هواجس غرفة العالم ( ليلى عبدالله )
7.11K subscribers
3.12K photos
340 videos
63 files
1.09K links
ثقافي ، فكري ، أدبي ، إنساني. .
Download Telegram
نساء نورا ناجي "عاشقات" على طريقة رولان بارت

ليلى عبدالله

A+A-


يتحدث رولان بارت في كتابه "شذرات من خطاب محب" عن تجارب العاشقين، عن العشق نفسه، عن لحظاته المستلبة في قلوب الخائبين، عن هذا الهوى، وهذه الهاوية: هوى... فورة انهيار تنتاب المحب يأسًا أو اكتفاءً.
على هذا النحو تهوي النساء في روايات الكاتبة المصرية الشابة نورا ناجي، التي تكتب عن بنات جنسها، عن هموم فتيات مصريات، يجدن ملاذهن الوحيد في الحب، الحب نفسه حين يخذلهن تنتهي حياتهن، وتستحيل كابوساً فظيعاً!

لا تتناول نورا ناجي ثيمة "الحب" في رواياتها، بل بالمعنى الأدق هي تستعرض ثيمة "الخسارة"، خسارة الحب وفقدانه وحالة التيه التي تخوضها الشخصيات في داخل عملها الروائي، آثار خيبات هذا الحب ليست هينة البتة لا على الرجل ولا على المرأة، في مجتمعات محافظة، تنظر إلى الحب كشبهة وتهمة، في المجتمعات نفسها التي تغدو فيها خطيئة الرجل مذكرة وخطيئة المرأة مؤنثة؛ لذا تختار كل شخصية من شخصيات الكاتبة نورا ناجي طريقًا مختلفًا لمعاقبة نفسها.
اختارت حياة، بطلة رواية "الجدار"، الرحيل من القاهرة، لتهرب من حبيبها الذي ارتبط بامرأة أخرى، بعدما خذلها كما خذلتهم الثورة المصرية، التجربة القاسية خلفت امرأة خاوية الروح، خسرت الحب وخسرت ثمرة الحب أيضا، فلم تجد مفرًا لها سوى مغادرة الماضي إلى دبي حيث يقيم والدها، ثم إلى سيول في كوريا الجنوبية، وكأنها تسعى إلى أن تخلع جلدها- لغتها، هويتها- كل ما يمت ماضيها بصلة، لتتواصل مع جدار ألصقت عليه صور ضحايا وحشية العالم، كالطفل إيان وأطفال الغوطة السورية، وهند وغيرهم، ليغدو هذا الاستغراق من المحلي، من همومها الذاتية إلى هموم العالم نوع من المواساة، وأيّة مواساة!

غير أنه أوقعها في هوّة أشد جرحًا، كما ذهب رولان بارت في شذراته: "الهوة لحظة نوام. فعل إيحاء يوعز إليّ بأن أفقد وعيي من دون أن أموت، ومن هنا، ربما، كانت عذوبة الهوة. لا وزر لي في هذا، وفعل (الموت) ليس من مسؤوليتي. إنني أركن إلى حالي وأحول ذاتي "صوب من؟ صوب الله، والطبيعة، والأشياء كلها، ما عدا صوب الآخر".

الاختفاء
بينما تختار كاميليا، بطلة رواية "أطياف كاميليا"، أن تختفي، كما قالت ابنة أخيها التي سميت باسمها. كانت تسرّح شعرها الطويل أمام المرأة ثم اختفت، كأنّ المرآة بلعتها، وهذه الحالة يُعبّر عنها رولان بارت قائلاً: "حين يحصل وأهوي على هذه الشاكلة، فهذا يعني أنني ما عاد لي من موضع في أي مكان، حتى في الموت. صورة الآخر- التي كنت ألتصق بها، وأعيش- لم تعد موجودة".
تختفي البطلة كاميليا إلى حيث لا يعلم أحد، لكنّ حضورها طاغ في الرواية، أطيافها تظلّ تحوم في عدة أماكن، في بيت والدها، في بيت زوجها، في شوارع القاهرة حيث يقع مرسم حبيبها المتزوج من امرأة أخرى " كاميليا" المرأة الفاتنة التي يقع في حبها جميع الرجال، تستحيل إلى امرأة لا تشبه نفسها بعد أن سلب منها الحب روحها، تنطوي على نفسها، تزداد بدانة، تصبح غريبة الأطوار، تخرج من طنطا حيث تقيم لتهيم في شوارع القاهرة تبحث عن طيف خذلها بشدة، حول حياتها لجحيم.

في هاتين الروايتين تحديدا، تقدم الكاتبة نورا ناجي نموذجين عن آثار خيبات الحب، عن التماهي الكلي في علاقات عاطفية تستلب حيوات نساء مفرطات الحساسية كـــ" حياة" و" كاميليا"، رهانهن في الحياة هو الحب. حياة التي هربت من ماضيها إلى حضن رجل بريطاني هو "تيو"، وتمارس معه علاقة جسدية دون تأنيب في الضمير في بلاد باردة وغريبة، تستنزف ذاتها، لا لتعاقب نفسها بل لتعاقب من خذلها. أما كاميليا، فإنها اختارت الاختفاء، بعدما ضاق عليها العالم الصغير من حولها، غير أنها بقيت حيّة في حياة من حولها، وكأنها اختارت أن تعيد خلق نفسها في جسد ابنة أخيها (كاميليا)، التي ظلت تلاحق حكاية عمتها، التي تمردت ثم اختارت أن تختفي تماما من المشهد الواقعي، لتستحيل مجرد طيف، مجرد ذكرى تهز ذاكرة الحاضرين. تماما كما قال رولان بارت في شذراته: "أتكون الهوة شيئا آخر غير تلاش مؤات؟ لا يصعب أن أقرأ فيها سكينة بل يصعب أن أقرأ انفعالاً. أجعل الهرب قناعًا لحدادي: أتخفف، يغشى علي لأنفلت من هذا التراص، من هذا الانسداد الذي يحيلني فردًا مسؤولاً".


هموم ذاتية
أما بطلات رواية "بنات الباشا" فنحن أمام حشد من النساء، اختارت الكاتبة أن تجمعهن بكامل اختلافاتهن في مكان واحد هو محل لتزيين النساء، يعملن تحت قيادة رجل واحد "الباشا" والذي يغدو مطمعهن، يرغبن في أن يقع في حب كل واحدة منهن، وكأن الكاتبة هنا تصنع أنموذجًا لرجل واحد يغري كثير من النساء باختلاف طباعهن.
في الوقت نفسه، امرأة واحدة تجده عاديا بل أكثر من عادي وهي زوجته زينب، لأنها تحب رجلاً آخر. الحب هنا أيضا له دلالات كبيرة في علاقة زينب بزوجها الباشا، ليغدو زواجهما مجرد صفقة ترضي جميع أفراد العائلة عداها، يغيب الحب بينهما فتهوي العلاقة الزوجية إلى جحيم الجفاء!
بطلات الكاتبة نورا ناجي يحتمين بحوادث عالمية، ليتغلبن على همومهن الذاتية، يتفاعلن بحساسية مفرطة تجاه ما يحدث من حولهن؛ ليطفو شعور عجزهن عن تقويم أنفسهن بمحاولة تقويم العالم، العالم بكل فجاجته يغدو جدارًا خفيًّا أو مرآة مصقولة يعكس ما يحدث حولهن، الثورة المصرية في يناير 2011، وانفجار كنيسة في طنطا، انتحار نادية، إحدى شخصيات رواية " بنات الباشا" التي يغدو حضورها كحكاية في سرد الأخريات، كل واحدة منهن تشبثت بها في موقف ما، بدت من وصفهن عنها امرأة خارقة، حاولت منح كل ما لديها للآخرين سوى نفسها.
نحن أمام نماذج من الشخصيات يمثلن قضايا المرأة في كل مكان، فتيات تعرضهن بل يتعرضن بشكل يومي لاستنزاف جسدي ونفسي من ختان وتحرش ومثلية وغربة وجهل وتسليع.

تجيد الكاتبة نحت نفسيات شخصياتها، تظهرهن على حقيقتهن بلا رتوش، يتمتعن رغم بؤسهن الروحي بشجاعة نادرة، فمن يجرؤ على الفرار أو الاختفاء أو حتى الانتحار في مجتمعات متخلّفة، تدين المرأة لمجرد كونها خلقت أنثى؟
حالهم كحال العشق الذي يصل الى حافة نهايته في هاوية العشاق، كما يرى رولان بارت في شذراته: "كان كلامه يفصح عن نيته في أن ينهار أمام ضعفه، وألا يقاوم ما يثخنه به العالم من جراح، لكنه كان في الوقت نفسه، يستبدل هذه القوة المعدومة بقوة أخرى، وتأكيد آخر: "أتحمل إزاء الأشياء كلها وضدها عقوق الشجاعة، وبالتالي عقوق الأخلاق".
صادفت طرحًا لإحدى القارئات في تويتر منذ عدة أيام، تسأل عن الشخصية الروائية التي تستدعيها لإنقاذك من حادثة خطف؟

أعتقد بأني سأستدعي" سليمان جابر السيوفيّ" بطل رواية لوكاندة بير الوطاويط لأحمد مراد.

وإن لم يتمكن سليمان أفندي من إنقاذي، فعلى الأقل سأضمن أنه سيلتقط صورة جميلة لجثتي 😂
‏نصف الصورة لنا ونحن نضحك،
والنصف الآخرُ
للنسيان الواقف خلفنا
مثل بوديغارد
وهو يوزّع النظرات القلقة في اتّجاه الماضي والغد
متوقّعاً
الغدر منهما
في أيّة لحظة.

خطة بديلة| سُكينة حبيب الله
"فى مرحلة التدقيق وقراءة المسودة، اشطب بقدر الإمكان كل الصفات والأحوال التى وضعتها فى الجمل، عندما تريد أن تقول إن الرجل جلس على العشب، اكتب : الرجل جلس على العشب.. إنها واضحة، لا تشوش انتباه القارئ، لكن أن تكتب: الرجل متوسط الطول ذو اللحية السوداء الطويلة والعينين الحادتين جلس على العشب الأخضر الممتد تحت شمس الصباح والمخضب بقطرات الندى التى فى طريقها للتبخر، فهذا تشويش لعقل القارئ لا يستطيع استيعابه بسرعة».. هكذا نصح أنطون تشيكوف أحد كتاب زمانه. وكتب هيمنجواى لأحد المبتدئين: «اكتب جملًا قصيرة وسريعة الإيقاع، ولا تحاول أن تكتب مثل شكسبير». يتم استدعاء الكاتبين فى اللحظات التى يكون التعبير الواضح البسيط النافذ صعبًا مثل هذه الأيام،
"فى كل مرة واجهت الصفحة البيضاء، أعود من جديد إلى اكتشاف الأدب بنفسى، وأن الماضى لا ينفعنى فى شىء». تذكرت هذه المقولة للكاتب الأرجنتينى بورخيس ، وهو من القليلين الذين أحن إليهم فى الأوقات العصيبة التى أكون فيها خائفًا وغير قادر على مجاراة الأفكار السائدة، أو عاجزًا عن استيعاب ما يدور حولى، رغم كثرة الكلام حول ما يدور، وأشعر بأنه يتحدث نيابة عنى عندما يقول: «العالم لسوء الحظ واقعى وأنا لسوء الحظ بورخيس"

هو شاعر خاص جدّا وعصىّ، ترك الشعر بعد خروجه من غيبوبة إثر إصابته فى رأسه ليلة عيد الميلاد سنة 1938، وراح يكتب نثرًا يحمله الشعر، ويتجول به فى التاريخ الإنسانى، مع عذابات البشر وبطولاتهم، اخترع كائنات لا يعرفها أحد غيره، تمنى لو عاين بنفسه أماكن ألف ليلة.

عاش فى مكتبة الإسكندرية قبل قرون، وصادق ابن رشد والمعرى فى رحلته الطويلة، هو لا يعترف بأى تاريخ إلا تاريخ القراءة، القراءة التى جعلته يفقد بصره، وعين بعدها مديرًا لمكتبة بيونس أيرس الوطنية، وعاد إلى الشعر بقصيدة يحمد الله فيها لأنه «منحه الكتب والعمى بلمسة واحدة»، حياة بورخيس (1899 - 1986) وآراؤه لا تقل غنى عن أعماله.

ولحسن حظ قراء العربية وجود مترجمين موهوبين يعرفون قدر الرجل مثل السوريين صالح علمانى وعابد إسماعيل، ينقلون أولاً بأول ما يخرج عنه بالإسبانية والإنجليزية، كان يتعامل مع نفسه كفارس من القرن التاسع عشر، وأعلن ذات مرة أنه سينتحر، وحدد موعدًا بعد تكريم ميتران له فى فرنسا ومنحه أعلى وسام وعندما سأله الصحفيون بعد مرور اليوم المحدد: لماذا كذبت؟ أجاب: قد أكون انتحرت بالفعل، وربما يكون الذى أمامكم بورخيس آخر، فى أواخر أيامه أصيب بسرطان الكبد، فقرر أن ينهى حياته فى جنيف التى عاش فيها صباه (عندما كان يعالج فيها والده من ضعف النظر)، حتى لا يتحول موته فى الأرجنتين إلى حدث وطنى، وهو فى انتظار الموت قرر أن يتعلم اللغة العربية، كما حكت زوجته ماريا كوداما، وعاش أيامه الأخيرة مع مدرس مصرى شاب (لم يذكروا اسمه) قرأ أعماله بالعربية، ولم يصدق نفسه عندما اكتشف أن صاحب المرايا والمتاهات وصاحب الألف تلميذه، وقضى معه شهورًا تصفها الزوجة بأنها كانت مبهجة، يكتب المصرى على كف الرجل الكبير الأعمى الحروف العربية لكى يمسك بها.

عشت مؤخرامع بورخيس وحكاياته وشعره ، وكأننى أتعرف عليه للمرة الأولى، وقرأت له قصة لم تمر علىّ من قبل، تحكى عن حاكم أمر مجموعة من المساجين برسم خريطة لإمبراطوريته، أرادها دقيقة وتفصيلية إلى أبعد حد، وكان له ذلك، لدرجة أنها مطابقة للأصل فى الحجم والتفاصيل، حتى راح الناس يعيشون بالخريطة وعليها وكأنهم فى مدنهم، ويوم انهارت الإمبراطورية انهارت الخريطة وضاع إنجاز المساجين، لقد انتهى التوأم المتخيل (الخريطة) مع نهاية الأصل، بعدما اختفت نهائيّا الفوارق بين الأصل والصورة.

*الشاعر المصري إبراهيم داوود

١ مارس ٢٠١٧
" ‏في الكتابة لا أسعى للكمال، بل للتجريب".
" كانت قد نامت ذلك النوم الثقيل الذي يستيقظ منه الإنسان حزينًا ومشّوشاً، لا يرغب إلا في البكاء. نوم من العمق والقتامة حتى ليظن المرء أنه مات، بحيث يغمره عرق بارد وشعور بالانهاك".
‏"أحب النوافذ ودعوات الأمهات، أحب كل شيء يدخل النور إلى حياة الإنسان"
‏اقرأ هذه الرواية للمرة الثالثة...

وتنجح ليلى سليماني في خطف لهفتي في كل مرة💕
أغنية هادئة على طريقة ليلى سليماني.

ليلى عبدالله

حين قرأت رواية «أغنية هادئة» للكاتبة الفرنسية المولودة في المغرب «ليلى سليماني» الصادرة عن المركز الثقافي العربي 2017م، تبادر إلى ذهني شخصيتان من شخصيات المسلسل المصري «سجن النساء» الذي أخرجته المخرجة القديرة «كاملة أبو ذكرى» وتأليف الكاتبة «فتحية العسال»، الشخصيتان هما «رضا» و«حياة». رضا التي جسدتها الممثلة «روبي»، وحياة التي تلبست دورها بعناية ملفتة الممثلة «دنيا ماهر»، رضا لعبت دور عاملة منزل، فتاة ريفية بسيطة، أجبرها والدها على العمل خادمة في مدينة القاهرة في سبيل تعليم إخوتها الذكور، رضا التي تتقلب في أدوارها كعاملة للمنزل وتتعرض للإذلال، وحين توشك على نوع من الاستقرار في وظيفتها في إحدى البيوت تناكفها فتاة في مثل سنها عند مخدوميها، الفتاة التي تكون نهايتها الموت حرقًا على يد الخادمة رضا التي اندفعت وراء جريمتها لاسترجاع كرامة مقهورة.
بينما شخصية حياة وهي أم وزوجة، تحمل في قاعها رؤية سوداوية للحياة، وهي نقيض اسمها تمامًا، تندفع وراء وساوسها التي تشكّل واقعها وتطغى عليها كليًّا، فهي تخشى على أطفالها من الاغتصاب، أو من التعرض للاختطاف على يد متاجري أعضاء بشرية، تخشى عليهم من المواد المسرطنة في الأطعمة المعلبة ترتعب عليهم حتى من ظلالهم، ونتيجة لتفاقم وساوسها لاسيما بعد تعرضها لتحرش جنسي تندفع نحو تسميم زوجها وأطفالها ونفسها أيضا، لتخلصهم من حياة كالجحيم، فيموت الجميع ما عداها.
في رواية الكاتبة ليلى سليماني تلتحم هاتان الشخصيتان المتدفقتان بالانفعال في شخصية عاملة المنزل «لويز» الفرنسية التي لم تكن الحياة تمضي معها على نحو جيّد، من حبيب دائم الغضب «جاك» الذي مات بطريقة بشعة إلى ابنة «ستيفاني» التي رحلت عنها في وقت مبكر، «لويز» التي اعتبرت أطفال الآخرين أطفالها، «لويز» التي وجدت في كنف عائلة «بول» و«مريم» برفقة طفليهما «ميلا» و«آدم» مستقرها وخلاصها من حياة بلا جدوى، ليزا التي أصبحت مربية وأكثر في بيت العائلة؛ فحاجة «مريم» كأم إلى مربية لرعاية طفليها تضاعفت بعد أن تفاقمت لديها عقدة كونها مجرد ربة بيت بعد دراستها المحاماة، وجدت أثناء رعاية طفليها أن طموحاتها وئدت لاسيما بعد أن صادفت صديقها أيام الجامعة كيف أصبح محاميًّا متمرسًا، بينما غدت هي مجرد ربة بيت، وحين عرض عليها هذا الصديق أن تعمل محامية في مكتبه، شعرت «مريم» أن الحياة بدأت تنصفها، عقدة الأمومة المزدوجة لدى كثير من النساء الطموحات تتمظهر بعد سنوات من الإنجاب وممارسة الأمومة؛ فيشعرن أنهن مجرد رضاعات لصغارهن، وقد خصت الروائية «ليلى سليماني» روايتها لمناقشة هذه الظاهرة المتفشية عند كثير من الأمهات، وكاشفت مقاصدها في حوار لها: «فقد أحببت أن أقول من خلال الرواية: إن كثيرا من الأمهات لسن فرحات بأنهن صرن أمهات، وفي الوقت الذي يسيطر عليهن هذا الشعور الطاغي بعدم الرضا على كونهن صرن أمهات، تجدينهن يعشقن أولادهن بقوة، ويقمن بجميع واجباتهن على أكمل وجه، لكنهن يفتقدن شيئًّا مهمًا في حياتهن وهو الحرية، الأمومة قيد شئنا أم أبينا، يضاف إلى العديد من القيود التي تفرضها علينا مجتمعاتنا المعاصرة، ولكن في بعض الأحيان يتمنى الكثير من الأمهات أن يقضين يومًا في بيوتهن دون وجود أطفال، يشتقن أحيانًا إلى التحرر من تبعات الأمومة، لكنهن لا يجرؤن على الإعلان عن هذا؛ لأن النظرة المجتمعية ستدينهن بقوة باعتبارهن أمهات سيئات».
لقد وقعت المأساة منذ الصفحات الأولى، فقد وصفت الكاتبة الجريمة في حق الطفلين على يد «لويز» غير أن حكايتها شابها نوع من الغموض، لقد وظفت هذا الغموض في سرد الرواية بمهارة، وجعلت القارئ يلاحق عوالم «لويز» والطفلين ووالدهما، «لويز» التي تغدو ككنز ثمين حصلت عليه العائلة، تتوثق علاقتها بهذا المحيط الأسري، وتصبح جزءًا من العائلة التي يمكن الاستغناء عنها، لقد قامت بكامل واجباتها كمربية، قامت بذلك بحب كبير دون تلكؤ، لقد كانت مربية مثالية بامتياز، غير أنها مع مرور الوقت شعرت أن مدتها في العائلة على وشك أن تنتهي، فالطفلة «ميلا» في المدرسة و«آدم» الذي كان رضيعًا صار في سن المدرسة أيضا، وبذلك لن تحتاج الأسرة لخدمات «لويز»، لويز التي تفاقمت عليها همومها النفسية والمادية، واستبد لديها شعور الوحدة، والحاجة، واليأس من كل شيء، لذا استبقت لديها أمنية وحيدة، أمنية لا تخصها بقدر ما تخص المرأة التي ترعى أطفالها «مريم» في أن تنجب طفلاً ثالثًا كي يكون الحاجة إليها ملحًا «هذا المولود الذي تشتهيه بعنف، وتهفو نفسها إليه بعماء إلى حد أنها مستعدة لأن تخنُق وتحرق وتُدمِّر كل ما قد يحول بينها وبين حلمها».
لقد سعت «لويز» لتهيئة «مريم» وجو البيت كي يأتي هذا الطفل الثالث، وليكون طوق نجاة مما يستبد بها من لوعات الوحدة، غير أن «مريم» كأنها قذفت بمخططها عرض الحائط وذلك حين سألتها طفلتها «ميلا» بتحريض من «لويز» إن كان ثمة طفل بداخلها غير أن مريم تضحك من مداعبة ابنتها ويخيّب جوابها المربية!
يبدو أن شعور الفقد لدى «لويز» تفاقم في نهاية الرواية، وجاء استشهاد الكاتبة في مقدمة صفحات روايتها بعبارة «دوستويفسكي» من روايته «الجريمة والعقاب» في محله تماما: «وتبادر إلى ذهنه فجأة السؤال الذي طرحه عليه مارميلادوف في الليلة السابقة «أتفهم يا سيدي؟ أتعرف معنى ألا يكون للمرء مكان يذهب إليه؟ لأنه يلزم كل شخص مكان يأوي إليه».
نعم، لقد فقدت «لويز» مأواها لا في بيتها فحسب بل في البيت الذي ملأها بالأمومة وأشعرها بحاجة الآخرين لها، البيت الذي اعتقدت لوهلة أنه بيتها الأبدي، وأن الطفلين ميلا وآدم لن يكبرا بل يظلان متلهفين لحكاياتها الملفقة ولمطارداتها في لعبة الغميضة، وحين أدركت مدى قسوة واقعها سحبت روحهما. لقد أنهت الساردة روايتها بسيناريو مفتوح الذي بدا كفاصلة طويلة الأنفاس، وحمّلت القارئ شحنات من الانفعالات المضطربة، ليست مقهورة أو متشفية بقدر ما هي مونولوج داخلي عميق عن حال عاملات المنزل، وحال الأمهات أيضا في هذا العالم المشوب بتحديات هائلة!
‏شخصية" لويز" في رواية ليلى سليماني ذكرتني بشخصية " رضا" التي أدت دورها الفنانة "روبي " في مسلسل سجن النساء.
هذه اللوحة لتلميذ هندي قال له والده أن والدته "لا تعمل". فرسم ما تقوم به من أعمال أمام عينيه ، وتم اختيارها كغلاف لتقرير المساواة بين الجنسين الصادر عن الحكومة الهندية لعام 2021