هواجس غرفة العالم ( ليلى عبدالله )
7.12K subscribers
3.12K photos
340 videos
63 files
1.09K links
ثقافي ، فكري ، أدبي ، إنساني. .
Download Telegram
‏في عيد ميلاد الأديب الكبير بهاء طاهر 86 .. استعيد ذكرى هذه الهدية اللطيفة التي وصلتني من القاهرة من الحبيبة بثينة الإبراهيم ‎
فصل من رواية جوخة الحارثي الجديدة "حرير الغزالة" منشور في عدد هذا الأسبوع من صحيفة "أخبار الأدب المصرية":

قبل حلول الصيف وانقضاء أيام الدراسة وضعت سعدة ابنتها الثانية "زهوة"، كانت قد أجهضت مرتين من قبل ففرحت أيما فرح بنجاة المولودة، أخذ زوجها أسبوع إجازة، وحلّت الأفراح والزيارات ودارت صواني الحلوى والفاكهة على المهنِّئات، وفي غضون أشهر قليلة استحوذت الطفلة الجميلة رقيقة الملامح على أبويها، أصبح الأب يأتي أكثر من مرة في الشهر من أبوظبي كي لا يفوت مناغاة زهوة ومرأى أول جلوسها وزحفها، لكن كان عليه الانتظار لسنتين حتى تمشي على قدميها اللتين لم تفارقهما الحناء، أما سعدة فقد تركت الخروج تقريبا، وأصبحت بالكاد تعتني بمحبوبة والشياه، إذ تقضي يومها في العناية بزهوة وتحميمها وإرضاعها والغناء لها، وخياطة أجمل الفساتين لأجمل طفلة رأتها في حياتها.
دقَّت العجوز راية الباب ففتحت آسية، كان صوت سعدة يأتي قويا مرحا من داخل البيت وهي تُرقِّص زهوة: "بأجن وبأخرف وبأطلع في الغرف..."، سألت راية: كيف أمك؟ فأشارت آسية إلى رأسها باستهزاء علامة الجنون، فضحكت راية: "تستاهل الحلوة الصغيرة زهوة الزاهية الجنون والخرف، عندكم أرز؟"، دخلت آسية إلى المطبخ وملأت كيسا بالأرز وناولته لراية، الكُل يعرف إنها لم تعد تحتاج التسول وإنما تقوم به لمجرد العادة، أولادها الخمسة موظفون في مسقط، ولا يبخلون عليها بشيء، جميع الناس يعرفون أنها تخبئ شوالات الأرز وأكياس الشاي والبن والسكر وعلب الحليب تحت سريرها الخشبي لتبدأ نهارها بالتسول.
في عرس سريرة على زوجها الثاني طاهر- الذي وافقت عليه بعدما اشترطت ألا يمتلك بقرة طوال حياته لأي سبب كان - تشاجرت راية مع العريس عندما رآها تراكم أكوام اللحم لتأخذها في طنجرة ضخمة إلى بيتها، أحرجها طاهر فاهتز بدنها الضئيل واستدعت البكاء، قالت إن الإنسان إذا لم يحصل على الرحمة والإحسان من أهل بلده فمن أين يحصل عليها؟ من يومها سكت أهل شعرات باط، أو الواحة، عن راية وأصبحوا يعطونها بصمت ما تطلب. كانت آسية بالذات تحب أن تعطيها كل شيء تريده لأنها تستمتع بزيارتها في بيتها واللعب بين أكياس السكر وشوالات الطحين متظاهرة بأنها كبيرة التجار، داعية الأطفال الآخرين لمفاوضتها على شراء الأكوام الهائلة من حب الهريس أو الأرز أو المخللات، وقد نجح الصغار في مغافلة العجوز مرة وتحميل الحمار نازع بطنجرة وكيسين ضخمين من الحمص النيء، قادوا نازع إلى أسفل الجبال حيث أشعلوا النار في الحطب وطبخوا الحمص والتهموه شبه ناضج وبلا ملح.
عادت آسية إلى البيت آخر النهار والحمص يوجع بطنها، أومأت لها أمها بإشارة الصمت كيلا توقظ الطفلة التي غفَت للتو، انتظرت آسية عتابا لتأخرها في الرجوع ولكن سعدة ظلت صامتة تهدهد الرضيعة بهدوء، خرجت آسية ثانية وذهبت إلى بيت غزالة، أعادتها العمة مليحة بعد العشاء، وقفت على الباب وأمها تكركر لزهوة: "ما أحلاك! آكلك؟ آكلك؟" همست آسية: "كُليها، كُليها"، وذهبت لتنام.
سقطت زهوة في الفلج في ظهيرة حارة حيث من النادر أن يخرج أحد من بيته، أو يستيقظ من قيلولته، فضلا عن أن يستخدم الفلج، حملها التيار المندفع بين البساتين من ساقية إلى أخرى، وحين ألقى بها أخيرا ليحتجز جسدَها الصغير صوارُ إحدى السواقي، التي تتحكم في مائه لريّ الأشجار، كانت غرقى.
لم يحاول أحد إنعاشها، كان من الواضح من انتفاخها أنها ميتة منذ ساعات، حمل الناس الجسد الصغير، الذي لم يكمل سنواته الثلاث في الحياة، وألقوا به في حضن سعدة. بللت الخصل القصيرة المبتلة حجر سعدة، أخذت تعصر بيدها حروز ابنتها القماشية الرطبة، ثم ضمتها إلى صدرها وتوسلت إليها بحق الله وبجاه النبي وبعظمة الرسل وبحضرة الأولياء والصديقين والشهداء والصالحين أن تصحو. همست وهي متربعة على الأرض وذراعاها تحيطان بالجسد المبتل: قومي يا زهوة، قومي يا زهوة، قومي يا زهوتي، قومي يا ماه، قومي قومي قومي. انتزعتها النساء من صدرها وأمرنها: "قولي إنا لله وإنا إليه راجعون"، فحثَتْ التراب على رأسها ولم تعد أبدا المرأة التي كانت.
لم يمضِ شهر على جنازة زهوة حتى حفرت سعدة بمسمار على باب بيتها الحديدي: "سعدة عايبة سعدة عايبة سعدة عايبة". عاتبتها الجارات فلم تنصت لعتب، إنها معيبة وخاطئة، منذ أن نامت ونسيت بابها مفتوحا وتركت طفلتها تسرح وتغرق وتموت في عزّ الظهيرة. إنها عايبة، وستحفر ذلك على باب بيتها حتى يعرف القاصي والداني بخطيئتها، قالت الجارات إن ما حدث كان قدرا، فعمَّقت سعدة حفرها على باب الدار، قالت الجارات إن الأطفال يموتون ليذهبوا رأسا إلى الجنة، فأقفلت سعدة بابها المحفور بذنبها عليها، قالت الجارات إن موت البنت أفقدها عقلها ولا حول ولا قوة إلا بالله.
سرَّح جيش الإمارات آلاف العمانيين الذين كانوا يعملون هناك، فعاد الضابط إلى قبر زهوة والحطام الذي آلَتْ إليه امرأته، ظنّ أنه لو منحها طفلا جديدا لعادت إليها الرغبة في الحياة، ولكن سعدة لم تسمح له بلمسها، ولم تتحرك من رقدتها مفتوحة العينين على السقف، باع محبوبة والشياه، وأخذ يهرس الطعام لسعدة كما يُصنَع للأطفال، لأنها لا تمضغ ما يضعه في فمها بل تبتلعه مباشرة، دأب على تحميمها وكي ملابسها وتنظيف البيت، آمن بأنها ستفيق من حزنها وتعود إليه وإلى آسية، ولكنها لامسَت القاع، فبقيت هناك حتى الموت.
دُفِنت سعدة إلى جوار زهوة وغرق زوجها في الخمر، في البدء كانت الزجاجات الفاخرة تصله من أصدقائه القدامى في الجيش ملفوفة بعناية في صناديق البرتقال الخشبية، ثم اضطر إلى شراء علب البيرة من السوق السوداء، وحين نفد ماله أصبح يسكر علنا أمام بيته بزجاجات الكولونيا الرخيصة وروائح الغراء والطلاء وأصباغ الأحذية، فكانت آسية وغزالة تسحبانه إلى داخل البيت وترشانه بخرطوم الماء لتنظيفه من القيء.
لم تعد فادية تكلم آسية لأن أباها فاجر، ولم تسمح لها راية المتسولة بدخول بيتها واستعارة بعض الأرز أو الطحين من الشوالات المكدسة تحت السرير التي انتهى تاريخ صلاحيتها، وقد كبرت وغزالة على السباحة في الفلج ومسابقات الركض مع الأولاد، فلم يبقَ أمامهما إلا الجولات الطويلة الصامتة في البساتين.
حين قالت المعلمة في طابور الصباح وهي تنظر إلى آسية إن وجود السّكيرين المفسدين في القرية خطر على جميع أهلها، خرجت آسية التي أصبحت في الرابعة عشرة من المدرسة، جمعت أغراضها، وأقفلت على ثياب أمها وأختها الميتتين المندوس الخشبي الذي كان كل جهاز أمها يوم عرسها، تركت المندوس في البيت واقتادت أباها السكران من يده، حملت حقيبتها المدرسية التي أفرغتها من الكتب وملأتها بأشيائها القليلة على كتفها وأغلقت بقفل الباب الحديدي للبيت الذي لم تُبهِت السنوات الكلمات المحفورة عليه :"سعدة عايبة". غادرت آسية مع أبيها شعرات باط ولم تعد بعد ذلك أبدا. قالت الجارات إنها ذهبت إلى أخوالها في الوافي، وقال آخرون إنها أرجعَتْ أباها إلى بيته القديم في أبوظبي وفتحا دكانا هناك. لم يسمع أحد عنها خبرا، ولم تعد إلى مندوس أمها في البيت المقفل، و إنما سُمِعَ صوتها بعد سنوات تردده الإذاعات والتلفزيونات.
" أجرب الكتابة كهِبة- أحيانًا، تقريبًا، كأمر. أدعها تجيء، أحاول أن لا أتعارض معها. أنا أحترمها، لأنها أنا وأكثر من أنا. إنها شخصية وفي الوقت ذاته فوق الشخصية".

كما يسخر الوعي الجسد| سوزان سونتاج
‏اليوم ذكرى ميلاد إدجار آلان بو.. 19 يناير 1809: 7 أكتوبر 1849.
" أسوأ ما في الحرب تناسل الأفعال الغرائبيّة، وتحوّل القصص المأساوية إلى حدث عادي".

الموت عمل شاق| خالد خليفة
" في مثل هذه الصباحات، حين يوجعها جسمها كأن جنزير الدبابة مرّ عليه، حين تنكمش الروح في بطنها وتصير أصغر من نقطة، لا تريد راغدة زغلول إلا أن تقف على سطح البناية، حد خزان الماء، وسط تنكات السمن التي ملأتها بالحيلة ترابًا وزرعتها سرّاً بالزهور".

طيور الهوليداي إن| ربيع جابر
مهاجرو فيلهلم موبيرغ في قرن الحادي و العشرين ..

ليلى عبدالله
*مقالة كتبت عام 2016م.

وأنا اقرأ في الأيام الماضية رواية "المهاجرون" للروائي السويدي فيلهلم موبيرغ- الرواية التي استغرقت كتابتها عقدا كاملا، كانت بدايتها "المهاجرون" ترجمة دار المنى، تلاها بعدها أجزاء أخرى لتستمر مسيرته الكتابية الملحمية "في البلاد السعيدة"، "المستوطنون الجدد" و"الرسالة الأخيرة إلى السويد".. لقد كان للكاتب غاية واضحة في كتابة هذه الروايات؛ ليظهر للعالم تاريخا سويديا كان حافلا بالهجرات، السويديون في تلك القرون المقفرة، اضطرتهم ظروف الجفاف في فصول الصيف وظروف الشتاء القارس إلى هجرة مزارعهم التي ورثوها من أجدادهم، لقد كان بيعها أو التخلي عنها أشبه بالتخلي عن جزء من أعضائهم الحيوية، لكن الحياة الجرداء كانت أقوى!

لقد تخلى أكثر من مليون مهاجر سويدي عن أرضه وغادروا وطنهم وأهلهم حاملين معهم أطفالهم وزوجاتهم، ولكل من سمحت له ظروفه الصحية بمغادرة الوطن للهجرة إلى العالم الجديد، لقد كانت أمريكا الشمالية هي العالم الجديد بالنسبة لهم، كانت أرضا مجهولة عنهم تماما قرأوا عنها في ما يتسر لهم من كتب حصلوا عليها، لقد بهرتهم الحياة التي كتبت في صفحات تلك الكتب، كان في البدء حلما، حلما كبيرا وربما مستحيلا أيضا؛ فالهجرة لا تعني مغادرة وطن فحسب بل هي أيضا عبارة عن مغامرة يخوضها الإنسان ليس وحده بل مع من يحبهم، مغامرة تتطلب مبلغا باهظا كما تتطلب أن يتحمل الإنسان نتائجها عبر ركوب البحر. هؤلاء الفلاحون أوائل المهاجرين في التاريخ السويدي كان صعبا عليهم تقبل ركوب البحر فهم أهل فلاحة، طوال سنوات وهم يقتلعون أعتى صخور الأرض التي كانوا يحرثونها ولم يمارسوا غيرها من أعمال، لكن من سينقذهم من أهوال البحر الذي يجهلونه، من أرض مهتزة لا تتصالب أقدامهم عليها ويظلون متأرجحين عليها، البحر الذي يبتلع ركابه في لحظة غدر أو غضب، لقد كان خيارا قاسيا للغاية؟!

برع الروائي موبيرغ الذي نال جائزة نوبل عن استحقاق وجدارة في جعل القارئ يتفاعل مع حكايته ويشعر بالأسى من أجل أولئك الفلاحين الفقراء الذين تخلوا عن ديارهم بغصّة، لقد ترك هؤلاء السويد واتجهوا إلى أمريكا؛ لأنّها كانت أغنى وأخصب، ولأنها العالم الجديد حيث لا مكان للفقر بعد الآن، لكن هل تخيل الروائي موبيرغ أنّه بعد نصف قرن ستكون السويد هي نفسها أرض الأحلام، وهي العالم الجديد الحافل بكل الحيوات لأكثر من نصف مليون عربي سوري لاجئ، فرّوا برعب من وطنهم القابع في حروب مدمرة؟!

لقد فتحت السويد التي عرفت أولى هجرات سكانها إلى عالم آخر أبواب حدودها للسوريين المهاجرين، ورحبت بهم بكل محبة ورغبة في احتوائهم إنسانيا، فهي أول دولة في الاتحاد الأوروبي تمنح الإقامة الدائمة للاجئين السوريين نتيجة لتدهور أوضاعهم، ربما لأن تاريخهم سبق ومرّ بتجربة مماثلة في القرون السالفة، لقد أدركوا معنى أن يكون الإنسان مهاجرا، معنى أن يترك هذا الإنسان وطنه وأرضه، بيته، وكل ذكرياته المطبوعة في دياره، لقد كان خيارا قاسياًّ، لا سيما لهؤلاء السوريين، فهم تركوا كل شيء وراءهم لا للبحث عن فرص عمل و لا لتحسين ظروف حياتهم بل تخلوا عن كل شيء فزعاً وخوفاً من الموت الذي استباحهم، من القتل الذي أصبح جزءا من مشهدهم اليومي، من ميليشيا السلطة المستبدة، من أطماع اللصوص والخونة، لقد صاروا مستهدفين من جميع الجبهات ومن قوى تسعى إلى تدميرهم وتشتيت وجودهم على أرضهم!

هاجر السويديون الأوائل على متن سفينة عتيقة وفق رواية موبيرغ حاملين معهم معظم ما كان يصلح في الأرض الجديدة، وبيّن كيف أن السفينة العتيقة رغم كل متاعبها وصلت بسلام إلى مرفأ الأحلام في نيويورك من عام 1850م، لكن هؤلاء السوريون كانت هجرتهم أعتى و لا ضمانات مطلقا على وصولهم، على متن زوارق صغيرة، تحمل على متنها أكثر من مئة راكب مكتظين مع حمولاتهم الضئيلة، يصارعون موتا آخر في وسط بحر متلاطم الأمواج، هذا البحر الذي ابتلع منهم المئات أمام مرأى العالم في العصر الحديث حيث تتوفر فيه وسائل نقل متطورة من طائرات وسفن عملاقة وبواخر وقطارات وأحدث السيّارات، لكنهم وجدوا أنفسهم يهربون بوسائل العصور الحجرية، يبدو أنّ السويديين كانوا أوفر حظاًّ منهم بكثير في زمنهم!
"كان كافكا يقرأ على أصدقائه قصصه وينفجرون جميعا بالضّحك".
" رواية (أمريكا) لكافكا هي رواية مدهشة: لماذا وضع هذا الكاتب الشاب البالغ من العمر تسعة وعشرون عاما مكان روايته الأولى في قارة لم يطأها من قبل؟ يدل هذا الاختيار على قصد واضح: عدم صنع الواقعية، والأصح أيضا: عدم صنع الجدية".

الوصايا المغدورة| ميلان كونديرا