هواجس غرفة العالم ( ليلى عبدالله )
7.11K subscribers
3.12K photos
340 videos
63 files
1.09K links
ثقافي ، فكري ، أدبي ، إنساني. .
Download Telegram
مقالي في النهار اللبنانية:

يا تُرى، أيهما أكثر غرابة وإثارة للوجدان: أن تُبعث من الموت بأسلوب الكاتب أحمد الحقيل، أو ألا تموت وتبقى خالدًا أبداً كما عند ساراماغو؟ أو أن تموت في سن محددة سلفًا على طريقة حمور زيادة، أو أن تكون "جثة" في وطن الخراب على طريقة "خالد خليفة"؟

أترك الخيار مفتوحًا لخيال القراء...

https://www.annaharar.com/arabic/culture/books-authors/30012021084135403
أموات... على طريقة الأدباء!

ليلى عبدالله

لا أدري هل هو من قبيل الصدفة أن أقرأ خلال الشهر نفسه أربعة أعمال أدبية تدور حول ثيمة الموت؟

لعل رواية "الخلق الجديد" للكاتب السعودي أحمد الحقيل هي من شرّعت سيرة الموت على مصراعيه، وهي رواية الكترونية متاحة للجميع في مدونة الكاتب. تدور حول فكرة غريبة بل غير واقعية، عن أموات يبعثون من قبورهم. ويصف الكاتب في صفحات الرواية مشهد قيامهم: "حبيبات تراب تلفظ من أحد القبور، تصعد في الهواء مثل شخص عطس فتتناثر ما يعلكه في فمه، ثم يكرر الشيء نفسه قبر آخر، وثالث، ثم تدريجيًّا وبصعوبة كبيرة استغرقت عدة دقائق من اللغط والأصوات الغريبة غير المعرفة والهيئات الظلية المموهة، انبثق عشرة أشخاص عراة من عشرة قبور. طريقة خروجهم تكاد تبدو اعتيادية، كمن يقوم من تحت أنقاض لحاف ثقيل بعد نومة طويلة".

شخصيات الرواية استنكروا، على نحو صادم، هذه الظاهرة الغريبة من نوعها في قرية من القرى السعودية، فراح حمدان يسأل زوجته فاطمة: "الميت وش يبي يرجع يا فاطمة؟"، فترد زوجته: "من اللي ما يبي يرجع للحياة؟" فيقول حمدان:" " ما قلنا شي. لكنك ميت، خلاص. وش تبي من الحياة؟".
أحمد الحقيل يحفّز أسئلة الموت في أفئدة الأحياء؛ بل يتلاعب بمشاعر أهل القرية، الذين يتفاجأ كل واحد منهم بعودة موتاهم الذين فارقوهم منذ سنوات، يخرجون من قبورهم المبقورة، عراة كما ولدوا، والغريب في الأمر، أن هؤلاء الأموات يعودون بلا جلبة كأنهم لم يموتوا يومًا، يعودون وكأنهم جمدوا لفترة ما على آخر فعل كانوا يمارسونه، حتى أقاربهم من الأحياء من صدمة اللقاء بعد غياب يستنكفون عن مساءلتهم عن أوضاعهم حين كانوا أمواتًا في قبورهم المظلمة، ومن كان يسأل يحصل على تأنيب حار من الميت الذي يرشقه بالخبل وقلة العقل!
في الفصل الثاني من الرواية، وعنوانه "الخلود"، لا يموت أحد، وتبقى القبور المبقورة فارغة، ولكن سرعان ما تعود الحياة الى مجاريها. في الفصل الثالث، الذي جاء بعنوان " الموت"، يعود الأموات من حيث أتوا، ويموت من لم يمت من الشخصيات في الرواية.
رواية الحقيل، تجعلنا كقراء نتساءل طويلاً في سيرة الموت وغرابته، بل تمني النفس إلى تخيل مجيء أموات بعد سنوات طويلة من قبورهم، كيف ستكون مواقفنا تجاه هذا الغياب؟ هل سنفرح؟ هل سيكون الوضع طبيعيا؟ كيف سنتعاطى مع المسألة؟ هل سيكون الميت كسابق عهدنا به أم يكونون مختلفين؟



"انقطاعات الموت"

وإذا كان الأموات في رواية "الخلق الجديد" يخرجون من قبورهم أحياء، فإن الأحياء في رواية "انقطاعات الموت" للأديب البرتغالي ساراماغو، لا يجدون طريقهم إلى المقابر، بل ويغدو الموت أمنية نفيسة. فهي رواية تتحدث عن قرية لا يموت فيها أحد، يتوقف عمل الموت فيها، وتبدأ بعبارة ذات مغزى واضح: "في اليوم التالي لم يمت أحد". وتماهيًّا في الإبداع والغرابة في آن، استعان ساراماغو براوي هو "الموت" نفسه. انه الموت الذي يستقيل عن القيام بمهامه في قرية لا اسم لها.
في البداية يفرح أهل القرية بذلك، وينعمون بمعنى الخلود، ولكن سرعان ما تتأزم الأوضاع، ليس على الصعيد الشخصي فحسب وإنما على كافة الأصعدة السياسية منها والاقتصادية، ناهيك عن الأعباء الاجتماعية؛ تمتلئ المستشفيات بالمرضى الذين لا يموتون، تكتظ دور المسنين، يتجمد العمل في قطاع الجنائز وحفاري القبور، تتأزم شركات التأمين، فلا أحد سيؤمّن على حياته في غياب الموت...
تتأزم الأوضاع الاقتصادية لاسيما رواتب المتقاعدين الذين يستلمون معاشاتهم مهما طال بهم العمر، مع تكاثر عدد المواليد الذين يحتاجون إلى وظائف وإلى رواتب وإلى معاشات، إضافة الى "المافيا" التي تحاول استغلال الأوضاع المتأزمة لمصلحتها؛ لدرجة أن الحكومة نفسها، وسط حالات الفوضى العارمة، تستعين بها، كي تسمح بتسلل أهالي القرية إلى المناطق الحدودية حيث الأوضاع فيها تغدو طبيعية وحيث يقوم الموت بمهامه على أكمل وجه.
هكذا، تناول ساراماغو مسألة الخلود ومدى تأثيرها الكارثي على حياة الأحياء وعلى أوضاع الإنسانية إذا ما صار الوضع واقعيًّا!

"ستموت في العشرين"

وكان من قبيل الصدفة كما أشرت في بداية المقالة أن أشاهد فيلم السوداني الشهير "ستموت في العشرين" الذي عرضته منصة " نتفليكس"، وهو يدول ايضاً حول ثيمة الموت.
الفيلم مقتبس عن قصة قصيرة للكاتب السوداني حمور زيادة، من مجموعته القصصية والتي تحمل عنوان القصة نفسها "النوم عند قدمي الجبل". وتفتتح القصة بعبارة:"كل الناس كانت تعرف أن مزمل النور سيموت يوم سيكمل عامه العشرين. استنادًا إلى نبوءة لا يزال مزمل يسمعها منذ شبّ واشتدّ عوده".
يتورط مزمل منذ ولادته بسيرة الموت؛ بعد نبوءة الخليفة الصوفي، في قرية كل شيء فيها بسيط، حتى عقول أصحابها لدرجة أن كلام الأولياء يغدو مقدسًا وحقيقيًّا إلى أقصى حد.
كن النسوة في القرية يربتن على رأس صبي الموت، مزمل، في حنو ويهمسن "يا مسكين. تموت صبيا، الدنيا خربانه". ويلقبه الصبية في القرية "بود الموت".
ترتدي أمه سكينة السواد، ويصبح كل همها هو أن تحسب عمر ابنها مزمل، يومًا بيوم وشهرًا بشهر وسنة بسنة، وهي تمّني نفسها كلما تكاثرت الأعمار أن يكون حسابها غير صحيح، وأن يمتد العمر بوليدها الوحيد إلى أجل غير مسمى؛ لكنّ يقينها بنبوءة الخليفة كان قويًّا لدرجة أنها أعدت للموت عدّته وجهزت كفنه.
سكينة التي أحاطت ابنها بكفن الموت منذ طفولته، عاملته كجثة متحركة، سيغادرها حين يبلغ العشرين من عمره، وكي لا تهدر عمره بعيدًا عن ناظريها؛ منعته عن كل شيء، عن المدرسة، وعن اللعب مع أقرانه من أطفال القرية، ولولا ضغط من حولها عليها لما جعلته يتعلم حتى حفظ القرآن الكريم.
سوادٌ طافح يحاصر مزمل، فكل شيء من حوله يربطه بالموت وسيرته، لكنّ حياته تتعافى بعد أن يلتقي بمصور أفلام سينمائية هو العم "سليمان"، الذي قضى ردحًا من الزمن قبل تقاعده في العاصمة.
يتعرّف مزمل من خلاله على عوالم خفية عن تصوراته البسيطة في قرية أعدّته للموت سلفًا. وحده العمّ سليمان كان يحرّضه على ممارسة حياة حقيقية، بل يحفزه على أن يعيش البقية الباقية من عمره القصير بالتمتع بالحياة المتاحة. ومن ثمّ يبلغ مزمل عامه العشرين باكتمال رجولته مع امرأة عاهرة في حي العبيد. فهل سيموت؟ لن أحرق تفصيلة النهاية التي تجري عليها فكرة الفيلم والقصة معًا على القارئ والمشاهد في آن!


"الموت عمل شاق"

أما الرواية الرابعة، فكانت بعنوان " الموت عمل شاق" للروائي السوري خالد خليفة، وهي عبارة عن رحلة يقوم بها ثلاثة أشقاء لدفن جثة أبيهم التي مات بشكل طبيعي في مستشفى في ريف دمشق إلى بلدته العنابية بناء على وصيته لابنه البكر نبيل.
الجثة هي التي تجمع هؤلاء الأخوة الذين يبدون كغرباء (شقيقان وشقيقة في ميكروباص). ولكن لأنهم في سوريا، فإن طريق الموت ليس سهلاً البتة، بل مفروشًا بالألغام والحواجز العسكرية وداعش.
الموت في مكان كسوريا هو عمل شاق جدًّا، لدرجة أن الجثة نفسها تتعرض للاعتقال! وهذا لأن صاحبها كان معارضًا للسلطة قبل موته! الجثة لا تصل إلى مرقدها الأخير سوى كجيفة يخرج منها الدود، نعم "الموت الذي لا يراكم غضبًا، لم يعد يعول عليه".

يا تُرى، أيهما أكثر غرابة وإثارة للوجدان: أن تُبعث من الموت بأسلوب الكاتب أحمد الحقيل، أو ألا تموت وتبقى خالدًا أبداً كما عند ساراماغو؟ أو أن تموت في سن محددة سلفًا على طريقة حمور زيادة، أو أن تكون "جثة" في وطن الخراب على طريقة "خالد خليفة"؟

أترك الخيار مفتوحًا لخيال القراء...
" في المدن الصغيرة يتحرك الملل في فراغ الأشياء، بينما في المدن الكبيرة يتحرك في ازدحامها".

طرق ومدن| أحمد الحقيل
‏أجيال رواية " حديث الصباح والمساء " للروائي المصري نجيب محفوظ.
رواية " دفاتر فارهو" .. أي معنى للنجاة؟

الكاتب والباحث السوري مصطفى ديب.

اختارت الكاتبة العُمانية ليلى عبد الله لروايتها "دفاتر فارهو" (منشورات المتوسط، 2018)، موضوعًا مرتبطًا بالواقع المُعاش، وعلى اتصالٍ مباشر بحيوات عددٍ هائل من البشر حول العالم، وهو موضوع الهجرة واللجوء وأوجاعهما، بصفتهما عناوين اللحظة الراهنة بعد الحروب الأهلية والمذهبية والمجاعات وغيرها. وأسفل هذه العناوين، تُقدّم للقارئ تفاصيل ترصد تحولات الفرد ما قبل الهجرة/ اللجوء وما بعدها، بما هي تحولات تعيد صياغته وتشكيله، وتؤسس لنسخة جديدة منه بغير إرادته.

وعبر هذه التفاصيل الموزعة على شخصياتٍ مختلفة، ولكنها تتشارك الصفة والمصير وطبيعة الحياة ونمط العيش أيضًا، تبني ليلى عبد الله قصتها التي تظل مفتوحة بعد نهاية الرواية، في إشارةٍ ربما إلى أن مأساة الهجرة واللجوء لا تزال قائمة. وعلى الرغم من أن هذه المأساة هي موضوع الرواية، إلا أن حضورها يبدو مشروطًا بأن تبقى خلفية لما يجري، أو سببًا لما وصلت إليه أحوال الشخصيات. فما يعني الكاتبة هنا ليس الاستفاضة في الحديث عنها، وإنما الانصراف إلى معاينة أحوال شخصياتها النفسية وأوضاعها الداخلية أيضًا، بهدف اكتشاف أكبر قدرٍ مُمكن من التفاصيل المنسية في حكايات اللاجئين.

تُقدّم ليلى عبد الله شخصيات متوترة، نتعرف إليها بينما تعيش أقصى توتراتها النفسية، وفي الوقت الذي تحاول فيه مقاومة ما يمكن وصفه هنا بـ "الهيمنة"؛ هيمنة تحاول فرضها عوامل داخلية يتقدمها الماضي ببؤسه ومآسيه، وهيمنة أخرى تحاول فرضها عوامل خارجية مختلفة تتعلق بغرابة المكان وغياب الآلفة وطبيعة المحيط، بما يُصدِّره من أسئلةٍ حول معنى الهوية والهجرة والمنفى والوطن.

وسط هذه الظروف البائسة، نتعرف إلى فارهو، أو فارح، بطل الرواية الذي يروي قصته على مسامع شخص يسعى لتحويلها إلى فيلمٍ وثائقي. يروي فارهو قصته هذه في السجن، وقد تجاوز الأربعين من العمر، مستعيدًا ماضيه الذي يبدو مسارًا وعرًا وشائكًا انتهى به في السجن. ولعل الانطباع الأول الذي سيتشكل عند القارئ، هو أن البطل يعيش في ماضيه، وتسكنه رغبة ملحة ودائمة بالحديث عنه، عما كانت عليه أحواله وأحوال عائلته، وعما آلت إليه فيما بعد، في ظل سعيهم المستمر للنجاة.

يشغل السعي إلى النجاة حيزًا واسعًا من الرواية، ويتبدل معنى هذه الكلمة، النجاة، على نحوٍ متواصل داخل العمل، تبعًا للظروف الراهنة. والمفارقة أن ما آلت إليه أحوال فارهو وعائلته، إنما هو نتيجة لمساعيهم هذه، إذ قُتل والده بينما يسعى إلى تأمين حياةٍ أفضل لعائلته، وضمان نجاتهم من الحروب الدائرة والمجاعات المنتشرة حولهم، فيما فقدت شقيقته عذريتها مقابل مساعداتٍ غذائية، وبالتالي ضمان نجاتهم من الموت جوعًا، وستفقد حقها في حياتها بعد زواجها من رجلٍ ثري بهدف إنقاذ والدتها من الموت، وسيفقد فارهو فيما بعد الحق ذاته أيضًا للسبب نفسه: نجاة والدته.

السعي إلى النجاة ورط فارهو وعائلته بأزماتٍ أخرى مختلفة، حاولوا النجاة منها أيضًا، ولكن النتيجة أن العائلة تفككت في النهاية. هنا، تطرح الرواية جملة من الأسئلة المتعلقة بهذا المفهوم، مثل: ما معنى النجاة من أزمة طالما أن النتيجة هي الدخول في أخرى جديدة أشد سوءًا؟ ما معنى النجاة من الموت طالما أن النتيجة خسارة الذات والانسلاخ عنها؟ ما معنى العائلة طالما أن التضحيات التي تُبذل في سبيل وحدتها هي المسؤولة عن ضياعها؟ وأي معنى للحاضر إذ كان مجرد صورة محدّثة للماضي بكل بؤسه؟

تحاصر هذه الأسئلة فارهو، ولكنها لا تصرفه عن السؤال المركزي في حياته، وهو: من أنا؟ تشكل هذا السؤال عنده، وهيمن عليه، نتيجة عوامل مختلفة، منها عدم قدرته على التمييز بين الشخص الذي يسعى إلى أن يكونه، والشخص الذي تريد له شقيقته أن يكونه، وذاك الذي يدفعه إليه خاله، بالإضافة إلى الشخص الذي تؤسسه عملية التزاوج بين الماضي والحاضر، ماضيه البائس وحاضره الأشد بؤسًا. ورغم مقاومته المبدئية، إلا أنه سيستسلم في النهاية لمصيره، ويترك للآخرين حرية تفكيكه وإعادة بنائه كما يشاؤون.

تُقدّم ليلى عبد الله اللاجئ في روايتها لا في لحظة ضعفه فقط، وإنما لحظة صراعه مع هوياته المتعددة، وشخصياته المختلفة أيضًا، بحيث يتعرف إليه القارئ بينما يسعى إلى الحفاظ على ذاته ومقاومة أخرى تُفرض عليه من قبل محيطه والنافذين فيه، كما هو حال فارهو الذي سيُراقب القارئ تبدلاته وتغيراته وتحوله من شخص سويّ، إلى آخر مُفكك ومُعاد تركيبه وفقًا لما يريده مُحيطه وأُناسه، في ظل غياب أي بديل، ووسط خياراتٍ صعبة وضيقة ومحددة مسبقًا، لا يمكن للإنسان أن يكون هو ذاته عندها.
دفاعاً عن الأدب الكلاسيكي العربي؟!

ليلى عبدالله


لعلّ أول وصيّة يسمعها الكتّاب الشباب من قبل كُتّاب الجيل السابق، هي: أن يطالعوا الكتب الكلاسيكية؛ وكأنه لا يمكن لهذه البذرة أن تصير شجرة وارفة ضاربة بجذورها في التربة، إلا بعد الوقوف بتلك الكتب والنظر بين دفتيْها.
 

لقد كان كثير من كُتّاب الغرب يهتمون بالأدب الكلاسيكي ويحرّضون على أهمية قراءته، بل وإعادة قراءته، لاسيما حين يكون الكاتب في طور التكوين، يسبر ما كتبه الأوائل، الذين سبقوه، وما طرحوه من أفكار ورؤى ورموز.. وسيجد بعد اغترافه لعوالمهم الكتابية أسلوبه الخاص، تلك البصمة الشخصية التي ستميّزه عن غيره من الكتاب، فــ"لغة الكاتب شيء يَرِثه عن غيره، وأسلوبه أمر شخصيّ"، كما ذهب المؤرخ الأدبي والناقد "رولان بارت". وذلك بعد أن يكون قد تجاوز مراحل البدايات والتقاليد، بل إنه سيسعى إلى إضفاء روح التجديد في أفكار من سبقوه؛ فحكاية "ليلى والذئب" التقليدية استنسخها الكتاب مئات المرات، لكن لكل منهم طابعه الخاص في رواية الحكاية من وجهة نظره، وفي كل مرة يطالعها القراء بروح جديدة، فالكتابة هي أيضاً إعادة خلق الأفكار التقليدية، وبثّ روح المعاصرة فيها.

تبحر الروائي الإيطالي "إيتالو كالفينو" بكثافة في الآداب الكلاسيكية، ودعا إلى أهمية قراءتها وإعادة قراءتها في كتابه "لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكي"؟ بترجمة "مي التلمساني". ويقول فيه: "فكل قراءة جديدة لعمل كلاسيكي هي اكتشاف مثلها مثل القراءة الأولى، وكل قراءة جديدة لعمل كلاسيكي هي في الحقيقة قراءة جديدة. إذن؛ فالعمل الكلاسيكي كتاب لا يكف أبداً عن البوح بما يريد، فالكتب الكلاسيكية هي كتب تحمل في داخلها عندما تصل إلينا، أثر القراءات التي سبقت قراءتنا، وتستدعي الأثر الذي تركته في الثقافة، أو الثقافات التي عبرتها". لكن لماذا الآداب الكلاسيكية الغربية ظلت صامدة عبر الزمن! بل كلما مضى بها الزمن أصبحت أكثر أهمية؟ ومن أين اكتسبت قوتها عبر الأجيال؟!

الكاتب والناقد "أرنولد بينيت" في كتابه "الذوق الأدبي كيف يتكوّن"؟ ترجمة "دلال الرمضان" منشورات تكوين.
الكتاب أشبه ما يكون بدليل إرشادي وتوجيهي عن كيفية قراءة الآداب الإنجليزية الكلاسيكية. يرى أن شهرة هذا النوع من الأدب صنعها، وساهم فيها أقليّة مولعة بأعمال مجموعة من المؤلفين، فيقومون بدعمه بمثابرة وإخلاص، حتى بعد وفاة هذا الكاتب؛ فإنهم لا يتركونه وحيداً بل يقومون بإحيائه عن طريق أعماله الأدبية، حتى يصل لمكانة عالية، ويكون اسمه متفشيّاً في معظم أروقة الأدب الرفيعة، وأكثرها صدى "بفضل الأقلية يتم الحفاظ على استمرار شهرة هذا الكاتب، ونقلها من جيل إلى آخر، فهم يعملون بشكل دائم لاكتشاف المبدعين بحماسة وفضول.. لا يكلون ولا يملّون من فرض هذا المؤلف أو ذاك".
فبفضل هؤلاء يظل الكاتب حيًّا وتتداول مؤلفاته عبر الأجيال، ولعل الكاتب الإنجليزي "شكسبير" هو أبرز مثال على امتداد شهرة كاتب ما عبر التاريخ، حيث يرى أرنولد أن القراء مع تكرار اسم شكسبير، أصبحوا موقنين على عظمته كمبدع خالد، حتى إنهم لا يمكن أن يتساءلوا فيم تكمن أهميته، أو حتى يشكّكوا في إبداعاته؛ طالما أنه صاحب صيت واسع، ليعود بعدها هذا القارئ: "وهو مؤمن أن شكسبير كان مبدعاً، والفضل يعود في ذلك إلى أولئك المولعين بأعماله، والذين لم يخفوا إعجابهم بشكسبير، بل أظهروه للجميع ليؤثر فيمن حولهم تأثيراً بالغًا، وهذا واقع"، بل أحياناً التشكك بإبداعه قد يشرع عليهم أبواب الجحيم، فمن ذا الذي يستطيع أن يوقد النار على اسم سامق في عوالم الأدب القديم والرفيع في آن؟

لكن ماذا عن كلاسيكيات الأدب العربي؟
عادة الذين ينكبون على مراجعة الآداب العربية الكلاسيكية هم المتخصصون، الأكاديميون، النقاد المهتمون، وطلاب الجامعات أصحاب الدراسات والبحوث، وعدد ضئيل من القراء، القارئ الذي يريد أن يصبح كاتباً، ويريد أن يلمّ بماضي من سبقوه. فهل يكفي أن نكون ملمّين فحسب؟
بل لماذا تبدو صلتنا بالأدب العربي الكلاسيكي ضعيفة، بينما الآثار الغربية الكلاسيكية تبدو حيّة وخالدة، حتى من قبل القارئ العربي، الذي أصبح ملمّاً بشكل فعّال بمعظم كلاسيكيات الأدب الروسي والإنجليزي، والأمريكي واللاتيني والياباني وغيرها.. لا شك أن (حركة الترجمة) المبكرة ضاعفت بشكل فعّال من نسبة هذه القراءات وإحيائها، بفضل المترجمين العرب، الذين سعوا بدأب وهمّة عالية عبر سنوات طويلة لنقل ما فات قراء العرب من أعمال خلاقة في اللغات الأخرى، وجيل الستينيات كان أوفرهم حظًا، فقد كانوا سباقين بفضل سيل الترجمات في التعرف على رواد الأدب الروسي والفرنسي، خاصة في ذلك الوقت، ككافكا ومانسفيلد، وتشيخوف وغوغول وهمنغواي، وفلوبير وغيرهم، ومذ يومها صارت الجهود العربية في عوالم الترجمات مكثفة.
وفي الوقت نفسه ساهمت (الجوائز العالمية) في ترويج أسماء معينة، وجعلت من الجنس الروائي تحديدًا قِبلةً بارزةً، بل يكاد يكون متفوقًّا على الأجناس الأدبية الأخرى، وصار القراء يتهافتون على مطالعة كل ما يمت صلة بالرواية، سواء الكلاسيكية منها والمعاصرة على حساب الآداب الأخرى، وقد غزت الكتابة الروائية العوالم العربية متأخرة.
ونعيد لنقول: إن عامل الجوائز كان محرضاً أساسيّاً أمام القراء من مختلف الجغرافيا للخوض في عوالم الكاتب -صيّاد الجوائز-، وما يترتب عليه هذا الفوز أيضاً؛ فالجائزة رغم أنها خاصة وفردية باسم الكاتب الفائز، غير أنها في الوقت نفسه تشرع العقول والأفئدة على أسماء أخرى من بلد الكاتب الفائز أيضاً؛ ففوز الروائي التركي "أورهان باموق" على -سبيل المثال- بجائزة نوبل العالمية في الآداب، دفع القراء من جميع أنحاء العالم إلى قراءة أعمال باموق، إضافة إلى قراءة كل ما هو متاح من أعمال تركية أخرى من بلد هذا الفائز بجائزة رفيعة.
ورغم ريبة بعض نقاد الغرب حول عالمية بعض الأسماء.. حتى برز معها مصطلح أصبح مشاعا،ً وظاهرةً عالميةً بحد ذاتها (ظاهرة الروائي العالمي)، وهو مفهوم تداوله عديد من كتاب الغرب، محاولين الدفاع عن الكتاب العالميين الذين برزت أسماؤهم على الساحة الثقافية العالمية، بعد أن شكّك كثير من النقاد والمختصين في الثقافة بهذه الأعمال وفي عالميتها؛ حيث يرون أن انتشار هذه الأعمال الثقافية بعينها عن أعمال أخرى من البلد نفسه واللغة نفسها، هو مجرد ضربة حظ ومحسوبية، فبحسب رأيهم، إن الاحتفاء بأي منتج أدبي لا بد أن يتم تحييده، ومن ثم تدجينه من جانب النسق النيوليبرالي الحاكم في العالم، والذي يقف وراءه ناشرون يدعمون هذه الشبكة التجارية.

تُرى ما أسباب هذا التهافت العربي كمترجمين وناشرين أيضاً على ترجمة كلاسيكيات الآداب العالمية! هل لأنها حققت صيتاً عالميّاً؟ إن معظم ما وصلنا من إصدارات عالمية سواء الكلاسيكية منها، أو المعاصرة حازت على جوائز تم الاعتراف بها عالميّاً، مقارنة بالأعمال الأدبية العربية التي لا يذكر منها عالمياً سوى "نجيب محفوظ "، والذي بفضل ترجمات "دينيس جونسون ديفيز" وصلت أشهر رواياته لمنصة نوبل، وقد ظل نجيب محفوظ معترفًا بفضله، واصفًا بأنه كان القنطرة التي عبر منها الأدب العربي للعالمية، ناهيك عن جهوده في ترجمات قصص قصيرة لكتاب مصريين آخرين وعرب، وهو نفسه الذي عانى بمرارة من أجل أن يجد ناشراً يقوم بنشر ترجماته إلى أن تبنت نشرها الجامعة الأمريكية، كما روى القاص المصري "سعيد الكفراوي" في آخر حوار معه قبل وفاته منشور في مجلة الدوحة.
وكون "نجيب محفوظ" نال جائزة نوبل هو ما جعل أعماله متداولة عالميّاً وعربيّاً في آن، ويمكن القول إن الكتّاب العرب الذين نالوا شهرة ومقروئية عالمية، هم الذين عكفوا على كتابة رواياتهم ودراساتهم النقدية بلغة الغرب الإنجليزية منها والفرنسية، ولعل من أشهرهم حاليّاً هو الروائي الفرنسي من أصل لبناني "أمين معلوف".
يبدو أن الأدب الكلاسيكي العربي لم يجد ثُلّة تعنى به وبكتابه، كما فعل الغربيون مع "شكسبير"، ويبدو أنه في أشدّ الحاجة إلى محاولة إحيائه وضخ الحياة فيه، لكن كيف سيتحقق ذلك؟ لقد أبدى الكاتب التونسي "حسونة المصباحي" رأيه في هذه المسألة في مقالة منشورة له بعنوان: (كيف نقرأ الأدباء الكلاسيكيين العرب)؟ بقوله: "يجدر بنا أن نتعامل معهم ومع آثارهم انطلاقًا من أوضاعنا الراهنة، السياسية والثقافية، والاجتماعية وغيرها".
في الوقت نفسه رأى أن الباعث لهجران قراءة الأعمال الكلاسيكية العربية راجعٌ إلى ارتفاع أسعارها؛ فمعظم الطبعات العربية تأتي كمجلدات ضخمة، ما يجعل تداولها شاقًّا أيضاً. أما في البلدان الغربية المتقدمة كما يقول: "أسعار الآثار الكلاسيكية متيسرة للجميع، حتى فقراء الطلبة.. حيث يصبح بإمكانهم أن يقرأوا أعمال: هوميروس وأفلاطون، ودانتي وشكسبير وفلوبير، وغيرهم بأثمان رخيصة... أما عندنا فالآثار الكلاسيكية العظيمة تصدر في مجلدات ضخمة وثقيلة وباهظة الثمن؛ لذا يصبح من الصعب ترويجها".
لكن مهما بلغت أسعار المجلدات الكلاسيكية العربية، يظل هناك عامل مهم، بل أكثر العوامل أهمية للرفع من منسوب قراءة هذه الأعمال، وهم "النقاد"، فهل يقومون بدورهم الحيويّ لإنعاش الأدب العربي حقّاً؟!
يبدو واضحاً للعيان تعثر (الحركة النقدية) في العالم العربي؛ فحتى نقاد العرب، أصبحوا يعوّلون على كتاب الجوائز فحسب، بل كثير منهم ينتظرون سنويّاً ما تضعه الرافعة الإعلامية من قوائم الأكثر مبيعاً، وتلك التي تنال جوائز؛ لتكون موضوع دراسة ومراجعة نقدية سريعة، في وقت حجبت معظم الصحف العربية ملاحقها الثقافية؛ لتضاعف بذلك من سوء وضع حال الكتابة العربية وأزمة النقد.
فالأدب الغربي عموماً يشهد حركة نقدية هائلة تواكب الشعر والنثر في آن، وتضخ في كل مرة أسماء جديدة في ساحتها الأدبية، وهو مبعث أساسي لتأثيث بيئة ثرية وخصبة من قراءات وتأويلات متعددة، ناهيك عن مجلات مهمة متخصصة للدارسات النقدية؛ بينما تفتقد الساحة العربية نقاداً على طريقة الناقد المصري "رجاء النقاش"، فهو لم يفتح آفاق القراء على ما أنتجه الغرب من روائع كلاسيكية فحسب، بل ساهم بشكل فعّال في كشف أسماء كتاب كانوا مبدعين في أول طريقهم، كالشاعر أحمد مطر، ومحمود درويش وغيرهما؛ لذا كان ملقبًّا بـــ"مكتشف النجوم". بل يشير الكاتب التونسي "حسونة المصباحي" في مقالة له "انحسار النقد في الثقافة العربية"، متحدثاً عن نهضة عمت الساحة الأدبية العربية في النصف الأول من القرن العشرين، وبفضلها ظهرت أشكال تعبير جديدة، مثل: المسرح والسينما، والرواية والشعر الحرّ، وذلك بفضل بروز نقاد واكبوا هذه النهضة، ولاحقوا كل منتجات الثقافة العربية في ذلك الوقت، كطه حسين والعقاد والمازني، ولويس عوض ومارون عبود وميخائيل نعيمة وغيرهم.
ولا يوجد ثمة حجة أمام نقاد الوقت الحاضر، فالتطور السائد الذي عززته شبكة الإنترنت يستطيع أي ناقد أن يتعامل مع أي كاتب مهما بعدت المسافة بينهما، بل صار كل شيء متاحاً وبأريحية، ولن يكلّفوا أنفسهم مشقة كالناقد "إحسان عباس" الذي كان يسافر إلى بغداد، وإلى غيرها من الدول لاهثًا وراء كل أدب أصيل؛ لاقتناصه من منبت أرضه، أما النقاد الذين يطرحون دراسات عن أعمال عربية، فتكاد تكون قراءاتهم مغرقة في المصطلحات الأكاديمية، وتبدو بعضها استعراضاً لمفاهيم غربية وغامضة بحد ذاتها، عوضاً عن فتح مدلولات النص.
ويبدو أننا في "عصر القارئ" كما ذهب الناقد "رولان بارت"، وعلى هذا القارئ الشغوف، الباحث عن الجماليات نعوّل مستقبل الأدب العربي الكلاسيكي، المعاصر، والحديث أيضاً.

ولكننا كنقاد وقراء عرب، هل يحق لنا أن نتفاءل قليلاً بفوز رواية "سيدات القمر" للكاتبة والروائية العمانية "جوخة الحارثي"، التي نالت جائزة المان البوكر العالمية بنسختها الإنجليزية عام 2019، في أن تشرع الباب مرة أخرى أمام الآداب العربية في عوالم الغربية؟
فقد اكتسحت رواياتها منافذ عالمية، وتبحرت في آفاق لغات مختلفة، ومتنوعة بتنوع جغرافيا وتضاريس الحاملة لغات تلك البلدان.
هل يمكن أن يكون فوزها دافعاً أمام قراء العرب –تحديداً- لنبش المكتبة العربية الكلاسيكية منها والمعاصرة؟ بعد عزوف كثير منهم عن مطالعتها على حساب آداب اللغات الأخرى التي وفرتها الترجمات، وسط تدافع مكثّف من المترجمين والناشرين العرب جنّباً إلى جنب، لتسويق هذه النوعية من الآداب؛ لأسباب عديدة لعل من أكثرها أهمية؛ كونها السلعة الأكثر إقبالاً للشراء في منافذ بيع الكتب؟!
تساؤلات تستدعي الكثير والكثير من التأويلات والتوقعات، والتأثيرات على المدى البعيد نسبيّاً.
الكاتب والناقد "أرنولد بينيت" في كتابه "الذوق الأدبي كيف يتكوّن"؟
يرى أن شهرة هذا النوع من الأدب صنعها، وساهم فيها أقليّة مولعة بأعمال مجموعة من المؤلفين، فيقومون بدعمه بمثابرة وإخلاص، حتى بعد وفاة هذا الكاتب؛ فإنهم لا يتركونه وحيداً بل يقومون بإحيائه عن طريق أعماله الأدبية، حتى يصل لمكانة عالية، ويكون اسمه متفشيّاً في معظم أروقة الأدب الرفيعة، وأكثرها صدى "بفضل الأقلية يتم الحفاظ على استمرار شهرة هذا الكاتب، ونقلها من جيل إلى آخر، فهم يعملون بشكل دائم لاكتشاف المبدعين بحماسة وفضول.. لا يكلون ولا يملّون من فرض هذا المؤلف أو ذاك".

فبفضل هؤلاء يظل الكاتب حيًّا وتتداول مؤلفاته عبر الأجيال، ولعل الكاتب الإنجليزي "شكسبير" هو أبرز مثال على امتداد شهرة كاتب ما عبر التاريخ، حيث يرى أرنولد أن القراء مع تكرار اسم شكسبير، أصبحوا موقنين على عظمته كمبدع خالد، حتى إنهم لا يمكن أن يتساءلوا فيم تكمن أهميته، أو حتى يشكّكوا في إبداعاته.