وهذه النهاية تجعل سلطة الملك مهدرة، ووثيقة الصلة بزمن، وتجعل فكرة السلطة هلامية متنقلة بين القسيمين وغير مستقرة، ويبدو أن سلطة الحاكم تظل رهينة الحركة والتغير، مشفوعة بالنقصان مهما طالت وامتدت، ولكن سلطة المجموع- بالرغم من القمع والاستلاب والاستخدام والانتهاك- سلطة أبدية، لأنها مشدودة إلى حتمية الزمن والوجود.
سلطة الحاكم- بالرغم من قوتها وبطشها- سلطة زمنية خاضعة لسلطة أكبر، تتمثل في الزمن والحياة، وهي السلطة التي يحتمي بها أصحاب القسيم الآخر لفاعليتها في غياب فاعليتهم، ولهذا نجد سلطة الحاكم بأساليب محددة تعمل على إطالة المدى الزمني الذي يظل صاحب السلطة في إطارها مشدودا للقداسة دون محاولة الاقتراب أو اللمس. والقداسة تجذّرها خطابات السلطة وخطابات البطانة أو الصحابة (صحابة السلطان كما أشار ابن المقفع في رسالته)، وهي قداسة تؤسس أركانها ومشروعيتها على الجهل أو غياب المعرفة، فتصبح هذه القداسة بابا مهما لإحداث مغايرة تراتبية واختلاف بين الراعي والرعية.
في واحدة من قصص المجموعة (تمثال الملك) يشعر القارئ أن هناك توجها للكشف عن الكيفية التي تتولّد بها ملامح هذه القداسة، وكيفية استمرارها، فتصبح سبيلا لاستفحال السلطة، وتوحّشها بالتدريج، حتى دون حضورها العيني الملموس. فصناعة الهالة أو القداسة في هذه القصة تُبنى على جزئيتي عدم المعرفة من جانب، والاستنامة والتسليم من جانب آخر. وتأتي الاستنامة من الأجيال الكبيرة في إطار قسيمي الرجال والنساء. فالتمثال الذي وضع في مدخل القرية، حتى تعرف الرعية ملامح راعيها الملك، أصبح وسيلة لمنح البركة، وتقدم له النساء النذور، ويدور الرجال في فلك الولاء الكامل للعلامة (التمثال) المشيرة إلى الملك، ويتحركون ويهبّون دائما للذود عنه.
واستمرار مساحة هذه القداسة ونموّها، لا تتأسس فقط في ظلّ مساحة غياب الوعي والمعرفة، ولكن يضاف ليها خطابات البطانة التي تتعدد أشكالها، وتشير في الوقت ذاته إلى مشابهات آنية، تتمثل في التاجر والمعلم والطبيبة، فكل هؤلاء يمثلون جزءا من بطانة السلطة. ولكن القصة في النهاية لا تعرض الحالة وكأنها وجود أبدي، بل تقدمها في شكل يتساوق مع طبيعة الحياة والوجود، فهناك دائما ضربات تنزع عنها هذه القداسة، فالأطفال- وهم لا يزالون بعيدين عن التدجين- يقفون موقف المندهشين من أفعال الكبار من الرجال والنساء، ويمثلون بدهشتهم أول معول من معاول هدم المؤسس والتبكير بتهشيمه، فالدهشة تبدو في مساحة وعي جديد، ينفرط من المؤسس والمقرر متعاظما عليه، فتبدأ بذلك حتمية التقويض للسلطة القامعة، من خلال الثورة وصورة الشاب الجديد التي أتى بها ورفعها الثوّار، لتوضع في كل المنازل قبل تحطيم تمثال الملك القديم، ويأتي السؤال في نهاية القصة: ما معنى طاغية؟ ليعيدنا إلى النثار الواقعي، وحتمية الولادة، وفاعلية التكرار، بفقدان السلطة- أية سلطة- مسوغات قداستها التي يصنعها البشر أنفسهم بغياب المعرفة، وللإشارة إلى حتمية الانتهاء والانقضاء في لحظة ما.
إذا كانت القداسة يسدلها البشر المحكومون أنفسهم على ممثلي السلطة وصاحبها، فإن هذه السلطة تستند إلى وسيلة أخرى، قد تكون أكثر نجاعة في تمديد زمن استمرارها، تتمثل في صناعة العدو وإرهاب الرعية من خطره الداهم عليهم. في بعض قصص المجموعة هناك اشتغال لافت على فكرة صناعة العدو التي تقوم بها أية سلطة، لاستيلاد مساحة من الخوف، يسهم في ضرورة الإبقاء عليها. فالعدو الذي تصنعه السلطة، وتؤسس وجوده داخل متخيل الرعية، يستخدم بوصفه أداة استبقاء لها، لأنها- أي هذه السلطة- الوحيدة القادرة على القضاء على هذا العدو، وكلما انتهى هذا العدو تمادت السلطة في استنبات ملامح عدو آخر. فجحافل الشيطان – في القصة التي تحمل الاسم ذاته- تطلّ بوصفها الفزّاعة التي تصيب الرعية بالخوف والصمت دون دليل ملموس على وجود هذه الجحافل، لكنها لم تكذّب خطاب السلطة بوصفها حيوانات مفترسة تأكل لحوم البشر.
وجود العدو المصنوع له أثره في سلوك الرعية، وفي وقوفها في مساحة الثبات والصمت، دون مطالبة بحقوق أو إصلاحات، لأن دور السلطة يتعاظم في مواجهة العدو المتخيل المصنوع. فالإحساس بخطر العدو (جحافل الشيطان) يستند إلى مبدأ التخويف الذي يؤدي إلى الصمت، والبعد عن المطالبة بالحقوق، والتحمل الزائد عن الحد، ويشير إلى قيمة الدور الخاص بالسلطة وما تسدله من حماية. ولكن كل ذلك لا يستمرّ، فبعد أن كان الدعاء بالخلاص، وحفظ صاحب السلطة، تسرّب إلى صوت الرعية أشياء أخرى مثل توفير الطعام والدواء، وتوجهوا إلى الحصن المنيع للملك للسماح لهم بمحاربة جحافل الشيطان.
سلطة الحاكم- بالرغم من قوتها وبطشها- سلطة زمنية خاضعة لسلطة أكبر، تتمثل في الزمن والحياة، وهي السلطة التي يحتمي بها أصحاب القسيم الآخر لفاعليتها في غياب فاعليتهم، ولهذا نجد سلطة الحاكم بأساليب محددة تعمل على إطالة المدى الزمني الذي يظل صاحب السلطة في إطارها مشدودا للقداسة دون محاولة الاقتراب أو اللمس. والقداسة تجذّرها خطابات السلطة وخطابات البطانة أو الصحابة (صحابة السلطان كما أشار ابن المقفع في رسالته)، وهي قداسة تؤسس أركانها ومشروعيتها على الجهل أو غياب المعرفة، فتصبح هذه القداسة بابا مهما لإحداث مغايرة تراتبية واختلاف بين الراعي والرعية.
في واحدة من قصص المجموعة (تمثال الملك) يشعر القارئ أن هناك توجها للكشف عن الكيفية التي تتولّد بها ملامح هذه القداسة، وكيفية استمرارها، فتصبح سبيلا لاستفحال السلطة، وتوحّشها بالتدريج، حتى دون حضورها العيني الملموس. فصناعة الهالة أو القداسة في هذه القصة تُبنى على جزئيتي عدم المعرفة من جانب، والاستنامة والتسليم من جانب آخر. وتأتي الاستنامة من الأجيال الكبيرة في إطار قسيمي الرجال والنساء. فالتمثال الذي وضع في مدخل القرية، حتى تعرف الرعية ملامح راعيها الملك، أصبح وسيلة لمنح البركة، وتقدم له النساء النذور، ويدور الرجال في فلك الولاء الكامل للعلامة (التمثال) المشيرة إلى الملك، ويتحركون ويهبّون دائما للذود عنه.
واستمرار مساحة هذه القداسة ونموّها، لا تتأسس فقط في ظلّ مساحة غياب الوعي والمعرفة، ولكن يضاف ليها خطابات البطانة التي تتعدد أشكالها، وتشير في الوقت ذاته إلى مشابهات آنية، تتمثل في التاجر والمعلم والطبيبة، فكل هؤلاء يمثلون جزءا من بطانة السلطة. ولكن القصة في النهاية لا تعرض الحالة وكأنها وجود أبدي، بل تقدمها في شكل يتساوق مع طبيعة الحياة والوجود، فهناك دائما ضربات تنزع عنها هذه القداسة، فالأطفال- وهم لا يزالون بعيدين عن التدجين- يقفون موقف المندهشين من أفعال الكبار من الرجال والنساء، ويمثلون بدهشتهم أول معول من معاول هدم المؤسس والتبكير بتهشيمه، فالدهشة تبدو في مساحة وعي جديد، ينفرط من المؤسس والمقرر متعاظما عليه، فتبدأ بذلك حتمية التقويض للسلطة القامعة، من خلال الثورة وصورة الشاب الجديد التي أتى بها ورفعها الثوّار، لتوضع في كل المنازل قبل تحطيم تمثال الملك القديم، ويأتي السؤال في نهاية القصة: ما معنى طاغية؟ ليعيدنا إلى النثار الواقعي، وحتمية الولادة، وفاعلية التكرار، بفقدان السلطة- أية سلطة- مسوغات قداستها التي يصنعها البشر أنفسهم بغياب المعرفة، وللإشارة إلى حتمية الانتهاء والانقضاء في لحظة ما.
إذا كانت القداسة يسدلها البشر المحكومون أنفسهم على ممثلي السلطة وصاحبها، فإن هذه السلطة تستند إلى وسيلة أخرى، قد تكون أكثر نجاعة في تمديد زمن استمرارها، تتمثل في صناعة العدو وإرهاب الرعية من خطره الداهم عليهم. في بعض قصص المجموعة هناك اشتغال لافت على فكرة صناعة العدو التي تقوم بها أية سلطة، لاستيلاد مساحة من الخوف، يسهم في ضرورة الإبقاء عليها. فالعدو الذي تصنعه السلطة، وتؤسس وجوده داخل متخيل الرعية، يستخدم بوصفه أداة استبقاء لها، لأنها- أي هذه السلطة- الوحيدة القادرة على القضاء على هذا العدو، وكلما انتهى هذا العدو تمادت السلطة في استنبات ملامح عدو آخر. فجحافل الشيطان – في القصة التي تحمل الاسم ذاته- تطلّ بوصفها الفزّاعة التي تصيب الرعية بالخوف والصمت دون دليل ملموس على وجود هذه الجحافل، لكنها لم تكذّب خطاب السلطة بوصفها حيوانات مفترسة تأكل لحوم البشر.
وجود العدو المصنوع له أثره في سلوك الرعية، وفي وقوفها في مساحة الثبات والصمت، دون مطالبة بحقوق أو إصلاحات، لأن دور السلطة يتعاظم في مواجهة العدو المتخيل المصنوع. فالإحساس بخطر العدو (جحافل الشيطان) يستند إلى مبدأ التخويف الذي يؤدي إلى الصمت، والبعد عن المطالبة بالحقوق، والتحمل الزائد عن الحد، ويشير إلى قيمة الدور الخاص بالسلطة وما تسدله من حماية. ولكن كل ذلك لا يستمرّ، فبعد أن كان الدعاء بالخلاص، وحفظ صاحب السلطة، تسرّب إلى صوت الرعية أشياء أخرى مثل توفير الطعام والدواء، وتوجهوا إلى الحصن المنيع للملك للسماح لهم بمحاربة جحافل الشيطان.
هذه القصة التي تتوجّه إلى صناعة العدو، لاستيلاد الصمت والتسليم والثبات، لا تنفصل عن القصة الأخيرة (نهاية شعب لا يسمع)، ووجود الراعي الذي استقوى بالغابة والصحراء، لكي يحافظ على صوته وينجو من تدجين الصمت والسكوت. فهذا الارتباط بين القصتين يوجهنا إلى أن الفقد أو الخلل في السياقات العربية لعلاقة الراعي والرعية المعتمدة على توليد الصمت والسكون من السلطة داخل الرعية، وعدم الإنصات من السلطة تجاه التحذيرات التي يقدمها أصحاب المعرفة من الرعية نتيجة حتمية، فالعالم العربي ضائع بين صناعة الصمت، وعدم التنبّه أو الإنصات إلى الرؤية والمعرفة التي تصبح في ظلّ الصمم معرفة ضائعة أو مفقودة.
ثنائية الراعي والرعية تأخذ شكلا أكثر حدة، حين تنفتح في إطار دائرة أخرى لا تنفصل عن الدائرة السابقة، لكنها قد تكون أكثر عمقا، لأن علاقة الراعي ليست منفتحة على الفرد العادي، بل منفتحة على فرد لديه معرفة، وهذا الفرد في التصور المثالي- إذا كان صادقا- طليعة استشرافية للرؤية والوعي، قادرة على قراءة المستقبل وتفسيره وتأويله. فالمثقف فرد من الرعية، لكنه- فوق ذلك- يمتلك وعيا فائقا. وقد تعددت التسميات التي وردت في قصص المجموعة للكشف عن المثقف وصوره العديدة، ففي بعض القصص نجد (الكتبة)، وفي بعضها الآخر نجد (كتّاب التاريخ ومدونوه)، وفي بعض الأحيان (حاملو اللواء). فكل هذه الفصائل تتشكّل دوائر متتابعة مقابلة للسلطة، وفي كل دائرة منها مساحة للتماهي مع المثقف بمعنى من المعاني.
في قصة (مدونو التاريخ) تتجلى صورة من صور المثقف الذي يتبع السلطة، وفي هذا الاتباع هناك استبعاد للحقيقي وإبقاء على الزائف. فصورة المثقف هنا- خوفا أو طمعا- تنتج صوتا تابعا للسلطة، وتغيّب في ظل ذلك صوت المثقف الحر الذي يتحمل الكثير في ظل التمسك بوجهة نظره. قام مدونو التاريخ حين استدعاهم الملك بالتخلص من الحقيقي (المخطوطات الي ترصد الحقيقي بصدق) الذي يشكل خطرا عليهم، وذلك بإخفاء المخطوطات أو حرقها. فهؤلاء المثقفون يشيرون إلى إشكاليات تدوين التاريخ العربي، فكونهم تابعين للسلطة، يجعلهم يستبدلون الحقيقي بالزائف الذي يتماشى مع رؤية السلطة ووجهة نظرها، فقد كتبت هذه المخطوطات في تمجيد صاحب السلطة، مشيرة- ضد الحقيقي- إلى عنايته بالعمران في أنحاء المدينة.
والقصة كاشفة عن الخوف من بطش السلطة من جانب، ومن جانب آخر عن صنف من المثقفين يسهمون بخوفهم في انتصار الزائف على الحقيقي. أما في قصة (حاملو اللواء) فيجد القارئ نفسه أمام صورة أخرى من صور المثقف الذي ينتصر لرأيه، ويناضل من أجله، فهؤلاء الكتبة الذين يخرجون، ويقفون متجمهرين أمام قصر الملك للمطالبة بالعدل، يشكلون رموزا للمعرفة، وللمثقف الحقيقي. والقصة تروى- بعد سجنهم والتنكيل بهم- على لسان الوزير التالي الذي جاء بعد الوزير المؤسس للتوجه الثقافي المنتج والمولد لهؤلاء المثقفين، يرويها بوصفه ذا دور في تخليص المملكة وملكها من الكتبة والمثقفين، بوصفهم أعداء يمثلون نزوعا خطرا على السلطة أو الملك. ففتح الكتاتيب وتعليم الناس القراءة والكتابة، وتدوين المخطوطات العلمية والثقافية، كلها من وجهة نظره- أي الوزير الجديد- معاول هدم وتفكيك للسلطة.
علاقة الراعي بالرعية مهمة، ولكن في القلب منها علاقة المثقف بالسلطة، ففي قصة (حاملو اللواء)، هناك صورة للمثقف الحر المعبّر عن المجموع واحتياجاته، ولكن في قصص أخرى تجد صورة أخرى للمثقف، لا تتوقف عند حدود تبعيتها لخطاب السلطة، بل نجده- أي المثقف- يتحوّل إلى جزء من السلطة، ويصبح مبررا وموؤلا للسلطة وأفعالها. فشخصية (الخاط) نموذج للمثقف الذي يوجّه معرفته باتجاه السلطة، ومن خلال أساليب محددة لافتة، يستطيع التحايل لإخراجها من عثراتها، ويعيد لها اتزانها المفقود والقوة والثبات.
الحكاية والمرتكز الفكري
قصص المجموعة تندرج داخل بنية الحكاية، ومن سمات الحكاية غياب فاعلية الصوت والحضور الفعلي للشخصيات. فكل هذا مغيّب تحت سطوة الحكي والتوجه نحو سرد القصة أو الحكاية بشكل مباشر وبسيط، فهي- القصص أو الحكايات داخل المجموعة- أقرب إلى الأخبار المنقولة، والخبر مرتبط بالنقل والإخبار، تخايله دائما وتوجهه أكثر من العناية ببنيته الرسالة أو الفكرة، يؤيد ذلك الطبيعة التوجيهية للغلاف، وللعنوان، وبنية النصوص. فمع الإخبار ليس هناك وجود حقيقي للشخصية بصوتها، فوجودها مغلّف، وداخل دائرة تمثيل أكبر، تغيّر وتحدّ من ملامحها وفقا لوجودها الحكائي الجديد، فيغيب صوتها ووجودها الدافق بالفاعلية. فصوتها وحضورها مسحوبان وموجهان داخل الوظيفة ونحو الهدف، ولا وجود في ظل ذلك إلى الإلماح إلى الصفات الشخصية لكل واحدة منها، يكفي الوظائف والصفات المؤطرة بالتراتب، حيث تحمل إيحاءات وتكوينات جاهزة داخل المتخيل الإنساني البشري.
ثنائية الراعي والرعية تأخذ شكلا أكثر حدة، حين تنفتح في إطار دائرة أخرى لا تنفصل عن الدائرة السابقة، لكنها قد تكون أكثر عمقا، لأن علاقة الراعي ليست منفتحة على الفرد العادي، بل منفتحة على فرد لديه معرفة، وهذا الفرد في التصور المثالي- إذا كان صادقا- طليعة استشرافية للرؤية والوعي، قادرة على قراءة المستقبل وتفسيره وتأويله. فالمثقف فرد من الرعية، لكنه- فوق ذلك- يمتلك وعيا فائقا. وقد تعددت التسميات التي وردت في قصص المجموعة للكشف عن المثقف وصوره العديدة، ففي بعض القصص نجد (الكتبة)، وفي بعضها الآخر نجد (كتّاب التاريخ ومدونوه)، وفي بعض الأحيان (حاملو اللواء). فكل هذه الفصائل تتشكّل دوائر متتابعة مقابلة للسلطة، وفي كل دائرة منها مساحة للتماهي مع المثقف بمعنى من المعاني.
في قصة (مدونو التاريخ) تتجلى صورة من صور المثقف الذي يتبع السلطة، وفي هذا الاتباع هناك استبعاد للحقيقي وإبقاء على الزائف. فصورة المثقف هنا- خوفا أو طمعا- تنتج صوتا تابعا للسلطة، وتغيّب في ظل ذلك صوت المثقف الحر الذي يتحمل الكثير في ظل التمسك بوجهة نظره. قام مدونو التاريخ حين استدعاهم الملك بالتخلص من الحقيقي (المخطوطات الي ترصد الحقيقي بصدق) الذي يشكل خطرا عليهم، وذلك بإخفاء المخطوطات أو حرقها. فهؤلاء المثقفون يشيرون إلى إشكاليات تدوين التاريخ العربي، فكونهم تابعين للسلطة، يجعلهم يستبدلون الحقيقي بالزائف الذي يتماشى مع رؤية السلطة ووجهة نظرها، فقد كتبت هذه المخطوطات في تمجيد صاحب السلطة، مشيرة- ضد الحقيقي- إلى عنايته بالعمران في أنحاء المدينة.
والقصة كاشفة عن الخوف من بطش السلطة من جانب، ومن جانب آخر عن صنف من المثقفين يسهمون بخوفهم في انتصار الزائف على الحقيقي. أما في قصة (حاملو اللواء) فيجد القارئ نفسه أمام صورة أخرى من صور المثقف الذي ينتصر لرأيه، ويناضل من أجله، فهؤلاء الكتبة الذين يخرجون، ويقفون متجمهرين أمام قصر الملك للمطالبة بالعدل، يشكلون رموزا للمعرفة، وللمثقف الحقيقي. والقصة تروى- بعد سجنهم والتنكيل بهم- على لسان الوزير التالي الذي جاء بعد الوزير المؤسس للتوجه الثقافي المنتج والمولد لهؤلاء المثقفين، يرويها بوصفه ذا دور في تخليص المملكة وملكها من الكتبة والمثقفين، بوصفهم أعداء يمثلون نزوعا خطرا على السلطة أو الملك. ففتح الكتاتيب وتعليم الناس القراءة والكتابة، وتدوين المخطوطات العلمية والثقافية، كلها من وجهة نظره- أي الوزير الجديد- معاول هدم وتفكيك للسلطة.
علاقة الراعي بالرعية مهمة، ولكن في القلب منها علاقة المثقف بالسلطة، ففي قصة (حاملو اللواء)، هناك صورة للمثقف الحر المعبّر عن المجموع واحتياجاته، ولكن في قصص أخرى تجد صورة أخرى للمثقف، لا تتوقف عند حدود تبعيتها لخطاب السلطة، بل نجده- أي المثقف- يتحوّل إلى جزء من السلطة، ويصبح مبررا وموؤلا للسلطة وأفعالها. فشخصية (الخاط) نموذج للمثقف الذي يوجّه معرفته باتجاه السلطة، ومن خلال أساليب محددة لافتة، يستطيع التحايل لإخراجها من عثراتها، ويعيد لها اتزانها المفقود والقوة والثبات.
الحكاية والمرتكز الفكري
قصص المجموعة تندرج داخل بنية الحكاية، ومن سمات الحكاية غياب فاعلية الصوت والحضور الفعلي للشخصيات. فكل هذا مغيّب تحت سطوة الحكي والتوجه نحو سرد القصة أو الحكاية بشكل مباشر وبسيط، فهي- القصص أو الحكايات داخل المجموعة- أقرب إلى الأخبار المنقولة، والخبر مرتبط بالنقل والإخبار، تخايله دائما وتوجهه أكثر من العناية ببنيته الرسالة أو الفكرة، يؤيد ذلك الطبيعة التوجيهية للغلاف، وللعنوان، وبنية النصوص. فمع الإخبار ليس هناك وجود حقيقي للشخصية بصوتها، فوجودها مغلّف، وداخل دائرة تمثيل أكبر، تغيّر وتحدّ من ملامحها وفقا لوجودها الحكائي الجديد، فيغيب صوتها ووجودها الدافق بالفاعلية. فصوتها وحضورها مسحوبان وموجهان داخل الوظيفة ونحو الهدف، ولا وجود في ظل ذلك إلى الإلماح إلى الصفات الشخصية لكل واحدة منها، يكفي الوظائف والصفات المؤطرة بالتراتب، حيث تحمل إيحاءات وتكوينات جاهزة داخل المتخيل الإنساني البشري.
في حكايات المجموعة نجد أن أسماء الشخصيات مغيّبة، وأن الحضور الأكبر للصفات أو للألقاب، فألقاب مثل (ملك) أو (ملكة) أو (أمير) أو (كاتب) أو (كتبة)، لا تحيل إلى متخيل فردي به خصوصية، لكنها تحيل إلى متخيل وظيفي يرتبط باللقب، وما يسدله من دلالات مؤسسة. وهناك أيضا في ظل حضور بنية الحكاية تغييب للمكان والزمان، وكأن هذه الحكايات فقدت محدوديتها في الدلالة على زمن أو مكان محددين، واكتسبت فوق ذلك حضورا جاهزا يحيلها إلى بنى أيقونية في المتخيل، بنى دائمة الحضور والحدوث والتكرار.
الحكايات تتوجه نحو الفكرة، دون عناية فائقة بجزئيات بنائية أخرى، وتصبح مرتكزا أو مرتكزات متوالية، منها الإشارة إلى صورة الحاكم في إطار جدل العلاقة بين الحاكم والمحكوم. فصورته بشكل عام في قصص المجموعة لا تخلو من سلبية، وإن كانت سلبية مبطّنة غير مباشرة، فهي سلبية المؤسس النسقي الذي يلازم الإنسان العربي. فأن يكون حاكم مملكة الجبل في واحدة من قصص المجموعة في اختيار قائم على الصدفة هاربا بمنطاد، فهذا يؤسس لعملية الاختيار الدائمة، تقول القصة عنه (كان مجرد لصّ فار من العدالة على متن منطاد مسرروق). فصورة صاحب السلطة بعيدا عن التقديس الذي يتجلى في مملكة الجبل (في مصاف الألهة)، أو (كأنه ملك أرسله الرب إليهم)، لأن هذا التقديس مصنوع، لا تخلو من سلبية في الشكل الباطني.
الكتابة القصصية تزيح وتعرّي السلطة الشكلية المستندة والمحتمية بأذرعها وبطانتها، وتصل إلى العمق الدقيق الذي لا يخلو من ضعف، ففي كل القصص هناك خوف وذعر، وهذا الخوف يعري استقامة الشجاعة والهدوء، وتتشكّل بسبب هذا الخوف والذعر مساحات الاقتراب بين الراعي والرعية، لاستغلالهم واتخاذهم أداة للحماية. ففي قصة (الملك المزيّف) لا تثبت عملية الاستبدال بين الملك الحقيقي والمزيّف، فارقا كبيرا، أو اخىلافا لافتا، فصارت حياة المملكة كما هي، بل زادت الحكاية في نهايتها، لنفي أية قيمة وازنة، بتحويل المزيف إلى حقيقي، والحقيقي إلى مزيف، وهذا يشير إلى أن أي شخص يمكن أن يكون ملكا، فالصدف والظروف، ومجمل الخطابات الموالية لها دور كبير في إسدال مساحة من الاختلاف والقداسة، فالميزة هنا ليست ميزة ذاتية.
فالقصة تشتغل على كشف الضحالة الباطنية للحاكم من خلال إسدال التشابه بينه وبين المحكومين، ففيها عناصر كاشفة عن هذا الفهم، بداية من المشابهة الشكلية في الإطار العام، ومرورا بالاستبدال بينهما في الوظيفة، بحيث يبدو الحقيقي مختفيا، والمزيّف ظاهرا، وانتهاء ببقاء المزيّف في سياق الحقيقي، وخروج الحقيقي ليحتل مكان المزيّف، بين السكارى الذين اعتادوا الانحناء له قبل دخوله إلى الحانة، كما كانوا يفعلون مع الملك المزيّف. القصة هنا تمارس رجرجة وزلزلة للتراتب، للتنبيه إلى فراغ الحاكم، خاصة بعد نزع القداسة عنه، وإبطال عمل الخطابات المساندة.
وهذا قد يجرّنا إلى فكرة نسقية كان لها حضور في قصص المجموعة، تتمثل في مساحات اللقاء والتداخل بين الحاكم والمحكوم، فكلها مساحات تكشف عن أهداف متعارضة، وهي تبدو في بعض الأحيان منحا من الحاكم إلى المحكوم، لكنها لا تتم إلا من خلال اهتبال المحكوم للفرصة، في محاولته للاقتراب. منح الحاكم- وهي فكرة تجلّت كثيرا في قصص المجموعة- لا تتم إلا من خلال محاولته الاحتماء أو التخلص من خطر ما، كما في قصة (ذوّاق الملك)، أو في قصة (الملك المزيف). وقد تكون المنحة التي تمنحها السلطة واقفة عند حدود التخلص من مشكلة ما، مثل الملكة التي فتحت باب قصرها للعاديين من أجل ابنتها. ولكن هناك لدى المحكومين هدفا يراد تحقيقه على المستوى الشخصي في كل قصة، بداية من (الذوّاق)، ومرورا (بالملك المزيّف)، وانتهاء(بالرسام) في قصة (لوحة الملك الفحمية). فكلاهما- الحاكم والمحكوم- لديه هدف من مساحات ودوائر الاقتراب من الآخر، فهدف الحاكم الاحتماء، وهدف الاخر الاقتراب، ومعاينة المغاير والمباين والعيش مدّة من الزمن في رغده.
وتظهر في قصص أو حكايات المجموعة فكرة مركزية، هي معاداة السلطة للمعرفة بكل أشكالها، لأن المعرفة بكل تجلياتها تمثل منطلقا للتغيير، والسلطة في كل أحوالها باحثة عن الثبات محتمية به، فهي دائما في وضع مضاد لكل مغاير، باحثة عن كل مستقرّ. فإتقان البنت الأولى في قصة (وريثة العرش) لصناعة عقد من الألماس، وإتقان الثانية في القصة ذاتها لصناعة الطعام بأشكال وأصناف مختلفة، يندرجان في إطار المقرر والمستقر فيما يخص المرأة. ولكن إتقان البنت الأخيرة للقص والسرد والكتاب، يمثل خروجا عن المؤسس، ولهذا نجد رد فعل الأب/ الملك تجاه البنتين الأوليين متسما بالسعادة والقبول، ولكن مع الأخيرة يتخذ موقفا شديدا. فما تقوم به منفتح على المعرفة، ومن ثم جاء رد فعل الملك ممثل السلطة مساويا لمساحة الخروج، فقد أمر حرّاسه بوضعها في زنزانة. فالمعرفة هنا مغايرة لمعرفة السلطة المنمطة والمستقرة التي تتشكّل في حدود العرف.
الحكايات تتوجه نحو الفكرة، دون عناية فائقة بجزئيات بنائية أخرى، وتصبح مرتكزا أو مرتكزات متوالية، منها الإشارة إلى صورة الحاكم في إطار جدل العلاقة بين الحاكم والمحكوم. فصورته بشكل عام في قصص المجموعة لا تخلو من سلبية، وإن كانت سلبية مبطّنة غير مباشرة، فهي سلبية المؤسس النسقي الذي يلازم الإنسان العربي. فأن يكون حاكم مملكة الجبل في واحدة من قصص المجموعة في اختيار قائم على الصدفة هاربا بمنطاد، فهذا يؤسس لعملية الاختيار الدائمة، تقول القصة عنه (كان مجرد لصّ فار من العدالة على متن منطاد مسرروق). فصورة صاحب السلطة بعيدا عن التقديس الذي يتجلى في مملكة الجبل (في مصاف الألهة)، أو (كأنه ملك أرسله الرب إليهم)، لأن هذا التقديس مصنوع، لا تخلو من سلبية في الشكل الباطني.
الكتابة القصصية تزيح وتعرّي السلطة الشكلية المستندة والمحتمية بأذرعها وبطانتها، وتصل إلى العمق الدقيق الذي لا يخلو من ضعف، ففي كل القصص هناك خوف وذعر، وهذا الخوف يعري استقامة الشجاعة والهدوء، وتتشكّل بسبب هذا الخوف والذعر مساحات الاقتراب بين الراعي والرعية، لاستغلالهم واتخاذهم أداة للحماية. ففي قصة (الملك المزيّف) لا تثبت عملية الاستبدال بين الملك الحقيقي والمزيّف، فارقا كبيرا، أو اخىلافا لافتا، فصارت حياة المملكة كما هي، بل زادت الحكاية في نهايتها، لنفي أية قيمة وازنة، بتحويل المزيف إلى حقيقي، والحقيقي إلى مزيف، وهذا يشير إلى أن أي شخص يمكن أن يكون ملكا، فالصدف والظروف، ومجمل الخطابات الموالية لها دور كبير في إسدال مساحة من الاختلاف والقداسة، فالميزة هنا ليست ميزة ذاتية.
فالقصة تشتغل على كشف الضحالة الباطنية للحاكم من خلال إسدال التشابه بينه وبين المحكومين، ففيها عناصر كاشفة عن هذا الفهم، بداية من المشابهة الشكلية في الإطار العام، ومرورا بالاستبدال بينهما في الوظيفة، بحيث يبدو الحقيقي مختفيا، والمزيّف ظاهرا، وانتهاء ببقاء المزيّف في سياق الحقيقي، وخروج الحقيقي ليحتل مكان المزيّف، بين السكارى الذين اعتادوا الانحناء له قبل دخوله إلى الحانة، كما كانوا يفعلون مع الملك المزيّف. القصة هنا تمارس رجرجة وزلزلة للتراتب، للتنبيه إلى فراغ الحاكم، خاصة بعد نزع القداسة عنه، وإبطال عمل الخطابات المساندة.
وهذا قد يجرّنا إلى فكرة نسقية كان لها حضور في قصص المجموعة، تتمثل في مساحات اللقاء والتداخل بين الحاكم والمحكوم، فكلها مساحات تكشف عن أهداف متعارضة، وهي تبدو في بعض الأحيان منحا من الحاكم إلى المحكوم، لكنها لا تتم إلا من خلال اهتبال المحكوم للفرصة، في محاولته للاقتراب. منح الحاكم- وهي فكرة تجلّت كثيرا في قصص المجموعة- لا تتم إلا من خلال محاولته الاحتماء أو التخلص من خطر ما، كما في قصة (ذوّاق الملك)، أو في قصة (الملك المزيف). وقد تكون المنحة التي تمنحها السلطة واقفة عند حدود التخلص من مشكلة ما، مثل الملكة التي فتحت باب قصرها للعاديين من أجل ابنتها. ولكن هناك لدى المحكومين هدفا يراد تحقيقه على المستوى الشخصي في كل قصة، بداية من (الذوّاق)، ومرورا (بالملك المزيّف)، وانتهاء(بالرسام) في قصة (لوحة الملك الفحمية). فكلاهما- الحاكم والمحكوم- لديه هدف من مساحات ودوائر الاقتراب من الآخر، فهدف الحاكم الاحتماء، وهدف الاخر الاقتراب، ومعاينة المغاير والمباين والعيش مدّة من الزمن في رغده.
وتظهر في قصص أو حكايات المجموعة فكرة مركزية، هي معاداة السلطة للمعرفة بكل أشكالها، لأن المعرفة بكل تجلياتها تمثل منطلقا للتغيير، والسلطة في كل أحوالها باحثة عن الثبات محتمية به، فهي دائما في وضع مضاد لكل مغاير، باحثة عن كل مستقرّ. فإتقان البنت الأولى في قصة (وريثة العرش) لصناعة عقد من الألماس، وإتقان الثانية في القصة ذاتها لصناعة الطعام بأشكال وأصناف مختلفة، يندرجان في إطار المقرر والمستقر فيما يخص المرأة. ولكن إتقان البنت الأخيرة للقص والسرد والكتاب، يمثل خروجا عن المؤسس، ولهذا نجد رد فعل الأب/ الملك تجاه البنتين الأوليين متسما بالسعادة والقبول، ولكن مع الأخيرة يتخذ موقفا شديدا. فما تقوم به منفتح على المعرفة، ومن ثم جاء رد فعل الملك ممثل السلطة مساويا لمساحة الخروج، فقد أمر حرّاسه بوضعها في زنزانة. فالمعرفة هنا مغايرة لمعرفة السلطة المنمطة والمستقرة التي تتشكّل في حدود العرف.
ونجد في نهاية القصة أو الحكاية- ارتباطا بالمعرفة- أن هذه الفتاة تتحوّل إلى شهر زاد، حيث تهدهد حكاياتها ومعرفتها سلطة الأب، كما هدهدت شهر زاد سلطة الزوج. ويتجلى النسق ذاته في قصة (حاملو اللواء) حيث ينتقد وزير الملك الجديد توجه الوزير السابق الذي وضع في السجن بسسب انفتاحه على المعرفة والتعليم اللذين أنتجا مثقفين خارج التنميط، وفي ذلك خطر كبير على السلطة الباحثة عن السكون.
تشتغل بعض قصص أو حكايات المجموعة على انتقام مبطن تمثيلي، تقوم به الطبقات الهامشية والمهمشة ضد السلطة، ويبدو أن ارتباط الحكايات بالنسق التراثي الشعبي يمكن أن يكون سببا رئيسا في تجلي هذا الانتقام أو التمثيل المبطن لكل أشكال السلطة. وتتعدد صور هذا الانتقام، ربما يعدّ أولها واضحا في إسدال المشابهة بين السلطة وممثليها والآخرين من الشعب والمهمشين. ففي قصة (المرايا) تذوب المغايرة أو التراتب بين طبقة الحاكم والمحكوم، في ميلاد الأميرة بنت الملكة بوجه مشوّه به ثآليل، وتقوم السلطة بتغييب هذا التشويه، من خلال وسائل عديدة، ولا يتمّ الكشف عنه إلا في إطار مساحة من التشابه. فحضور المشابهة بين الحاكم والمحكوم غياب للاختلاف، وغياب للتقديس المفترض أو المصنوع. واعتماد القصة على استعارة المرايا بوصفها رؤية للتمثيل ولرؤية الآخر، يفضي إلى كون القداسة أو الهالة لا يصنعان إلا في مساحة غياب المعرفة، فالسلطة ظلت محافظة على تغييب التشويه، لتحطيم أية قدرة على التمثيل.
ويأتي في سياق التمثيل أو الانتقام المبطن مرتبطا في أحيان أخرى بالإشارة إلى تارخ سابق يكون فيه الحاكم داخل نسق الجريمة، كما في قصة (الناطق الرسمي)، أو يكون اختيار الحاكم قائما على الصدفة، فتنتفي معها كل الصفات اللافتة التي تدفع الاستحقاق للقداسة التي تصنع بعد ذلك، ويبلغ هذا التوجه درجته الأعلى في القصة ذاتها، بتحول بقايا المنطاد الجماد إلى حاكم. وقد يجيء الانتقام من نسق البسطاء والمهمشين واضحا غير مبطّن، كما تجلى في قصة (ليلة سقوط شهريار). ففي القصة انتقام مباشر للهامش من السلطة، فشخصيات حكايات شهر زاد في ألف ليلة وليلة، تأتي في لحظة الصمت، أو انتفاء سبب الإبقاء على شهر زاد بعد أن نفدت حكاياتها.
نفاد الحكايات يمثل معادلا للصمت الذي يفضي إلى الموت أو القتل، الموت المشابه لموت كثيرات مثلها، قتلهن شهريار قبل قدوم شهر زاد، ونجاتها من خلال اعتمادها على الحكايات. في لحظة الصمت هذه، وانتفاء جدوى وجودها أخذ شهريار قرارا بالتخلص من وجودها، فلم تعد تقوم بوظيفة الحكي. في مقابل ذلك نجد في هذه القصة حضورا للشخصيات المتخيلة في نص (ألف ليلة وليلة)، وهي كلها شخصيات هامشية، (فعلي بابا) ومعه أربعون حراميا، و(معروف الإسكافي)، و(بدر البدور)، وقاموا بحمل شهر زاد من ساحة القتل والإعدام، وأحاطوا بقصر شهريار، وقتلوه وجعلوها ملكة، وفي ذلك نقل للفاعلية من الذكورة إلى الأنوثة، ونقل للفاعلية من الملك إلى المهمشين. فالانتقام في هذه القصة انتقام وخلاص مزدوج في إطارين، الإطار الأول يرتبط بانتقام الهامش من السلطة، والإطار الأخير يتمثل في الانتصار للنسوي في مقابل السلطة الذكورية المؤسسة. لكن في قصص أخرى يبدو أن الانتقام أو القدرة في إحلال قسيم محل الآخر، غالبا لا يتحقق إلا بفعل قوة القدر، أو طبيعة الحياة.
تشتغل بعض قصص أو حكايات المجموعة على انتقام مبطن تمثيلي، تقوم به الطبقات الهامشية والمهمشة ضد السلطة، ويبدو أن ارتباط الحكايات بالنسق التراثي الشعبي يمكن أن يكون سببا رئيسا في تجلي هذا الانتقام أو التمثيل المبطن لكل أشكال السلطة. وتتعدد صور هذا الانتقام، ربما يعدّ أولها واضحا في إسدال المشابهة بين السلطة وممثليها والآخرين من الشعب والمهمشين. ففي قصة (المرايا) تذوب المغايرة أو التراتب بين طبقة الحاكم والمحكوم، في ميلاد الأميرة بنت الملكة بوجه مشوّه به ثآليل، وتقوم السلطة بتغييب هذا التشويه، من خلال وسائل عديدة، ولا يتمّ الكشف عنه إلا في إطار مساحة من التشابه. فحضور المشابهة بين الحاكم والمحكوم غياب للاختلاف، وغياب للتقديس المفترض أو المصنوع. واعتماد القصة على استعارة المرايا بوصفها رؤية للتمثيل ولرؤية الآخر، يفضي إلى كون القداسة أو الهالة لا يصنعان إلا في مساحة غياب المعرفة، فالسلطة ظلت محافظة على تغييب التشويه، لتحطيم أية قدرة على التمثيل.
ويأتي في سياق التمثيل أو الانتقام المبطن مرتبطا في أحيان أخرى بالإشارة إلى تارخ سابق يكون فيه الحاكم داخل نسق الجريمة، كما في قصة (الناطق الرسمي)، أو يكون اختيار الحاكم قائما على الصدفة، فتنتفي معها كل الصفات اللافتة التي تدفع الاستحقاق للقداسة التي تصنع بعد ذلك، ويبلغ هذا التوجه درجته الأعلى في القصة ذاتها، بتحول بقايا المنطاد الجماد إلى حاكم. وقد يجيء الانتقام من نسق البسطاء والمهمشين واضحا غير مبطّن، كما تجلى في قصة (ليلة سقوط شهريار). ففي القصة انتقام مباشر للهامش من السلطة، فشخصيات حكايات شهر زاد في ألف ليلة وليلة، تأتي في لحظة الصمت، أو انتفاء سبب الإبقاء على شهر زاد بعد أن نفدت حكاياتها.
نفاد الحكايات يمثل معادلا للصمت الذي يفضي إلى الموت أو القتل، الموت المشابه لموت كثيرات مثلها، قتلهن شهريار قبل قدوم شهر زاد، ونجاتها من خلال اعتمادها على الحكايات. في لحظة الصمت هذه، وانتفاء جدوى وجودها أخذ شهريار قرارا بالتخلص من وجودها، فلم تعد تقوم بوظيفة الحكي. في مقابل ذلك نجد في هذه القصة حضورا للشخصيات المتخيلة في نص (ألف ليلة وليلة)، وهي كلها شخصيات هامشية، (فعلي بابا) ومعه أربعون حراميا، و(معروف الإسكافي)، و(بدر البدور)، وقاموا بحمل شهر زاد من ساحة القتل والإعدام، وأحاطوا بقصر شهريار، وقتلوه وجعلوها ملكة، وفي ذلك نقل للفاعلية من الذكورة إلى الأنوثة، ونقل للفاعلية من الملك إلى المهمشين. فالانتقام في هذه القصة انتقام وخلاص مزدوج في إطارين، الإطار الأول يرتبط بانتقام الهامش من السلطة، والإطار الأخير يتمثل في الانتصار للنسوي في مقابل السلطة الذكورية المؤسسة. لكن في قصص أخرى يبدو أن الانتقام أو القدرة في إحلال قسيم محل الآخر، غالبا لا يتحقق إلا بفعل قوة القدر، أو طبيعة الحياة.
❤1
سكة طويلة والبراري قفار
والدار تشكي من جفى الزوار
والليل عتمة والأماني قصار
تدفقت كلمات أغنية " سكة طويلة" للفنان " عبادي الحوهر" في رأسي طوال مشاهدتي لهذا الفيلم الياباني الآسر في تتبّع رحلة امرأة يابانية تعيش في العاصمة طوكيو لحضور مراسم جنازة والدها في منطقة تبعد 658 كيلو.
تجسد البطلة " يوكو" أنموذجًا لحالة الوحدة والعزلة التي يحياها المرء في زمن الذكاء الاصطناعي.
والدار تشكي من جفى الزوار
والليل عتمة والأماني قصار
تدفقت كلمات أغنية " سكة طويلة" للفنان " عبادي الحوهر" في رأسي طوال مشاهدتي لهذا الفيلم الياباني الآسر في تتبّع رحلة امرأة يابانية تعيش في العاصمة طوكيو لحضور مراسم جنازة والدها في منطقة تبعد 658 كيلو.
تجسد البطلة " يوكو" أنموذجًا لحالة الوحدة والعزلة التي يحياها المرء في زمن الذكاء الاصطناعي.
❤10🥰1
مكتباتي في بيت أمي. يا ريت لو عندي مارد يشحنهم لي على البساط السحري 😭
❤12🤩2👍1🤯1