" في مثل هذه الصباحات، حين يوجعها جسمها كأن جنزير الدبابة مرّ عليه، حين تنكمش الروح في بطنها وتصير أصغر من نقطة، لا تريد راغدة زغلول إلا أن تقف على سطح البناية، حد خزان الماء، وسط تنكات السمن التي ملأتها بالحيلة ترابًا وزرعتها سرّاً بالزهور".
طيور الهوليداي إن| ربيع جابر
طيور الهوليداي إن| ربيع جابر
مهاجرو فيلهلم موبيرغ في قرن الحادي و العشرين ..
ليلى عبدالله
*مقالة كتبت عام 2016م.
وأنا اقرأ في الأيام الماضية رواية "المهاجرون" للروائي السويدي فيلهلم موبيرغ- الرواية التي استغرقت كتابتها عقدا كاملا، كانت بدايتها "المهاجرون" ترجمة دار المنى، تلاها بعدها أجزاء أخرى لتستمر مسيرته الكتابية الملحمية "في البلاد السعيدة"، "المستوطنون الجدد" و"الرسالة الأخيرة إلى السويد".. لقد كان للكاتب غاية واضحة في كتابة هذه الروايات؛ ليظهر للعالم تاريخا سويديا كان حافلا بالهجرات، السويديون في تلك القرون المقفرة، اضطرتهم ظروف الجفاف في فصول الصيف وظروف الشتاء القارس إلى هجرة مزارعهم التي ورثوها من أجدادهم، لقد كان بيعها أو التخلي عنها أشبه بالتخلي عن جزء من أعضائهم الحيوية، لكن الحياة الجرداء كانت أقوى!
لقد تخلى أكثر من مليون مهاجر سويدي عن أرضه وغادروا وطنهم وأهلهم حاملين معهم أطفالهم وزوجاتهم، ولكل من سمحت له ظروفه الصحية بمغادرة الوطن للهجرة إلى العالم الجديد، لقد كانت أمريكا الشمالية هي العالم الجديد بالنسبة لهم، كانت أرضا مجهولة عنهم تماما قرأوا عنها في ما يتسر لهم من كتب حصلوا عليها، لقد بهرتهم الحياة التي كتبت في صفحات تلك الكتب، كان في البدء حلما، حلما كبيرا وربما مستحيلا أيضا؛ فالهجرة لا تعني مغادرة وطن فحسب بل هي أيضا عبارة عن مغامرة يخوضها الإنسان ليس وحده بل مع من يحبهم، مغامرة تتطلب مبلغا باهظا كما تتطلب أن يتحمل الإنسان نتائجها عبر ركوب البحر. هؤلاء الفلاحون أوائل المهاجرين في التاريخ السويدي كان صعبا عليهم تقبل ركوب البحر فهم أهل فلاحة، طوال سنوات وهم يقتلعون أعتى صخور الأرض التي كانوا يحرثونها ولم يمارسوا غيرها من أعمال، لكن من سينقذهم من أهوال البحر الذي يجهلونه، من أرض مهتزة لا تتصالب أقدامهم عليها ويظلون متأرجحين عليها، البحر الذي يبتلع ركابه في لحظة غدر أو غضب، لقد كان خيارا قاسيا للغاية؟!
برع الروائي موبيرغ الذي نال جائزة نوبل عن استحقاق وجدارة في جعل القارئ يتفاعل مع حكايته ويشعر بالأسى من أجل أولئك الفلاحين الفقراء الذين تخلوا عن ديارهم بغصّة، لقد ترك هؤلاء السويد واتجهوا إلى أمريكا؛ لأنّها كانت أغنى وأخصب، ولأنها العالم الجديد حيث لا مكان للفقر بعد الآن، لكن هل تخيل الروائي موبيرغ أنّه بعد نصف قرن ستكون السويد هي نفسها أرض الأحلام، وهي العالم الجديد الحافل بكل الحيوات لأكثر من نصف مليون عربي سوري لاجئ، فرّوا برعب من وطنهم القابع في حروب مدمرة؟!
لقد فتحت السويد التي عرفت أولى هجرات سكانها إلى عالم آخر أبواب حدودها للسوريين المهاجرين، ورحبت بهم بكل محبة ورغبة في احتوائهم إنسانيا، فهي أول دولة في الاتحاد الأوروبي تمنح الإقامة الدائمة للاجئين السوريين نتيجة لتدهور أوضاعهم، ربما لأن تاريخهم سبق ومرّ بتجربة مماثلة في القرون السالفة، لقد أدركوا معنى أن يكون الإنسان مهاجرا، معنى أن يترك هذا الإنسان وطنه وأرضه، بيته، وكل ذكرياته المطبوعة في دياره، لقد كان خيارا قاسياًّ، لا سيما لهؤلاء السوريين، فهم تركوا كل شيء وراءهم لا للبحث عن فرص عمل و لا لتحسين ظروف حياتهم بل تخلوا عن كل شيء فزعاً وخوفاً من الموت الذي استباحهم، من القتل الذي أصبح جزءا من مشهدهم اليومي، من ميليشيا السلطة المستبدة، من أطماع اللصوص والخونة، لقد صاروا مستهدفين من جميع الجبهات ومن قوى تسعى إلى تدميرهم وتشتيت وجودهم على أرضهم!
هاجر السويديون الأوائل على متن سفينة عتيقة وفق رواية موبيرغ حاملين معهم معظم ما كان يصلح في الأرض الجديدة، وبيّن كيف أن السفينة العتيقة رغم كل متاعبها وصلت بسلام إلى مرفأ الأحلام في نيويورك من عام 1850م، لكن هؤلاء السوريون كانت هجرتهم أعتى و لا ضمانات مطلقا على وصولهم، على متن زوارق صغيرة، تحمل على متنها أكثر من مئة راكب مكتظين مع حمولاتهم الضئيلة، يصارعون موتا آخر في وسط بحر متلاطم الأمواج، هذا البحر الذي ابتلع منهم المئات أمام مرأى العالم في العصر الحديث حيث تتوفر فيه وسائل نقل متطورة من طائرات وسفن عملاقة وبواخر وقطارات وأحدث السيّارات، لكنهم وجدوا أنفسهم يهربون بوسائل العصور الحجرية، يبدو أنّ السويديين كانوا أوفر حظاًّ منهم بكثير في زمنهم!
ليلى عبدالله
*مقالة كتبت عام 2016م.
وأنا اقرأ في الأيام الماضية رواية "المهاجرون" للروائي السويدي فيلهلم موبيرغ- الرواية التي استغرقت كتابتها عقدا كاملا، كانت بدايتها "المهاجرون" ترجمة دار المنى، تلاها بعدها أجزاء أخرى لتستمر مسيرته الكتابية الملحمية "في البلاد السعيدة"، "المستوطنون الجدد" و"الرسالة الأخيرة إلى السويد".. لقد كان للكاتب غاية واضحة في كتابة هذه الروايات؛ ليظهر للعالم تاريخا سويديا كان حافلا بالهجرات، السويديون في تلك القرون المقفرة، اضطرتهم ظروف الجفاف في فصول الصيف وظروف الشتاء القارس إلى هجرة مزارعهم التي ورثوها من أجدادهم، لقد كان بيعها أو التخلي عنها أشبه بالتخلي عن جزء من أعضائهم الحيوية، لكن الحياة الجرداء كانت أقوى!
لقد تخلى أكثر من مليون مهاجر سويدي عن أرضه وغادروا وطنهم وأهلهم حاملين معهم أطفالهم وزوجاتهم، ولكل من سمحت له ظروفه الصحية بمغادرة الوطن للهجرة إلى العالم الجديد، لقد كانت أمريكا الشمالية هي العالم الجديد بالنسبة لهم، كانت أرضا مجهولة عنهم تماما قرأوا عنها في ما يتسر لهم من كتب حصلوا عليها، لقد بهرتهم الحياة التي كتبت في صفحات تلك الكتب، كان في البدء حلما، حلما كبيرا وربما مستحيلا أيضا؛ فالهجرة لا تعني مغادرة وطن فحسب بل هي أيضا عبارة عن مغامرة يخوضها الإنسان ليس وحده بل مع من يحبهم، مغامرة تتطلب مبلغا باهظا كما تتطلب أن يتحمل الإنسان نتائجها عبر ركوب البحر. هؤلاء الفلاحون أوائل المهاجرين في التاريخ السويدي كان صعبا عليهم تقبل ركوب البحر فهم أهل فلاحة، طوال سنوات وهم يقتلعون أعتى صخور الأرض التي كانوا يحرثونها ولم يمارسوا غيرها من أعمال، لكن من سينقذهم من أهوال البحر الذي يجهلونه، من أرض مهتزة لا تتصالب أقدامهم عليها ويظلون متأرجحين عليها، البحر الذي يبتلع ركابه في لحظة غدر أو غضب، لقد كان خيارا قاسيا للغاية؟!
برع الروائي موبيرغ الذي نال جائزة نوبل عن استحقاق وجدارة في جعل القارئ يتفاعل مع حكايته ويشعر بالأسى من أجل أولئك الفلاحين الفقراء الذين تخلوا عن ديارهم بغصّة، لقد ترك هؤلاء السويد واتجهوا إلى أمريكا؛ لأنّها كانت أغنى وأخصب، ولأنها العالم الجديد حيث لا مكان للفقر بعد الآن، لكن هل تخيل الروائي موبيرغ أنّه بعد نصف قرن ستكون السويد هي نفسها أرض الأحلام، وهي العالم الجديد الحافل بكل الحيوات لأكثر من نصف مليون عربي سوري لاجئ، فرّوا برعب من وطنهم القابع في حروب مدمرة؟!
لقد فتحت السويد التي عرفت أولى هجرات سكانها إلى عالم آخر أبواب حدودها للسوريين المهاجرين، ورحبت بهم بكل محبة ورغبة في احتوائهم إنسانيا، فهي أول دولة في الاتحاد الأوروبي تمنح الإقامة الدائمة للاجئين السوريين نتيجة لتدهور أوضاعهم، ربما لأن تاريخهم سبق ومرّ بتجربة مماثلة في القرون السالفة، لقد أدركوا معنى أن يكون الإنسان مهاجرا، معنى أن يترك هذا الإنسان وطنه وأرضه، بيته، وكل ذكرياته المطبوعة في دياره، لقد كان خيارا قاسياًّ، لا سيما لهؤلاء السوريين، فهم تركوا كل شيء وراءهم لا للبحث عن فرص عمل و لا لتحسين ظروف حياتهم بل تخلوا عن كل شيء فزعاً وخوفاً من الموت الذي استباحهم، من القتل الذي أصبح جزءا من مشهدهم اليومي، من ميليشيا السلطة المستبدة، من أطماع اللصوص والخونة، لقد صاروا مستهدفين من جميع الجبهات ومن قوى تسعى إلى تدميرهم وتشتيت وجودهم على أرضهم!
هاجر السويديون الأوائل على متن سفينة عتيقة وفق رواية موبيرغ حاملين معهم معظم ما كان يصلح في الأرض الجديدة، وبيّن كيف أن السفينة العتيقة رغم كل متاعبها وصلت بسلام إلى مرفأ الأحلام في نيويورك من عام 1850م، لكن هؤلاء السوريون كانت هجرتهم أعتى و لا ضمانات مطلقا على وصولهم، على متن زوارق صغيرة، تحمل على متنها أكثر من مئة راكب مكتظين مع حمولاتهم الضئيلة، يصارعون موتا آخر في وسط بحر متلاطم الأمواج، هذا البحر الذي ابتلع منهم المئات أمام مرأى العالم في العصر الحديث حيث تتوفر فيه وسائل نقل متطورة من طائرات وسفن عملاقة وبواخر وقطارات وأحدث السيّارات، لكنهم وجدوا أنفسهم يهربون بوسائل العصور الحجرية، يبدو أنّ السويديين كانوا أوفر حظاًّ منهم بكثير في زمنهم!
ألغورثمية لملاحقة عازف هارمونيكا سيء “قصة قصيرة” – الكتابة من حجرة ساعة رملية
https://tariqaljared.wordpress.com/2020/02/22/%d8%a3%d9%84%d8%ba%d9%88%d8%b1%d8%ab%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82%d8%a9-%d8%b9%d8%a7%d8%b2%d9%81-%d9%87%d8%a7%d8%b1%d9%85%d9%88%d9%86%d9%8a%d9%83%d8%a7-%d8%b3%d9%8a%d8%a1/amp/?__twitter_impression=true
https://tariqaljared.wordpress.com/2020/02/22/%d8%a3%d9%84%d8%ba%d9%88%d8%b1%d8%ab%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d9%82%d8%a9-%d8%b9%d8%a7%d8%b2%d9%81-%d9%87%d8%a7%d8%b1%d9%85%d9%88%d9%86%d9%8a%d9%83%d8%a7-%d8%b3%d9%8a%d8%a1/amp/?__twitter_impression=true
الكتابة من حجرة ساعة رملية
ألغورثمية لملاحقة عازف هارمونيكا سيء “قصة قصيرة”
لكل كائن حي نمط. كل ما علينا فعله هو مراقبته بما يكفي لكي تتكشف لنا عاداته. نعرف الآن الكثير عن هجرة النوارس و ما يغير مسارها، مواسم التزاوج لدى الدلافين و ما يؤثر عليها، و طبائع وحيد القرن و ما ي…
«سكين الصيد» - قصة قصيرة للكاتب الياباني هاروكي موراكامي من مجموعته القصصية : صفصاف أعمى، امرأة نائمة
https://lostintranslation360.blogspot.com/2021/01/blog-post_27.html?m=1
https://lostintranslation360.blogspot.com/2021/01/blog-post_27.html?m=1
Blogspot
«سكين الصيد» - قصة قصيرة للكاتب الياباني هاروكي موراكامي من مجموعته القصصية : صفصاف أعمى، امرأة نائمة
Listen to Ghesey-e-Paria IIV - Karen Homayounfar by Mohsen Hosseinian on #SoundCloud
https://soundcloud.app.goo.gl/DznD
https://soundcloud.app.goo.gl/DznD
SoundCloud
Karen Homayounfar
مقالي في النهار اللبنانية:
يا تُرى، أيهما أكثر غرابة وإثارة للوجدان: أن تُبعث من الموت بأسلوب الكاتب أحمد الحقيل، أو ألا تموت وتبقى خالدًا أبداً كما عند ساراماغو؟ أو أن تموت في سن محددة سلفًا على طريقة حمور زيادة، أو أن تكون "جثة" في وطن الخراب على طريقة "خالد خليفة"؟
أترك الخيار مفتوحًا لخيال القراء...
https://www.annaharar.com/arabic/culture/books-authors/30012021084135403
يا تُرى، أيهما أكثر غرابة وإثارة للوجدان: أن تُبعث من الموت بأسلوب الكاتب أحمد الحقيل، أو ألا تموت وتبقى خالدًا أبداً كما عند ساراماغو؟ أو أن تموت في سن محددة سلفًا على طريقة حمور زيادة، أو أن تكون "جثة" في وطن الخراب على طريقة "خالد خليفة"؟
أترك الخيار مفتوحًا لخيال القراء...
https://www.annaharar.com/arabic/culture/books-authors/30012021084135403
annahar.com
أموات... على طريقة الأدباء!
لا أدري هل هو من قبيل الصدفة أن أقرأ خلال الشهر نفسه أربعة أعمال أدبية تدور حول ثيمة الموت؟لعل رواية 'الخلق الجديد' للكاتب السعودي أحمد الحقيل هي من شرّعت سيرة الموت على مصراعيه، وهي رواية الكترونية متاحة للجميع في مدونة الكاتب. تدور حول فكرة غريبة بل غير…
أموات... على طريقة الأدباء!
ليلى عبدالله
لا أدري هل هو من قبيل الصدفة أن أقرأ خلال الشهر نفسه أربعة أعمال أدبية تدور حول ثيمة الموت؟
لعل رواية "الخلق الجديد" للكاتب السعودي أحمد الحقيل هي من شرّعت سيرة الموت على مصراعيه، وهي رواية الكترونية متاحة للجميع في مدونة الكاتب. تدور حول فكرة غريبة بل غير واقعية، عن أموات يبعثون من قبورهم. ويصف الكاتب في صفحات الرواية مشهد قيامهم: "حبيبات تراب تلفظ من أحد القبور، تصعد في الهواء مثل شخص عطس فتتناثر ما يعلكه في فمه، ثم يكرر الشيء نفسه قبر آخر، وثالث، ثم تدريجيًّا وبصعوبة كبيرة استغرقت عدة دقائق من اللغط والأصوات الغريبة غير المعرفة والهيئات الظلية المموهة، انبثق عشرة أشخاص عراة من عشرة قبور. طريقة خروجهم تكاد تبدو اعتيادية، كمن يقوم من تحت أنقاض لحاف ثقيل بعد نومة طويلة".
شخصيات الرواية استنكروا، على نحو صادم، هذه الظاهرة الغريبة من نوعها في قرية من القرى السعودية، فراح حمدان يسأل زوجته فاطمة: "الميت وش يبي يرجع يا فاطمة؟"، فترد زوجته: "من اللي ما يبي يرجع للحياة؟" فيقول حمدان:" " ما قلنا شي. لكنك ميت، خلاص. وش تبي من الحياة؟".
أحمد الحقيل يحفّز أسئلة الموت في أفئدة الأحياء؛ بل يتلاعب بمشاعر أهل القرية، الذين يتفاجأ كل واحد منهم بعودة موتاهم الذين فارقوهم منذ سنوات، يخرجون من قبورهم المبقورة، عراة كما ولدوا، والغريب في الأمر، أن هؤلاء الأموات يعودون بلا جلبة كأنهم لم يموتوا يومًا، يعودون وكأنهم جمدوا لفترة ما على آخر فعل كانوا يمارسونه، حتى أقاربهم من الأحياء من صدمة اللقاء بعد غياب يستنكفون عن مساءلتهم عن أوضاعهم حين كانوا أمواتًا في قبورهم المظلمة، ومن كان يسأل يحصل على تأنيب حار من الميت الذي يرشقه بالخبل وقلة العقل!
في الفصل الثاني من الرواية، وعنوانه "الخلود"، لا يموت أحد، وتبقى القبور المبقورة فارغة، ولكن سرعان ما تعود الحياة الى مجاريها. في الفصل الثالث، الذي جاء بعنوان " الموت"، يعود الأموات من حيث أتوا، ويموت من لم يمت من الشخصيات في الرواية.
رواية الحقيل، تجعلنا كقراء نتساءل طويلاً في سيرة الموت وغرابته، بل تمني النفس إلى تخيل مجيء أموات بعد سنوات طويلة من قبورهم، كيف ستكون مواقفنا تجاه هذا الغياب؟ هل سنفرح؟ هل سيكون الوضع طبيعيا؟ كيف سنتعاطى مع المسألة؟ هل سيكون الميت كسابق عهدنا به أم يكونون مختلفين؟
"انقطاعات الموت"
وإذا كان الأموات في رواية "الخلق الجديد" يخرجون من قبورهم أحياء، فإن الأحياء في رواية "انقطاعات الموت" للأديب البرتغالي ساراماغو، لا يجدون طريقهم إلى المقابر، بل ويغدو الموت أمنية نفيسة. فهي رواية تتحدث عن قرية لا يموت فيها أحد، يتوقف عمل الموت فيها، وتبدأ بعبارة ذات مغزى واضح: "في اليوم التالي لم يمت أحد". وتماهيًّا في الإبداع والغرابة في آن، استعان ساراماغو براوي هو "الموت" نفسه. انه الموت الذي يستقيل عن القيام بمهامه في قرية لا اسم لها.
في البداية يفرح أهل القرية بذلك، وينعمون بمعنى الخلود، ولكن سرعان ما تتأزم الأوضاع، ليس على الصعيد الشخصي فحسب وإنما على كافة الأصعدة السياسية منها والاقتصادية، ناهيك عن الأعباء الاجتماعية؛ تمتلئ المستشفيات بالمرضى الذين لا يموتون، تكتظ دور المسنين، يتجمد العمل في قطاع الجنائز وحفاري القبور، تتأزم شركات التأمين، فلا أحد سيؤمّن على حياته في غياب الموت...
تتأزم الأوضاع الاقتصادية لاسيما رواتب المتقاعدين الذين يستلمون معاشاتهم مهما طال بهم العمر، مع تكاثر عدد المواليد الذين يحتاجون إلى وظائف وإلى رواتب وإلى معاشات، إضافة الى "المافيا" التي تحاول استغلال الأوضاع المتأزمة لمصلحتها؛ لدرجة أن الحكومة نفسها، وسط حالات الفوضى العارمة، تستعين بها، كي تسمح بتسلل أهالي القرية إلى المناطق الحدودية حيث الأوضاع فيها تغدو طبيعية وحيث يقوم الموت بمهامه على أكمل وجه.
هكذا، تناول ساراماغو مسألة الخلود ومدى تأثيرها الكارثي على حياة الأحياء وعلى أوضاع الإنسانية إذا ما صار الوضع واقعيًّا!
"ستموت في العشرين"
وكان من قبيل الصدفة كما أشرت في بداية المقالة أن أشاهد فيلم السوداني الشهير "ستموت في العشرين" الذي عرضته منصة " نتفليكس"، وهو يدول ايضاً حول ثيمة الموت.
الفيلم مقتبس عن قصة قصيرة للكاتب السوداني حمور زيادة، من مجموعته القصصية والتي تحمل عنوان القصة نفسها "النوم عند قدمي الجبل". وتفتتح القصة بعبارة:"كل الناس كانت تعرف أن مزمل النور سيموت يوم سيكمل عامه العشرين. استنادًا إلى نبوءة لا يزال مزمل يسمعها منذ شبّ واشتدّ عوده".
يتورط مزمل منذ ولادته بسيرة الموت؛ بعد نبوءة الخليفة الصوفي، في قرية كل شيء فيها بسيط، حتى عقول أصحابها لدرجة أن كلام الأولياء يغدو مقدسًا وحقيقيًّا إلى أقصى حد.
ليلى عبدالله
لا أدري هل هو من قبيل الصدفة أن أقرأ خلال الشهر نفسه أربعة أعمال أدبية تدور حول ثيمة الموت؟
لعل رواية "الخلق الجديد" للكاتب السعودي أحمد الحقيل هي من شرّعت سيرة الموت على مصراعيه، وهي رواية الكترونية متاحة للجميع في مدونة الكاتب. تدور حول فكرة غريبة بل غير واقعية، عن أموات يبعثون من قبورهم. ويصف الكاتب في صفحات الرواية مشهد قيامهم: "حبيبات تراب تلفظ من أحد القبور، تصعد في الهواء مثل شخص عطس فتتناثر ما يعلكه في فمه، ثم يكرر الشيء نفسه قبر آخر، وثالث، ثم تدريجيًّا وبصعوبة كبيرة استغرقت عدة دقائق من اللغط والأصوات الغريبة غير المعرفة والهيئات الظلية المموهة، انبثق عشرة أشخاص عراة من عشرة قبور. طريقة خروجهم تكاد تبدو اعتيادية، كمن يقوم من تحت أنقاض لحاف ثقيل بعد نومة طويلة".
شخصيات الرواية استنكروا، على نحو صادم، هذه الظاهرة الغريبة من نوعها في قرية من القرى السعودية، فراح حمدان يسأل زوجته فاطمة: "الميت وش يبي يرجع يا فاطمة؟"، فترد زوجته: "من اللي ما يبي يرجع للحياة؟" فيقول حمدان:" " ما قلنا شي. لكنك ميت، خلاص. وش تبي من الحياة؟".
أحمد الحقيل يحفّز أسئلة الموت في أفئدة الأحياء؛ بل يتلاعب بمشاعر أهل القرية، الذين يتفاجأ كل واحد منهم بعودة موتاهم الذين فارقوهم منذ سنوات، يخرجون من قبورهم المبقورة، عراة كما ولدوا، والغريب في الأمر، أن هؤلاء الأموات يعودون بلا جلبة كأنهم لم يموتوا يومًا، يعودون وكأنهم جمدوا لفترة ما على آخر فعل كانوا يمارسونه، حتى أقاربهم من الأحياء من صدمة اللقاء بعد غياب يستنكفون عن مساءلتهم عن أوضاعهم حين كانوا أمواتًا في قبورهم المظلمة، ومن كان يسأل يحصل على تأنيب حار من الميت الذي يرشقه بالخبل وقلة العقل!
في الفصل الثاني من الرواية، وعنوانه "الخلود"، لا يموت أحد، وتبقى القبور المبقورة فارغة، ولكن سرعان ما تعود الحياة الى مجاريها. في الفصل الثالث، الذي جاء بعنوان " الموت"، يعود الأموات من حيث أتوا، ويموت من لم يمت من الشخصيات في الرواية.
رواية الحقيل، تجعلنا كقراء نتساءل طويلاً في سيرة الموت وغرابته، بل تمني النفس إلى تخيل مجيء أموات بعد سنوات طويلة من قبورهم، كيف ستكون مواقفنا تجاه هذا الغياب؟ هل سنفرح؟ هل سيكون الوضع طبيعيا؟ كيف سنتعاطى مع المسألة؟ هل سيكون الميت كسابق عهدنا به أم يكونون مختلفين؟
"انقطاعات الموت"
وإذا كان الأموات في رواية "الخلق الجديد" يخرجون من قبورهم أحياء، فإن الأحياء في رواية "انقطاعات الموت" للأديب البرتغالي ساراماغو، لا يجدون طريقهم إلى المقابر، بل ويغدو الموت أمنية نفيسة. فهي رواية تتحدث عن قرية لا يموت فيها أحد، يتوقف عمل الموت فيها، وتبدأ بعبارة ذات مغزى واضح: "في اليوم التالي لم يمت أحد". وتماهيًّا في الإبداع والغرابة في آن، استعان ساراماغو براوي هو "الموت" نفسه. انه الموت الذي يستقيل عن القيام بمهامه في قرية لا اسم لها.
في البداية يفرح أهل القرية بذلك، وينعمون بمعنى الخلود، ولكن سرعان ما تتأزم الأوضاع، ليس على الصعيد الشخصي فحسب وإنما على كافة الأصعدة السياسية منها والاقتصادية، ناهيك عن الأعباء الاجتماعية؛ تمتلئ المستشفيات بالمرضى الذين لا يموتون، تكتظ دور المسنين، يتجمد العمل في قطاع الجنائز وحفاري القبور، تتأزم شركات التأمين، فلا أحد سيؤمّن على حياته في غياب الموت...
تتأزم الأوضاع الاقتصادية لاسيما رواتب المتقاعدين الذين يستلمون معاشاتهم مهما طال بهم العمر، مع تكاثر عدد المواليد الذين يحتاجون إلى وظائف وإلى رواتب وإلى معاشات، إضافة الى "المافيا" التي تحاول استغلال الأوضاع المتأزمة لمصلحتها؛ لدرجة أن الحكومة نفسها، وسط حالات الفوضى العارمة، تستعين بها، كي تسمح بتسلل أهالي القرية إلى المناطق الحدودية حيث الأوضاع فيها تغدو طبيعية وحيث يقوم الموت بمهامه على أكمل وجه.
هكذا، تناول ساراماغو مسألة الخلود ومدى تأثيرها الكارثي على حياة الأحياء وعلى أوضاع الإنسانية إذا ما صار الوضع واقعيًّا!
"ستموت في العشرين"
وكان من قبيل الصدفة كما أشرت في بداية المقالة أن أشاهد فيلم السوداني الشهير "ستموت في العشرين" الذي عرضته منصة " نتفليكس"، وهو يدول ايضاً حول ثيمة الموت.
الفيلم مقتبس عن قصة قصيرة للكاتب السوداني حمور زيادة، من مجموعته القصصية والتي تحمل عنوان القصة نفسها "النوم عند قدمي الجبل". وتفتتح القصة بعبارة:"كل الناس كانت تعرف أن مزمل النور سيموت يوم سيكمل عامه العشرين. استنادًا إلى نبوءة لا يزال مزمل يسمعها منذ شبّ واشتدّ عوده".
يتورط مزمل منذ ولادته بسيرة الموت؛ بعد نبوءة الخليفة الصوفي، في قرية كل شيء فيها بسيط، حتى عقول أصحابها لدرجة أن كلام الأولياء يغدو مقدسًا وحقيقيًّا إلى أقصى حد.
كن النسوة في القرية يربتن على رأس صبي الموت، مزمل، في حنو ويهمسن "يا مسكين. تموت صبيا، الدنيا خربانه". ويلقبه الصبية في القرية "بود الموت".
ترتدي أمه سكينة السواد، ويصبح كل همها هو أن تحسب عمر ابنها مزمل، يومًا بيوم وشهرًا بشهر وسنة بسنة، وهي تمّني نفسها كلما تكاثرت الأعمار أن يكون حسابها غير صحيح، وأن يمتد العمر بوليدها الوحيد إلى أجل غير مسمى؛ لكنّ يقينها بنبوءة الخليفة كان قويًّا لدرجة أنها أعدت للموت عدّته وجهزت كفنه.
سكينة التي أحاطت ابنها بكفن الموت منذ طفولته، عاملته كجثة متحركة، سيغادرها حين يبلغ العشرين من عمره، وكي لا تهدر عمره بعيدًا عن ناظريها؛ منعته عن كل شيء، عن المدرسة، وعن اللعب مع أقرانه من أطفال القرية، ولولا ضغط من حولها عليها لما جعلته يتعلم حتى حفظ القرآن الكريم.
سوادٌ طافح يحاصر مزمل، فكل شيء من حوله يربطه بالموت وسيرته، لكنّ حياته تتعافى بعد أن يلتقي بمصور أفلام سينمائية هو العم "سليمان"، الذي قضى ردحًا من الزمن قبل تقاعده في العاصمة.
يتعرّف مزمل من خلاله على عوالم خفية عن تصوراته البسيطة في قرية أعدّته للموت سلفًا. وحده العمّ سليمان كان يحرّضه على ممارسة حياة حقيقية، بل يحفزه على أن يعيش البقية الباقية من عمره القصير بالتمتع بالحياة المتاحة. ومن ثمّ يبلغ مزمل عامه العشرين باكتمال رجولته مع امرأة عاهرة في حي العبيد. فهل سيموت؟ لن أحرق تفصيلة النهاية التي تجري عليها فكرة الفيلم والقصة معًا على القارئ والمشاهد في آن!
"الموت عمل شاق"
أما الرواية الرابعة، فكانت بعنوان " الموت عمل شاق" للروائي السوري خالد خليفة، وهي عبارة عن رحلة يقوم بها ثلاثة أشقاء لدفن جثة أبيهم التي مات بشكل طبيعي في مستشفى في ريف دمشق إلى بلدته العنابية بناء على وصيته لابنه البكر نبيل.
الجثة هي التي تجمع هؤلاء الأخوة الذين يبدون كغرباء (شقيقان وشقيقة في ميكروباص). ولكن لأنهم في سوريا، فإن طريق الموت ليس سهلاً البتة، بل مفروشًا بالألغام والحواجز العسكرية وداعش.
الموت في مكان كسوريا هو عمل شاق جدًّا، لدرجة أن الجثة نفسها تتعرض للاعتقال! وهذا لأن صاحبها كان معارضًا للسلطة قبل موته! الجثة لا تصل إلى مرقدها الأخير سوى كجيفة يخرج منها الدود، نعم "الموت الذي لا يراكم غضبًا، لم يعد يعول عليه".
يا تُرى، أيهما أكثر غرابة وإثارة للوجدان: أن تُبعث من الموت بأسلوب الكاتب أحمد الحقيل، أو ألا تموت وتبقى خالدًا أبداً كما عند ساراماغو؟ أو أن تموت في سن محددة سلفًا على طريقة حمور زيادة، أو أن تكون "جثة" في وطن الخراب على طريقة "خالد خليفة"؟
أترك الخيار مفتوحًا لخيال القراء...
ترتدي أمه سكينة السواد، ويصبح كل همها هو أن تحسب عمر ابنها مزمل، يومًا بيوم وشهرًا بشهر وسنة بسنة، وهي تمّني نفسها كلما تكاثرت الأعمار أن يكون حسابها غير صحيح، وأن يمتد العمر بوليدها الوحيد إلى أجل غير مسمى؛ لكنّ يقينها بنبوءة الخليفة كان قويًّا لدرجة أنها أعدت للموت عدّته وجهزت كفنه.
سكينة التي أحاطت ابنها بكفن الموت منذ طفولته، عاملته كجثة متحركة، سيغادرها حين يبلغ العشرين من عمره، وكي لا تهدر عمره بعيدًا عن ناظريها؛ منعته عن كل شيء، عن المدرسة، وعن اللعب مع أقرانه من أطفال القرية، ولولا ضغط من حولها عليها لما جعلته يتعلم حتى حفظ القرآن الكريم.
سوادٌ طافح يحاصر مزمل، فكل شيء من حوله يربطه بالموت وسيرته، لكنّ حياته تتعافى بعد أن يلتقي بمصور أفلام سينمائية هو العم "سليمان"، الذي قضى ردحًا من الزمن قبل تقاعده في العاصمة.
يتعرّف مزمل من خلاله على عوالم خفية عن تصوراته البسيطة في قرية أعدّته للموت سلفًا. وحده العمّ سليمان كان يحرّضه على ممارسة حياة حقيقية، بل يحفزه على أن يعيش البقية الباقية من عمره القصير بالتمتع بالحياة المتاحة. ومن ثمّ يبلغ مزمل عامه العشرين باكتمال رجولته مع امرأة عاهرة في حي العبيد. فهل سيموت؟ لن أحرق تفصيلة النهاية التي تجري عليها فكرة الفيلم والقصة معًا على القارئ والمشاهد في آن!
"الموت عمل شاق"
أما الرواية الرابعة، فكانت بعنوان " الموت عمل شاق" للروائي السوري خالد خليفة، وهي عبارة عن رحلة يقوم بها ثلاثة أشقاء لدفن جثة أبيهم التي مات بشكل طبيعي في مستشفى في ريف دمشق إلى بلدته العنابية بناء على وصيته لابنه البكر نبيل.
الجثة هي التي تجمع هؤلاء الأخوة الذين يبدون كغرباء (شقيقان وشقيقة في ميكروباص). ولكن لأنهم في سوريا، فإن طريق الموت ليس سهلاً البتة، بل مفروشًا بالألغام والحواجز العسكرية وداعش.
الموت في مكان كسوريا هو عمل شاق جدًّا، لدرجة أن الجثة نفسها تتعرض للاعتقال! وهذا لأن صاحبها كان معارضًا للسلطة قبل موته! الجثة لا تصل إلى مرقدها الأخير سوى كجيفة يخرج منها الدود، نعم "الموت الذي لا يراكم غضبًا، لم يعد يعول عليه".
يا تُرى، أيهما أكثر غرابة وإثارة للوجدان: أن تُبعث من الموت بأسلوب الكاتب أحمد الحقيل، أو ألا تموت وتبقى خالدًا أبداً كما عند ساراماغو؟ أو أن تموت في سن محددة سلفًا على طريقة حمور زيادة، أو أن تكون "جثة" في وطن الخراب على طريقة "خالد خليفة"؟
أترك الخيار مفتوحًا لخيال القراء...