هواجس غرفة العالم ( ليلى عبدالله )
7.11K subscribers
3.12K photos
340 videos
63 files
1.09K links
ثقافي ، فكري ، أدبي ، إنساني. .
Download Telegram
"‏أن نقول كالأطفال ما نحسّه. هذا هو الأدب".

بيسوا
"الأدب لا يقول شيئًا لمن هم راضون بما لديهم، لمن يرون الحياة بما يعيشونها الآن. الأدب هو قوت الروح المتمردة، هو إعلان عدم الانقياد، هو ملجأ لمن لديهم القليل جدا او الكثير جدا من الحياة."

ماريو بارغس يوسا
كتابة : سعيد الغانمي

خيال لا ينقطع: قراءة في ألف ليلة وليلة
كنتُ سابقاً حين أفرغ من كتاب، أُكافئُ نفسي بشراء علبةِ دخانٍ غالية، لكنَّني أقلعتُ عن التَّدخين منذ ثمان سنوات، أو أدعو نفسي إلى مطعمٍ فخمٍ، لكنَّ أكلي صار يلتزم بالفاكهة والخضر والأكلات المنضبطة، أو أسافر احتفاءً بالمناسبة فأقضي الإجازة، وللأسف فإنَّ الوباء قد جعل هذا الخيار مستبعداً جدّاً. لذلك لم يعدْ أمامي من خيارٍ سوى مشاركة القارئ بنشر جزءٍ من مقدَّمة كتاب "خيال لا ينقطع: قراءة في ألف ليلة وليلة"، الذي انتهيتُ من كتابة مسوَّدته الأولى.
* * *
من حيثُ البناءُ الداخليُّ للكتاب، أرادَتْ شهرزادُ للسَّرد أن يقومَ بوظيفتينِ في وقتٍ واحدٍ؛ الأولى تعليق اهتمام شهريار برواية الحكايات له، حتّى لا تسمحَ له بأن يفكِّرَ في قتلِها. وهكذا صار السَّرد يقوم بوظيفة دفاعيَّة. كلُّ قصَّة ترويها شهرزادُ لشهريارَ تعادلُ الحياةَ نفسها. وبالتالي كلَّما زادت شهرزاد من رواية الحكايات زادَتْ فرصُها في الحياة. فالسَّرد هو الحياة نفسها.
والوظيفة الثانية هي تخليص شهريار من عقدتِهِ النَّرجسيَّة. لقد أُصيبَ شهريار بعقدة نرجسيَّة لا شفاءَ منها، حين رأى زوجتَهُ تخونُهُ. ولذلك قرَّرَ الانتقام من جنس النِّساء جميعاً. يتزوَّج الجارية في يومٍ، ويقتلُها في اليوم التالي، حتّى لم تعدْ توجد في المدينة نساء. من هنا رأتْ شهرزاد أنَّ السَّرد يجب أن يقومَ بالوظيفة الثانية، وهي تخليص الملك السَّعيد من آثار التَّعاسة النَّفسيَّة التي جعلتْهُ عدوانيّاً مشغوفاً بقتل النِّساء البريئات. وما دامت هذه العقدة حيَّةً في نفسه، فإنَّها قد تتسبَّبُ في قتل شهرزاد نفسها. لذلك ينبغي أن تحرصَ على تسريب علاجِها تسريباً بحيث تجعل السَّرد وسيلةً لشفائِهِ منها، تماماً كما تجعلُهُ وسيلةً للدِّفاع عن حياتها شخصيّاً، وحياة بنات جنسها عموماً.
إذا فكَّرنا بهاتين الوظيفتين معاً، لا من حيث المحتوى، بل من حيث الشَّكل، وجدنا أنَّهما تفترضانِ نوعَ العلاقة بين الراوي والمرويِّ له في السَّرد. فالراوي هنا متورِّط، يمثِّل له السَّرد أُفقَ الحياةِ أمامَهُ، ويهدِّده الانقطاع عنه بالتَّعرُّض لشبح الموت. والمرويُّ له مريضٌ قَلِقٌ، لا بدَّ من معالجتِهِ بالسَّرد، لترويض قلقِهِ الرُّوحيِّ. وهكذا يحتاج السَّرد إلى توريط الاثنين، ومكافأة الاثنين معاً. يجب أن يقبلا بهذه اللُّعبة المشتركة، ويدخلا فيها برضاهما، وبالنَّتيجة تعود على الاثنين بالفائدة. تعودُ على الراوي باستمرارِ الحياةِ، حين تتحوَّل الحياة نفسها إلى سردٍ، وعلى المرويِّ له بالخروج من أعبائِهِ النَّفسيَّة، ومغادرة أمراضه وعلله الرُّوحيَّة.
وقد تدرَّجتْ شهرزاد في اختيار الموضوعات المناسبة لمعالجة هذا الجرح النَّرجسيِّ. في البداية، فرضَتِ الحكاية الإطاريَّة، وهي دون ريب تتعلَّقُ بالخيانة الزَّوجيَّة، موضوعتَها على الحكايات المجاورة القريبة منها، فكانت أغلب الحكايات الأولى تتعلَّق بالخيانة، الزَّوجيَّة أو الإنسانيَّة عموماً. لكنَّ جميع الحكايات التي روَتْها شهرزاد لم تترتَّب عليها عقدة نرجسيَّة، كالتي أصابت شهريار، مهما بلغت درجة الخيانة فيها، وبعضُها أضعافٌ مضاعفةٌ لما رآه شهريار. فكان الدَّرس المستقى منها أنَّ الخيانة الزَّوجيَّة ممكنة في الحياة، لكنْ على مَن يتعرَّض لها أن يتجنَّبَ بقدر ما يستطيع ما يترتَّب عليها من آثار نفسيَّة، أو في الأقلِّ أن يعالج نفسه منها.
ويتمثَّل الدَّرس الثاني للسَّرد في انقلاب الأدوار وتحوُّل المصائر. فكما أنَّ للسَّرد مفاجآته، كذلك للحياة مفاجآتها، التي يمكن أن تهبط بالملوك إلى الحضيض، أو أن ترتفع بالعبيد أو الحمّالين إلى الذُّرى والقمم. وعلى المرء أن يضع نصب عينيه انقلاب الأدوار، الذي ينقل الملوك من عروشِهم العالية إلى الدُّركات السُّفلى مع الفقراء والمشرَّدين، وينتقل بالعبيد والمسحوقين والشَّحّاذين إلى الصَّدارة الاجتماعيَّة. وهنا فإنَّ حكمة السَّرد تُعلِّمُ المرء أن يحتاط لكلِّ هذه الأشياء، وألّا ينخدع بالمظاهر الغادرة. على الملوك أن يتعاملوا مع رعاياهم وكأنَّهم فقراء مثلهم، وأن يطمح الفقراء في الحكم وكأنَّهم ملوك، ولو في الأحلام.
من ناحيةٍ أخرى، تنطوي السُّخرية على قدرة نقديَّة، لذلك يجب السَّماح بها. وقد سمح هارون الرَّشيد، وهو المثل الأعلى للملوكيَّة في تصوُّر "ألف ليلة وليلة"، بوجود السُّخرية في التَّعامل معه، مع قدرتِهِ على القضاء عليها، ليس فقط حين كان يتنكَّرُ ويختلط بالرَّعيَّة ليتعرَّفَ على مشاكلها، بل أيضاً هبط لمستواهم، وأتاح لحمّال أو صيّاد أو حدّاد أن يسخر منه، دون أن يعلم أنَّه "الخليفة"، أي المثل الأعلى للملوكيَّة. وقد رضيَ الرَّشيد بهذا الدَّور، لأنَّه يعرف أنَّ الحياة من حيث هي سردٌ يمكن أن تحمل مفاجآتها، فضلاً عن ذلك، فإنَّ من شأن السُّخرية أن تنفِّسَ قليلاً عن كآبة الواقع الراهن. وهذا الدَّرس يجب أن يضعه شهريار في اعتبارِهِ.
وقد يستبدُّ الغرورُ ببعض الملوك، فيتصوَّرون أنَّ سلطتهم ستدومُ أبداً. وهذا ما قد يُفضي بهم إلى ارتكاب أبشع الجرائم، لذلك لا بدَّ من تذكيرهم بأنَّ الخلود الفعليَّ لا يُتاح لأحدٍ من البشر، مهما أُوتيَ من أسباب السُّلطة والقوَّة والنُّفوذ. وليس أدلَّ على ذلك من سلسلة الحكايات التي تتضمَّنُها حكاية "حاسب كريم الدِّين"، حيث حاول أغلب شخصيّات هذه الحكايات أن يحصلوا على الخلود الفعليِّ بنيل "العشبِ الذي لا يموتُ مَن أكلَهُ"، لكنَّ مشاريعَهم انتهت بالإخفاق على نحوٍ مروِّعٍ. نفخَتِ الحيَّةُ في وجه عفّان، وهو يحاول السَّطو على خاتم السَّيِّد سليمان، فصارَ رماداً متطايراً، وبنى جانشاه قبرَهُ بيديه إلى جوار قبر حبيبتِهِ، وبقيَ يقضي حياتَهُ بالبكاء فوق القبرينِ.
ولكنْ إذا استحال مشروع الخلود الفعليِّ، فإنَّ مشروع الخلود السَّرديِّ ممكنٌ، وهو ما يتحقَّق عن طريق الأعمال العظيمة التي تشيِّدُها الشَّخصيّات العظيمة، وتتركُها وراءها لمصلحة شعوبها. وبالتالي فإنَّ المجد الأبقى هو أن يتحوَّلَ الملوك إلى شخصيّات تأسيسيَّة تطوِّر مجتمعاتها وتعمِّرُها. وحين يعزُّ عليها الخلود الشَّخصيُّ، فإنَّها تعيش في قلوب رعاياها وضمائرهم، وتتحوَّل إلى شخصيّات رمزيَّة مؤسِّسة يُقتدى بها في بناء المجتمعات، وتصيرُ مُثُلاً عليا في المرويّات المتبادلة عنها.
وينتهي سرد كتاب "ألف ليلة وليلة" بالموضوعة التي ابتدأ بها، أعني موضوعة الخيانة الزَّوجيَّة. لا بدَّ للملك أن يُدرك أنَّ كلَّ شيءٍ يدور حول الجرح النَّرجسيِّ الخطير الذي أصابَهُ. ولن يستطيع تجاوز مرحلة هذا الجرح إلّا إذا تمكَّنَ من أن يفهم أنَّ العالم مليءٌ بالنَّماذج الأخرى من النِّساء المخلصات اللَّواتي يُضحِّينَ بحياتهنَّ من أجل أزواجهنَّ وأحبّائهنَّ. عليه أن يفهم أنَّ هناك نساءً مخلصاتٍ، بقدر ما توجد نساءٌ خائناتٌ. وليس هذا لإدراك العالم في ذاته، بل لتجاوز هذه العقدة النَّرجسيَّة التي سمَّمَتْ حياتَهُ ورنَّقَتْ وجودَهُ. ولن ينجوَ منها ما لم يضعْ نصب عينيه أنَّ هناك نساءً مخلصاتٍ، من طراز مريم الزَّنّاريَّة، وجارية الفتى البغداديِّ، وكوكب الصَّباح زوجة الجوهريِّ المصريَّة، وزوجة معروف الإسكافيِّ الثانية. وبهذه المجموعة من الحكايات اكتملت دائرة السَّرد، وعاد إلى نقطةِ بدئِهِ. وإذا تمكَّنَ شهريار من معرفة ذلك، فإنَّه يكون قد تخلَّصَ من عبء المرارة النَّفسيَّة، واستعادَ براءتَهُ وسلامتَهُ وسويَّتَهُ.
كتاب "ألف ليلة وليلة" كتابٌ مركَّبٌ، يُرائي بالبساطة، ويغصُّ بالتَّعقيد، ويدَّعي الشَّعبيَّة، في حين يتصرَّف ككتابٍ رفيعٍ، يستطيع اقتحام اللُّغات والثَّقافات المتباعدة. والغريب أنَّه يتمكَّنُ دائماً من الدُّخول في الذاكرة الثَّقافيَّة للثَّقافات التي ينتقل إليها. وهكذا تزعم جميع الثَّقافات أنَّه جزءٌ من ذاكرتها الثَّقافيَّة. ولعلَّه يقوم بذلك من خلال تبنِّيه هاتين الوظيفتين اللَّتين تحدَّثتُ عنهما، وانشغاله بالموضوعات السِّتِّ التي ركَّزَ عليها. وهنا نفهم الحيلة التي مرَّرَها، ويمرِّرُها، علينا هذا الكتاب، فهو يُرائي بالشَّعبيَّة البسيطة، لكنَّه في الحقيقة يمارس تأثيراً سحريّاً يتخطَّى حدود الثَّقافة المحلِّيَّة ليلتصق بالعالميَّة. وبرغم أنَّه بقيَ باستمرارٍ يحمل الانتماء إلى العرب باسمه "اللَّيالي العربيَّة"، فقد صارت تدَّعيه جميع الثَّقافات واقعيّاً.
ممّا يُسعِدُ المؤلِّف أن يضع خطَّةً، ويتمكَّنَ من إنجازها، ربَّما بأفضلَ ممّا توقَّعَهُ لدى الوهلة الأولى. ولستُ أُخفي أنَّ كتابة هذا العمل كانت مليئةً بالمتعة، التي أتمنَّى أن يُشاركني بها القارئ، فيتوصَّلَ إلى متعة اكتشاف مماثلة. لقد كانت الخطَّة التي وضعتُها محدودةً بكتابة ثلاثة فصولٍ تُعنى بالخاصِّيَّة الصِّنفيَّة للكتاب، وستَّة فصول أخرى تتناول الموضوعات التي شملَها البحث، بدءاً من الحكاية الإطاريَّة، وحكايات الخيانات الأولى التي تمسخُ فيها النِّسوة أزواجَهنَّ وينتقمنَ منهم، دون أن يتركَ ذلك فيهم أيَّ أثرٍ على جرحٍ نرجسيٍّ، وانتهاءً بالحكايات التي تتحدَّث عن إخلاص النِّساء الفضليات، اللَّواتي لم يستطعْ شهريار أن يراهنَّ في عالمِهِ الضَّيِّق. وللأمانة، فما زلتُ أشعر بأنَّ الكتاب ينطوي على كثيرٍ من الموضوعات التي تستحقُّ البحث، وأرجو أن يهتمَّ بها القارئ ويحيطَها باستكشافه، أو قد يسعفني الحظُّ بالعودة إليها في بحثٍ آخرَ.
"‏الغاية من الأدب هي أن نحوّل الدم إلى حبر".

تي أس إليوت
تعرّف “الماغوط” على الشاعرة “سنية صالح” في بيت “أدونيس”، وهي شقيقة زوجته “خالدة سعيد”، وكان التعارف سببه التنافس على جائزة جريدة “النهار” لأفضل قصيدة نثر، وهناك التقت الأعين وبدأت شرارة الحب الأولى كانا غريبين ومتشابهين فرغم مظاهر المدنية كانت “سنية” ابنة الأرض والطبيعة، فتحت عيناها على سهول وجبال مدينتها الريفية “مصياف” وكان هو الشاعر الفوضوي الذي لم تقتلع منه المدن “بداوته” توطدت تلك المعرفة إلى صداقة ثم زواج.
نساء نورا ناجي "عاشقات" على طريقة رولان بارت

ليلى عبدالله

A+A-


يتحدث رولان بارت في كتابه "شذرات من خطاب محب" عن تجارب العاشقين، عن العشق نفسه، عن لحظاته المستلبة في قلوب الخائبين، عن هذا الهوى، وهذه الهاوية: هوى... فورة انهيار تنتاب المحب يأسًا أو اكتفاءً.
على هذا النحو تهوي النساء في روايات الكاتبة المصرية الشابة نورا ناجي، التي تكتب عن بنات جنسها، عن هموم فتيات مصريات، يجدن ملاذهن الوحيد في الحب، الحب نفسه حين يخذلهن تنتهي حياتهن، وتستحيل كابوساً فظيعاً!

لا تتناول نورا ناجي ثيمة "الحب" في رواياتها، بل بالمعنى الأدق هي تستعرض ثيمة "الخسارة"، خسارة الحب وفقدانه وحالة التيه التي تخوضها الشخصيات في داخل عملها الروائي، آثار خيبات هذا الحب ليست هينة البتة لا على الرجل ولا على المرأة، في مجتمعات محافظة، تنظر إلى الحب كشبهة وتهمة، في المجتمعات نفسها التي تغدو فيها خطيئة الرجل مذكرة وخطيئة المرأة مؤنثة؛ لذا تختار كل شخصية من شخصيات الكاتبة نورا ناجي طريقًا مختلفًا لمعاقبة نفسها.
اختارت حياة، بطلة رواية "الجدار"، الرحيل من القاهرة، لتهرب من حبيبها الذي ارتبط بامرأة أخرى، بعدما خذلها كما خذلتهم الثورة المصرية، التجربة القاسية خلفت امرأة خاوية الروح، خسرت الحب وخسرت ثمرة الحب أيضا، فلم تجد مفرًا لها سوى مغادرة الماضي إلى دبي حيث يقيم والدها، ثم إلى سيول في كوريا الجنوبية، وكأنها تسعى إلى أن تخلع جلدها- لغتها، هويتها- كل ما يمت ماضيها بصلة، لتتواصل مع جدار ألصقت عليه صور ضحايا وحشية العالم، كالطفل إيان وأطفال الغوطة السورية، وهند وغيرهم، ليغدو هذا الاستغراق من المحلي، من همومها الذاتية إلى هموم العالم نوع من المواساة، وأيّة مواساة!

غير أنه أوقعها في هوّة أشد جرحًا، كما ذهب رولان بارت في شذراته: "الهوة لحظة نوام. فعل إيحاء يوعز إليّ بأن أفقد وعيي من دون أن أموت، ومن هنا، ربما، كانت عذوبة الهوة. لا وزر لي في هذا، وفعل (الموت) ليس من مسؤوليتي. إنني أركن إلى حالي وأحول ذاتي "صوب من؟ صوب الله، والطبيعة، والأشياء كلها، ما عدا صوب الآخر".

الاختفاء
بينما تختار كاميليا، بطلة رواية "أطياف كاميليا"، أن تختفي، كما قالت ابنة أخيها التي سميت باسمها. كانت تسرّح شعرها الطويل أمام المرأة ثم اختفت، كأنّ المرآة بلعتها، وهذه الحالة يُعبّر عنها رولان بارت قائلاً: "حين يحصل وأهوي على هذه الشاكلة، فهذا يعني أنني ما عاد لي من موضع في أي مكان، حتى في الموت. صورة الآخر- التي كنت ألتصق بها، وأعيش- لم تعد موجودة".
تختفي البطلة كاميليا إلى حيث لا يعلم أحد، لكنّ حضورها طاغ في الرواية، أطيافها تظلّ تحوم في عدة أماكن، في بيت والدها، في بيت زوجها، في شوارع القاهرة حيث يقع مرسم حبيبها المتزوج من امرأة أخرى " كاميليا" المرأة الفاتنة التي يقع في حبها جميع الرجال، تستحيل إلى امرأة لا تشبه نفسها بعد أن سلب منها الحب روحها، تنطوي على نفسها، تزداد بدانة، تصبح غريبة الأطوار، تخرج من طنطا حيث تقيم لتهيم في شوارع القاهرة تبحث عن طيف خذلها بشدة، حول حياتها لجحيم.

في هاتين الروايتين تحديدا، تقدم الكاتبة نورا ناجي نموذجين عن آثار خيبات الحب، عن التماهي الكلي في علاقات عاطفية تستلب حيوات نساء مفرطات الحساسية كـــ" حياة" و" كاميليا"، رهانهن في الحياة هو الحب. حياة التي هربت من ماضيها إلى حضن رجل بريطاني هو "تيو"، وتمارس معه علاقة جسدية دون تأنيب في الضمير في بلاد باردة وغريبة، تستنزف ذاتها، لا لتعاقب نفسها بل لتعاقب من خذلها. أما كاميليا، فإنها اختارت الاختفاء، بعدما ضاق عليها العالم الصغير من حولها، غير أنها بقيت حيّة في حياة من حولها، وكأنها اختارت أن تعيد خلق نفسها في جسد ابنة أخيها (كاميليا)، التي ظلت تلاحق حكاية عمتها، التي تمردت ثم اختارت أن تختفي تماما من المشهد الواقعي، لتستحيل مجرد طيف، مجرد ذكرى تهز ذاكرة الحاضرين. تماما كما قال رولان بارت في شذراته: "أتكون الهوة شيئا آخر غير تلاش مؤات؟ لا يصعب أن أقرأ فيها سكينة بل يصعب أن أقرأ انفعالاً. أجعل الهرب قناعًا لحدادي: أتخفف، يغشى علي لأنفلت من هذا التراص، من هذا الانسداد الذي يحيلني فردًا مسؤولاً".


هموم ذاتية
أما بطلات رواية "بنات الباشا" فنحن أمام حشد من النساء، اختارت الكاتبة أن تجمعهن بكامل اختلافاتهن في مكان واحد هو محل لتزيين النساء، يعملن تحت قيادة رجل واحد "الباشا" والذي يغدو مطمعهن، يرغبن في أن يقع في حب كل واحدة منهن، وكأن الكاتبة هنا تصنع أنموذجًا لرجل واحد يغري كثير من النساء باختلاف طباعهن.
في الوقت نفسه، امرأة واحدة تجده عاديا بل أكثر من عادي وهي زوجته زينب، لأنها تحب رجلاً آخر. الحب هنا أيضا له دلالات كبيرة في علاقة زينب بزوجها الباشا، ليغدو زواجهما مجرد صفقة ترضي جميع أفراد العائلة عداها، يغيب الحب بينهما فتهوي العلاقة الزوجية إلى جحيم الجفاء!
بطلات الكاتبة نورا ناجي يحتمين بحوادث عالمية، ليتغلبن على همومهن الذاتية، يتفاعلن بحساسية مفرطة تجاه ما يحدث من حولهن؛ ليطفو شعور عجزهن عن تقويم أنفسهن بمحاولة تقويم العالم، العالم بكل فجاجته يغدو جدارًا خفيًّا أو مرآة مصقولة يعكس ما يحدث حولهن، الثورة المصرية في يناير 2011، وانفجار كنيسة في طنطا، انتحار نادية، إحدى شخصيات رواية " بنات الباشا" التي يغدو حضورها كحكاية في سرد الأخريات، كل واحدة منهن تشبثت بها في موقف ما، بدت من وصفهن عنها امرأة خارقة، حاولت منح كل ما لديها للآخرين سوى نفسها.
نحن أمام نماذج من الشخصيات يمثلن قضايا المرأة في كل مكان، فتيات تعرضهن بل يتعرضن بشكل يومي لاستنزاف جسدي ونفسي من ختان وتحرش ومثلية وغربة وجهل وتسليع.

تجيد الكاتبة نحت نفسيات شخصياتها، تظهرهن على حقيقتهن بلا رتوش، يتمتعن رغم بؤسهن الروحي بشجاعة نادرة، فمن يجرؤ على الفرار أو الاختفاء أو حتى الانتحار في مجتمعات متخلّفة، تدين المرأة لمجرد كونها خلقت أنثى؟
حالهم كحال العشق الذي يصل الى حافة نهايته في هاوية العشاق، كما يرى رولان بارت في شذراته: "كان كلامه يفصح عن نيته في أن ينهار أمام ضعفه، وألا يقاوم ما يثخنه به العالم من جراح، لكنه كان في الوقت نفسه، يستبدل هذه القوة المعدومة بقوة أخرى، وتأكيد آخر: "أتحمل إزاء الأشياء كلها وضدها عقوق الشجاعة، وبالتالي عقوق الأخلاق".
صادفت طرحًا لإحدى القارئات في تويتر منذ عدة أيام، تسأل عن الشخصية الروائية التي تستدعيها لإنقاذك من حادثة خطف؟

أعتقد بأني سأستدعي" سليمان جابر السيوفيّ" بطل رواية لوكاندة بير الوطاويط لأحمد مراد.

وإن لم يتمكن سليمان أفندي من إنقاذي، فعلى الأقل سأضمن أنه سيلتقط صورة جميلة لجثتي 😂
‏نصف الصورة لنا ونحن نضحك،
والنصف الآخرُ
للنسيان الواقف خلفنا
مثل بوديغارد
وهو يوزّع النظرات القلقة في اتّجاه الماضي والغد
متوقّعاً
الغدر منهما
في أيّة لحظة.

خطة بديلة| سُكينة حبيب الله
"فى مرحلة التدقيق وقراءة المسودة، اشطب بقدر الإمكان كل الصفات والأحوال التى وضعتها فى الجمل، عندما تريد أن تقول إن الرجل جلس على العشب، اكتب : الرجل جلس على العشب.. إنها واضحة، لا تشوش انتباه القارئ، لكن أن تكتب: الرجل متوسط الطول ذو اللحية السوداء الطويلة والعينين الحادتين جلس على العشب الأخضر الممتد تحت شمس الصباح والمخضب بقطرات الندى التى فى طريقها للتبخر، فهذا تشويش لعقل القارئ لا يستطيع استيعابه بسرعة».. هكذا نصح أنطون تشيكوف أحد كتاب زمانه. وكتب هيمنجواى لأحد المبتدئين: «اكتب جملًا قصيرة وسريعة الإيقاع، ولا تحاول أن تكتب مثل شكسبير». يتم استدعاء الكاتبين فى اللحظات التى يكون التعبير الواضح البسيط النافذ صعبًا مثل هذه الأيام،
"فى كل مرة واجهت الصفحة البيضاء، أعود من جديد إلى اكتشاف الأدب بنفسى، وأن الماضى لا ينفعنى فى شىء». تذكرت هذه المقولة للكاتب الأرجنتينى بورخيس ، وهو من القليلين الذين أحن إليهم فى الأوقات العصيبة التى أكون فيها خائفًا وغير قادر على مجاراة الأفكار السائدة، أو عاجزًا عن استيعاب ما يدور حولى، رغم كثرة الكلام حول ما يدور، وأشعر بأنه يتحدث نيابة عنى عندما يقول: «العالم لسوء الحظ واقعى وأنا لسوء الحظ بورخيس"

هو شاعر خاص جدّا وعصىّ، ترك الشعر بعد خروجه من غيبوبة إثر إصابته فى رأسه ليلة عيد الميلاد سنة 1938، وراح يكتب نثرًا يحمله الشعر، ويتجول به فى التاريخ الإنسانى، مع عذابات البشر وبطولاتهم، اخترع كائنات لا يعرفها أحد غيره، تمنى لو عاين بنفسه أماكن ألف ليلة.

عاش فى مكتبة الإسكندرية قبل قرون، وصادق ابن رشد والمعرى فى رحلته الطويلة، هو لا يعترف بأى تاريخ إلا تاريخ القراءة، القراءة التى جعلته يفقد بصره، وعين بعدها مديرًا لمكتبة بيونس أيرس الوطنية، وعاد إلى الشعر بقصيدة يحمد الله فيها لأنه «منحه الكتب والعمى بلمسة واحدة»، حياة بورخيس (1899 - 1986) وآراؤه لا تقل غنى عن أعماله.

ولحسن حظ قراء العربية وجود مترجمين موهوبين يعرفون قدر الرجل مثل السوريين صالح علمانى وعابد إسماعيل، ينقلون أولاً بأول ما يخرج عنه بالإسبانية والإنجليزية، كان يتعامل مع نفسه كفارس من القرن التاسع عشر، وأعلن ذات مرة أنه سينتحر، وحدد موعدًا بعد تكريم ميتران له فى فرنسا ومنحه أعلى وسام وعندما سأله الصحفيون بعد مرور اليوم المحدد: لماذا كذبت؟ أجاب: قد أكون انتحرت بالفعل، وربما يكون الذى أمامكم بورخيس آخر، فى أواخر أيامه أصيب بسرطان الكبد، فقرر أن ينهى حياته فى جنيف التى عاش فيها صباه (عندما كان يعالج فيها والده من ضعف النظر)، حتى لا يتحول موته فى الأرجنتين إلى حدث وطنى، وهو فى انتظار الموت قرر أن يتعلم اللغة العربية، كما حكت زوجته ماريا كوداما، وعاش أيامه الأخيرة مع مدرس مصرى شاب (لم يذكروا اسمه) قرأ أعماله بالعربية، ولم يصدق نفسه عندما اكتشف أن صاحب المرايا والمتاهات وصاحب الألف تلميذه، وقضى معه شهورًا تصفها الزوجة بأنها كانت مبهجة، يكتب المصرى على كف الرجل الكبير الأعمى الحروف العربية لكى يمسك بها.

عشت مؤخرامع بورخيس وحكاياته وشعره ، وكأننى أتعرف عليه للمرة الأولى، وقرأت له قصة لم تمر علىّ من قبل، تحكى عن حاكم أمر مجموعة من المساجين برسم خريطة لإمبراطوريته، أرادها دقيقة وتفصيلية إلى أبعد حد، وكان له ذلك، لدرجة أنها مطابقة للأصل فى الحجم والتفاصيل، حتى راح الناس يعيشون بالخريطة وعليها وكأنهم فى مدنهم، ويوم انهارت الإمبراطورية انهارت الخريطة وضاع إنجاز المساجين، لقد انتهى التوأم المتخيل (الخريطة) مع نهاية الأصل، بعدما اختفت نهائيّا الفوارق بين الأصل والصورة.

*الشاعر المصري إبراهيم داوود

١ مارس ٢٠١٧
" ‏في الكتابة لا أسعى للكمال، بل للتجريب".