هواجس غرفة العالم ( ليلى عبدالله )
7.1K subscribers
3.12K photos
340 videos
63 files
1.09K links
ثقافي ، فكري ، أدبي ، إنساني. .
Download Telegram
‏في عيونه غيوم
ويحدّق في الأرض
علَّها تمطر *

وديع سعادة
‌‎ذكّرني هذا بمقطع من رواية " يوم ما قبل السعادة " للروائي الإيطالي " إنريكو دي لوكا"، ترجمة معاوية عبدالمجيد، يقول بطلها دون رايموندو _بائع الكتب المستعملة_ متحسّرًا: "يقضي أحدهم حياته كلها وهو يملئ رفوف مكتبته، فيأتي ابنه ليرميها بعيدًا في لحظة واحدة، فأسأله وماذا تضعون بدل الكتب على الرفوف الفارغة؟ الجبن مثلا؟ فيجيبني: المهم أن تخلصني منها!
🙏1
مثل بطل قصتي" صاحبة الإبتسامة الساحرة" التي كتبتها عام 2006 . 😁
‏غلاف مجلة نيويوركر هذا الأسبوع.
أول مقالة لي في جريدة النهار اللبنانية..

رواية الطائر الملون ..برؤية سينمائية مرعبة..

ليلى عبدالله

أضعف دائما أمام الروايات التي أبطالها أطفال الحروب أو الأفلام التي يجسدّها طفل حرب؛ لأني على يقين بأن هذا "الطفل" لن يعرض سيرة نقية عن طفولته ولا حياته السعيدة، بل ما يحدث نقيض ذلك تماما.. وسنرى أنفسنا أمام طفل هزيل، منهوك القوى ومنتهك البراءة، تتقلّب حياته في عوالم الكبار الملغّمة بالوحشية والعنصرية والتعذيب الجسدي والتعنيف النفسي، سنرى طفلاً يحكي سيرة أوجاعه في زمن شديد العنف!
وهذا ما توقعته حين اخترت مشاهدة فيلم "الطائر الملون" المقتبس عن رواية بالاسم نفسه للروائي الأميركي البولندي اليهودي جيزري كوزنسكي ( 1965)، وقد ترجمها للعربية أشرف القرقني (دار صفحة 7 للنشر في السعودية، 2019).
الصدفة وحدها قادتني إلى الفيلم والفيلم قادني بدوره إلى الرواية. يبدأ الفيلم الذي أخرجه التشيكي فاكلاف مرهول، بافتتاحية لاهثة، من خلال مشهد صبيّ ملفوف بملابس شتوية رديئة يجري بأنفاس متلاحقة في غابة موحشة وباردة وهو ضاغط إلى صدره جروًا صغيرًا، ويجري معه خوفه وهلعه وأعوامه... لنعرف من ثمّ لماذا يجري هذا الطفل بهذه السرعة دون أن يتلفّت خلفه.
بينما افتتاحية الرواية تقول عن هذا الصبيّ نفسه:" خلال الأسابيع الأولى للحرب العالمية الثانية، خريف سنة 1939م أرسل صبي ذو ست سنوات، مثل آلاف الأطفال الآخرين، من قبل والديه، من مدينة كبيرة في أوروبا الشرقية إلى قرية بعيدة لتكون ملاذًا له".
ينفتح الفيلم على صور رمادية وصبيّ بالكاد يتكلم بضع كلمات في الدقائق الأولى، وسرعان ما يصاب بداء الخرس من الانتهاكات التي يتعرض لها. وتنفتح الرواية على حكايات عن أشخاص ونساء كثيرات وصبيّ هو راوي الحكاية، يسرد دروبه المتشابكة مع الأشخاص، والغرباء، والقرى بحيواناتها وبيوتها المعدمة.
جاءت الرواية كفيلم جاهز، متدفّق بمشاهدات بصرية وفيرة، اختار منها المخرج وبلورها وفق رؤاه إلى أحداث بالأبيض والأسود. كل شيء في الفيلم رمادي؛ رغم دلالة العنوان " الطائر الملون"، هذا الطائر هو متكأ الفيلم والرواية معا. الطائر الذي يملكه رجل مهووس بصيد الطيور، وفي يوم، يختار طيرًا من أقفاصه، يدهنه بألوان قوس قزحية، وحين يعبر بالقرب منهم سرب مشابه لفصيلة الطائر، يحرره من قبضة يديه، يحاول الطائر المسالم أن يندمج مع السرب الرمادي، غير أنهم ينبذونه، فهو مختلف عنهم، مشّعٌ بالألوان، بينما البقية قاتمون. هذا التمايز يكون مبعث نهايته المأساوية، فحين يتكالب عليه السرب الشرّس يسقط مضّرجًا بدمائه إلى أسفل الأرض وريشه الملون منتوف حوله ككفن!

الطفل الذي لا نعرف اسمه في الرواية والفيلم أيضا هو شاهد على المشاهدات العنيفة. وهو أيضا متفرج ومتفرج عليه وضحية قبل كل شيء. الاسم هنا تحديدًا لا أهمية له، بل ويبدو خطرًا، وقد بدّل كثير من اليهود أسماؤهم في تلك الحقبة من الحرب العالمية الثانية كي يبددوا عن أنفسهم الشبهة التي توقعهم في فخاخ النازية؛ لذا بطلنا "الطفل" بلا اسم. تتلقّفه الأيدي الكبيرة منها والصغيرة، الخشنة، القاسية، المتوحشة، المغتصبة، المستغلة، المنتهكة، الطيبة، الرحوم، الشريرة، الشيطانية وغيرها، كل منهم يختار له هوية تلائم منافعهم الشخصية وغرائزهم الوحشية، وإمعانًا في طمس هويته عن الجنود الألمان- ليبقى خادمًا ومعبودًا لهم- يقومون بحلق شعره الداكن، ويخفون عينياه السوداوان بقبعة تغطي كل تشكيلة وجهه الذي تحمل النحس والسحر والشعوذة، كما يؤمن أهل القرى الذين كانوا شقرًا، ذوي بشرة فاتحة وعيون زرقاء أو رمادية، كانوا من العشائر المعزولة، المتخلّفة، ولم تكن لديهم مدارس أو حتى مستشفيات وما من كهرباء، كانوا جهلة وقُساة؛ كالظروف التي كانت تحيط بهم تماما!
يبدو أن الرواية التي قدمت على أنها "خياليّة" هي شبه سيرة ذاتية لكاتبها كوزينسكي! فهو حامل هوية مزدوجة، واسمين أيضا، زوّر والده هويته خشية عليه من النازيين، وكان طفلاً خلال الحرب العالمية الثانية، ناهيك عن تفاصيل أخرى تماثل بطل روايته، ويبدو من الغرابة، أن كوزينسكي خُلع عنه جلده اليهودي في طفولته ليفرّ من الموت، ومن العاقبة السيئة على يدّ النازيين، غير أنه حين يكبر ويصير كاتبًا معروفًا يفرّ من الحياة كلها منتّحرًا بتناول جرعة زائدة. حياته التي تشبه روايته الزاخمة بتساؤلات ملّحة تدعو إلى التفكير العميق، يبدو بعضها وجودية عن الحياة والموت والعنصرية والألمان، والعنف البشري والتمايز، والإيمان.
الرواية لا تغني عن الفيلم، والفيلم لا يغني عن الرواية، بل يمكنني الاعتراف، بأنها المرة الأولى التي أشعر بها أن الفيلم لا يحرق الرواية والعكس أيضا؛ وكما أسلفت سابقًا الفيلم هو من قادني إلى الرواية، ومن عاداتي -المتأصلة -أن أقرأ الروايات ثم أشاهد الأفلام المقتبس عنها، وعادة ما تكون الغلبة للروايات على الأفلام التي تنتقص عادة من عرض جماليات بعض التفاصيل المسهبة في عوالم الكتب كاللغة على سبيل
المثل.

لكنّ المخرج فاكلاف مرهول قدم فيلمًا على درجة عالية من التأثير دون أن يخلّ بالتفاصيل بل أغناها بلمساته، عرض جرعات مأساويّة بلون قاتم عن صبيّ معرّض للتنكيل لا من الألمانيين فحسب بل من أهالي القرى أيضا، لكونه يهودي، وهو سبب كافٍّ بالنسبة لهم لتعذيبه وتعريضه لكافة أنواع الذل والوحشية، ويظل الطفل طوال مشاهد الفيلم مُعذبًّا وضحيةًّ، وعندما تتراكم في رواسبه النفسية صنوف التعذيب يتحوّل هو أيضا إلى طفل منتقم، ويتمنى الشرّ والهلاك للجميع، وهذا ما وضحتّه الرواية في فصولها النهائية، كيف يتحول هذا الطفل المفعم بالبراءة بوجهه الطفولي إلى كائن مشّوه بملامح صلبة، مستنكرة، ويسعى شرّه الكامن إلى جرف كل شيء معه إلى الجحيم الذي ألقوه فيه!
وهذا ما قدمه المخرج فاكلاف ولكن بطريقته، نجح في لملمة أحداث الرواية الغزيرة، وتلاعب بأدوار بعض شخوص الرواية، مع مضاعفة جرعة مظلومية الصبي على يدّ النازيين وأهالي القرى الجهلة.
جاءت المشاهد البصرية في الفيلم مكثفة، بدت كلوحات مستقلة، بل إن لغة العيون التي وظّفها بمنتهى الذكاء وبكثير من العناية أغنت عن الحوار، الذي جاء قليلاً جدًّا كما لو أنك تشاهد فيلمًا صامتًا على طريقة "شارلي شابلن" لكن بجرعة قاسية، اشمئزازية، فجائعية. ولا عجب من انسحاب أكثر من نصف الجماهير في منتصف الفيلم عندما عرض في مهرجان البندقية السينمائي!
"ثلاث ساعات من الانحراف الأخلاقي والاجتماعي والسياسي" كما قال الناقد السينمائي اللبناني "شفيق طبارة" عن تقديمه للفيلم.

*كاتبة عُمانية
حين عرض فيلم ( طائر الملون) لأول مرة في مهرجان البندقية السينمائي غادر نصف الجمهور مقاعدهم في صالة العرض من مشاهده الصادمة، ثلاث ساعات من الانحراف الأخلاقي والاجتماعي والسياسي.

هذا الفيلم شرير، هذه الرواية شريرة...