آراءُ أهل الحكمةِ
922 subscribers
562 photos
38 videos
70 files
6 links
واعلم أيِّدكَ اللَّه أنَّ وَادي الحِكمةِ يَتقدسُ عن أنْ يَلجهُ من كان مرتدياً لنعليِّ الشهوةِ والغضبِ.
Download Telegram
” تغرد الطيور بعد العاصفة؛ فلماذا لا يشعر الناس بنفس الحرية في الاستمتاع بما تبقى لهم من ضوء الشمس؟ “

~روز كينيدي.
11
” مهما اشتدّت ثورة البراكينِ، تبقى أضعف مِن ثورةِ النُفوسِ. “

~جان جاك روسو.
2
إنّ النظر في مسار الحضارة الحديثة يكشف أنّ التقدم التقني لم يجرِ في فراغٍ أخلاقي أو في معزلٍ عن مقاصد القوى المهيمنة، بل ارتبط في كثير من مراحله بإرادة السيطرة وتوسيع النفوذ. فالعلم من حيث هو كشفٌ عن سنن الكون نعمة عظيمة، غير أنّ توجيهه إلى الخير أو الشر تابعٌ للنيات والبنى السياسية التي تحتضنه.
ومن هنا يظهر أنّ كثيرًا من المنجزات التقنية في العصر الحديث قد وُلدت تحت ضغط الصراع الدولي، حيث سخّرت الدول الأموال والعقول لأجل الغلبة الاستراتيجية. وقد برز هذا المعنى بوضوح في القرن العشرين، حين تحوّلت المختبرات إلى أدوات في خدمة الحرب، وصارت المعرفة وسيلة لترجيح كفة قوة على أخرى.
في هذا السياق نجد أن الولايات المتحدة، قدّمت نفسها طويلًا بوصفها حاملة لقيم الحرية والتقدم، غير أنّ التأمل في الواقع التاريخي يدلّ على تناقض بيّن بين الشعار والممارسة. فقد استُعمل التفوق العلمي والتقني في مواضع كثيرة لتثبيت الهيمنة الاقتصادية، وإخضاع الشعوب، وإدارة الأزمات بما يضمن استمرار المركزية الأمريكية في النظام الدولي. فالتقنية التي كان يمكن أن تكون سبيلًا لتقريب البشر، جرى توظيفها في المراقبة الشاملة، والاحتكار المعلوماتي، وصناعة التبعية.
ولم يقتصر الأمر على المجال العسكري المباشر، بل تعدّاه إلى تشكيل الوعي نفسه. فوسائل الاتصال الكبرى، والمنصات الرقمية، وشبكات التأثير الثقافي، استُثمرت لإعادة صياغة الأذواق والتصورات وفق نموذج واحد يقدَّم للعالم كأنه الصورة النهائية للإنسان والحضارة.
وفي هذا إضعاف لخصوصيات الأمم، وطمس لتنوعها الروحي والثقافي.
ثم إنّ السياسة الخارجية الأمريكية في مواضع متعددة أظهرت ازدواجية المعايير؛ فتُرفع شعارات حقوق الإنسان حيث تقتضي المصلحة، ويُسكت عنها حيث تتعارض مع الحسابات الاستراتيجية. وهذا يكشف أنّ المرجع لم يكن القيم المعلنة، وإنما منطق القوة.
غير أنّ الإنصاف يقتضي التفريق بين الشعوب وبين السياسات، وبين منجزات العلماء والباحثين وبين توظيفها السلطوي. فليس كل ما صدر عن المجتمع الأمريكي مذمومًا، ولا كل ما أنتجته مؤسساته موضع رفض. وإنما النقد يتوجه إلى البنية الإمبراطورية التي تجعل الإنسان وسيلة، والعلم أداة استعلاء، والثروة طريقًا لإدامة النفوذ.
والحق أنّ الحضارة لا تستقيم إلا إذا خضع العلم للأخلاق، وخدمت القوةُ العدالةَ، وصار التقدم سبيلًا لكرامة الإنسان جميعًا. فإذا انفصلت التقنية عن الحكمة، تحولت من نعمة إلى أداة اضطراب، ومن وسيلة عمران إلى سبب فساد. وهذه سنة لا تختص بأمة دون أمة، وإن ظهرت آثارها في القوى الكبرى أظهر وأشد.
3
” حين يصبحُ الانتماءُ أهم من الحقيقةِ، يتوقفُ العقل عن البحثِ ويبدأ فقط في الدفاعِ.“

~ جورج أورويل.
11🔥1
إن من الكلمات الجارية على ألسنة أهل النظر، والمأثورة عن أرسطوطاليس، قوله: إني أحب أفلاطون وأحب الحق، ولكن حبي للحق أعظم. وهذه الكلمة على إيجازها تتضمن أصلاً شريفاً من أصول السير العقلي، وهو أن النفس إذا أرادت إصابة الواقع، لم يجز لها أن تجعل للأشخاص من السلطان ما يزاحم سلطان البرهان، فإن الحق مطلوب لذاته، وأما الرجال فإنما تُعرف أقدارهم بمقدار ما يصيبون منه ويهتدون إليه.
وذلك أن الإنسان مفطور على الميل إلى من أحسن إليه، أو ربّاه، أو فتح له باب العلم والمعرفة، ولا ريب أن لأفلاطون في نفس تلميذه أرسطوطاليس منزلة الأستاذ المربي. غير أن هذه المنزلة، وإن أوجبت المحبة والوفاء، لا توجب تعطيل القوة المميزة بين الصواب والخطأ، ولا تصير رأي الأستاذ حجة قائمة بنفسه، فإن الحجة إنما هي ما أفاد اليقين أو ما انتهى إليه الدليل الصحيح.
ومن هنا يظهر أن هذه الكلمة ليست خروجاً على الأدب، ولا نقضاً لحرمة التعليم، بل هي تمام الأدب مع العلم؛ لأن العلم لا يرضى أن يُجعل تابعاً للأهواء، ولا أن يُربط بالأسماء والهيئات. فرب قول صدر من مغمور لا يُؤبه له، وهو أقرب إلى الحق من قول مشهور قد ملأ ذكره الآفاق. وربما زلّ العظيم في مسألة، كما يصيب الضعيف في أخرى.
وعلى هذا المعنى تُحمل الكلمة المأثورة: إن الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف الرجال بالحق، فإنها تشير إلى أن الميزان الذي توزن به الأقوال والأفعال خارج عن الأشخاص، سابق عليهم في الرتبة، وهو موافقة الواقع وقيام الحجة. فإذا عُرف الحق أمكن أن يُعرف من كان من أهله، وأما إذا جُعل الأشخاص هم الأصل، اضطربت الموازين، وتبدلت الأحكام بتبدل المحبوب والمبغوض.
والإنسان كثيراً ما يشتبه عليه أمر نفسه، فيحسب أنه يتبع الدليل، وهو في الحقيقة تابع لخفية الهوى، من عصبيةٍ لمذهب، أو ميلٍ لصاحب، أو نفرةٍ من مخالف. فلذلك كان من الواجب عليه أن يروض نفسه على المراقبة والمحاسبة، ويسألها عند كل موقف: أهذا الذي اخترته لظهور برهانه، أم لموافقة طبعي وميل نفسي؟ فإن النفس خداعة، ولا ينجو من تلبيسها إلا من لازم التفكر والإنصاف.
ولا غنى للناس في معاشهم وتعلمهم عن الرجوع إلى أهل الخبرة والعلم، إذ لا يسع أحداً أن يستقل بإدراك جميع المطالب. غير أن الرجوع إليهم إنما هو من باب الطريقية والكشف، لا من باب الموضوعية والاستقلال. فالعالم يُتبع ما دام دالاً على الحق، فإذا بان خطؤه لم يكن قوله مانعاً من الرجوع عنه، ولا منزلته مصححة لما فسد من رأيه.
فالحاصل أن هذه الكلمة تشتمل على أدب عقلي رفيع، وهو أن المحبة للأشخاص أمر فطري لا يُذم، لكن إذا تعارضت مع لزوم اتباع الحق، تعين تقديم الحق؛ لأنه الثابت الذي تُقاس به الأشياء، وأما الأشخاص فمتغيرون، يصيبون ويخطئون. ومن وفقه الله لهذا الميزان، سلم من كثير من مزالق التقليد، واهتدى إلى سواء السبيل.
3
” إن كل ما كسبه الانسان من الحضارة هو مقدرة أشد على تحمل أنواع جديدة من المؤثرات الشديدة ليس أكثر. وبتطور هذا التعدد فإن الانسان قد يجد تلذذاً في سفك الدماء. بل إن هذا هو ما حدث له بالفعل. ترى هل لاحظتم أن أشد الناس حضارة هم أمهرهم في الذبح والسفك؟ “

~ فيودور دوستويفسكي
9
” كما إنّ القرآن يقول بأصالة الإنسان العقليّة، يقول أيضاً بأصالته الوجدانيّة والفطريّة، وإنّ فطرة البحث عن الحقّ والعدالة هي التي تحمل الإنسان على السيرِ والحركةِ. “

~ الشهيد مرتضى مطهري، معرفةُ القرآن
7
لا شك أن الكلام في بناء نسقٍ فكريٍّ إنسانيٍّ مستقيم، إنّما يرجع في حقيقته إلى النظر في مراتب الوجود الإنساني، وكيفيّة انتظام قواه الإدراكيّة والعمليّة على وفق الواقع، من غير إفراطٍ في جهةٍ ولا تفريطٍ في أخرى.
فالعقل بما هو قوّة إدراكٍ وتمييز؛ هو آلةٌ كاشفة، وظيفتها أن تطابق بين ما في الذهن وما في الخارج، فيُدرك الإنسان به حقائق الأشياء على ما هي عليه. فإذا استقام هذا الإدراك، ولم يختلط بالوهم ولا بالهوى، حصلت للنفس صورةٌ من الواقع على نحوٍ صحيح، وكان ذلك هو مبدأ الهداية في الفكر.
غير أنّ هذا الإدراك، على صحّته، لا يكفي في تماميّة المسير الإنساني، ما لم ينضمّ إليه ما يُوجِّهه نحو الغاية، إذ الإنسان ليس مجرّد مدرِكٍ للحقائق، بل هو طالبٌ للكمال، متحرّكٌ نحوه بطبعه. وههنا تظهر القيم كالعدل والصدق لا بوصفها اعتباراتٍ اعتباطيّة، بل بما لها من جهة ارتباطٍ بحقيقة كمال الإنسان، فإنّ النفس إذا التزمت بها، انسجمت قواها، واعتدلت حركتها، وخرجت من التنازع إلى الوحدة.
ومن هنا يظهر أنّ الكمال الإنساني إنّما يتحقّق إذا تطابق علم الإنسان مع الواقع، ووافق عمله ما أدركه من الخير، فكان علمه هاديًا، وعمله تابعًا، ولم يقع بينهما تخلّفٌ ولا انفصال. فإنّ العلم إذا لم يُثمر عملًا، كان صورةً ذهنيّةً لا أثر لها، والعمل إذا لم يقم على علم، كان حركةً عمياء لا تهدي إلى غاية.
ثمّ إنّ هذا كلّه لا يتمّ إلا بأن يتجسّد في واقع الحياة، فإنّ الإنسان مدنيٌّ بالطبع، لا ينفكّ عن الاجتماع، فلا بدّ أن تنعكس هذه الحقائق في نظامٍ يضبط علاقاته، ويقوّم أفعاله، ويجعل من القيم أمرًا جاريًا في السلوك، لا مجرّد معانٍ ذهنيّة. وبذلك تنتقل الحكمة من حيّز النظر إلى حيّز الوجود.
على أنّ هذا النسق، مع كونه متوجّهًا نحو الكمال، لا يخلو من النقص بحسب ما يعرض للإنسان من الخطأ والقصور، فلا بدّ له من المراجعة والتصحيح، ليبقى مفتوحًا على الحق، غير منغلقٍ على صورةٍ محدودة، فإنّ الحقّ أوسع من أن يُحاط به من جهةٍ واحدة.
فالحياة الفاضلة إنّما هي ثمرةُ هذا التآلف: أن يكون الإدراك مطابقًا للواقع، والقصد متوجّهًا إلى الخير، والعمل مجسِّدًا لذلك في الخارج، فتنتظم بذلك قوى الإنسان، ويقع في صراطه الذي خُلق له، من غير انحرافٍ إلى إفراطٍ أو تفريط.
3
” عندما كنت أتحدّث عن بعض المسائل المادّيّة، أو أشكو منها أحيانًا، كان يقرأ لي هذا الشعر بصوتٍ هادئٍ:
اگر لذت ترک لذت بدانی
دگر شهوت نفس لذت نخوانی

[ إذا عرفت لذّة ترك اللذّة
فلن تسمّي شهوة النفس لذّةً بعدها] “

~ زوجة الشيخ الشهيد مرتضى مطهّري.
17
” منذ عام 1945، ونحن نحاول إقناع أنفسنا بأننا نحمل الحضارة، بينما كنا نزرع الموت في سطيف. إن الصمت على هذه المجازر هو مشاركة فيها.“

~ سيمون دي بوفوار، قوة الأشياء [La Force des choses] 1963
2
إنّ الإنسان بحسب ما يهدي إليه التدبّر في الكتاب العزيز موجودٌ ذو مراتب، ليس منحصراً في هذه البنية المادّية المحسوسة، بل له نشأةٌ أخرى وراء نشأة الحسّ والطبيعة، وإليها تشير الآيات الدالّة على نفخ الروح وتعليم الأسماء وسجود الملائكة. فالإنسان بما هو إنسان مظهرٌ جامعٌ لمراتب الوجود، وقد أودع الله سبحانه فيه من القابليّة ما به يستعدّ للسير في مدارج الكمال، والتقرّب إلى ربّه بالعلم والعمل والتزكية.
ومن هنا يظهر معنى ما ورد في الحديث الشريف {خلق الله آدم على صورته}، فإنّ المراد بالصورة ليس المشابهة الذاتيّة التي يستحيل اتّصافه تعالى بها ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
بل المراد أنّ الإنسان خُلق على هيئةٍ وجوديّةٍ يكون بها مظهراً لبعض الأسماء والصفات، كالعلم والإرادة والحياة والرحمة، على نحو الإمكان والفقر والتعلّق، لا على نحو الأصالة والاستقلال.
فالعبد عبدٌ على كلّ حال، غير أنّه كلّما سلك سبيل العبوديّة الخالصة، وخرج من ظلمة التعلّق بالنفس والهوى، ظهرت فيه آثار الأسماء الإلهيّة ظهوراً أتمّ وأكمل، حتّى يصير قلبه مجلىً للرحمة والحكمة والحقّ. وليس هذا اتّحاداً بالذات الإلهيّة ـ تعالى عن ذلك ـ بل هو كمال العبوديّة وتمام الفقر إلى الله.
وعلى هذا يحمل ما يذكره أهل المعرفة من الفناء، فإنّ الفناء الحقّ ليس فناء ذات العبد في ذات الربّ، إذ لا نسبة بين المحدود وغير المحدود، ولا بين الفقير بالذات والغنيّ بالذات، بل هو فناء الأنانيّة والدعوى، وانقطاع التفات النفس إلى استقلالها الوهميّ، بحيث لا يرى العبد لنفسه حولاً ولا قوّةً إلا بالله.
وما ورد في أمر سجود الملائكة لآدم عليه السلام، فليس المراد به السجود لهذا الهيكل العنصريّ بما هو طينٌ وجسد، بل لما ظهر فيه من سرّ الخلافة الإلهيّة والعلم بالأسماء، ولذلك كان الإنسان الكامل هو الجامع بين جهتي الخلق والأمر، وبين عالم الملك وعالم الملكوت.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ}
يدلّ على أنّ للإنسان نحو حضورٍ جمعيٍّ في حقيقة آدم عليه السلام، فإنّ آدم ليس شخصاً تاريخيّاً فحسب، بل هو أصل الحقيقة الإنسانيّة التي تتشعّب منها أفراد هذا النوع. ومن هنا صحّ نسبة الخلق والتصوير إلى الجميع ثمّ إرجاع السجود إلى آدم ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾
ففيه إشارةٌ إلى وحدة الحقيقة الإنسانيّة من جهة الأصل، وإن كان الأفراد على اختلافٍ في مراتب القرب والكمال.
والجنة ليست مجرّد موضعٍ للثواب الحسّي، بل هي موطن ظهور الكمال الإنسانيّ وتمام الحياة الطيّبة، وفيها يرجع الإنسان إلى فطرته الأولى التي فطره الله عليها، بعد ارتفاع الحجب الظلمانيّة والنقصان المتعلّق بعالم المادّة.
وهذا هو معنى كون أهل الجنّة على صورة آدم، أي على كمال الفطرة الإنسانيّة وصفائها، لا على معنى الخروج عن حدّ العبوديّة إلى مرتبة الربوبيّة، فإنّ الربّ ربٌّ والعبد عبدٌ، وإن بلغ ما بلغ من القرب والمعرفة.
2
آراءُ أهل الحكمةِ
Photo
التأمّل في شخصيّة الإمام عليٍّ عليه السلام هو تأمّلٌ في حقيقةِ رجلٍ تجلّت فيه معاني الرسالة الإلهيّة، بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، بأصفى صورها وأكملها. فإنّ الشخصيّات التاريخيّة تُقاس عادةً بمقدار ما حقّقته من سلطانٍ وغلبة، غير أنّ عليًّا عليه السلام ممّن انعكست فيهم القاعدة؛ إذ صار التاريخ هو الذي يُقاس به، لا أنّه يُقاس بالتاريخ.
ولقد كان المجتمع الإسلاميّ بعد رحيل النبيّ الأعظم يعيش حالةً من التمزّق الباطنيّ بين مقتضى الرسالة وموروث الجاهليّة؛ فالناس دخلوا في الإسلام أفواجًا، ولكنّ حقائق التوحيد لم تنفذ إلى أعماق النفوس على درجةٍ واحدة. بقيت العصبيّة كامنة، وحبُّ الغلبة مستترًا، والنزوع إلى الامتياز القبليّ حيًّا في الضمائر، وإن توارى خلف شعارات الدين.
ومن هنا كان عليٌّ عليه السلام غريبًا في عصره، لا لأنّه بعيدٌ عن الناس، بل لأنّه أقرب إلى الحقيقة منهم. فقد كان يمثّل الامتداد الخالص للنبوّة في عدالتها وزهدها ونظرتها إلى الإنسان، بينما كانت القوى التي ناوأته تمثّل رجوعًا تدريجيًّا إلى منطق الأرض، بعد أن ارتفعت الرسالة بالإنسان نحو السماء.
إنّ عليًّا عليه السلام لم يكن صاحب مشروع سلطة بالمعنى الذي عرفته الأمم؛ فلم يكن يريد الدولة بوصفها أداةَ سيطرة، بل بوصفها مظهرًا للحقّ. ولذلك لم يستطع أن يساوم على العدالة، ولا أن يشتري الذمم، ولا أن يحوّل بيت مال المسلمين إلى وسيلةٍ لتثبيت النفوذ. وقد رأى أنّ الحاكم ليس مالكًا للرعيّة، بل أمينٌ على إقامة القسط بينهم.
ولهذا السبب بعينه عجز كثيرٌ من الناس عن تحمّل نهجه؛ فإنّ النفوس إذا اعتادت الامتياز والترف شقَّ عليها العدل، وإذا ألفت العصبيّة ثقل عليها الحقّ. وكان المجتمع يومئذٍ قد بدأ ينتقل من بساطة الرسالة الأولى إلى تعقيد الإمبراطوريّة الناشئة، حيث تدفّقت الأموال، واتّسعت الفتوحات، وتكوّنت طبقات النفوذ؛ فصار عليٌّ عليه السلام يقف في وجه تيّارٍ تاريخيٍّ كاملٍ يريد تحويل الخلافة إلى مُلك.
ومن تأمّل سيرته وجد أنّ مأساته الحقيقيّة لم تكن في قلّة الأنصار، بل في قلّة الوعي. فقد كان الناس يرون فيه مثال الطهر والحقّ، لكنّهم لم يكونوا مستعدّين لتحمّل مقتضيات هذا الحقّ. كانوا يريدون عدالةً لا تمسّ مصالحهم، ودينًا لا يجرّدهم من امتيازاتهم، وحاكمًا يرضي القبائل قبل أن يرضي الله.
ولهذا كان عليٌّ عليه السلام سابقًا لعصره، لأنّه كان يتحرّك بمنطق الإنسان الكامل، بينما كان الواقع لا يزال أسير رواسب الجاهليّة. لقد أراد أن ينقل المجتمع من رابطة الدم إلى رابطة الحقيقة، ومن منطق الغلبة إلى منطق القيم، ومن سلطان القبيلة إلى سلطان العدل. غير أنّ الأمم لا ترتقي دفعةً واحدة، بل كثيرًا ما تقاوم من يحمل إليها النور إذا كان النور أعلى من قابليّتها.
وإذا كان التاريخ قد شهد انتصار خصومه في ظاهر السياسة، فإنّ السنن العميقة للتاريخ أثبتت أنّ الغلبة النهائيّة كانت لعليٍّ لا لهم؛ إذ بقيت أسماؤهم مرتبطةً بالصراع على الدنيا، بينما تحوّل هو إلى ضميرٍ أخلاقيٍّ وروحيٍّ للإنسانيّة الإسلاميّة. فما زالت القلوب تهفو إليه، لأنّها تجد فيه صورة الإسلام حين يكون متحرّرًا من شهوة السلطة، وحين تتجلّى فيه القيم الإلهيّة في أبهى معانيها.
إنّ عليًّا عليه السلام كان ميزانًا إلهيًّا كُشف به مقدار اقتراب الأمّة من حقيقة الرسالة أو ابتعادها عنها. فمن عرف عليًّا عرف كيف يكون الدين حين يتجسّد في إنسان، وكيف تكون العدالة حين تنزل من مقام الفكرة إلى مقام الوجود الحيّ.
3
إذا ما تأملنا في فلسفة الألماني فريدريك نيتشه ومفهومه المركزي [ إرادة القوة ] على نحوٍ وجودي أنطولوجي، يمكننا فهمها لا كطلبٍ للسيادة المادية، بل كنزوعٍ داخلي نحو [ الكمال الوجودي]. إنها تعبير عن خروج الموجود من ضيق نقصه إلى رحابة تحققٍ أشد، في صيرورة دائمة لا تركن إلى حال. وهنا يتقاطع نيتشه مع العرفان في مبدأ [تجاوز الذات] فكلاهما يرى في الإنسان كائنًا يجب أن يتخطى نفسه.
إن دعوة نيتشه لـ [ تحطيم الأصنام ] تمثل فعلًا تطهيريًا يهدف إلى رفع الأوهام التي اغتصبت مقام الحقيقة في وعي الإنسان. هذا التحرر العقلاني والوجداني من التعلق بما ليس له ثبوت ذاتي يلتقي بوضوح مع مفهوم [ التخلية ] عند أهل العرفان؛ حيث لا يمكن للوعي أن يتسع لشهود الحقائق ما لم يتحرر أولًا من قيود الأغيار والأصنام الذهنية التي تكبل إرادته.
ورغم هذا التشابه في البدايات [ التحرر والتجاوز ]، إلا أن المسارين يختلفان جوهريًا في الجهة والغاية.
في الأفق النيتشوي، الحركة دائرية ومنتهية إلى الداخل. الإنسان الأعلى هو من يعيد تكوين نفسه من شتات تجربته الخاصة، متخذًا من ذاته مرجعًا وحيدًا للقيم. وهنا يبرز مفهوم [ العود الأبدي ] حيث يقبل الإنسان بتكرار وجوده الأرضي إلى مالا نهاية، مكرسًا بقاءه داخل حدود التعينات النفسية.
أما في المسلك العرفاني؛ الحركة صاعدة ومنتهية إلى [ ما وراء التعينات ]. التجاوز هنا ليس إعادة تشكيل للذات، بل هو فناء فيها لانكشاف وجه الحقيقة المطلقة التي بها قوام كل وجود. العارف لا يسعى لتكثيف أناه، بل يراها حجابًا يجب خرقه لشهود الحق.
ويمكن فهم [ الإنسان الأعلى ] بوصفه إشارة إلى مرتبة وجودية ترفض السكون والضعف، وتسعى نحو شدة الوجود واتساع القدرة على الاحتمال. هذه الحالة—من حيث هي خروج من الضيق إلى السعة—تلتقي مع الترقي العرفاني في كونه حركة من الانغلاق إلى الانفتاح.
إلا أن الفارق الجوهري يظل قائمًا: نيتشه يريد للإنسان أن يكون هو [ المبدع لغايته ] بينما يرى العرفان أن غاية الإنسان هي [ التحقق بخالقه ]
إن هذه القراءة العرفانية لـ نيتشه لا تعني محاولة صهره في القالب الروحي، بل تعني فهم فلسفته بوصفها [ حركة في النفس ] نجحت في تحطيم القيود المزيفة، لكنها توقفت عند حدود تأليه الذات.
إن الإنسان الأعلى يمثل قمة ما يمكن أن يصل إليه الوعي الإنساني حين ينغلق على نفسه، بينما يمثل [ الإنسان الكامل] في العرفان ثمرة انفتاح هذا الوعي على الغيب وانكشاف الحقيقة التي تقوم بها كل كثرة ووحدة.
2
” أريد أن أسافرَ في النجوم وهذا البائسُ جسديِ يعيقني! متى سنَمضي، نحن أبناء الأرض، حاملين مناديلنا المدماة...“

~ فينسنت فان غوخ.
12
وَالنّجمُ تَستَصغِرُ الأبصارُ صورَتَهُ
والذّنبُ للعَينِ لا للنّجمِ في الصِّغَرِ


~أبُو العَلاء المّعَري.
🔥42
​” يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ، وَمِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُهُ... مَسَاجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ مِنَ الْبِنَاءِ، خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى، سُكَّانُهَا وَعُمَّارُهَا شَرُّ أَهْلِ الْأَرْضِ. “

~الإمامُ عليُّ عليه السّلام.
9
”حتى عِندما كُنت مُطمئنًا، كُنت قلقًا من زَوالِ هَذا الشُعور.“

~فيُودُور دُوستُويفِسكي.
14