيكتب. لقد أنجزت الكتاب الأول فقط لأني ظننت أنه لم يكن مكتوبًا، وأردت قراءته حين أعثر عليه. أنا قارئة جيدة، وأحب ذلك. هذا ما أفعله حقًا، لذا إن كنت أستطيع قراءته فهذا أكبر ثناء يمكنني التفكير به. يقول البعض: إنني أكتب لنفسي، ويبدو ذلك بغيضًا جدًا ونرجسيًا جدًا، ولكن من جهة ما إن كنت قادرًا على قراءة عملك الخاص-بالمساحة النقدية الضرورية- فإن ذلك يجعلك كاتبًا ومحررًا أفضل. حين أدرّس الكتابة الإبداعية، أقول دومًا إنه يتعين عليك أن تتعلم كيف تقرأ عملك الخاص، ولا أعني أن تستمتع به لأنك كتبته، بل أعني أن تبتعد عنه وتقرأه كأنك تراه للمرة الأولى. انقده بهذا الشكل، ولا تنغمس كليًا في جملك المثيرة وما شابه....."
توني موريسون
#ترجمة_كل_يوم
"خلدت إلى النوم مرة بعد قراءة كتاب فرويد "تفسير الأحلام"، ورأيت حلمًا استطعت تذكره تمامًا في الصباح التالي، وطبقت عليه منهج فرويد لتفسير كل تفاصيله. ظننت في تلك اللحظة أنني في بداية حقبة جديدة؛ فمنذ تلك اللحظة لن تكون أحلامي مبهمة، لكن ذلك لم يحدث، فقد كانت تلك المرة الوحيدة التي أضاء فيها فرويد العتمة في لا وعيي. منذ تلك اللحظة واصلت رؤية الأحلام كالسابق، لكني كنت أنساها، وإن تذكرتها لم أكن أفهم حتى بداياتها. لن يكون شرح طبيعة أحلامي مرضيًا لمحلل نفسي على منهج فرويد أكثر مما سيفعل لآخر يتبع منهج يونغ. لقد قرأت فرويد لأني رأيته كاتبًا ماهرًا... كاتبًا لقصص بوليسية مثيرة يمكن للمرء قراءتها بشغف عظيم. أنا أيضًا أقرأ ليونغ المهتم بأمور تشغل الكاتب كالرموز والأساطير، لكنه ليس كاتبًا جيدًا كفرويد، لكنني على أية حال أقرأ لكليهما".
إيتالو كالفينو
#ترجمة_كل_يوم
"ولست أفعل شيئًا سوى أن أزيح التراب من فوق ذاكرة مدفونة، كما نفعل جميعًا. فثمة، إن لم أكن مخطئة، علامات على أننا جميعًا نتذكر شيئًا ما، نسعى خلسة إثر شيء ما. فلماذا نقلق؟ لمَ نشغل البال هكذا بمظهر العباءة والقفاز، بالأزرار نفكها أو نغلقها؟..."
فرجينيا وولف، قصة الرباعية الوترية من كتاب قصص مختارة ( لوولف) ترجمة حسن حلمي.
#اقتباس
"قالت السيدة دالاوي إنها ستشتري الزهور بنفسها".
تصور الرواية كلها أحداث يوم واحد-هناك من قارنها بأوليس لجيمس جويس من ناحية الإطار الزمني- هذا اليوم في حياة السيدة دالاوي التي تعتزم إقامة حفلة مساء هذا اليوم نفسه. من الواضح أن الرواية لا تدور حول كلاريسا، لكنها تصبح بشكل أو بآخر المركز، إذ ترتبط بها كل الشخصيات بخيط رفيع جدًا. تزدحم الرواية بالشخصيات التي تغرق كل واحدة منها في أفكارها الجوانية والتداعي الحر والذكريات ، الرواية مزدحمة مثلما يجب أن تكون أجواء الحفلات..
كأن الرواية مكتوبة بطريقة سينمائية، تبدأ بعض المشاهد من حيث انتهى المشهد الذي سبقها، مثل سيارة الإسعاف التي رآها بيتر ولش في طريقه إلى حفلة داولاوي، هي ذاتها التي نقلت سبتيموس بعد انتحاره قفزًا من النافذة، (في اللحظة التي بدا فيها لزوجته أنه استعاد صحته الذهنية)، شخصيات الرواية مركبة حد الإرهاق، كلها تعاني صراعًا ما، لكن مع هذا يشعر القارئ بالارتياح لأن حفلة كلاريسا لم تكن مضجرة، لقد استمتع الجميع!
مسافر الخيال، ل كريستيان شلوي
"-ما تزال في الرابعة والأربعين من عمرك وقد نشرت ست روايات ضخمة وهامة بالإضافة إلى عدد من المقالات والقصص والمراجعات الرائعة التي لم تجمع، كيف تمكنت من إنجاز كل هذا؟
-أنا لا أمنح نفسي وقتًا للراحة أو أجبر نفسي على العمل؛ ليس لدي روتين لذلك. أنا ملزمٌ بالكتابة، لأني أحتاج القيام بها مثلما أحتاج النوم وممارسة الرياضة والطعام والجنس، يمكنني أن أعيش دونها لفترة، لكني أحتاجها بعد ذلك. إن الرواية انشغال طويل؛ حين أبدأ بكتاب، لا يمكنني أن أعمل لأكثر من ساعتين أو ثلاث في اليوم، فلا أعرف أكثر من ساعتين أو ثلاث في اليوم حول الرواية الجديدة. ثم حين أصل إلى منتصف الكتاب أعمل لثماني أو تسع أو أثنتي عشرة ساعة، سبعة أيام في الأسبوع، إذا سمح لي أطفالي بذلك لأنهم لا يفعلون عادة. إن إحدى رفاهات كسب مال كافٍ لإعالة نفسي بوصفي كاتبًا هي أنني أستطيع تحمل هذه الساعات الثمانية، التسعة، الاثنتي عشرة في اليوم. استأت من اضطراري للتدريس والتدريب، ليس لأني كرهت التدريس أو التدريب أو المصارعة، بل لأني لم أكن أحظى بوقت للكتابة. اطلب من الطبيب أن يكون طبيبًا لساعتين في اليوم. إن الجلوس إلى الآلة الكاتبة لثماني ساعات في اليوم أمر يسير؛ وساعتين من القراءة حول المادة في المساء أيضًا. هذا روتين. ثم عندما يحين وقت إنهاء الكتاب، يعود الوضع إلى الساعتين أو الثلاث يوميًا. النهاية كالبداية، عمل أكثر حذرًا. أنا أكتب بسرعة، لكني أعيد الكتابة ببطء. أحتاج وقتًا لإعادة الكتابة يعادل تقريبًا الوقت الذي كتبت فيه المسودة الأولى. وأستطيع الكتابة بسرعة أكبر مما أقرأ."
جون إيرفينغ
#ترجمة_كل_يوم
لا أظنني قرأت مؤخرًا عن شخص أكثر تعاسة من الفنان أرشيل غوركي، الذي ولد عام 1902، وتوفي عام 1948.
بدأ يمر بسلسلة من الظروف الكارثية منذ أربعينيات القرن الماضي، إذ احترق مشغله وخضع لعمل جراحي في القولون بسبب السرطان، وكسرت رقبته وشلت يده بعد حادث سيارة أليم، ثم تركته زوجته مصطحبة الأولاد معها. كل هذا دفعه للانتحار!
هذا هو أرشيل غوركي...
هذه لوحة الفنان مع أمه.
أمه ماتت بعد مذبحة الأرمن. (الفنان من أصل أرمني)
ما علمني إياه الثعلب
آذر نفيسي
هل تذكرون الثعلب؟ إنه ليس مجرد ثعلب، إنه ثعلب حصيف؛ ذلك الذي يكشف الحقيقة للأمير الصغير، الذي يكشفها بدوره للطيار، الذي يكشفها لنا نحن القراء. يقول الثعلب للأمير الصغير أثناء وداعه له: «إليك سري، إنه سرٌ بسيط: يمكن للمرء أن يرى جيدًا بقلبه فحسب، فالعين لا ترى الجوهر». حين سمعت أبي في طفولتي وهو يقرأ لي الأمير الصغير في غرفة مشمسة في طهران لم أدرك أن القصة، إلى جانب حكايات من الشاهنامة: كتاب ملوك فارس، وبينوكيو، وكتاب الملا نصر الدين، وقصص أليس، وساحر أوز والبطة القبيحة، دونًا عن غيرها، ستصبح إحدى أسس «جمهورية خيالي».
شكلت طريقة أبي الديمقراطية في تعريفي بهذه القصص موقفي تجاه الأعمال الخيالية بوصفها فضاءات عالمية تتجاوز حدود الجغرافيا واللغة والإثنية والدين والنوع والعرق والجنسية والطبقة. كنت أعرف أنه بالرغم من أن هذا الثعلب وأميره لم يكونا سوى نتاج مخيلة رجل فرنسي، وبالرغم من أن العمل كان مكتوبًا بلغة أجنبية عني قبل أن أولد، وفي بلد لم يسبق لي رؤيته، إلا أن القصة أصبحت، بفضل استماعي وقراءتي لها لاحقًا، قصتي أيضًا، وكان الثعلب والأمير ينتميان لي بقدر ما كانت شهرزاد ولياليها الألف وليلة تنتمي إلى الفرنسي والأمريكي والبريطاني والتركي والألماني وكل القراء الآخرين الذين سيحبونها بعد القراءة و»يروضونها»، كما تعلم الأمير أن يروض الثعلب.
هكذا عرفت فرنسا وأحببتها - باعتباري بنتًا صغيرة من إيران - عبر الأمير الصغير والثعلب. لقد رأيت ثعالب من قبل. في الواقع لقد عرّفني أبي على الحيوان في حكاية خيالية لجان دو لا فونتين. في هذه الحكاية، مثل معظم الحكايات، يكون الثعلب ماكرًا وذكيًا يخدع غرابًا بسيطًا؛ ليستولي على طعامه. ترجم أبي لاحقًا خرافات لا فونتين كاملة مع رسوماتها الجميلة التي رسمها بنفسه مقلدًا الأصل لكونه رسامًا ماهرًا. كان الثعلب في هذه الرسومات والكثير غيرها يبدو جميلًا بذيل كثيف بديع وعينين واسعتين. لم يكن ثعلب الأمير الصغير جميلًا؛ ولم يكن ذيله الكثيف - الذي كان أشبه بمكنسة عمودية - بديعًا، وكانت عيناه ضيقتين جدًا بحيث يمكنك بالكاد أن تراهما. ومع ذلك، غيّر هذا الحيوان رأيي في الثعلب، وبدأت أنظر إليه على نحو مختلف. وبدا أن مكر الثعلب، من هذا المنظور، لم يكن بدافع الضغينة، بل بدافع الحاجة إلى البقاء. ورغم أنني شعرت بالحزن على الدجاجات (لكنه لم يمنعني من أكلها)، فقد كان الثعلب يصطادها ليتمكن من البقاء على قيد الحياة، بعكس بعض البشر الذين لا يقتلون الدجاجات ويأكلونها فحسب، بل يصطادون الثعالب من أجل المتعة والرياضة. أخذت أفهم تدريجيًا لماذا كانت تلك العينان الواسعتان، اللتان تشعان دومًا بالقلق والخوف، تبدوان حذرتين من خطر لا مرئي لكنه حقيقي.
لم أكن أعرف ما سر افتتاني بقصة الأمير الصغير، لم أكن أعرف أنها تعلمني إدراك الجوهر في الأعمال الخيالية العظيمة: الخفق السحري للقلب الذي يجعل منا بشرًا، ويربطنا ببعضنا بعضًا، ويمنحنا سببًا للحياة وطريقة للنجاة ولإدراك ليس قيمة الحب والسعادة فحسب، بل محاذاتهما اللصيقة بالفقدان والألم. كنت أختبر، دون أن أعرف، ذلك الإحساس بالوجع العميق الممزوج بمتعة الإبداع مصدر الجمال كله. حين بدأت أقرأ كتبًا أكثر، اكتشفت أن سر الثعلب كان يتقاسمه العظماء من الكتّاب والشعراء والموسيقيين والفنانين والمفكرين على مر الزمن.
ما نحتاج إليه اليوم في هذه الأوقات العصيبة هو الحنان، ليس في نيس وباريس وحدهما، بل في دمشق وبيروت ونيو أورليَنز وبغداد ولندن وإسطنبول وكل تلك المدن العظيمة في أنحاء العالم أيضًا. إننا بحاجة إلى الحنان، ليس مع عدونا القاسي من خارج الحدود فحسب، بل مع أنفسنا أيضًا، نحن العالقين في شباك الخوف والعنف.
أنا بعيدة اليوم عن تلك الغرفة المشمسة في طهران التي توجد في ذاكرتي فقط، مثل أبي والدروب الظليلة في طفولتي، والإحساس بالأمان والدفء في غرفتي اللذين تلاشيا منذ وقت طويل، حتى جبال طهران التي تختفي معظم الوقت حاليًا تحت ضباب التلوث. ولكن ما بقي هو القلب والثعلب. كلهم يحيون في جمهورية خيالي: رودابة وويس وإزميرالدا وإليزابث بِنِت وهَك فِن وإيما بوفاري ونتاشا وبيير وكاثرين وهِثكلِف وآنا كرنينا والأمير الصغير والثعلب، كلهم ينتمون لعصور وخلفيات مختلفة، كلهم جميعًا متمردون وخالدون.
مات الطيار الذي كتب الأمير الصغير منذ وقت طويل، لكن الطيار الخيالي، الذي روى لنا الحكاية، حيُ اليوم كما كان منذ عقود، إلى جانب أميره والثعلب والوردة والأفعى والنجوم الضاحكة والأجراس الرنانة التي تملأ الليالي الصافية بصوت القلب. تصبح النجوم في خيالي أكثر لمعانًا، وموسيقاها أكثر وضوحًا، إنها تلمّح أنها ستبقى هنا ليس من أجل القراء الفرنسيين فقط، بل من أجل كل القراء في أنحاء العالم، من أجل القراء الذين لهم عيون ترى، وآذان تسمع، ويمتلكون الجرأة ليتخيلوا.
... ... ...
* رودابة: أميرة كابول إحدى شخصيات الشاهنامة.
ويس: بطل قصة «ويس ورامين»، قصة حب فارسية قديمة. إزميرالدا: بطلة رواية أحدب نوتردام. إليزابث بنت: بطلة رواية كبرياء وهوى. هك فن: بطل مغامرات توم سواير. إيما: بطلة مدام بوفاري. نتاشا وبيير: بطلا الحرب والسلام. كاثرين وهثكلف: بطلا مرتفعات وذرنج.
آنا كرنينا: بطلة رواية تحمل الاسم نفسه.
#ترجمة_كل_يوم
(المقال منشور في الجزيرة الثقافية / السعودية)
عن رسائل العتمة والنور
خصص صالون الأدب الروسي- مجموعة قرائية أسسها الشابان النشيطان «غيث حسن ومحمد المرزوقي» على الجودريدز- شهر أبريل لقراءة رواية «كتاب الرسائل» لميخائيل شيشكين (ترجمها عن الروسية د. فؤاد المرعي، صدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون عام 2013)، وعلى الرغم من أن قراءة الأدب الروسي لها لذة مميزة، إلا أن هذه الرواية كانت حالة خاصة لعدة أسباب.
يعد ميخائيل شيشكين واحدًا من أهم كتّاب روسيا المعاصرين، والكاتب الوحيد حتى الآن الذي فاز بثلاث جوائز أدبية روسية. كما أنه اتخذ موقفًا شجاعًا حين أقدم على الانسحاب من معرض أمريكي للكتاب عام 2013، رافضًا أن يكون «ممثلًا لنظام فاسد ومجرم».
في هذا الكتاب- كتاب الرسائل- يتبادل عاشقان الرسائلَ التي يفتتحانها بجملة «في البدء كانت الكلمة»، إذ تتحول الكلمة هنا إلى حياة يحاول كل منهما استخلاص معناها بطريقته الخاصة، ويتماهى الزمن فيها مع الكلمات، «لأن الكلمات هي وحدها التي تسوّغ وجود الموجود، وتعطي المعنى لما هو لحظي، وتجعل من غير الحقيقي حقيقيًا، ومن أنا..أنا». ومع أن الكلمة تتحول إلى حياة، والحياة تستحضر الزمن وتقتضيه بالضرورة، إلا أن الزمن في الرسائل كان مفاجئًا.
في فيلم تلفزيوني بعنوان رسالة حب (بطولة كامبل سكوت وجنيفر جيسون لي وإخراج دان كيرتس 1998)، يشتري البطل مكتبًا من متجر لبيع التحف القديمة، يعثر في أحد أدراجه على رسالة حب كتبتها شاعرة من القرن التاسع عشر، فيكتب لها ردًا ويضعه في الدرج ذاته، ويفاجأ بعدها بوصول رد منها، وتصبح هذه وسيلة التواصل بينهما. يتواصل بطلا «كتاب الرسائل» على نحو مماثل، خاصة إن علمنا أن الحرب التي افترق بسببها فولوديا عن حبيبته ساشا، هي الحرب التي تحالفت فيها ثماني دول من بينها روسيا والولايات المتحدة وأرسلت قوات إلى الصين لقمع ما سمي بانتفاضة الملاكمين، التي بدأت أواخر القرن التاسع عشر وانتهت عام 1901 أي بعد ثلاث سنوات تقريبًا، وقامت في الأساس بعد تعاظم الرهاب من الأجانب في الصين، وبدأ «الملاكمون» بمهاجمة السكك الحديدية والبعثات التبشيرية والدبلوماسية الأوروبية، وقتل الرعايا الأجانب بلا سبب!
يتوقف الزمن عند البطل الذي يُقتل في الحرب، لكنه يواصل إرسال الرسائل من الجبهة، متحدثًا عن الموت الذي يحيط به وبرفاقه هناك، وعن بشاعة الإنسان الذي تُظهر الحروب دومًا أسوأ ما فيه. وفي المقابل يواصل الزمن «المختلف أساسًا» دورته لدى ساشا التي تستمر في الكتابة إليه عن حياتها، وما تكابد ما فيها من مشقات، كعملها في المستشفى وزواجها الفاشل ووفاة والديها ورغبتها في أن يكون لها طفل، لأن «الكتابة هي الوسيلة الوحيدة للتواصل بين الأموات والأحياء والذين لم يولدوا بعد». إنها تكبر مثل أي كائن حي، غير أن حبيبها لا يفعل ويظل متسمرًا عند لحظة معينة من عمره لا يتجاوزها، تمامًا مثلما حدث في أغنية «شادي» لفيروز.
تغير العنوان في الترجمة الإنجليزية للرواية، إذ أصبح «النور والعتمة»، وربما نستطيع تفسير ذلك وفقًا لظرف كل منهما، إذ يظل فولوديا في العتمة التي تمثلها الحرب بظلامها وبؤسها وتجهمها، في حين أن ساشا تعيش حياة طبيعية إن صح التعبير، كما أننا نستطيع تفسير هذا التباين بين العالمين من خلال الرمز الذي يسبق رسالة كل منهما. تعلو الدائرة رسائل ساشا، وهي ترمز للشمس «أول دائرة يكتشفها المرء» وللحب الخالد، بينما يعلو مربعٌ رسائل فولوديا، والمربع يرمز للأرض «التي ظُن أنها مربعة لوقت طويل» بحسب المعتقدات، وهذا يعني أن العاشقين لا يتبادلان الرسائل/ الحياة فحسب، بل النور والعتمة أيضًا.
لم تقتصر الكلمات هنا على «تسويغ وجود الموجود» مثلما يرى العاشقان، لكنها صار وسيلة للتنقل عبر الزمن، والالتقاء على أرض محايدة تضمن الأمان بوجودها، لأن «أكثر ما يخيف هو ألا تعود الكلمات».
- بثينة الإبراهيم
الوصفة السحرية لكتابة قصة قصيرة: جون شتاينبك
ترجمة بثينة الإبراهيم
عزيزي الكاتب:

لا بد أنه قد مضى ألف عام منذ جلوسي في صف كتابة القصص في ستانفورد، ومع ذلك ما زلت أذكر تلك التجربة بوضوح. كنت متلهفًا حاضر الذهن متأهبًا لاستيعاب المعادلة السرية لكتابة قصص قصيرة جيدة، بل عظيمة. وسرعان ما تلاشى هذا الوهم، فالطريقة الوحيدة لكتابة قصة قصيرة جيدة –كما أخبرونا- هي كتابة قصة قصيرة جيدة! وبعد كتابتها فقط يمكن تفكيكها والنظر إلى طريقة كتابتها. كما أخبرونا أنها –القصة- الشكل الأكثر صعوبة بدليل قلة القصص العظيمة في العالم.

كانت القاعدة الأساسية التي تعلمناها بسيطة وفاجعة، فكي تكون القصة مؤثرة لا بد أن تنقل شيئًا ما من الكاتب إلى القارئ، وكانت قوة عرضها هي مقياس جودتها.

عدا ذلك، لم يكن هنالك قواعد. يمكن للقصة أن تكون عن أي شيء وأن تستخدم أي وسيلة وأي تقنية على الإطلاق ما دامت فعالة. ويبدو من الضروري، كفرع من هذه القاعدة، أن يعرف الكاتب ما الذي يريد قوله، أو باختصار عمّ يتحدث. وكتدريب على ذلك، كان علينا أن نجرب اختزال قصصنا إلى جملة واحدة، وعندها فقط نستطيع معرفة ما إذا كانت صالحة بما يكفي لعرضها في ثلاثة أو ستة أو عشرة آلاف كلمة.

كانت هذه هي المعادلة السحرية والخلطة السرية، ولا شيء أكثر من ذلك. وهكذا انطلقنا على الدرب المقفر الوحيد للكاتب، ولا شك أننا قدمنا بعض القصص الرديئة جدًا. إن كنت قد ظننت أنني سأكتشف بريق التفوق، فإن الدرجات التي منحتها لجهودي قد بددت أوهامي، وإن كنت شعرت أنني حصلت على نقد ظالم، فإن أحكام المحررين لسنوات عديدة تلت ذلك قد أقرت رأي أستاذتي لا رأيي، لقد تحولت الدرجات القليلة التي منحتها قصصي في الجامعة إلى إشعارات بالرفض، المئات منها.

لم يكن ذلك عدلًا. كان باستطاعتي أن أقرأ قصة قصيرة جيدة وأن أعرف كيف كتبت، فلمَ لا يمكنني فعل ذلك بنفسي؟ حسن، لم أستطع فعل ذلك. ربما يعود ذلك إلى أنه لا يمكن لقصتين أن تكونا متماثلتين. لقد كتبت عددًا من القصص العظيمة على مر السنوات، وما زلت لا أعرف طريقة لفعل ذلك سوى أن أكتب وأجرب حظي.

إن كان هناك سحر في كتابة القصص، وأنا أؤمن بوجوده، فلم يكن باستطاعة أحد أبدًا اختزاله في وصفة سحرية يتناقلها الأشخاص. كانت المعادلة تكمن في الدافع الواخز لدى الكاتب لنقل شيء يشعر بأهميته إلى القارئ فحسب، وإن كان الكاتب يمتلك هذا الدافع فإنه قد يجد أحيانًا – وليس دائمًا حتمًا- الطريقة لفعل ذلك. يجب أن يدرك المزايا التي تجعل من القصة القصيرة قصة جيدة، أو الأخطاء التي تجعلها رديئة، هنالك فقط قصة عقيمة.

ليس من الصعب جدًا الحكم على قصة بعد كتابتها، لكن الشروع في قصة جديدة كان يخيفني حتى الموت على مر السنوات، بل سأذهب إلى القول إن الكاتب الذي لا يخاف ليس واعيًا لحسن الحظ بالعظمة البعيدة والمشوقة لهذا الوسيط.

هناك نصيحة أخيرة قدمت لي، وكان ذلك إبان سنوات الوفرة والثراء في العشرينيات المسعورة من القرن الماضي، وكنت أحاول دخول ذلك العالم لأصبح كاتبًا. قيل لي: إن الأمر سيستغرق وقتًا طويلًا وأنت لا تملك المال، فلربما كان من الأفضل لك أن تسافر إلى أوروبا. فسألت: ولمَ؟

“لأن الفقر في أوروبا هو سوء حظ، بينما هو عار في أمريكا، وأتساءل إن كنت ستحتمل كونك فقيرًا”.

لم يمض وقت طويل بعدها حتى حل الكساد، ثم أصبح الجميع فقراء، ولم يعد الأمر مشينًا، لذا لم يتسنَ لي أن أعرف إن كنت سأطيق ذلك أم لا، لكن أستاذتي كانت محقة حتمًا في أمر واحد، لقد استغرق الأمر وقتًا طويلًا، طويلًا جدًا، وما زال كذلك، ولم يصبح أسهل أبدًا. لقد أخبرتني أنه لن يكون كذلك.