"لا أحب هؤلاء السُذّج الذين يتخرجون بمعدلات عالية، وتخصصات علمية مهمة، لكنهم لا يسمعون الموسيقى، ولا يعرفون شاعراً واحداً، ولم يحضروا فيلم سينما، أو يحاولوا كتابة قصيدة، أو أن يخلطوا علبة ألوان ليرسموا لوحة.
أنا لا أفهم هؤلاء الناس الذين بلا طقوس شخصية بلا عادات بلا تفاصيل ، لا يهتمون بألوان الأزرار ، ولا خشب المقاعد ويرضون بأي سائل ساخن أحمر فلا يتوقفون عند نوع الشاي .
الحياة في التفاصيل ، في الأحاسيس ، في الذائقة .. في معنى أن تهز رأسك حزناً أو فرحاً أو طرباً لمقطع من أغنية قديمة ، أو أن تنفعل برائحة الياسمين تهب من شارع عتيق على الدوار الأول."
جبرا إبراهيم جبرا
أنا لا أفهم هؤلاء الناس الذين بلا طقوس شخصية بلا عادات بلا تفاصيل ، لا يهتمون بألوان الأزرار ، ولا خشب المقاعد ويرضون بأي سائل ساخن أحمر فلا يتوقفون عند نوع الشاي .
الحياة في التفاصيل ، في الأحاسيس ، في الذائقة .. في معنى أن تهز رأسك حزناً أو فرحاً أو طرباً لمقطع من أغنية قديمة ، أو أن تنفعل برائحة الياسمين تهب من شارع عتيق على الدوار الأول."
جبرا إبراهيم جبرا
Forwarded from حَديث الأشجـار (مَريـم)
"في عام 300م فرغ الحكيم بيدبا، رأس البراهمة في الهند، بعدما حبَسَ نفسه عامًا بصحبة تلميذه الأثير، من وَضْع كتابٍ أمَرَه بكتابته الملك دبشليم عقب تخلّيه عن ظلم الرعية بناءً على نصائح حكيمه، وأراد مؤلفًا «يكون ظاهرُه سياسة العامة وتأديبها، وباطنه أخلاق الملوك وسياستها للرعية»، وخرَجَ من تحت يديه بشكل متفرد، فـ «جعل كلامه على ألسن البهائم والسباع والطير، ليكون ظاهره لهوًا للخواص والعوام، وباطنه رياضةً لعقول الخاصة».
وفي عام 750م، وبينما كانت الخلافة العباسية في عصرها الأول تُغلظ قبضتها لتثبيت أركانها على تركة بني أمية، قامت السلطة باتخاذ إجراءات صارمة بحق كل مَن لا يثبت ولاءه للخلفاء الجُدد، وصلت إلى التصفية الجسدية بمجرد الشبهات الظنية، واندلع الصراع المرير على الحكم بين العلويين والعباسيين وما نتج عنه من قتل وسفك دماء دون رحمة وشفقة.
في ظل هذه الأجواء، قرّر الأديب الفارسي المزدكي روزبة بن داذويه، الذي تخلّى عن دينه وأسلم وحمل اسم "عبد الله بن المقفع" (106 – 143هـ)، والناقم على أوضاع عصره، الاحتجاج على كل ما لا يروق له بأحد أبرز أشكال المعارضة السياسية ابتكارًا. انتقى ابن المقفع من تراث قومه فلكلورًا شعبيًا يصلح لأن يدسّ به كافة آرائه السياسية والاجتماعية، ولو بشكل غير مباشر، بعدما نقله إلى العربية وبثَّ فيه روحًا إسلامية وعبّاسية، وأضاف له من قريحته فصولاً تزيد على نصف الكتاب ضمن بنية قصصية مغايرة تمامًا للأصل الهندي، فظهرت النسخة التي جابت الدنيا بأسرها من كتاب «كليلة ودمنة»، وهي النسخة ذات الخمسة عشر بابًا، وصارت هي المصدر الأصلي للمؤلَّف بعدما فُقدت الأولى وظلت الثانية طي الكتمان لمئات السنين.
صحيح أن ابن المقفع شذّب العنوان القديم للنسخة الفارسية وجعله أقرب للّسان العربي، إلا أن المتمعن يكتشف أنه أبقى عليه بالأساس ليقدّم عبره معنى مستترًا ربما يُلخص سبب ترجمة هذا الكتاب بالأساس، وهو الصراع بين الخير والشر، لأن كليلة لعبت دور الخير في قصتها فيما مثلت دمنة جانب الشر، وهو ما نجد له مثيلاً في العناوين الفرعية، وهو أمر منبعه فلسفة ابن المقفع المبنية على الثنائية الضدّية للخير والشر، وكأنه اعتبر كتابه هذا صيحة تحذير ورسالة خيرية أخيرة لمَن يهمّه الأمر كي لا يتفاقم الشر في نفوس المتصارعين ويستولي على كل شيء.
بنى ابن المقفع كتابه على ثنائية «خطاب القوة»، المتمثل في شخصية الملك الذي يسأل النصيحة دائمًا من الحكيم ويطلبها بشكلٍ آمر، و«قوة الخطاب»، المتمثلة في الجواب الشافي الحاضر دائمًا عند الفيلسوف. وبين القوتين يدور جدال الكلمات خلال السطور، لتطرح صراعًا أعلى خارجها عن مغبة وجود تنافر بين «السُلطة» و«الحكمة»، مُظهِرًا ثمار أن يتعاونا ويتكاملا، فإن اجتمع ملك ينصت وحكيم ينصح صارا مضربًا للأمثال بين الناس.
أن قصص كليلة ودمنة ليس غرضها محاورة سبع لثور ولا قرد لغيلم، بصفتها كحيوانات، بل يتضمّن كلّ باب من أبوابها مقصدًا معينًا، وجميع حوارات الأبطال تأوي أقوالاً مضمرة ورسائل خفية، قيل إنها موجّهة للخليفة العباسي رأسًا، وهو أبو جعفر المنصور الذي عُرف ببطشه الشديد بكل خصومه، ما يعيد للأذهان أن الكتاب وُضع بالأصل بعد صراع منتهٍ من حكيم مع ملكٍ ظالم أيضًا هو دبشليم، فهل حاول ابن المقفع أن يمنح لنفسه دور بيدبا؟
في جميع الأحوال، يبدو أن حيلة أديبنا بالضرب من وراء جُدر التورية لم تُفلح كثيرًا وأن رسالته المضمنة أخطأت هدفها، فرُوي أن عداءه للخليفة المنصور قد بلغه فأعوز لسفيان بن معاوية، عامله في البصرة، بقتل ابن المقفع…"
https://2u.pw/snrX6Q6
وفي عام 750م، وبينما كانت الخلافة العباسية في عصرها الأول تُغلظ قبضتها لتثبيت أركانها على تركة بني أمية، قامت السلطة باتخاذ إجراءات صارمة بحق كل مَن لا يثبت ولاءه للخلفاء الجُدد، وصلت إلى التصفية الجسدية بمجرد الشبهات الظنية، واندلع الصراع المرير على الحكم بين العلويين والعباسيين وما نتج عنه من قتل وسفك دماء دون رحمة وشفقة.
في ظل هذه الأجواء، قرّر الأديب الفارسي المزدكي روزبة بن داذويه، الذي تخلّى عن دينه وأسلم وحمل اسم "عبد الله بن المقفع" (106 – 143هـ)، والناقم على أوضاع عصره، الاحتجاج على كل ما لا يروق له بأحد أبرز أشكال المعارضة السياسية ابتكارًا. انتقى ابن المقفع من تراث قومه فلكلورًا شعبيًا يصلح لأن يدسّ به كافة آرائه السياسية والاجتماعية، ولو بشكل غير مباشر، بعدما نقله إلى العربية وبثَّ فيه روحًا إسلامية وعبّاسية، وأضاف له من قريحته فصولاً تزيد على نصف الكتاب ضمن بنية قصصية مغايرة تمامًا للأصل الهندي، فظهرت النسخة التي جابت الدنيا بأسرها من كتاب «كليلة ودمنة»، وهي النسخة ذات الخمسة عشر بابًا، وصارت هي المصدر الأصلي للمؤلَّف بعدما فُقدت الأولى وظلت الثانية طي الكتمان لمئات السنين.
صحيح أن ابن المقفع شذّب العنوان القديم للنسخة الفارسية وجعله أقرب للّسان العربي، إلا أن المتمعن يكتشف أنه أبقى عليه بالأساس ليقدّم عبره معنى مستترًا ربما يُلخص سبب ترجمة هذا الكتاب بالأساس، وهو الصراع بين الخير والشر، لأن كليلة لعبت دور الخير في قصتها فيما مثلت دمنة جانب الشر، وهو ما نجد له مثيلاً في العناوين الفرعية، وهو أمر منبعه فلسفة ابن المقفع المبنية على الثنائية الضدّية للخير والشر، وكأنه اعتبر كتابه هذا صيحة تحذير ورسالة خيرية أخيرة لمَن يهمّه الأمر كي لا يتفاقم الشر في نفوس المتصارعين ويستولي على كل شيء.
بنى ابن المقفع كتابه على ثنائية «خطاب القوة»، المتمثل في شخصية الملك الذي يسأل النصيحة دائمًا من الحكيم ويطلبها بشكلٍ آمر، و«قوة الخطاب»، المتمثلة في الجواب الشافي الحاضر دائمًا عند الفيلسوف. وبين القوتين يدور جدال الكلمات خلال السطور، لتطرح صراعًا أعلى خارجها عن مغبة وجود تنافر بين «السُلطة» و«الحكمة»، مُظهِرًا ثمار أن يتعاونا ويتكاملا، فإن اجتمع ملك ينصت وحكيم ينصح صارا مضربًا للأمثال بين الناس.
أن قصص كليلة ودمنة ليس غرضها محاورة سبع لثور ولا قرد لغيلم، بصفتها كحيوانات، بل يتضمّن كلّ باب من أبوابها مقصدًا معينًا، وجميع حوارات الأبطال تأوي أقوالاً مضمرة ورسائل خفية، قيل إنها موجّهة للخليفة العباسي رأسًا، وهو أبو جعفر المنصور الذي عُرف ببطشه الشديد بكل خصومه، ما يعيد للأذهان أن الكتاب وُضع بالأصل بعد صراع منتهٍ من حكيم مع ملكٍ ظالم أيضًا هو دبشليم، فهل حاول ابن المقفع أن يمنح لنفسه دور بيدبا؟
في جميع الأحوال، يبدو أن حيلة أديبنا بالضرب من وراء جُدر التورية لم تُفلح كثيرًا وأن رسالته المضمنة أخطأت هدفها، فرُوي أن عداءه للخليفة المنصور قد بلغه فأعوز لسفيان بن معاوية، عامله في البصرة، بقتل ابن المقفع…"
https://2u.pw/snrX6Q6
إضاءات
«كليلة ودمنة»: سيرة كتاب طاف الحضارات
ظهر كتاب «كليلة ودمنة» إلى النور بأكثر من 70 لغة، منها: الفارسية، والسريانية، والبيزنطية، والعربية، وغيرها. كيف ألهم الكتاب العالم؟
" في ظروف معينة، أن تكون غريبًا، وألاّ تنتمي للجموع، قد يكون مصدرًا للرضا، أو للمتعة حتى. هنالك أنواع من العزلة تقدم راحة من الشعور بالوحدة، قد تكون أشبه بعطلة من الوحدة إن لم تكن دواء لها".
المدينة الوحيدة| أوليفيا لاينغ
المدينة الوحيدة| أوليفيا لاينغ
تتوفر مجموعتي القصصية #فهرس_الملوك في #معرض_أبوظبي_الدولي_للكتاب2024
جناح 11A25 دار مرايا للنشر والتوزيع @Dar_Maraya_KW
جناح 11A25 دار مرايا للنشر والتوزيع @Dar_Maraya_KW
"الوحدة ليست مجرد رغبة في مصدر خارجي للحب، ولكنها أيضا تجربة اكتمال" حالة غير ممكنة من الكمال الداخلي" لقد كانت غير ممكنة بشكل جزئي لأنها مبنية على الحب المفقود، على وجود من يفهمك دون الحاجة لاستخدام الكلمات، ولأن المشهد الداخلي لأي فرد سيبقى قابلا للمساومة إلى درجة ما مقابل الأشياء الفانية، للخيالات غير المدمجة للدمار واليأس".
المدينة الوحيدة| أوليفيا لاينغ
المدينة الوحيدة| أوليفيا لاينغ
يتحدث بول أوستر عن طقوسه:" أترك مقعدي وأقف كثيرًا خلال اليوم. أظل أذرع الغرفة جيئة وذهابًا،وبشكل ما، أجد أنّ ذلك يساعد في توليد الأفكار والكلمات، لأن هناك دائمًا ذلك النوع من الموسيقى داخل الجسد، وأعني هنا موسيقى اللغة. وأثناء هذا التجوال تولد أفكار جديدة قد لا تُخلق أثناء جلوسي"
" إن لم يُسمح لطفل بدخول المخيّلة، فسوف يقع في قبضة العالم الحقيقي ".
اختراع العزلة| بول أوستر
اختراع العزلة| بول أوستر
«محظوظ بما يكفي للعيش في قصَّة»
پول أوستر (1947-2024)
مقتطف ترجمته قبل سنوات من «حماقات بروكلن»
ليكن إذًا، القصَّة، قصَّة الدُّمية... إنه العام الأخير في حياة كافكا، وقد وقعَ في حُبِّ دورا ديامانت، الفتاة البالغة من العمر تسعة عشر أو عشرين عامًا، التي فرَّت من عائلتها الحسيديَّة في پولندا وتعيش الآن في برلين. إنها في نصف سنِّه، لكنها هي من يبثُّ فيه الشجاعة ليترك پراج -وهو الشيء الذي يرغب في فعله منذ سنوات- كما أنها المرأة الأولى والوحيدة التي عاشت معه. يصل كافكا إلى برلين في خريف 1923 ثم يموت في الربيع التالي، ولكن لعلَّ تلك الشهور القليلة الأخيرة كانت الأسعد في حياته على الإطلاق، على الرغم من حالته الصحيَّة المتدهورة، وعلى الرغم من الظروف الاجتماعيَّة في برلين (نقص الأطعمة والشَّغب السياسي وأسوأ تضخُّم مالي في تاريخ ألمانيا)، وعلى الرغم من معرفته المؤكَّدة بأنه على عتبة القبر.
كلَّ يومٍ بعد الظُّهر يذهب كافكا إلى المنتزه، وفي أغلب الأحيان تُصاحبه دورا، ثم يأتي يوم يُصادفان فيه فتاةً صغيرةً تبكي بحرقةٍ شديدة. يسألها كافكا عن سبب بكائها، فتجيب بأنها فقدت دُميتها، فيبدأ في الحال في اختراع قصَّة يفسِّر لها بها ما حدث، ويقول: «دُميتك ذهبت في رحلة»، فتسأله الفتاة: «وكيف تعرف هذا؟»، ويجيبها كافكا: «لأنها كتبت لي رسالة». يلوح الشَّك على ملامح الفتاة، وتسأله: «هل الرسالة معك؟»، فيقول: «لا، آسف، تركتها في البيت دون قصد، لكنني سأحضرها غدًا». إنه مقنعٌ للغاية، إلى درجة أن الفتاة لم تعد تدري ماذا تحسب. أيُمكن أن هذا الرجل الغامض يقول الحقيقة؟
ثم يعود كافكا إلى البيت مباشرةً ليكتب الرسالة. يجلس إلى مكتبه، وفيما تُراقِبه دورا وهو يكتب، تلحظ الجديَّة والشَّد نفسيهما اللذين يتبدَّيان على ملامحه حينما يكتب أعماله هو. إنه لا ينوي أن يغشَّ الفتاة الصغيرة، وما يفعله مخاضٌ أدبي حقيقي، وهو مصرٌّ أن يكون ما يكتبه مضبوطًا. إذا استطاع التوصُّل إلى كذبةٍ جميلة مقنِعة فسيحلُّ واقع آخر محلَّ عالم الفتاة، واقع زائف ربما، لكنه حقيقي ويُمكن تصديقه طبقًا لقوانين الخيال.
يهرع كافكا في اليوم التالي إلى المنتزه ومعه الرسالة ليجد الفتاة في انتظاره، ولأنها لم تتعلَّم القراءة بعد، يقرأ كافكا عليها الرسالة. الدُّمية آسفةٌ للغاية، لكنها سئمت العيش مع الناس أنفسهم طول الوقت. إنها في حاجةٍ إلى الخروج ورؤية العالم، إلى تكوين صداقاتٍ جديدة. ليست المسألة أنها لا تحبُّ الفتاة الصغيرة، لكنها تتوق إلى تغيير المناظر المحيطة بها، ولذا يجب أن تنفصل الاثنتان فترةً من الوقت. ثم تعد الدُّمية الفتاة بأن تكتب لها كلَّ يومٍ وتُطلِعها باستمرارٍ على أنشطتها.
تلك هي النقطة التي تبدأ فيها القصَّة تكسر قلبي. من المدهش كفايةً أن كافكا أخذ على عاتقه عناء كتابة الرسالة الأولى أصلًا، فإذا به الآن يُلزِم نفسه بمشروع كتابة رسالةٍ جديدة يوميًّا، ليس لأيِّ سببٍ غير مواساة الفتاة الصغيرة الغريبة عنه تمامًا، مجرَّد طفلةٍ التقاها مصادفةً في المنتزه ذات يومٍ بعد الظُّهر. أيُّ نوعٍ من الرجال يفعل شيئًا كهذا؟ ثم إنه يُواظِب على كتابة الرسائل على مرِّ ثلاثة أسابيع يا نيثَن، ثلاثة أسابيع. ها هو ذا واحد من أعظم الكتَّاب الذين عرفهم هذا العالم يُضحِّي بوقته -وقته الثَّمين الذي يوشك على النفاد- ليكتب رسائل خياليَّة من دُمية. تقول دورا إنه كتب كلَّ عبارةٍ بأقصى درجةٍ من الانتباه للتفاصيل، إن النَّص كان دقيقًا وطريفًا وآسرًا. بمعنى آخر، كان نصًّا لكافكا، وطيلة ثلاثة أسابيع ذهب إلى المنتزه كلَّ يومٍ ليقرأ على الفتاة رسالةً جديدةً. تكبر الدُّمية وتذهب إلى المدرسة وتتعرَّف أناسًا جُددًا، ولو أنها تلمِّح إلى تعقيداتٍ معيَّنة في حياتها تجعل عودتها إلى البيت مستحيلةً. شيئًا فشيئًا يُهيِّئ كافكا الفتاة للحظة التي ستختفي فيها الدُّمية من حياتها إلى الأبد، يُكافِح للتوصُّل إلى نهايةٍ مُرضِية وقد شعر بالقلق من زوال أثر التعويذة السحريَّة إذا لم ينجح. بعد اختبار عدة احتمالات، يُقرّر أخيرًا أن يُزوِّج الدُّمية، ويصف الشاب التي وقعت في غرامه، وحفلة الخطبة، والزفاف الذي أقيم في الريف، وحتى البيت الذي تعيش فيه الدُّمية مع زوجها. ثم، في السطر الأخير، تُودِّع الدُّمية صديقتها القديمة الحبيبة.
في هذه المرحلة لم تعد الفتاة تفتقد الدُّمية طبعًا. لقد أعطاها كافكا شيئًا آخر بدلًا منها، ومع انتهاء تلك الأسابيع الثلاثة كانت الرسائل قد شفَتها من تعاستها. إن لديها قصَّة، وحين يكون المرء محظوظًا بما يكفي للعيش في قصَّة، أن يعيش في عالمٍ خيالي، فعندئذٍ تختفي آلام عالم الواقع، وكلما استمرَّت أحداث القصَّة لا يعود للواقع وجود.
*المترجم المصري هشام فهمي
پول أوستر (1947-2024)
مقتطف ترجمته قبل سنوات من «حماقات بروكلن»
ليكن إذًا، القصَّة، قصَّة الدُّمية... إنه العام الأخير في حياة كافكا، وقد وقعَ في حُبِّ دورا ديامانت، الفتاة البالغة من العمر تسعة عشر أو عشرين عامًا، التي فرَّت من عائلتها الحسيديَّة في پولندا وتعيش الآن في برلين. إنها في نصف سنِّه، لكنها هي من يبثُّ فيه الشجاعة ليترك پراج -وهو الشيء الذي يرغب في فعله منذ سنوات- كما أنها المرأة الأولى والوحيدة التي عاشت معه. يصل كافكا إلى برلين في خريف 1923 ثم يموت في الربيع التالي، ولكن لعلَّ تلك الشهور القليلة الأخيرة كانت الأسعد في حياته على الإطلاق، على الرغم من حالته الصحيَّة المتدهورة، وعلى الرغم من الظروف الاجتماعيَّة في برلين (نقص الأطعمة والشَّغب السياسي وأسوأ تضخُّم مالي في تاريخ ألمانيا)، وعلى الرغم من معرفته المؤكَّدة بأنه على عتبة القبر.
كلَّ يومٍ بعد الظُّهر يذهب كافكا إلى المنتزه، وفي أغلب الأحيان تُصاحبه دورا، ثم يأتي يوم يُصادفان فيه فتاةً صغيرةً تبكي بحرقةٍ شديدة. يسألها كافكا عن سبب بكائها، فتجيب بأنها فقدت دُميتها، فيبدأ في الحال في اختراع قصَّة يفسِّر لها بها ما حدث، ويقول: «دُميتك ذهبت في رحلة»، فتسأله الفتاة: «وكيف تعرف هذا؟»، ويجيبها كافكا: «لأنها كتبت لي رسالة». يلوح الشَّك على ملامح الفتاة، وتسأله: «هل الرسالة معك؟»، فيقول: «لا، آسف، تركتها في البيت دون قصد، لكنني سأحضرها غدًا». إنه مقنعٌ للغاية، إلى درجة أن الفتاة لم تعد تدري ماذا تحسب. أيُمكن أن هذا الرجل الغامض يقول الحقيقة؟
ثم يعود كافكا إلى البيت مباشرةً ليكتب الرسالة. يجلس إلى مكتبه، وفيما تُراقِبه دورا وهو يكتب، تلحظ الجديَّة والشَّد نفسيهما اللذين يتبدَّيان على ملامحه حينما يكتب أعماله هو. إنه لا ينوي أن يغشَّ الفتاة الصغيرة، وما يفعله مخاضٌ أدبي حقيقي، وهو مصرٌّ أن يكون ما يكتبه مضبوطًا. إذا استطاع التوصُّل إلى كذبةٍ جميلة مقنِعة فسيحلُّ واقع آخر محلَّ عالم الفتاة، واقع زائف ربما، لكنه حقيقي ويُمكن تصديقه طبقًا لقوانين الخيال.
يهرع كافكا في اليوم التالي إلى المنتزه ومعه الرسالة ليجد الفتاة في انتظاره، ولأنها لم تتعلَّم القراءة بعد، يقرأ كافكا عليها الرسالة. الدُّمية آسفةٌ للغاية، لكنها سئمت العيش مع الناس أنفسهم طول الوقت. إنها في حاجةٍ إلى الخروج ورؤية العالم، إلى تكوين صداقاتٍ جديدة. ليست المسألة أنها لا تحبُّ الفتاة الصغيرة، لكنها تتوق إلى تغيير المناظر المحيطة بها، ولذا يجب أن تنفصل الاثنتان فترةً من الوقت. ثم تعد الدُّمية الفتاة بأن تكتب لها كلَّ يومٍ وتُطلِعها باستمرارٍ على أنشطتها.
تلك هي النقطة التي تبدأ فيها القصَّة تكسر قلبي. من المدهش كفايةً أن كافكا أخذ على عاتقه عناء كتابة الرسالة الأولى أصلًا، فإذا به الآن يُلزِم نفسه بمشروع كتابة رسالةٍ جديدة يوميًّا، ليس لأيِّ سببٍ غير مواساة الفتاة الصغيرة الغريبة عنه تمامًا، مجرَّد طفلةٍ التقاها مصادفةً في المنتزه ذات يومٍ بعد الظُّهر. أيُّ نوعٍ من الرجال يفعل شيئًا كهذا؟ ثم إنه يُواظِب على كتابة الرسائل على مرِّ ثلاثة أسابيع يا نيثَن، ثلاثة أسابيع. ها هو ذا واحد من أعظم الكتَّاب الذين عرفهم هذا العالم يُضحِّي بوقته -وقته الثَّمين الذي يوشك على النفاد- ليكتب رسائل خياليَّة من دُمية. تقول دورا إنه كتب كلَّ عبارةٍ بأقصى درجةٍ من الانتباه للتفاصيل، إن النَّص كان دقيقًا وطريفًا وآسرًا. بمعنى آخر، كان نصًّا لكافكا، وطيلة ثلاثة أسابيع ذهب إلى المنتزه كلَّ يومٍ ليقرأ على الفتاة رسالةً جديدةً. تكبر الدُّمية وتذهب إلى المدرسة وتتعرَّف أناسًا جُددًا، ولو أنها تلمِّح إلى تعقيداتٍ معيَّنة في حياتها تجعل عودتها إلى البيت مستحيلةً. شيئًا فشيئًا يُهيِّئ كافكا الفتاة للحظة التي ستختفي فيها الدُّمية من حياتها إلى الأبد، يُكافِح للتوصُّل إلى نهايةٍ مُرضِية وقد شعر بالقلق من زوال أثر التعويذة السحريَّة إذا لم ينجح. بعد اختبار عدة احتمالات، يُقرّر أخيرًا أن يُزوِّج الدُّمية، ويصف الشاب التي وقعت في غرامه، وحفلة الخطبة، والزفاف الذي أقيم في الريف، وحتى البيت الذي تعيش فيه الدُّمية مع زوجها. ثم، في السطر الأخير، تُودِّع الدُّمية صديقتها القديمة الحبيبة.
في هذه المرحلة لم تعد الفتاة تفتقد الدُّمية طبعًا. لقد أعطاها كافكا شيئًا آخر بدلًا منها، ومع انتهاء تلك الأسابيع الثلاثة كانت الرسائل قد شفَتها من تعاستها. إن لديها قصَّة، وحين يكون المرء محظوظًا بما يكفي للعيش في قصَّة، أن يعيش في عالمٍ خيالي، فعندئذٍ تختفي آلام عالم الواقع، وكلما استمرَّت أحداث القصَّة لا يعود للواقع وجود.
*المترجم المصري هشام فهمي