*حين نصنع مهدياً على صورتنا*
✍️الشيخ محمد موسى حيدر حفظه الله
عقد ثقة الإسلام الكليني في الكافي باباً بعنوان لافت:
«باب أن الأئمة عليهم السلام لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلون إلا بعهد من الله عز وجل وأمر منه لا يتجاوزونه».
وأورد في هذا الباب عدة أحاديث، تدور بمجموعها حول هذه الحقيقة، وفي جملة منها تفصيل أمر وصية نزل بها جبرئيل (عليه السلام) من السماء على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حتى ورد في إحداها:
«لم ينزل على محمد (صلى الله عليه وآله) كتاب مختوم إلا الوصية».
وكان على هذه الوصية خواتيم، ودفعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ففتح أمير المؤمنين الخاتم الذي له ومضى لما فيها، ثم دفعها إلى الحسن (عليه السلام)، ففتح خاتمه وعمل بما أُمر به، ثم انتقلت إلى الحسين (عليه السلام)، ومنه إلى الإمام من بعده، وهكذا إماماً بعد إمام. وتصرح بعض روايات الباب بأن هذا الكتاب يستمر انتقاله فيهم (عليهم السلام):
«ثم كذلك إلى قيام المهدي (صلى الله عليه)».
وهنا تأتي رواية أخرى تستحق أن يتوقف عندها كل منتظِر.
وهي ما رواه الشيخ الصدوق في كمال الدين وتمام النعمة، عن المفضل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام):
«كأني أنظر إلى القائم (عليه السلام) على منبر الكوفة وحوله أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدة أهل بدر، وهم أصحاب الألوية، وهم حكام الله في أرضه على خلقه، حتى يستخرج من قبائه كتاباً مختوماً بخاتم من ذهب، عهد معهود من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيجفلون عنه إجفال الغنم البكم، فلا يبقى منهم إلا الوزير وأحد عشر نقيباً، كما بقوا مع موسى بن عمران (عليه السلام)، فيجولون في الأرض ولا يجدون عنه مذهباً فيرجعون إليه، والله إني لأعرف الكلام الذي يقوله لهم فيكفرون به».
كمال الدين وتمام النعمة، ج2، ص672، ب58، ح25.
وهنا موضع التأمل.
هؤلاء ليسوا عوام الناس، ولا أشخاصاً حديثي عهد بالإيمان بالإمام. إنهم الثلاثمائة والثلاثة عشر، عدة أهل بدر، وتصفهم الرواية نفسها بأنهم «أصحاب الألوية» و«حكام الله في أرضه على خلقه».
ومع ذلك، حين يخرج لهم القائم (عليه السلام) «كتاباً مختوماً بخاتم من ذهب، عهد معهود من رسول الله»، ويطلعهم على ما فيه، تكون المفاجأة من الشدة بحيث يجفلون عنه، ولا يبقى معه إلا الوزير وأحد عشر نقيباً، ثم لا يجدون عنه مذهباً فيرجعون إليه.
*ما الذي في ذلك الكتاب؟*
وما هو الكلام الذي يقوله لهم حتى عبّر الإمام الصادق (عليه السلام) عنه بقوله:
«والله إني لأعرف الكلام الذي يقوله لهم فيكفرون به»؟
لا نعلم.
وليس من حقنا أن نملأ هذا الفراغ بتخميناتنا.
لكن الرواية تفتح أمام المنتظِر سؤالاً آخر لعلّه أهم من معرفة ما في الكتاب:
ماذا لو كان الامتحان يوم الظهور ليس في أصل الإيمان بالمهدي، بل في استعدادنا لأن نكتشف أن المهدي الحقيقي ليس مطابقاً تماماً للمهدي الذي صنعناه في أذهاننا؟
فالإنسان قد يؤمن بالمهدي، وينتظر ظهوره، ويدعو لتعجيل فرجه، ولكنه خلال سنوات طويلة يكون قد رسم له في ذهنه صورة تفصيلية تشبه ـ إلى حد بعيد ـ صورة الزعماء الدينيين والسياسيين الذين يثق بهم ويعتقد بصحة نهجهم.
وقد يكون قد حدّد له سلفاً موازين التولي والتبري، والمصالحة والمحاربة، ورسم له شبكة من التحالفات والخصومات تنسجم مع التحالفات التي يعتقد هو أنها تخدم الدين وأهله، ووضعه مسبقاً في المعسكر الذي يراه هو معسكر الحق، أو في الجبهة التي يعتقد أنها جبهة أهل الحق.
حيث تكررت هذه التصورات في بيئته، وفي الخطاب المهيمن على ثقافتها، على مدى سنين وعقود متطاولة، بحيث لم يعد يشعر بأنها تشخيصات واجتهادات بشرية قابلة للصواب والخطأ، بل صار يتعامل معها تلقائياً كما لو كانت مسلمات دينية لا يمكن للمعصوم نفسه أن يخرج عنها.
وهنا تكمن الخطورة.
أن لا ننتظر المهدي لنتعرف عليه، ولنتعرف منه على الحق في تلك الموضوعات الخلافية والحساسة التي شغلتنا في زمن الغيبة، وكنا قبل ظهوره نحاكمها باجتهاداتنا وتشخيصاتنا؛ بل نكون قد قررنا مسبقاً ما هو الحق الذي لا مرية فيه، ثم لا ننتظر منه إلا أن يأتي ليوافقنا عليه ويصادق على ما انتهينا إليه من اجتهادات ونتائج.
أن لا نجعل الإمام ميزاناً نصحح به تصوراتنا، بل نصنع من تصوراتنا ميزاناً نتوقع من الإمام أن يطابقه.
أن نكتب له ـ من حيث لا نشعر ـ كتاباً قبل أن يظهر، نضع فيه المواقف التي يجب عليه أن يتخذها، والخصومات والمصالحات التي يجب أن يختارها، والتحالفات التي ينبغي أن يدخل فيها أو يخرج منها، ثم لا يبقى ـ في وعينا ـ إلا أن يظهر الإمام ليوقّع على ما كتبناه له!
ولا نتحدث هنا عن ضروريات الدين والمذهب ومحكماته، وإنما عن تلك المساحة الواسعة من التشخيصات والاجتهادات والمفاهيم التي صنعها البشر، ثم منحها طول الألفة والتكرار قداسة لم تكن لها في أصلها.
ولعل هذه هي إحدى الرسائل المقلقة في هذه الرواية:
إذا كان أكثر الثلاثمائة والثلاثة عشر أنفسهم يمكن أن يفاجئهم «العهد المعهود من رسول الله» إلى هذه الدرجة، فما الذي يجعلنا واثقين بأننا لن نجفل عنه إذا ظهر، وكان في كتابه ما يخالف كثيراً مما استقر في أذهاننا اليوم من قضايا ومفاهيم منحناها قدسية ليست لها في الواقع؟
وإذا جفلنا عنه، فهل سنجول فلا نجد عنه مذهباً فنرجع إليه، كما رجع الثلاثمائة والثلاثة عشر؟ أم أننا سنصنع لأنفسنا مذهباً آخر يطابق تصوراتنا واعتقاداتنا من دونه؟
لذلك ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن يُقلق المنتظِر:
ماذا في كتاب المهدي؟
بل:
كم كتاباً كتبناه نحن للمهدي قبل أن يظهر؟
وكم فكرة وضعناها فيه بأيدينا، ثم نسينا، مع مرور الزمن، أننا نحن الذين كتبناها؟
وكم مهدياً صنعناه ربما لن يظهر؟
✍️الشيخ محمد موسى حيدر حفظه الله
عقد ثقة الإسلام الكليني في الكافي باباً بعنوان لافت:
«باب أن الأئمة عليهم السلام لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلون إلا بعهد من الله عز وجل وأمر منه لا يتجاوزونه».
وأورد في هذا الباب عدة أحاديث، تدور بمجموعها حول هذه الحقيقة، وفي جملة منها تفصيل أمر وصية نزل بها جبرئيل (عليه السلام) من السماء على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حتى ورد في إحداها:
«لم ينزل على محمد (صلى الله عليه وآله) كتاب مختوم إلا الوصية».
وكان على هذه الوصية خواتيم، ودفعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ففتح أمير المؤمنين الخاتم الذي له ومضى لما فيها، ثم دفعها إلى الحسن (عليه السلام)، ففتح خاتمه وعمل بما أُمر به، ثم انتقلت إلى الحسين (عليه السلام)، ومنه إلى الإمام من بعده، وهكذا إماماً بعد إمام. وتصرح بعض روايات الباب بأن هذا الكتاب يستمر انتقاله فيهم (عليهم السلام):
«ثم كذلك إلى قيام المهدي (صلى الله عليه)».
وهنا تأتي رواية أخرى تستحق أن يتوقف عندها كل منتظِر.
وهي ما رواه الشيخ الصدوق في كمال الدين وتمام النعمة، عن المفضل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام):
«كأني أنظر إلى القائم (عليه السلام) على منبر الكوفة وحوله أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدة أهل بدر، وهم أصحاب الألوية، وهم حكام الله في أرضه على خلقه، حتى يستخرج من قبائه كتاباً مختوماً بخاتم من ذهب، عهد معهود من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيجفلون عنه إجفال الغنم البكم، فلا يبقى منهم إلا الوزير وأحد عشر نقيباً، كما بقوا مع موسى بن عمران (عليه السلام)، فيجولون في الأرض ولا يجدون عنه مذهباً فيرجعون إليه، والله إني لأعرف الكلام الذي يقوله لهم فيكفرون به».
كمال الدين وتمام النعمة، ج2، ص672، ب58، ح25.
وهنا موضع التأمل.
هؤلاء ليسوا عوام الناس، ولا أشخاصاً حديثي عهد بالإيمان بالإمام. إنهم الثلاثمائة والثلاثة عشر، عدة أهل بدر، وتصفهم الرواية نفسها بأنهم «أصحاب الألوية» و«حكام الله في أرضه على خلقه».
ومع ذلك، حين يخرج لهم القائم (عليه السلام) «كتاباً مختوماً بخاتم من ذهب، عهد معهود من رسول الله»، ويطلعهم على ما فيه، تكون المفاجأة من الشدة بحيث يجفلون عنه، ولا يبقى معه إلا الوزير وأحد عشر نقيباً، ثم لا يجدون عنه مذهباً فيرجعون إليه.
*ما الذي في ذلك الكتاب؟*
وما هو الكلام الذي يقوله لهم حتى عبّر الإمام الصادق (عليه السلام) عنه بقوله:
«والله إني لأعرف الكلام الذي يقوله لهم فيكفرون به»؟
لا نعلم.
وليس من حقنا أن نملأ هذا الفراغ بتخميناتنا.
لكن الرواية تفتح أمام المنتظِر سؤالاً آخر لعلّه أهم من معرفة ما في الكتاب:
ماذا لو كان الامتحان يوم الظهور ليس في أصل الإيمان بالمهدي، بل في استعدادنا لأن نكتشف أن المهدي الحقيقي ليس مطابقاً تماماً للمهدي الذي صنعناه في أذهاننا؟
فالإنسان قد يؤمن بالمهدي، وينتظر ظهوره، ويدعو لتعجيل فرجه، ولكنه خلال سنوات طويلة يكون قد رسم له في ذهنه صورة تفصيلية تشبه ـ إلى حد بعيد ـ صورة الزعماء الدينيين والسياسيين الذين يثق بهم ويعتقد بصحة نهجهم.
وقد يكون قد حدّد له سلفاً موازين التولي والتبري، والمصالحة والمحاربة، ورسم له شبكة من التحالفات والخصومات تنسجم مع التحالفات التي يعتقد هو أنها تخدم الدين وأهله، ووضعه مسبقاً في المعسكر الذي يراه هو معسكر الحق، أو في الجبهة التي يعتقد أنها جبهة أهل الحق.
حيث تكررت هذه التصورات في بيئته، وفي الخطاب المهيمن على ثقافتها، على مدى سنين وعقود متطاولة، بحيث لم يعد يشعر بأنها تشخيصات واجتهادات بشرية قابلة للصواب والخطأ، بل صار يتعامل معها تلقائياً كما لو كانت مسلمات دينية لا يمكن للمعصوم نفسه أن يخرج عنها.
وهنا تكمن الخطورة.
أن لا ننتظر المهدي لنتعرف عليه، ولنتعرف منه على الحق في تلك الموضوعات الخلافية والحساسة التي شغلتنا في زمن الغيبة، وكنا قبل ظهوره نحاكمها باجتهاداتنا وتشخيصاتنا؛ بل نكون قد قررنا مسبقاً ما هو الحق الذي لا مرية فيه، ثم لا ننتظر منه إلا أن يأتي ليوافقنا عليه ويصادق على ما انتهينا إليه من اجتهادات ونتائج.
أن لا نجعل الإمام ميزاناً نصحح به تصوراتنا، بل نصنع من تصوراتنا ميزاناً نتوقع من الإمام أن يطابقه.
أن نكتب له ـ من حيث لا نشعر ـ كتاباً قبل أن يظهر، نضع فيه المواقف التي يجب عليه أن يتخذها، والخصومات والمصالحات التي يجب أن يختارها، والتحالفات التي ينبغي أن يدخل فيها أو يخرج منها، ثم لا يبقى ـ في وعينا ـ إلا أن يظهر الإمام ليوقّع على ما كتبناه له!
ولا نتحدث هنا عن ضروريات الدين والمذهب ومحكماته، وإنما عن تلك المساحة الواسعة من التشخيصات والاجتهادات والمفاهيم التي صنعها البشر، ثم منحها طول الألفة والتكرار قداسة لم تكن لها في أصلها.
ولعل هذه هي إحدى الرسائل المقلقة في هذه الرواية:
إذا كان أكثر الثلاثمائة والثلاثة عشر أنفسهم يمكن أن يفاجئهم «العهد المعهود من رسول الله» إلى هذه الدرجة، فما الذي يجعلنا واثقين بأننا لن نجفل عنه إذا ظهر، وكان في كتابه ما يخالف كثيراً مما استقر في أذهاننا اليوم من قضايا ومفاهيم منحناها قدسية ليست لها في الواقع؟
وإذا جفلنا عنه، فهل سنجول فلا نجد عنه مذهباً فنرجع إليه، كما رجع الثلاثمائة والثلاثة عشر؟ أم أننا سنصنع لأنفسنا مذهباً آخر يطابق تصوراتنا واعتقاداتنا من دونه؟
لذلك ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن يُقلق المنتظِر:
ماذا في كتاب المهدي؟
بل:
كم كتاباً كتبناه نحن للمهدي قبل أن يظهر؟
وكم فكرة وضعناها فيه بأيدينا، ثم نسينا، مع مرور الزمن، أننا نحن الذين كتبناها؟
وكم مهدياً صنعناه ربما لن يظهر؟
قال عمر في رسالته الى معاوية:
فأقبلت علي بوجه أغشى بصري نوره فصفقتها على خديها من ظاهر الخمار ، فخرمت أذنيها فتناثرت أقراطها إلى الأرض ، فخرج علي فلما أحسست به أسرعت إلى خارج الدار فقلت لخالد بن الوليد ومن معه : نجوت من أمر عظيم...
#يوم_الدار
فأقبلت علي بوجه أغشى بصري نوره فصفقتها على خديها من ظاهر الخمار ، فخرمت أذنيها فتناثرت أقراطها إلى الأرض ، فخرج علي فلما أحسست به أسرعت إلى خارج الدار فقلت لخالد بن الوليد ومن معه : نجوت من أمر عظيم...
#يوم_الدار

