"في يوم العمال عام 1978، أثناء فحصي الذاتي الشهري المنتظم اكتشفت كتلة في الثدي الأيمن تبين لاحقًا أنها خبيثة. أثناء إقامتي اللاحقة في المستشفى – لاستئصال الثدي وما أعقب ذلك- تجاوزت مراحل عديدة من الألم واليأس والسخط والحزن والهرم. كنت أجاز هذه المراحل، وأنا أشعر أحيانًا أنني ليس لدي خيار، ومدركة أحيانًا أخرى أن باستطاعتي اختيار التغافل – أو السلبية القريبة جدًا من التغافل- لكني لم أرغب بذلك. حين أخذت أشعر أنني قادرة أكثر على معالجة الأجزاء المختلفة لهذه التجربة ودراستها، بدأت أشعر أيضًا أنني أصبحت شخصًا أكثر كمالًا أثناء عملية فقدي لثديي.
هناك إحساس من الرغبة، بعد الخضوع لعملية الاستئصال لدى الكثير من النساء من بينهم أنا نفسي، بالعودة إلى الماضي، بعدم الرغبة في المرور بهذه التجربة أيًا يكن التثقيف العميق الذي سيثمر عنها. وهذا الإحساس، هذا الحنين، تثيره الكثير من استشارات ما بعد العمليات الجراحية للنساء المصابات بسرطان الثدي. يعزز هذا الارتباط المتقهقر بالماضي التركيز على سرطان الثدي بوصفه مشكلة تجميلية، مشكلة يمكن حلها بعملية تعويضية".
أودري لورد
#ترجمة_كل_يوم
هناك إحساس من الرغبة، بعد الخضوع لعملية الاستئصال لدى الكثير من النساء من بينهم أنا نفسي، بالعودة إلى الماضي، بعدم الرغبة في المرور بهذه التجربة أيًا يكن التثقيف العميق الذي سيثمر عنها. وهذا الإحساس، هذا الحنين، تثيره الكثير من استشارات ما بعد العمليات الجراحية للنساء المصابات بسرطان الثدي. يعزز هذا الارتباط المتقهقر بالماضي التركيز على سرطان الثدي بوصفه مشكلة تجميلية، مشكلة يمكن حلها بعملية تعويضية".
أودري لورد
#ترجمة_كل_يوم
"لقد عملت مع اللغة طوال حياتي بوصفي كاتبة ومخرجة مسرحية ومعلمة. كنت أستعذب الإنجليزية وأهواءها، وأتحدث من الإسبانية ما يكفي للدردشة حول الوقت والمواسم. أما فرنسيتي فكانت مقبولة لطالبة مدرسة، ومن الإيطالية امتلكت ما يكفي لأعرف إن كان النقاش سيمضي في اتجاه أحادي. ولأنني كنت ممثلة أيضًا، فقد كنت جيدة في لغة الجسد، التي تعني -بطرق عديدة- التعبير الأكثر فصاحة في اللغات جميعًا.
في حانة روكسي، قاطعت ساقيّ وانكببت على مفكرتي مميلة جسدي نحو آلة القهوة. لم يكن هنالك حاجة للسيد إلى مترجم ليعرف أن المحادثة انتهت.
كانت قهوة حانة روكسي مدهشة في تحريري من تعب السفر.
كافيين، خطيئة صغيرة. إدمان بدأ حين انتقلت للعيش في ملبورن أول مرة، متقاسمة المنزل وآلة صنع القهوة مع صديقتي سوزان، التي تعيش في إحدى ضواحي روما في أول الشارع من حانة روكسي قرب المدرسة البريطانية.
كنا نناقش الأخبار، ونحن نتناول الشاي من إبريق لطيف، قبل أن أنطلق إلى أسواق باريولي لأموّن زاويتي من الثلاجة وللحصول على القدر المطلوب من الكافيين".
أليسا بايبر
#ترجمة_كل_يوم
في حانة روكسي، قاطعت ساقيّ وانكببت على مفكرتي مميلة جسدي نحو آلة القهوة. لم يكن هنالك حاجة للسيد إلى مترجم ليعرف أن المحادثة انتهت.
كانت قهوة حانة روكسي مدهشة في تحريري من تعب السفر.
كافيين، خطيئة صغيرة. إدمان بدأ حين انتقلت للعيش في ملبورن أول مرة، متقاسمة المنزل وآلة صنع القهوة مع صديقتي سوزان، التي تعيش في إحدى ضواحي روما في أول الشارع من حانة روكسي قرب المدرسة البريطانية.
كنا نناقش الأخبار، ونحن نتناول الشاي من إبريق لطيف، قبل أن أنطلق إلى أسواق باريولي لأموّن زاويتي من الثلاجة وللحصول على القدر المطلوب من الكافيين".
أليسا بايبر
#ترجمة_كل_يوم
رسائل غير متبادلة
بثينة الإبراهيم
يحث موقع ديبريت لآداب اللياقة أو ما يعرف بالإتيكيت البريطاني على ضرورة العودة إلى كتابة الرسائل بخط اليد، منبهًا إلى خطورة البريد الإلكتروني وقبح الرسائل النصية والمكالمات الهاتفية الغاضبة، ويتساءل القائمون عليه عن أي إرث من حضارتنا سنتركه للأجيال القادمة إن كان كل ما نملكه هو البيانات البنكية والوثائق الرسمية، ولا بد من محاربة هذه العتمة بكتابة رسائل الحب والعائلة، وأن نستعيد تركيزنا الذي سلبته التقنية بالاعتماد على خاصية المسح دون تلويث الورقة بلطخ الحبر!
ظل فن كتابة الرسائل يحتل حيزًا لا بأس به – إن لم يكن كبيرًا- من الأدب الإنجليزي والفرنسي على الأقل بحسب ما وصلنا أكثر من الآداب الأخرى، وإن لم تكتب تلك الرسائل بالدرجة الأولى بغرض النشر، لكنها صارت بعد ذلك متاحة بعد وفاة أصحابها بما يمنحنا صورة عن مجتمعات لم نعش فيها، إلا أننا عشناها بطريقة أو بأخرى. وقد كانت نوعًا من الكتابة يمارسه الجميع- رجالًا ونساءً- كلٌ بحسب قدراته ومواهبه الأدبية إن صح التعبير.
من الواضح أن النساء بدأن كتابة الرسائل في القرن السادس عشر كما تشير إلى ذلك فرجينيا وولف في حديثها عن دوروثي أوزبورن في كتابها القارئ العادي/ الجزء الثاني، منبهةً إلى أنها - دوروثي- لو ولدت بعد هذا التاريخ بقرن لكتبت الرواية، ولو ولدت قبله بمئة عام لم تكن لتكتب شيئًا، فهي نفسها كانت تستهجن كتابة المرأة، غير أنها لم تعتبر كتابة الرسائل من هذا النمط من الكتابة الذي قد يجلب لها استهزاء المجتمع وتجريح كبريائها.
على أية حال، ليست حالة دوروثي فريدة في ذلك العصر، فمثلها كثيرات لجأن إلى كتابة اليوميات أو الرسائل للتعبير عن ذواتهن وأحلامهن وأفكارهن، أو حتى لتبادل الإشاعات والأمور اليومية العادية الباهتة كما كانت دوروثي تفعل في رسائلها إلى حبيبها تمبل.
ما فعلته دوروثي فعله مثلها كثير سواء في الغرب أو في الشرق، ولدينا في المكتبة العربية الكثير من الكتب التي نشرت فيها رسائل متبادلة بين الأدباء (الرجال إلى الرجال، أو الرجال إلى النساء)، والأمثلة على ذلك كثيرة يصعب حصرها كلها، لكن لعل أشهرها رسائل مي زيادة وجبران وغسان كنفاني وغادة السمان وعبدالرحمن منيف ومروان قصاب باشي وغيرها. وقد يبدو الأمر طبيعيًا حتى الآن، لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: هل هناك رسائل متبادلة بين امرأة وامرأة؟ أعني ليس على الصعيد العائلي، بل بين نساء يعملن في المجال نفسه، ولنقل بين الأديبات وهو مجال حديثنا هنا، لماذا لا تكتب النساء رسائل يخاطبن فيها عقول بعضهن بعضًا كما يفعل الرجال؟ والمقصود هنا نمط الرسائل المعتاد الذي يتطلب مرسلًا ومرسًلا إليه وعنوانًا بريديًا، ولا أقصد الرسائل العامة – أو بالأحرى الخطابات- التي قد توجهها الناشطات في مجال تحرير المرأة (أو عكسه) إلى نساء العالم، ما أحاول إثارة التساؤل حوله، هو كتابة الرسائل بشكل شخصي.
يقال إن المرأة عدوة المرأة، أو بمعنى آخر تغار المرأة من نظيرتها، وقد لا تأمن أن تسرق هؤلاء بعضًا من أفكارها، رغم أن هذا الأمر واردٌ في عالم الرجال أيضًا لكن هذا الهاجس لا يستحوذ عليهم، يمكنني القول إن هنالك الكثير من النساء اللاتي يفكرن بهذه الطريقة، وترى كل واحدة منهن أنها أكبر من أن تتعاطى مع قريناتها، وبخاصة إذا جمعتهن مهنة واحدة، وخاصة إذا كانت صاحبة الأفكار الجديدة أصغر منهن. هل هي حقًا عقدة «خيانة الأخوات»؟ ألا يخون» الإخوة»؟ تقتصر كتابة المرأة للمرأة - بحسب ما اطلعت عليه حتى الآن وكلها إصدارات غربية- على رسائل لنساء لا تعرفهن ولا تعرف عددهن رغم أنها تدعوهن أخواتي، كما فعلت أندريا دوركين مثلًا في كتابها رسائل من ساحة الحرب، وكانت تركز على أمور عامة وخاصة في الآن نفسه، أعني أنها قد تحدث لكل بنات جنسها ولها على حد سواء.
يتفق الباحثون على أن النساء بارعات في كتابة الرسائل، ومن تجربة شخصية – قد لا تكون مناسبة للتعميم- يمكنني القول إنهن كذلك، لكن أكثر صديقة صمدت معي في موضوع المراسلات كتبت لي ثلاثًا فقط، فهل السبب لعنة صندوق البريد التي تطاردني أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟ تتساءل بيبلونة!!
http://www.al-jazirah.com/culture/2015/12122015/fadaat24.htm
بثينة الإبراهيم
يحث موقع ديبريت لآداب اللياقة أو ما يعرف بالإتيكيت البريطاني على ضرورة العودة إلى كتابة الرسائل بخط اليد، منبهًا إلى خطورة البريد الإلكتروني وقبح الرسائل النصية والمكالمات الهاتفية الغاضبة، ويتساءل القائمون عليه عن أي إرث من حضارتنا سنتركه للأجيال القادمة إن كان كل ما نملكه هو البيانات البنكية والوثائق الرسمية، ولا بد من محاربة هذه العتمة بكتابة رسائل الحب والعائلة، وأن نستعيد تركيزنا الذي سلبته التقنية بالاعتماد على خاصية المسح دون تلويث الورقة بلطخ الحبر!
ظل فن كتابة الرسائل يحتل حيزًا لا بأس به – إن لم يكن كبيرًا- من الأدب الإنجليزي والفرنسي على الأقل بحسب ما وصلنا أكثر من الآداب الأخرى، وإن لم تكتب تلك الرسائل بالدرجة الأولى بغرض النشر، لكنها صارت بعد ذلك متاحة بعد وفاة أصحابها بما يمنحنا صورة عن مجتمعات لم نعش فيها، إلا أننا عشناها بطريقة أو بأخرى. وقد كانت نوعًا من الكتابة يمارسه الجميع- رجالًا ونساءً- كلٌ بحسب قدراته ومواهبه الأدبية إن صح التعبير.
من الواضح أن النساء بدأن كتابة الرسائل في القرن السادس عشر كما تشير إلى ذلك فرجينيا وولف في حديثها عن دوروثي أوزبورن في كتابها القارئ العادي/ الجزء الثاني، منبهةً إلى أنها - دوروثي- لو ولدت بعد هذا التاريخ بقرن لكتبت الرواية، ولو ولدت قبله بمئة عام لم تكن لتكتب شيئًا، فهي نفسها كانت تستهجن كتابة المرأة، غير أنها لم تعتبر كتابة الرسائل من هذا النمط من الكتابة الذي قد يجلب لها استهزاء المجتمع وتجريح كبريائها.
على أية حال، ليست حالة دوروثي فريدة في ذلك العصر، فمثلها كثيرات لجأن إلى كتابة اليوميات أو الرسائل للتعبير عن ذواتهن وأحلامهن وأفكارهن، أو حتى لتبادل الإشاعات والأمور اليومية العادية الباهتة كما كانت دوروثي تفعل في رسائلها إلى حبيبها تمبل.
ما فعلته دوروثي فعله مثلها كثير سواء في الغرب أو في الشرق، ولدينا في المكتبة العربية الكثير من الكتب التي نشرت فيها رسائل متبادلة بين الأدباء (الرجال إلى الرجال، أو الرجال إلى النساء)، والأمثلة على ذلك كثيرة يصعب حصرها كلها، لكن لعل أشهرها رسائل مي زيادة وجبران وغسان كنفاني وغادة السمان وعبدالرحمن منيف ومروان قصاب باشي وغيرها. وقد يبدو الأمر طبيعيًا حتى الآن، لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: هل هناك رسائل متبادلة بين امرأة وامرأة؟ أعني ليس على الصعيد العائلي، بل بين نساء يعملن في المجال نفسه، ولنقل بين الأديبات وهو مجال حديثنا هنا، لماذا لا تكتب النساء رسائل يخاطبن فيها عقول بعضهن بعضًا كما يفعل الرجال؟ والمقصود هنا نمط الرسائل المعتاد الذي يتطلب مرسلًا ومرسًلا إليه وعنوانًا بريديًا، ولا أقصد الرسائل العامة – أو بالأحرى الخطابات- التي قد توجهها الناشطات في مجال تحرير المرأة (أو عكسه) إلى نساء العالم، ما أحاول إثارة التساؤل حوله، هو كتابة الرسائل بشكل شخصي.
يقال إن المرأة عدوة المرأة، أو بمعنى آخر تغار المرأة من نظيرتها، وقد لا تأمن أن تسرق هؤلاء بعضًا من أفكارها، رغم أن هذا الأمر واردٌ في عالم الرجال أيضًا لكن هذا الهاجس لا يستحوذ عليهم، يمكنني القول إن هنالك الكثير من النساء اللاتي يفكرن بهذه الطريقة، وترى كل واحدة منهن أنها أكبر من أن تتعاطى مع قريناتها، وبخاصة إذا جمعتهن مهنة واحدة، وخاصة إذا كانت صاحبة الأفكار الجديدة أصغر منهن. هل هي حقًا عقدة «خيانة الأخوات»؟ ألا يخون» الإخوة»؟ تقتصر كتابة المرأة للمرأة - بحسب ما اطلعت عليه حتى الآن وكلها إصدارات غربية- على رسائل لنساء لا تعرفهن ولا تعرف عددهن رغم أنها تدعوهن أخواتي، كما فعلت أندريا دوركين مثلًا في كتابها رسائل من ساحة الحرب، وكانت تركز على أمور عامة وخاصة في الآن نفسه، أعني أنها قد تحدث لكل بنات جنسها ولها على حد سواء.
يتفق الباحثون على أن النساء بارعات في كتابة الرسائل، ومن تجربة شخصية – قد لا تكون مناسبة للتعميم- يمكنني القول إنهن كذلك، لكن أكثر صديقة صمدت معي في موضوع المراسلات كتبت لي ثلاثًا فقط، فهل السبب لعنة صندوق البريد التي تطاردني أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟ تتساءل بيبلونة!!
http://www.al-jazirah.com/culture/2015/12122015/fadaat24.htm
"حين كنت شابًا كنت قارئًا مولعًا بسارتر، وقرأت للروائيين الأمريكيين وبخاصة الجيل الضائع؛ فوكنر وهمنغواي وفتزجيرالد ودوس باسوس، وبالأخص فوكنر. من بين الكتاب الذين قرأتهم في شبابي، كان واحدًا من القلة الذين أهتم بهم، ولم أصب بخيبة الأمل حين أعدت قراءته، كما حدث لي مع همنغواي. لم أكن لأعيد قراءة سارتر اليوم. فبالمقارنة مع كل ما قرأته يبدو أدبه منتهي الصلاحية، وقد فقد الكثير من قيمته. أما بالنسبة لمقالاته فأرى أن معظمها أقل أهمية باستثناء كتاب واحد هو "سانت جينيه: كوميدي أم شهيد"، الذي ما زلت أحبه؛ فهي مفعمة بالتناقضات والغموض والتشتت والأخطاء.
هذا لم يحدث لي مع فوكنر أبدًا، وقد كان الروائي الأول الذي أقرأ له حاملًا ورقة وقلمًا، لأن تقنيته أذهلتني. كان الروائي الأول الذي حاولت تجديد عمله بمحاولتي احتذاءه، في تنظيم الوقت وتقاطع الزمان والمكان مثلًا، وفواصل السرد وقدرته على سرد قصة من وجهات نظر مختلفة لخلق الغموض مما يمنحها عمقًا مضاعفًا. وكان ذلك مفيدًا لي لكوني من أمريكا اللاتينية، لأن أعماله مصدر هام للتقنيات الوصفية القابلة للتطبيق على عالم لا يختلف، بصورة ما، عن الذي وصفه فوكنر. وقرأت طبعًا بشغف نهِم روائئي القرن التاسع عشر؛ فلوبير وبلزاك وديستويفسكي وتولستوي وستاندال وهوثورن وديكنز وملفل، وما زلت قارئًا شرهًا لكتّاب القرن التاسع عشر.
بالنسبة لأدب أمريكا اللاتينية، كان الأمر غريبًا، فلم أكتشفه حتى عشت في أوروبا وأخذت أقرأه بحماس شديد. كان علي تدريسه في الجامعة بلندن، وقد كانت تجربة مثرية لأنها أجبرتني على النظر إلى أدب أمريكا اللاتينية ككل. ومنذئذ؛ قرأت بورخيس الذي كنت مطلعًا عليه بعض الشيء، وكاربنتيير وكورتاثار وغويمارس روسا وليمازا ليما، أي الجيل كله باستثناء ماركيز. كما بدأت أقرأ أدب أمريكا اللاتينية في القرن التاسع عشر، لأنني كنت أدرّسه. أدركت عندها أن لدينا كتّابًا مثيرين للاهتمام للغاية، والروائيين بشكل أقل من كتاب القصص والشعراء. فقد كان سارمينتو مثلًا – الذي لم يكتب رواية واحدة- أحد أعظم كتاب القصص الذين أنجبتهم أمريكا اللاتينية، وكانت "فوكاندو" عملًا عظيمًا له. لكن لو كان علي اختيار اسم لاخترت بورخيس، لأن العالم الذي يبتكره كان يبدو لي أصيلًا بلا شك. وإلى جانب أصالته الفائقة، فقد وهب ثقافة وخيالًا هائلين كانا من صنعه بشكل واضح. ثم إن هناك لغة بورخيس التي كسرت بشكل ما تقليدنا وابتكرت تقليدًا جديدًا. فاللغة الإسبانية لغة تميل إلى الغزارة والوفرة والكثرة، وكان الكتّاب العظام كلهم مسهبين في أساليبهم من ثربانتس إلى أورتيغا ي غاست وفالي إنكلان أو ألفونسو رايس. أما بورخيس فقد كان على العكس منهم في إيجازه واقتصاده ودقته. إنه الكاتب الوحيد باللغة الإسبانية الذي يملك أفكارًا بقدر ما يملك من الكلمات. إنه أحد أعظم كتاب عصرنا".
مارغو فارغاس يوسا
#ترجمة_كل_يوم
هذا لم يحدث لي مع فوكنر أبدًا، وقد كان الروائي الأول الذي أقرأ له حاملًا ورقة وقلمًا، لأن تقنيته أذهلتني. كان الروائي الأول الذي حاولت تجديد عمله بمحاولتي احتذاءه، في تنظيم الوقت وتقاطع الزمان والمكان مثلًا، وفواصل السرد وقدرته على سرد قصة من وجهات نظر مختلفة لخلق الغموض مما يمنحها عمقًا مضاعفًا. وكان ذلك مفيدًا لي لكوني من أمريكا اللاتينية، لأن أعماله مصدر هام للتقنيات الوصفية القابلة للتطبيق على عالم لا يختلف، بصورة ما، عن الذي وصفه فوكنر. وقرأت طبعًا بشغف نهِم روائئي القرن التاسع عشر؛ فلوبير وبلزاك وديستويفسكي وتولستوي وستاندال وهوثورن وديكنز وملفل، وما زلت قارئًا شرهًا لكتّاب القرن التاسع عشر.
بالنسبة لأدب أمريكا اللاتينية، كان الأمر غريبًا، فلم أكتشفه حتى عشت في أوروبا وأخذت أقرأه بحماس شديد. كان علي تدريسه في الجامعة بلندن، وقد كانت تجربة مثرية لأنها أجبرتني على النظر إلى أدب أمريكا اللاتينية ككل. ومنذئذ؛ قرأت بورخيس الذي كنت مطلعًا عليه بعض الشيء، وكاربنتيير وكورتاثار وغويمارس روسا وليمازا ليما، أي الجيل كله باستثناء ماركيز. كما بدأت أقرأ أدب أمريكا اللاتينية في القرن التاسع عشر، لأنني كنت أدرّسه. أدركت عندها أن لدينا كتّابًا مثيرين للاهتمام للغاية، والروائيين بشكل أقل من كتاب القصص والشعراء. فقد كان سارمينتو مثلًا – الذي لم يكتب رواية واحدة- أحد أعظم كتاب القصص الذين أنجبتهم أمريكا اللاتينية، وكانت "فوكاندو" عملًا عظيمًا له. لكن لو كان علي اختيار اسم لاخترت بورخيس، لأن العالم الذي يبتكره كان يبدو لي أصيلًا بلا شك. وإلى جانب أصالته الفائقة، فقد وهب ثقافة وخيالًا هائلين كانا من صنعه بشكل واضح. ثم إن هناك لغة بورخيس التي كسرت بشكل ما تقليدنا وابتكرت تقليدًا جديدًا. فاللغة الإسبانية لغة تميل إلى الغزارة والوفرة والكثرة، وكان الكتّاب العظام كلهم مسهبين في أساليبهم من ثربانتس إلى أورتيغا ي غاست وفالي إنكلان أو ألفونسو رايس. أما بورخيس فقد كان على العكس منهم في إيجازه واقتصاده ودقته. إنه الكاتب الوحيد باللغة الإسبانية الذي يملك أفكارًا بقدر ما يملك من الكلمات. إنه أحد أعظم كتاب عصرنا".
مارغو فارغاس يوسا
#ترجمة_كل_يوم
"- أمضيت وقتًا طويلًا في السنوات الأخيرة في دعم حركات التحرر في أمريكا اللاتينية، ألم يساعدك هذا أيضًا في جعل الواقع والخيالي أقرب إليك، وأن يجعلك أكثر جدية؟
- حسن، لا تعجبني صفة "الجدية"، لأنني لا أرى نفسي جادًا، ليس بالصورة التي يتحدث بها المرء عن رجل جادة أو امرأة جادة على الأقل. لكن محاولاتي في السنوات الأخيرة فيما يتعلق بأنظمة بعينها في أمريكا اللاتينية – الأرجنتين وتشيلي والأورغواي ونيكاراغوا قبلها كلها- قد استحوذت علي إلى الحد الذي جعلني أوظف الخيالي في قصص محددة للتعامل مع هذا الموضوع بطريقة قريبة جدًا من الواقع برأيي. لذلك أشعر أنني أقل حرية من قبل. فقد كنت قبل ثلاثين سنة أكتب أمورًا تخطر لي وأحاكمها بمعايير جمالية فقط، فأنا كاتب قبل كل شيء، لكني الآن كاتب موجوع، مشغول بوضع أمريكا اللاتينية الذي يتسلل إلى كتاباتي باستمرار بطريقة واعية ولا واعية. ورغم القصص التي تحمل إشارات دقيقة إلى مسائل سياسية وعقائدية محددة، إلا أن قصصي لم تتغير في جوهرها، فهي ما تزال قصصًا من الخيال.
مشكلة الكاتب الملتزم، كما يسمونه اليوم، أن يسمر في كونه كاتبًا، وإذا تحول ما يكتبه إلى أدب ذي محتوى سياسي، فقد يصبح كاتبًا عاديًا. وهذا ما حدث لعدد من الكتّاب. لذا فإن المسألة هي مسألة توازن. بالنسبة لي، ما أقدمه يجب أن يكون أدبًا دومًا، بأقصى ما أستطيع، وأن أتجاوز الممكن، لكني أحاول في الوقت نفسه إضافة توليفة من الواقع المعاصر وهذه موازنة صعبة. في مجموعة "المقصيّون" هناك قصة عن الجرذان بعنوان "ساتاراسا"، وهي قصة مبنية على الصراع بين الكتائب الأرجنتينية، كان الإغواء فيها أن أصف المستوى السياسي وحده".
خوليو كورتاثار
#ترجمة_كل_يوم
- حسن، لا تعجبني صفة "الجدية"، لأنني لا أرى نفسي جادًا، ليس بالصورة التي يتحدث بها المرء عن رجل جادة أو امرأة جادة على الأقل. لكن محاولاتي في السنوات الأخيرة فيما يتعلق بأنظمة بعينها في أمريكا اللاتينية – الأرجنتين وتشيلي والأورغواي ونيكاراغوا قبلها كلها- قد استحوذت علي إلى الحد الذي جعلني أوظف الخيالي في قصص محددة للتعامل مع هذا الموضوع بطريقة قريبة جدًا من الواقع برأيي. لذلك أشعر أنني أقل حرية من قبل. فقد كنت قبل ثلاثين سنة أكتب أمورًا تخطر لي وأحاكمها بمعايير جمالية فقط، فأنا كاتب قبل كل شيء، لكني الآن كاتب موجوع، مشغول بوضع أمريكا اللاتينية الذي يتسلل إلى كتاباتي باستمرار بطريقة واعية ولا واعية. ورغم القصص التي تحمل إشارات دقيقة إلى مسائل سياسية وعقائدية محددة، إلا أن قصصي لم تتغير في جوهرها، فهي ما تزال قصصًا من الخيال.
مشكلة الكاتب الملتزم، كما يسمونه اليوم، أن يسمر في كونه كاتبًا، وإذا تحول ما يكتبه إلى أدب ذي محتوى سياسي، فقد يصبح كاتبًا عاديًا. وهذا ما حدث لعدد من الكتّاب. لذا فإن المسألة هي مسألة توازن. بالنسبة لي، ما أقدمه يجب أن يكون أدبًا دومًا، بأقصى ما أستطيع، وأن أتجاوز الممكن، لكني أحاول في الوقت نفسه إضافة توليفة من الواقع المعاصر وهذه موازنة صعبة. في مجموعة "المقصيّون" هناك قصة عن الجرذان بعنوان "ساتاراسا"، وهي قصة مبنية على الصراع بين الكتائب الأرجنتينية، كان الإغواء فيها أن أصف المستوى السياسي وحده".
خوليو كورتاثار
#ترجمة_كل_يوم
"لقد كان عملي بوصفي أمينة مكتبة ذا فائدة كبيرة، فائدة هائلة. جاءت الآنسة ليونارد التي تعمل في فرع هدسون بارك لمكتبة نيويورك العامة الواقعة مقابل منزلنا لرؤيتي يومًا ولم أكن في البيت. وسألت أمي إن كانت تظن أنني مهتمة بالانضمام إليهم والعمل في المكتبة، لأنني كنت مولعة بالكتب وأحب الحديث عنها مع الآخرين. فقالت أمي إنها لا تظنني كذلك، فأولاد الإسكافي لا يملكون أحذية، ولو أصبحت من طاقم العمل فلن أحظى بوقت للقراءة. حين عدت إلى البيت أخبرتني بذلك، فقلت لها إن ذلك مثالي حتمًا، وكنت سأخبر الآنسة ليونارد أنني سأعمل نصف النهار فقط. لو كان مطلوبًا مني العمل طوال النهار وفي الأمسيات وفي أوقات إضافية فلن يكون ذلك مناسبًا.
كانوا يعطوننا الكتب لمراجعتها -بشكل تطوعي- وكنت أحب ذلك. لم يدفعوا لنا لكني حظيت بالوقت لاكتشاف ما أنا مفتونة به. أعتقد أنني ما زلت أحتفظ في مكان ما بنسخ كربونية من تلك الملخصات والبطاقات المكتبية، لقد كانت من الأمور التي تبرز أفضل ما لدي.
كنت أتساءل دومًا لماذا لا يعطوني كتابًا عن الفن أو كتابًا طبيًا أو حتى تاريخيًا أو نقديًا. كانوا يعطوني أدبًا دائمًا، أدب أفلام صامتة".
ماريان مور
#ترجمة_كل_يوم
كانوا يعطوننا الكتب لمراجعتها -بشكل تطوعي- وكنت أحب ذلك. لم يدفعوا لنا لكني حظيت بالوقت لاكتشاف ما أنا مفتونة به. أعتقد أنني ما زلت أحتفظ في مكان ما بنسخ كربونية من تلك الملخصات والبطاقات المكتبية، لقد كانت من الأمور التي تبرز أفضل ما لدي.
كنت أتساءل دومًا لماذا لا يعطوني كتابًا عن الفن أو كتابًا طبيًا أو حتى تاريخيًا أو نقديًا. كانوا يعطوني أدبًا دائمًا، أدب أفلام صامتة".
ماريان مور
#ترجمة_كل_يوم
لدي قاموس قديم، عمره مئة وعشرون سنة تقريبًا، أحتاجه لعمل محدد أقوم به هذا العام. كانت صفحاته بينة عند الهوامش وهشة، وكبيرة جدًا. كنت أخشى تمزقها وأنا أقلبها. حين أفتح القاموس كنت أخشى أيضًا أن أمزق ظهره، الذي كان ممزقًا أساسًا في المنتصف. كان علي أن أقرر، في كل مرة أفكر في العودة إليه، إن كان الأمر يستحق تخريب الكتاب أكثر بغية البحث عن كلمة بعينها. وبما أنني بحاجته لهذا العمل، فقد كنت أعرف أنني سأخربه، إن لم يكن اليوم فسيكون غدًا، وأنني في الوقت الذي سأفرغ فيه من هذا العمل فسيكون في حالة أكثر بؤسًا مما كان عليه عندما بدأت، إن لم قد تلف كليًا. حين أخذته من الرف اليوم، لاحظت أنني أعامله بقدر كبير من العناية أكثر مما أعامل به ابني الصغير. في كل مرة أحمله، كنت أحرص بشدة على ألا أؤذيه؛ كان هدفي الأول ألا أؤذيه. ما فاجأني اليوم هو أنه على الرغم من أن ابني يجب أن يكون أكثر أهمية لي من قاموسي القديم، فلا أستطيع القول إنني هدفي الأول في كل مرة أتعامل فيها معه هو ألا أؤذيه، بل يكون هدفي الأول دومًا أمر آخر، أن أعرف مثلًا واجبه المنزلي، أو أن أقدم العشاء على المائدة، أو أنهي مكالمة هاتفية. إن وقع له مكروه أثناء ذلك، فلا يبدو أنه مهم لي بقدر ما يهمني إنهاء المهمة، أيًا كانت. لماذا لا أعامل أبني كما أعامل القاموس القديم على الأقل؟
ليديا ديفيس
#ترجمة_كل_يوم
ليديا ديفيس
#ترجمة_كل_يوم
طعم الكرز: طعم الموت أم طعم الأمل؟
بثينة الإبراهيم
«وداعاً للطرق المعبَّدة/ وداعاً لإشارات المرور/ عليّ أن أتّخذ دربي عبر الغابة/ عليّ أن أكون شقياً»
- منذر مصري
يقول المؤرخ الروماني تيتوس ليفيوس عن مستعمرة ماسيليا إن من أراد الانتحار فيها، كان يتقدم بطلب إلى مجلس الشيوخ، وهذا الأخير كان يقدم نبات الشوكران السام مجانًا للراغب بالانتحار إن وجدت أسبابه معقولة! ويبدو أن السيد بادي في فيلم طعم الكرز (قصة وإخراج عباس كيارستامي حاصل على السعفة الذهبية في مهرجان كان عام 1997) كان يبحث عن موافقة مماثلة، فيقطع الدروب بحثًا عن شخص مناسب لهذه المهمة التي يراها بسيطة مقابل مبلغ من المال، ولا يبدو أنه يختار عشوائيًا-رغم اختياره العشوائي- بل حرص على أن يكون دقيقًا في مهمته في العثور على «المخلص»!
رغم أن غالب المشاهد كانت تدور في وقت الظهيرة القائظة، إلا أن السواد لم يغب عن الأفق، سواد الكآبة التي كانت تسيطر على السيد بادي وتثير في نفسه الرغبة الملحة بالانتحار والتخلص من حياة لم يعد يراها مجدية. لكنه بالإضافة إلى ذلك يبدأ رحلة مدفوعًا بأمل العثور على من يقبل أن يهيل عليه التراب، بعد إقدامه على وضع حد لحياته، القاحلة المجدبة كالصحراء التي يدور فيها، تمامًا مثل شمس الظهيرة، لا طائل منها سوى الحروق، ولم تفلح مظاهر البناء التي كان يتجول قربها، في إقناعه أن الحياة تستمر ولا تتوقف عند غيابه أو غياب غيره ولا أن تثنيه عن عزمه!
قد يكون سبب إصرار بادي على إيجاد ذلك الشخص المأمول، شخص يعرف بنيته في الإقدام على قتل نفسه صمام أمان له، وكأن وجود المطلع على سره يؤكد له أنه لن يتردد في إنهاء حياته، شخص يبدو كالمسمار المثبت في الجدار الذي كان الطلبة الهنود يربطون به شعورهم كي لا يناموا أوقات الدراسة، وحين وافق الرجل المسن على أن يكون صمام الأمان أو المسمار، ألح عليه بادي أن يوقظه قبل أن يدفنه بحجر أو اثنين، وحتى أن يهزه من كتفه ليتأكد أنه ليس نائمًا ويكون قد دفنه حيًا، وفي هذا يبدو مثل دون أوغوسطو بطل رواية ضباب لميغيل دو أنامونو (ترجمة صالح علماني، دار أثر 2016)الذي كان يرغب في الانتحار وحين أخبره كاتب القصة أنه سيقتله اعترض، مع أن النتيجة واحدة في النهاية، الموت والدفن في حفرة!
لا شك أن بادي كان يشعر بالوحدة طوال الوقت، وكان يتخلص منها في جولته بالسيارة مع الشخص المختار (المجند الشاب، الأفغاني المتدين، الرجل المسن) كان عندها يشعر بالصحبة المؤقتة التي انتهت سريعًا بهرب المجند ورفض المتدين وموافقة المسن ووصوله إلى عمله على أن يلتقيا في اليوم التالي، رغم أن احتمال لقائهما فعليًا كان ضئيلًا.
كانت الابتسامة التي غمرت وجه بادي بعد نجاح مهمته في شطرها الأول قد خففت من تجهم ملامحه، بخاصة حين اطمأن أن الشيخ سيحافظ على وعده وسيأتي في الوقت المحدد، فبدا كمن عثر أخيرًا على رفيق مناسب يرافقه في رحلة العودة إن استيقظ، أو يحمل مجرفته ليردم بها الحفرة/ القبر في المكان الذي اختاره ليكون مستقره الأخير تحت ظل الشجرة. كان ما يحرض السيد بادي طوال الوقت هو «الآمال الشاقة» بتعبير الشاعر منذر مصري، حتى أولئك الرومان الذين يتقدمون بطلبهم إلى مجلس الشيوخ، الأمل الذي يترك لبادي وللجميع النهايات مفتوحة على مصراعيها، فسحة يلونونها «كما شاء الهوى»..
http://www.al-jazirah.com/2016/20160716/cm18.htm
بثينة الإبراهيم
«وداعاً للطرق المعبَّدة/ وداعاً لإشارات المرور/ عليّ أن أتّخذ دربي عبر الغابة/ عليّ أن أكون شقياً»
- منذر مصري
يقول المؤرخ الروماني تيتوس ليفيوس عن مستعمرة ماسيليا إن من أراد الانتحار فيها، كان يتقدم بطلب إلى مجلس الشيوخ، وهذا الأخير كان يقدم نبات الشوكران السام مجانًا للراغب بالانتحار إن وجدت أسبابه معقولة! ويبدو أن السيد بادي في فيلم طعم الكرز (قصة وإخراج عباس كيارستامي حاصل على السعفة الذهبية في مهرجان كان عام 1997) كان يبحث عن موافقة مماثلة، فيقطع الدروب بحثًا عن شخص مناسب لهذه المهمة التي يراها بسيطة مقابل مبلغ من المال، ولا يبدو أنه يختار عشوائيًا-رغم اختياره العشوائي- بل حرص على أن يكون دقيقًا في مهمته في العثور على «المخلص»!
رغم أن غالب المشاهد كانت تدور في وقت الظهيرة القائظة، إلا أن السواد لم يغب عن الأفق، سواد الكآبة التي كانت تسيطر على السيد بادي وتثير في نفسه الرغبة الملحة بالانتحار والتخلص من حياة لم يعد يراها مجدية. لكنه بالإضافة إلى ذلك يبدأ رحلة مدفوعًا بأمل العثور على من يقبل أن يهيل عليه التراب، بعد إقدامه على وضع حد لحياته، القاحلة المجدبة كالصحراء التي يدور فيها، تمامًا مثل شمس الظهيرة، لا طائل منها سوى الحروق، ولم تفلح مظاهر البناء التي كان يتجول قربها، في إقناعه أن الحياة تستمر ولا تتوقف عند غيابه أو غياب غيره ولا أن تثنيه عن عزمه!
قد يكون سبب إصرار بادي على إيجاد ذلك الشخص المأمول، شخص يعرف بنيته في الإقدام على قتل نفسه صمام أمان له، وكأن وجود المطلع على سره يؤكد له أنه لن يتردد في إنهاء حياته، شخص يبدو كالمسمار المثبت في الجدار الذي كان الطلبة الهنود يربطون به شعورهم كي لا يناموا أوقات الدراسة، وحين وافق الرجل المسن على أن يكون صمام الأمان أو المسمار، ألح عليه بادي أن يوقظه قبل أن يدفنه بحجر أو اثنين، وحتى أن يهزه من كتفه ليتأكد أنه ليس نائمًا ويكون قد دفنه حيًا، وفي هذا يبدو مثل دون أوغوسطو بطل رواية ضباب لميغيل دو أنامونو (ترجمة صالح علماني، دار أثر 2016)الذي كان يرغب في الانتحار وحين أخبره كاتب القصة أنه سيقتله اعترض، مع أن النتيجة واحدة في النهاية، الموت والدفن في حفرة!
لا شك أن بادي كان يشعر بالوحدة طوال الوقت، وكان يتخلص منها في جولته بالسيارة مع الشخص المختار (المجند الشاب، الأفغاني المتدين، الرجل المسن) كان عندها يشعر بالصحبة المؤقتة التي انتهت سريعًا بهرب المجند ورفض المتدين وموافقة المسن ووصوله إلى عمله على أن يلتقيا في اليوم التالي، رغم أن احتمال لقائهما فعليًا كان ضئيلًا.
كانت الابتسامة التي غمرت وجه بادي بعد نجاح مهمته في شطرها الأول قد خففت من تجهم ملامحه، بخاصة حين اطمأن أن الشيخ سيحافظ على وعده وسيأتي في الوقت المحدد، فبدا كمن عثر أخيرًا على رفيق مناسب يرافقه في رحلة العودة إن استيقظ، أو يحمل مجرفته ليردم بها الحفرة/ القبر في المكان الذي اختاره ليكون مستقره الأخير تحت ظل الشجرة. كان ما يحرض السيد بادي طوال الوقت هو «الآمال الشاقة» بتعبير الشاعر منذر مصري، حتى أولئك الرومان الذين يتقدمون بطلبهم إلى مجلس الشيوخ، الأمل الذي يترك لبادي وللجميع النهايات مفتوحة على مصراعيها، فسحة يلونونها «كما شاء الهوى»..
http://www.al-jazirah.com/2016/20160716/cm18.htm
بعد أن بتر جراح العائلة يدي ورسغي من ساعدي
غسلت اليد المفصولة بعناية بيدي الموصولة
وغسلت أناملها ووضعت قطرة من العطر على نبض المعصم
ومسدت اليد ودلكتها وتحدثت إليها
حتى تفهم كل شيء، لمَ كانت العملية ضرورية
قبّلت كل إصبع قبل أن أرفعها من الإبهام
ولففتها بمنديل ملون في صندوق جميل
وبشيء من الصعوبة غلفتها وأرسلتها
حين تستلم الطرد وتفتح الصندوق وتجد
أنني أرسلت إليك يدي ورسغي والبوصات الثلاث الأولى من ساعدي
عليك أن تعتني بالأظافر وتنظفها وتطليها
وتحنو عليها لتصبح طويلة وجميلة
عليك أن تدلّك البشرة بدهان لتبقيها ناعمة وتعطر الرسغ
عليك أن تكون متفهمًا وتجعلها تشعر أنها فرد من العائلة
وألا تكترث بمن يراقبك وأنت تغسل اليد أو تلمسها أو تتحدث إليها
وينصحك بدفن ذلك الشيء أو استخدامه كثقالة ورق أو تحفة
أو يخبرك أن تبقيها بعيدًا عن أنظار الأطفال
تذكر أنك قلت إنك مفتون بيدي وتريدها.
إلينا ولكنسون
#ترجمة_كل_يوم
غسلت اليد المفصولة بعناية بيدي الموصولة
وغسلت أناملها ووضعت قطرة من العطر على نبض المعصم
ومسدت اليد ودلكتها وتحدثت إليها
حتى تفهم كل شيء، لمَ كانت العملية ضرورية
قبّلت كل إصبع قبل أن أرفعها من الإبهام
ولففتها بمنديل ملون في صندوق جميل
وبشيء من الصعوبة غلفتها وأرسلتها
حين تستلم الطرد وتفتح الصندوق وتجد
أنني أرسلت إليك يدي ورسغي والبوصات الثلاث الأولى من ساعدي
عليك أن تعتني بالأظافر وتنظفها وتطليها
وتحنو عليها لتصبح طويلة وجميلة
عليك أن تدلّك البشرة بدهان لتبقيها ناعمة وتعطر الرسغ
عليك أن تكون متفهمًا وتجعلها تشعر أنها فرد من العائلة
وألا تكترث بمن يراقبك وأنت تغسل اليد أو تلمسها أو تتحدث إليها
وينصحك بدفن ذلك الشيء أو استخدامه كثقالة ورق أو تحفة
أو يخبرك أن تبقيها بعيدًا عن أنظار الأطفال
تذكر أنك قلت إنك مفتون بيدي وتريدها.
إلينا ولكنسون
#ترجمة_كل_يوم
Forwarded from حَرَم الجَمَال
لوحة أطباق المحار، الفواكه والنبيذ (١٦٢٠-١٦٢٥م) للفنان الفلمنكي أوسياس بيرت الأكبر ( Osias Beert the elder) مليئة بالتفاصيل. لمعرفة المزيد عن المدرسة الفلمنكية في الفن : https://youtu.be/YQn2wp78Sbg
عزيزي يا صاحب الظل الطويل
كان يوم البارحة اليوم الأكثر روعة في حياتي، وإن كتب لي أن أعيش حتى التاسعة والتسعين فلن أنسى أدق تفاصيله! الفتاة التي غادرت لوك ويلو فجرًا لم تكن هي نفسها التي عادت إليها ليلًا. أيقظتني السيدة سيمبل في الرابعة والنصف وكانت العتمة ما تزال مخيمة، وأول فكرة خطرت في ذهني "أنني ذاهبة لمقابلة صاحب الظل الطويل". تناولت إفطاري على ضوء الشمعة في المطبخ ثم قطعت بي السيارة الأميال الخمسة لأصل إلى محطة القطار محاطة بألوان أكتوبر الأكثر جمالًا، وسطعت الشمس وأنا في طريقي إلى المحطة وتلونت أشجار القيقب والقرانيا باللونين القرمزي والبرتقالي، ولمعت طبقة من الجليد على الجدران الحجرية وحقول الذرة. كان الهواء باردًا ومحملًا بالوعود، كنت أعلم أن شيئًا ما سيحدث!
كانت السكة الحديدية تغني طوال الطريق في القطار:" سترين صاحب الظل، سترين صاحب الظل.."وهذا ما جعلني أشعر بالأمان، كنت مؤمنة بقدرة صاحب الظل على وضع الأمور في نصابها، وعرفت أن رجلًا آخر في مكان ما (أحبه أكثر من صاحب الظل) كان يرغب برؤيتي، وكان يخامرني شعور بأنني سأراه أيضًا قبل نهاية الرحلة، وهأنت ترى ما حدث!
عندما وصلت إلى المنزل في جادة ماديسون بدا لي كبيرًا وبنيًا ومحرمًا ولم أجرؤ على دخوله، لذلك تجولت حول المبنى لاستجماع شجاعتي، لكن لم يكن علي أن أخاف للحظة فقد كان كبير الخدم لديك رجلًا طيبًا كبيرًا في العمر كأب جعلني أشعر براحة كأني في بيتي على الفور. "هل أنت الآنسة آبوت؟" قال لي وأجبته بنعم لذا لم يكن علي أن أسأل عن السيد سميث.
طلب مني الانتظار في غرفة استقبال داكنة وكبيرة ويطغى عليها ذوق رجل، جلست على حافة كرسي كبير منجد وواصلت قولي في نفسي:" سأرى صاحب الظل". ثم عاد الخادم ثانية وطلب مني الصعود إلى غرفة المكتبة، كنت منفعلة لدرجة أن قدميّ لم تقويا على حملي فعلًا ، قبل أن أدخل استدار الخادم إلي هامسًا:" إنه مريض جدًا آنستي وهذا هو اليوم الأول الذي يسمح له فيه بالجلوس، لا تطيلي المكوث عنده حتى لا ينفعل." عرفت من الطريقة التي تحدث بها أنه يحبك جدًا، وأظنه شيخ لطيف، ثم قرع الباب وقال لك: الآنسة آبوت، ودخلت وأغلق الباب خلفي.
كانت الغرفة معتمة جدًا بالنسبة إلى الغرفة المضيئة التي أتيت منها لدرجة أنني للحظة لم أكن أرى شيئًا أمامي، ثم رأيت كرسيًا كبيرًا مريحًا أمام موقد النار وطاولة شاي أنيقة إلى جانبها كرسي أصغر، وميزت رجلًا يجلس على الكرسي الكبير مسنودًا بعدد من الوسائد يغطي قدميه ببطانية. وقبل أن أصله نهض من مقعده مرتعشًا مسندًا نفسه على ظهر الكرسي، ونظر إلي دون أن يقول كلمة، وعندها وجدتك أنت لكني لم أفهم وظننت أن صاحب الظل دعاك إلى هنا لمقابلتي أو مفاجأتي.
فضحكت ورفعت يدك قائلًا صغيرتي الحبيبة جودي، ألم تعرفي أنني أنا صاحب الظل!
عزيزي يا صاحب الظل الطويل
هل تمكنت من النوم ليلة البارحة؟ أنا لم أستطع ولم تغمض عيني لحظة. لقد كنت مندهشة وذاهلة ومنفعلة وسعيدة. أظن أن عليّ ألا أنام بعد اليوم أو حتى آكل! لكني آمل أنك نمت مرتاحًا، عليك أن تنام كي تتماثل للشفاء سريعًا وعندها تستطيع القدوم لرؤيتي.
رجلي العزيز
يؤلمني التفكير بمرضك وأنني لم أكن على علم به طوال الفترة الماضية، وآلمني ما قاله الطبيب ليلة البارحة أنهم يئسوا من شفائك في الأيام الثلاثة الماضية. يا إلهي! لو حدث ذلك لانطفأ نور هذا العالم. أعرف أن هذا سيحدث يومًا ما في المستقبل البعيد، سيكون على أحدنا أن يغادر الآخر، ولكننا على الأقل سنكون قد عشنا سعادتنا معًا وسيكون لدينا ذكرياتنا التي نحيا بها.
لقد كنت أحاول مواساتك لكني وجدت أنني أواسي نفسي، فبالرغم من أنني الآن أسعد مما تمنيت دومًا لكني أيضًا أكثر تعقلًا. الخوف من أن يصيبك مكروه يجثم على قلبي مثل ظل ثقيل، فقد كنت من قبلك طائشة ولا مبالية لأنه لم يكن لدي عندها شخص غال أقلق من احتمال خسارته، لكني سأحمل ذلك القلق الكبير طوال حياتي. كلما كنت بعيدًا عني أخذت أفكر في السيارة التي قد تصدمك أو اللافتة التي قد تقع على رأسك أو الجراثيم المرعبة التي قد تبتلعها، ستغادرني راحة البال إلى الأبد، ولست آسف على ذلك لأن هذه الراحة المملة لم تكن تهمني يومًا!
أرجوك تماثل للشفاء سريعًا سريعًا سريعًا، أريدك أن تكون بقربي وأن أستطيع لمسك وأتأكد من أنك حقيقي. يا لها من نصف ساعة جميلة تلك التي حظينا بها معًا، وأخشى أن يكون ذلك حلمًا! لو كنت أحد أقربائك ( ابنة عم بعيدة لك) سأتمكن عندها من القدوم لزيارتك كل يوم، وأقرأ لك بصوت عال وأعدل وسادتك وأمسّد هاتين التجعيدتين في جبينك وأجعلك تبتسم ابتسامة عريضة، لكنك مبتهج أليس كذلك؟ كنت كذلك قبل أن أغادرك البارحة، وقد قال لي الطبيب إنني لا بد أن أكون ممرضة ماهرة لأنك بدوت أصغر بعشر سنوات.. آمل أن الحب لا يجعل الجميع يبدون أصغر بعشر سنوات، فهل كنت ستهتم لأمري لو عدت إلى سن الحادية عشرة؟
جين وبستر
#ترجمة_كل_يوم
كان يوم البارحة اليوم الأكثر روعة في حياتي، وإن كتب لي أن أعيش حتى التاسعة والتسعين فلن أنسى أدق تفاصيله! الفتاة التي غادرت لوك ويلو فجرًا لم تكن هي نفسها التي عادت إليها ليلًا. أيقظتني السيدة سيمبل في الرابعة والنصف وكانت العتمة ما تزال مخيمة، وأول فكرة خطرت في ذهني "أنني ذاهبة لمقابلة صاحب الظل الطويل". تناولت إفطاري على ضوء الشمعة في المطبخ ثم قطعت بي السيارة الأميال الخمسة لأصل إلى محطة القطار محاطة بألوان أكتوبر الأكثر جمالًا، وسطعت الشمس وأنا في طريقي إلى المحطة وتلونت أشجار القيقب والقرانيا باللونين القرمزي والبرتقالي، ولمعت طبقة من الجليد على الجدران الحجرية وحقول الذرة. كان الهواء باردًا ومحملًا بالوعود، كنت أعلم أن شيئًا ما سيحدث!
كانت السكة الحديدية تغني طوال الطريق في القطار:" سترين صاحب الظل، سترين صاحب الظل.."وهذا ما جعلني أشعر بالأمان، كنت مؤمنة بقدرة صاحب الظل على وضع الأمور في نصابها، وعرفت أن رجلًا آخر في مكان ما (أحبه أكثر من صاحب الظل) كان يرغب برؤيتي، وكان يخامرني شعور بأنني سأراه أيضًا قبل نهاية الرحلة، وهأنت ترى ما حدث!
عندما وصلت إلى المنزل في جادة ماديسون بدا لي كبيرًا وبنيًا ومحرمًا ولم أجرؤ على دخوله، لذلك تجولت حول المبنى لاستجماع شجاعتي، لكن لم يكن علي أن أخاف للحظة فقد كان كبير الخدم لديك رجلًا طيبًا كبيرًا في العمر كأب جعلني أشعر براحة كأني في بيتي على الفور. "هل أنت الآنسة آبوت؟" قال لي وأجبته بنعم لذا لم يكن علي أن أسأل عن السيد سميث.
طلب مني الانتظار في غرفة استقبال داكنة وكبيرة ويطغى عليها ذوق رجل، جلست على حافة كرسي كبير منجد وواصلت قولي في نفسي:" سأرى صاحب الظل". ثم عاد الخادم ثانية وطلب مني الصعود إلى غرفة المكتبة، كنت منفعلة لدرجة أن قدميّ لم تقويا على حملي فعلًا ، قبل أن أدخل استدار الخادم إلي هامسًا:" إنه مريض جدًا آنستي وهذا هو اليوم الأول الذي يسمح له فيه بالجلوس، لا تطيلي المكوث عنده حتى لا ينفعل." عرفت من الطريقة التي تحدث بها أنه يحبك جدًا، وأظنه شيخ لطيف، ثم قرع الباب وقال لك: الآنسة آبوت، ودخلت وأغلق الباب خلفي.
كانت الغرفة معتمة جدًا بالنسبة إلى الغرفة المضيئة التي أتيت منها لدرجة أنني للحظة لم أكن أرى شيئًا أمامي، ثم رأيت كرسيًا كبيرًا مريحًا أمام موقد النار وطاولة شاي أنيقة إلى جانبها كرسي أصغر، وميزت رجلًا يجلس على الكرسي الكبير مسنودًا بعدد من الوسائد يغطي قدميه ببطانية. وقبل أن أصله نهض من مقعده مرتعشًا مسندًا نفسه على ظهر الكرسي، ونظر إلي دون أن يقول كلمة، وعندها وجدتك أنت لكني لم أفهم وظننت أن صاحب الظل دعاك إلى هنا لمقابلتي أو مفاجأتي.
فضحكت ورفعت يدك قائلًا صغيرتي الحبيبة جودي، ألم تعرفي أنني أنا صاحب الظل!
عزيزي يا صاحب الظل الطويل
هل تمكنت من النوم ليلة البارحة؟ أنا لم أستطع ولم تغمض عيني لحظة. لقد كنت مندهشة وذاهلة ومنفعلة وسعيدة. أظن أن عليّ ألا أنام بعد اليوم أو حتى آكل! لكني آمل أنك نمت مرتاحًا، عليك أن تنام كي تتماثل للشفاء سريعًا وعندها تستطيع القدوم لرؤيتي.
رجلي العزيز
يؤلمني التفكير بمرضك وأنني لم أكن على علم به طوال الفترة الماضية، وآلمني ما قاله الطبيب ليلة البارحة أنهم يئسوا من شفائك في الأيام الثلاثة الماضية. يا إلهي! لو حدث ذلك لانطفأ نور هذا العالم. أعرف أن هذا سيحدث يومًا ما في المستقبل البعيد، سيكون على أحدنا أن يغادر الآخر، ولكننا على الأقل سنكون قد عشنا سعادتنا معًا وسيكون لدينا ذكرياتنا التي نحيا بها.
لقد كنت أحاول مواساتك لكني وجدت أنني أواسي نفسي، فبالرغم من أنني الآن أسعد مما تمنيت دومًا لكني أيضًا أكثر تعقلًا. الخوف من أن يصيبك مكروه يجثم على قلبي مثل ظل ثقيل، فقد كنت من قبلك طائشة ولا مبالية لأنه لم يكن لدي عندها شخص غال أقلق من احتمال خسارته، لكني سأحمل ذلك القلق الكبير طوال حياتي. كلما كنت بعيدًا عني أخذت أفكر في السيارة التي قد تصدمك أو اللافتة التي قد تقع على رأسك أو الجراثيم المرعبة التي قد تبتلعها، ستغادرني راحة البال إلى الأبد، ولست آسف على ذلك لأن هذه الراحة المملة لم تكن تهمني يومًا!
أرجوك تماثل للشفاء سريعًا سريعًا سريعًا، أريدك أن تكون بقربي وأن أستطيع لمسك وأتأكد من أنك حقيقي. يا لها من نصف ساعة جميلة تلك التي حظينا بها معًا، وأخشى أن يكون ذلك حلمًا! لو كنت أحد أقربائك ( ابنة عم بعيدة لك) سأتمكن عندها من القدوم لزيارتك كل يوم، وأقرأ لك بصوت عال وأعدل وسادتك وأمسّد هاتين التجعيدتين في جبينك وأجعلك تبتسم ابتسامة عريضة، لكنك مبتهج أليس كذلك؟ كنت كذلك قبل أن أغادرك البارحة، وقد قال لي الطبيب إنني لا بد أن أكون ممرضة ماهرة لأنك بدوت أصغر بعشر سنوات.. آمل أن الحب لا يجعل الجميع يبدون أصغر بعشر سنوات، فهل كنت ستهتم لأمري لو عدت إلى سن الحادية عشرة؟
جين وبستر
#ترجمة_كل_يوم
العمة ألما
هذه هي التي ستعمّر بعدنا جميعًا
برأسها الملفوف بالخرقة نفسها وفمها
الصغير الذي قد يتغضن أكثر قليلًا
كل عقد، لكنه يُزم دومًا
مغلقًا برباط بهذا الشكل.
نظارتها فقط، كما أظن، قد تصبح أكثر سُمكًا بعض الشيء
التي تفوح منها رائحة النافتا (البنزين الخام) والغسيل،
التي تشبه يقطينة محفوظة منكمشة في العتمة، ولها اللون نفسه
حين ظهرت قبل خمس وعشرين سنة
وهي لا تملك سوى ثلاثة بنسات من العملة المعدنية الأولى
التي كان يجنيها زوجها سبنس
وتنظف الأشياء وتبقيها مغطاة لكنها لا تستخدمها أبدًا، في حين أن العالم
يعرف من يمكنه مراقبة حتى الوعّاظ على منابرهم
ولا شيء يمكن أن يبهت في ضوء الشمس في منزلها
يمكن لعين الرب فقط أن تتغلب على
حاجبات الضوء المرخاة والستائر المربوطة بأحزمة على نوافذها المقفلة
التي تجلس قربها الآن على الأريكة المغطاة
بينما يهز سبنس رأسه بقبعته، وأخوها
الواعظ الأخن وهي يتألمان معًا
مع المصارعين على الشاشة المهتزة، يصفعان
قبضتيهما على راحات أيديهما ويصرخان من أجل الدم.
إلى عتمتها ستُضم كل أمتعتنا في النهاية، لم يخامرنا الشك أبدًا.
ستراقبنا، واحدًا تلو الآخر، نمضي، ولا أحد سيراها
تمشي جانبنا في المكان الذي سنرقد فيه، وهي ترمش من خلف
عدستيها المشروختين، ولا سينتبه لليد السريعة كيد الجرذ
وهي تمتد لتنزع البنسات من عيوننا.
و. س. مروين
#ترجمة_كل_يوم
(اللوحة لجوديث ميسون، بورتريه شخصي بعمر التسعين 1985)
هذه هي التي ستعمّر بعدنا جميعًا
برأسها الملفوف بالخرقة نفسها وفمها
الصغير الذي قد يتغضن أكثر قليلًا
كل عقد، لكنه يُزم دومًا
مغلقًا برباط بهذا الشكل.
نظارتها فقط، كما أظن، قد تصبح أكثر سُمكًا بعض الشيء
التي تفوح منها رائحة النافتا (البنزين الخام) والغسيل،
التي تشبه يقطينة محفوظة منكمشة في العتمة، ولها اللون نفسه
حين ظهرت قبل خمس وعشرين سنة
وهي لا تملك سوى ثلاثة بنسات من العملة المعدنية الأولى
التي كان يجنيها زوجها سبنس
وتنظف الأشياء وتبقيها مغطاة لكنها لا تستخدمها أبدًا، في حين أن العالم
يعرف من يمكنه مراقبة حتى الوعّاظ على منابرهم
ولا شيء يمكن أن يبهت في ضوء الشمس في منزلها
يمكن لعين الرب فقط أن تتغلب على
حاجبات الضوء المرخاة والستائر المربوطة بأحزمة على نوافذها المقفلة
التي تجلس قربها الآن على الأريكة المغطاة
بينما يهز سبنس رأسه بقبعته، وأخوها
الواعظ الأخن وهي يتألمان معًا
مع المصارعين على الشاشة المهتزة، يصفعان
قبضتيهما على راحات أيديهما ويصرخان من أجل الدم.
إلى عتمتها ستُضم كل أمتعتنا في النهاية، لم يخامرنا الشك أبدًا.
ستراقبنا، واحدًا تلو الآخر، نمضي، ولا أحد سيراها
تمشي جانبنا في المكان الذي سنرقد فيه، وهي ترمش من خلف
عدستيها المشروختين، ولا سينتبه لليد السريعة كيد الجرذ
وهي تمتد لتنزع البنسات من عيوننا.
و. س. مروين
#ترجمة_كل_يوم
(اللوحة لجوديث ميسون، بورتريه شخصي بعمر التسعين 1985)
-ما الذي يدفع أحدهم لكتابة سيرة ذاتية، وأن يمضي كل ذلك الوقت في حياة شخص آخر؟
-إن الأمر يشبه قليلًا الوقوع في الحب، هكذا يبدأ الأمر دومًا على أية حال. فلا يمكنك أن تعرف أبدًا حتى متى ستدوم العلاقة أو الافتتان. إنها بالطبع علاقة حب من طرف واحد، بما أن المحبوب ميت، أو إن كان على قيد الحياة فهو على الأرجح غير قابل للتودد! تبدأ معظم السير من الإعجاب أو الولع، إذ تقرأ قصيدة وتود العثور على الشاعر، أو تسمع تصريحًا ويغمرك الإعجاب، أو تثيرك انتصارات جنرال أو أميرال. في كتابة حياة شخص تطرأ تغيرات وتحدث اكتشافات وتتكشف وقائع. يتعين على علاقة الحب، مهما كانت مبهجة، أن تنتهي إذا أريد كتابة سيرة ذاتية مجدية. قد يكون هناك امتعاض بل كراهية فيشعر كاتب السيرة بالخداع. أليست هذه هي الطريقة التي تمضي بها كل علاقات الحب، من الحلم والغيوم إلى قسوة الأرض؟!
ليون أديل
#ترجمة_كل_يوم
-إن الأمر يشبه قليلًا الوقوع في الحب، هكذا يبدأ الأمر دومًا على أية حال. فلا يمكنك أن تعرف أبدًا حتى متى ستدوم العلاقة أو الافتتان. إنها بالطبع علاقة حب من طرف واحد، بما أن المحبوب ميت، أو إن كان على قيد الحياة فهو على الأرجح غير قابل للتودد! تبدأ معظم السير من الإعجاب أو الولع، إذ تقرأ قصيدة وتود العثور على الشاعر، أو تسمع تصريحًا ويغمرك الإعجاب، أو تثيرك انتصارات جنرال أو أميرال. في كتابة حياة شخص تطرأ تغيرات وتحدث اكتشافات وتتكشف وقائع. يتعين على علاقة الحب، مهما كانت مبهجة، أن تنتهي إذا أريد كتابة سيرة ذاتية مجدية. قد يكون هناك امتعاض بل كراهية فيشعر كاتب السيرة بالخداع. أليست هذه هي الطريقة التي تمضي بها كل علاقات الحب، من الحلم والغيوم إلى قسوة الأرض؟!
ليون أديل
#ترجمة_كل_يوم
لقد كنا جو هيلر وأنا متشابهين تحريريًا على الدوام، وقد ظهر الدليل الأكثر غرابة على ذلك حين كنا نعمل معًا على كتابه "حدث شيء ما". لقد كان كتابًا مرهقًا بشدة عن رجل معقد جدًا، وكان اسمه بيل سولكم. حسن، تقدمنا في العمل في الكتاب كله وقسمناه إلى فصول وما شابه ذلك. وفي نهاية العمل قلت: جو! قد يبدو هذا جنونًا بالنسبة لك، لكن هذا الرجل ليس بيل. فقال: حقًا؟ وماذا تظنه إذًا؟ قلت: إنه بوب. فنظر جو إليّ وقال: لقد كان بوب ثم غيرت اسمه لأنني ظننت أنك قد تشعر بالإهانة إن جعلته بوب. فقلت: لا، لا، إنه لا يشبهني على الإطلاق، غير أن هذه الشخصية هي بوب فحسب. لذا غيرناه. لقد كان ذلك مدهشًا بحق، كيف حدث ذلك؟ لا أعلم. ربما كان عقلانا اليهوديان النيويوركيان العصابيان المعقدان يعملان بالطريقة نفسها!
روبرت غوبليت
#ترجمة_كل_يوم
روبرت غوبليت
#ترجمة_كل_يوم
-لو أنك نشأت في دولة ليست مقموعة سياسيًا، هل كنت ستصبحين كاتبة أكثر تجريدية؟
-ربما. خذ مثلًا كاتبة أعجب بها بشدة، كاتبة القصص القصيرة الأمريكية الرائعة يودورا ويتلي. بطريقة غريبة، لو أنها عاشت في المكان الذي نشأتُ فيه، فلربما أظهرت تلك الموهبة المذهلة التي تتمتع بها؛ ربما كانت ستكتب أكثر، وربما كانت ستتناول مواضيع أوسع. أتردد في قول هذا لأن ما فعلته قامت به بشكل رائع. لكنها في الحقيقة لم تكتب كثيرًا، ولا أظن أنها طورت موهبتها لتكون روائية. لم ترغمها الظروف لتواجه شيئًا مختلفًا، ولا أظن الأمر متعلقًا بالمزاج فقط، لأن كتاباتي الأولى تحمل سمات مشابهة لكتاباتها. لقد صرت أكره "حساس" لوصف عملي! لقد كنت على الدوام أُقارن بكاثرين مانسفيلد. أنا لست مخلوقًا سياسيًا بطبيعتي، وحتى الآن هنالك الكثير مما أكرهه في السياسة والسياسيين، رغم أنني أقدر بشدة الناشطين سياسيًا، هنالك الكثير من الكذب على الذات وخداع الذات، ولا بد من ذلك. لا يمكنك أن تكون مقاتلًا سياسيًا جيدًا ما لم تتظاهر بعدم وجود العيوب!
نادين غوريمر
#ترجمة_كل_يوم
-ربما. خذ مثلًا كاتبة أعجب بها بشدة، كاتبة القصص القصيرة الأمريكية الرائعة يودورا ويتلي. بطريقة غريبة، لو أنها عاشت في المكان الذي نشأتُ فيه، فلربما أظهرت تلك الموهبة المذهلة التي تتمتع بها؛ ربما كانت ستكتب أكثر، وربما كانت ستتناول مواضيع أوسع. أتردد في قول هذا لأن ما فعلته قامت به بشكل رائع. لكنها في الحقيقة لم تكتب كثيرًا، ولا أظن أنها طورت موهبتها لتكون روائية. لم ترغمها الظروف لتواجه شيئًا مختلفًا، ولا أظن الأمر متعلقًا بالمزاج فقط، لأن كتاباتي الأولى تحمل سمات مشابهة لكتاباتها. لقد صرت أكره "حساس" لوصف عملي! لقد كنت على الدوام أُقارن بكاثرين مانسفيلد. أنا لست مخلوقًا سياسيًا بطبيعتي، وحتى الآن هنالك الكثير مما أكرهه في السياسة والسياسيين، رغم أنني أقدر بشدة الناشطين سياسيًا، هنالك الكثير من الكذب على الذات وخداع الذات، ولا بد من ذلك. لا يمكنك أن تكون مقاتلًا سياسيًا جيدًا ما لم تتظاهر بعدم وجود العيوب!
نادين غوريمر
#ترجمة_كل_يوم