هواجس غرفة العالم ( ليلى عبدالله )
7.09K subscribers
3.12K photos
342 videos
63 files
1.09K links
ثقافي ، فكري ، أدبي ، إنساني. .
Download Telegram
صبحى حديدى بدراسة بديعة عن دواوينى الخمسة، كان يرى أنه لا يليق أن تصل كتبى إلى خارج مصر بالصدفة وفى حقائب الأصدقاء، وأنه آن أوان خروجى من الطبعة المحدودة إلى العراء الطبيعى المطلوب، وأنه ينبغى- بتعبيره - أن أكون فى قلب معركة ما، أو ربما فى قلب المعركة بالتعريف: معركة الشعر الذى يصارع ويتصارع ويصطرع. وأذكر أننى داعبته وقتها فى رسالة وقلت له: لماذا تريدنى أن أدخل معركة، لماذا تريد أن أتحول إلى قاتل أو قتيل؟».
لا يهتم عماد أبو صالح كثيراً بتصنيف قصيدته. المهم بالنسبة له هو «روح الشعر» بصرف النظر عن أنواعه. يقول: «أبحث عن جوهر الشعر من امرئ القيس، مروراً بنزار قبانى (بالمناسبة هو شاعر كبير)، وحتى أصغر شاعر يكتب الآن. أنا مع كافة أشكال الشعر. قصيدة النثر طريقة شعرية بديعة، لكنها لا تلغى القصيدة العمودية ولا قصيدة التفعيلة، وليست ذروة الشعر ولا نهاياته. فيها الفاتن والردىء شأن كل نوع. بودلير مثلاً سيظل معروفاً بـ(أزهار الشر) أكثر من (سأم باريس). راسل إدسون، رهن حياته كاملة على قصيدة النثر، ثم مات وهو يكاد أن يتسوَّل اعترافاً بشاعريته. تشارلز سيميك له حوالى ثلاثين ديواناً على الإيقاع الحر وديوان نثر واحد هو (العالم لا ينتهى). لو طالعت كتابات آخر ثمانية شعراء فازوا بجائزة نوبل، لن تجد أياً منهم كتب أساساً قصيدة النثر، بمن فيهم بوب ديلان، وهو يمثل الغناء بمعناه الحرفى كتابة وصوتاً. أنا شاعر عربى، أى أننى - روحياً وجينياً - ابن تراث الشعر العربى العريق الذى يمتد تاريخه المعروف إلى حوالى ألفى سنة، ويمثل الغناء ركيزة جوهرية فيه. كما أننى ابن الثقافة الإسلامية العظيمة التى (تغنِّى) فى الأذان خمس مرات يومياً، و(تتغنَّى) بكتابها المقدس فى جميع الأوقات. صحيح أننى لا أستعمل الأوزان العروضية المعروفة فى قصائدى، لكننى أزن كلماتى فى كل قصيدة أكثر مما كنت أزنها على بحور الخليل التى أجيدها واستخدمتها فى بداياتى الشعرية. ربما أحشو جملة بكلمة، أعرف أنها زائدة، أو أحذف كلمة، اعرف أنها ناقصة، لأضبط إيقاعى. الموسيقى لو تشاء، الإيقاع أو الغنائية لو شئت، عنصر ضرورى فى إحساسى بالشعر. لا يمكننى أن أنتف ريشة، يوماً وراء الآخر، من أجنحة ربّة الشعر وأحيلها إلى كتلة لحم عاجزة عن الطيران بداعى التطور أو تحت ضغط الحداثة. بلا حداثة بلا بطيخ».
آباؤه الشعريون هم أصلاً موتى أو عجائز، وحنينه للماضى، أكثر من شغفه بالمستقبل: يقول بحدة : «سمّنى كلاسيكياً، لن تخوّفنى بتهمة كهذه، لو كنت تعتبرها تهمة. أى شاعر، فى التاريخ السحيق، لديه قلق روحى، هو شاعر حديث. كفافيس هو شاعر اللحظة الراهنة والتالية، رغم أن (عدّة شغله) شديدة القِدم، ورغم أنه يكتب من القبور وعن القبور. الخلاصة هى: لو أردتَ أن تقتل الشعر، فالأمر فى غاية السهولة: احصره فى وصفة واحدة أو نمط وحيد. الشعر أكبر من الشعراء، وأوسع من كل الأنماط، إنه طائر حُر لا يمكنك حبسه فى أقفاص. مشهد الشعر الأمريكى مثلاً يتيح لنا قارة كاملة من الشعراء يكتبون بطرق متباينة: شعراء يستلهمون الميثيولوجيا بكل مهابتها، آخرون يكتبون القصائد اليومية بكامل بساطتها، شعراء التأمل العميق، وشعراء العابر الخفيف، هناك شعراء المدن بكل شراستها، وشعراء الطبيعة بكل وداعتها، يمكن أن تجد شعراء يكتبون قصائد الإيقاع الحر، وآخرين يكتبون قصائد النثر، ويمكن لك أيضاً أن تقرأ لشعراء يلتزمون بالقافية والوزن السكندرى. كل هؤلاء لا ينفى أحد منهم الآخر، ولا ينتقص أحدهم من عمل الآخر، والرابح الوحيد من هذا كله هو الشعر، الذى أتخيله يضحك بخبث فى الأعالى قائلاً: لن تكمشونى أبداً، كرروا محاولاتكم، جرّبوا طرقاً جديدة».
هذا رأى عماد فى التقنيات الفنية للشعر، أما فى الشق الفكرى، فهو ضد «تقييم» الشعراء حسب أفكارهم: هذا رجعى، وذاك تقدمى، ويتم التهليل للثانى، أو هذا يسارى، وذاك يمينى، ويتم تحقير الثانى. يعلق: «هذا إرهاب، كفاية. أرواح الشعراء تتكامل لا تتقاتل. إليوت، كان محافظاً شديد الصرامة، وكاثوليكياً شديد الالتزام، ولا يزال - فى انجلترا- إلى اليوم فخر الثقافة الإنجليزية. رامبو كان على النقيض، منفلتاً وفوضوياً، ولا يزال- فى فرنسا - أحد أبرز الشعراء، وصدرت عنه عشرات الكتب والأفلام والمعارض التشكيلية، ويتوالى الاحتفاء به إلى اليوم فى مختلف بلدان العالم. يسينين وماياكوفسكى كانا مختلفيْن فكرياً فى النظر للثورة، ونقيضين فنياً فى رؤية الشعر، ولم ينكر أحدهما عبقرية الآخر، وتحتفى بهما روسيا كاثنين من أبرع شعرائها».
يرى عماد أنه لا أحد يهين شعراءه مثلنا. يقول: «صلاح عبد الصبور قتلناه، فؤاد حداد اعتقلناه، عفيفى مطر غرّبناه أو طردناه، وحجازى (وهو واحد من أعظم شعرائنا) هاجمنا وشتمناه. أما أمل دنقل، فأصبح أكل لحمه ميتاً أكثر لذة مما كان حياً، حفلات شتمه تتكرر سنوياً رغم أنه شاعر كبير، ولا يليق أن تنفى شاعريته لأنها لا تناسب ذائقتك، أو لأنك تريد تكييفه على مقاييسك الفنية، أو لأنك تريد
الهورلا Le Horla :
غي دو موباسان ـ ترجمة محمد فري

استدعى الدكتور ماراند، أشهر وأنبغ طبيب عقلي، ثلاثة علماء من زملائه المهتمين بالعلوم الطبيعية، لقضاء ساعة معه في المستشفى الذي يرأسه، كي يعرض عليهم أحد مرضاه. حالما اجتمع زملاؤه، قال لهم:" سأعرض عليكم أغرب وأخطر حالة واجهتها. على كل ، ليس لي ما أقوله لكم عن زبوني. سيتحدث هو نفسه." حينئذ دق الدكتور الجرس ليدخل الخادم رجلا. كان شديد النحافة، نحيفا كجثة، كنحافة بعض الحمقى الذين تنخرهم الأفكار ، ذلك أن الفكرة المريضة تفترس لحم الجسد أكثر من الحمى أو السل. سلم وجلس، ثم قال: أيها السادة، أعرف لماذا اجتمعتم هنا، وأنا مستعد أن أحكي لكم قصتي، استجابة لرغبة صديقي الدكتور ماراند. لقد اعتبرني مخبولا مدة طويلة، لكنه اليوم يشك في ذلك، بعد قليل ستدركون، مع أسفي وأسفكم وأسف الإنسانية كلها، أن عقلي سليم ونير و مستبصر كعقولكم، لكن أريد أن أبدأ بالأحداث نفسها، بالأحداث بكل بساطة. وهاهي: أنا في الثانية والأربعين، لست متزوجا، ثروتي كافية كي أعيش نوعا من الرفه. كنت أقطن بمنزل على ضفاف نهر السين، في " بييسار "، قرب " روان ". أحب القنص والصيد. ذلك أن ورائي فوق الصخور الكبرى المحيطة بمنزلي، إحدى أجمل غابات فرنسا، غابة " رومار "، وأمامي أحد أجمل الأنهار في العالم. مسكني واسع رحب، خارجه مصبوغ باللون الأبيض، جميل، عتيق، وسط حديقة كبيرة مغروسة بأشجار رائعة تصل حتى الغابة، صعودا نجد الصخور الكبرى التي حدثتكم عنها قبل لحظات. يتكون طاقم خدمي، أو كان يتكون، من حوذي، وبستاني، وفراش، وطباخ، ومنظفة تقوم في نفس الوقت بدور خادمة.كل هؤلاء كانوا يقطنون معي منذ عشرة إلى ستة عشر عاما، كانوا يعرفونني، ويعرفون مسكني والمنطقة، وكل ما يحيط بحياتي. كانوا خدما طيبين مسالمين. وهذا مهم بالنسبة لما سأقوله. أضيف أن نهر السين الذي يحاذي حديقتي، صالح للملاحة حتى " روان "، كما تعلمون دون شك، وكنت كل يوم أراقب البواخر الكبيرة، سواء ذات الأشرعة أو البخارية، تأتي من كل أنحاء العالم. مر عام إذن منذ الخريف الماضي، حيث أصبت فجأة بوعكة غريبة غامضة، بدأت كنوع من القلق العصابي الذي يبقيني مستيقظا ليالي كاملة، نوع من التهيج يجعلني أرتعش أدنى صوت، تعكر مزاجي، وانتابني غضب مفاجئ مبهم. استرشدت بطبيب نصحني بمحلول " برومور البوتاسيوم " وحمامات الماء البارد. كنت إذن آخذ حمام الرشاس صباحا ومساء، وأتناول شراب البرومور. في الواقع استعدت نومي في وقت قريب، لكنه نوم أفظع من الأرق. ما إن أستلقي حتى أغمض عيناي وأتلاشى، نعم، أغوص في العدم، عدم مطلق، موت كلي للكائن الذي يجذبني منع بعنف وفظاعة، إحساس رهيب بثقل يضغط على صدري، وبفم يلتهم حياتي فوق فمي، آه من هذه الهزات ! لم أعرف شيئا أكثر منها رعبا. تصوروا رجلا نائما يتعرض للقتل، فيستيقظ وفد انغرز سكين في عنقه، ثم يحشرج وهو ملطخ بالدم، ويعجز عن التنفس ويموت، دون أن يفهم شيئا....ذاك هو حالي ! هزل جسدي بصورة مقلقة ومستمرة، ولاحظت فجأة أن حوذي الذي كان بدينا قد بدأ يهزل مثلي. سألته في الأخير: " مابك ياجان؟ إنك مريض " أجابني: " لعلني أصبت بنفس مرض سيدي، إنها ليالي التي تفقد نهاراتها " فكرت أن بالمنزل تأثيرا محموما ناتجا عن محاذاة النهر، وكنت على وشك السفرلشهرين أو ثلاثة، رغم أننا كنا في أوج فصل الصيد، إلى أن لوحظ مصادفة حدث صغير غريب جدا، جلب لي نوعا متتابعا من الاكتشافات اللامعقولة والغرائبية والمفزعة. كان العطش قد أصابني ذات ليلة، شربت نصف كاس ماء، ولاحظت أن القنينة الموضوعة على الأريكة مقابل سريري، كانت مليئة حتى سدادتها الكريسطالية.في الليل، تعرضت لنوع من هذا الاستيقاظ الفظيع الذي حدثتكم عنه. أشعلت الشمعة وأنا فريسة لاكتئاب مروع، وما كدت أشرب من جديد، حتى لاحظت بفزع أن القنينة كانت فارغة، لم أصدق عيناي، إما أن أحدا دخل غرفتي، أو أنني كنت في حالة نوم ويقظة. في الليلة الموالية، عزمت على القيام بنفس التجربة، أغلقت إذن غرفتي بالمفتاح لأتأكد من عدم استطاعة أحد الدخول علي، نمت واستيقظت كالعادة في كل ليلة، كان الماء الذي رأيته قبل ساعتين قد شُرب. من شرب الماء؟ أنا بدون شك. ومع ذلك أعتقد أنني متيقن، جد متيقن من أنني لم أقم بحركة خلال نومي العميق والمؤلم. التجأت إذن إلى حيل لأقنع نفسي انني لا أقوم بهذه الأفعال اللاواعية. وضعت ذات ليلة قنينة نبيذ معتق من نوع بوردو، وكأسا من الحليب الذي لا أستسيغه، وقطعا من حلوى الشكولاطة التي أحبها. بقي النبيذ وقطع الحلوى على حالها، واختفى الحليب والماء، كنت أغير المشروبات والأكل كل ليلة، ولم يحدث أن مست الأشياء الصلبة والسميكة، ولم يكن يُشرب كسوائل سوى الحليب الطري والماء على الخصوص. لكن هذا الشك المؤلم استقر داخل أعماق روحي، ألم أكن أنا الذي أنهض دون وعي، وأشرب حتى الأشياء التي أشمئز منها؟ ذلك أن حواسي المخدرة بسبب النوم المسرنم يمكن أن تتغير، وتفقد اشمئزازها الطبيعي، وتكتسب أذ
la "، مما يوحي بالمتواجد خارجنا والحاضر معنا في نفس الوقت..
واقا مختلفة. ايتعنت إذن بحيلة جديدة ضدي، لففت كل الأشياء المعرضة للملامسة بشرائط من الموسلين الأبيض، وغلفتها من جديد بمنشفة من قماش الباتيست. ثم، وفي لحظة ذهابي للفراش، لطخت يداي وشفتاي وشنبي برصاص الأقلام. عند استيقاظي، ظلت كل الأشياء نقية، رغم تعرضها للملامسة، فالمنشفة لم تكن في الوضع الذي تركتها عليه، كما أن الماء والحليب قد شربا، علما أن بابي المقفل بمفتاح الأمان ومصاريعي المغلقة بالأقفال احتياطا لم تترك مجالا لتسرب أحد. بذلك وضعت على نفسي هذا السؤال الخطير: من كان هنا كل ليلة بجانبي إذن؟ أشعر أيها السادة، أنني أحكي لكم كل هذا على عجل، تبتسمون، وتقررون حكمكم مسبقا:" إنه مجنون "، كان لزاما علي أن أصف لكم مطولا شعور رجل مقفل عليه في بيته، وبعقل صاف يرى عبر كاس قنينة، اختفاء قليل من الماء خلال نومه. كان علي أن أفهمكم هذا العذاب المتجدد كل مساء وكل صباح، وهذا النوم الخفي، وهذه الاستيقاظات الأكثر فظاعة أيضا. ومع ذلك سأتابع، فجأة، انتهت المعجزة، لم يعد أي شيئ يمس بغرفتي، انتهى كل شئ، شعرت بالارتياح. زد على ذلك أنني استعدت انشراحي عندما علمت أن أحد جيراني، السيد لوجيت، قد كان في نفس الحالة التي كنت عليها. اعتقدت من جديد أن الأمر يتعلق بعدوى محمومة أصابت البلاد. وكان الحوذي قد غادرني منذ شهر وهو مريض جدا. مر الخريف، وظهرت بوادر الربيع. وذات صباح، رأيت وأنا أتجول قرب حديقة زهوري، رأيت بجانبي وبوضوح تام، ساقا لإحدى أجمل الورود تنكسر، وكأن يدا خفية تقطفها، وتتبع الوردة انحناءة وكأن ذراعا تتجه بها لقمة نحو فم، فتبقى معلقة في الهواء، شفافة، وحيدة، جامدة، مفزعة، على مقربة من ناظري. تملكني جنون مخيف، وارتميت نحوها أريد الإمساك بها دون أن أجد شيئا، كانت قد اختفت. هنا أصابني غضب عنيف ضد نفسي، إذ ليس مسموحا لرجل عاقل وجاد أن يتعرض لمثل هذه الهلوسة ! لكن، هل كانت حقا هلوسة؟ بحثت عن الساق فوجدتها بسرعة على الشجيرة، طرية الكسر، وسط وردتين ظلتا على الغصن، ذلك أنها كانت ثلاث ورود رأيتها بأم عيني. رجعت إذن إلى بيتي منكسر الروح. اسمعوني أيها السادة، إنني هادئ تماما، لم أومن أبدا بالخوارق، ولن أومن بها اليوم أيضا. لكن، انطلاقا من هذه اللحظة، تأكدت، كتأكدي من وجود النهار والليل، أن كائنا خفيا تواجد بقربي وسكنني، ثم غادرني ليعاودني. بعد فترة حصلت على الدليل. أولا كانت تنشب بين خدمي خصومات شديدة لألف سبب تافه في مظهره، لكنها من الآن فصاعدا أصبحت بالنسب لي أسبابا غنية بالمعاني . ثم ينكسر كأس، كأس بنذقي جميل، ينكسر وحده بخزانة الأطباق في غرفة الطعام، وفي واضحة النهار. كبير الخدم يتهم الطباخة، وهذه تتهم قيمة البياض التي تتهم بدورها لا أعرف من. أبواب تغلق ليلا لتصبح مفتوحة، حليب يسرق كل ليلة من المخزن. – آه ! من يكون؟ ماطبيعته؟ فضول قلق، ممزوج بالغضب والفظاعة ينتابني ليل نهار في حالة قصوى من الهيجان. لكن المنزل استعاد الهدوء مرة أخرى، واعتقدت من جديد أن الأمر أحلام إلى أن حدث الأمر التالي: كان ذلك في 20 يوليوز، على الساعة التاسعة مساء، كان الجو حارا جدا، تركت نافذتي مشرعة، والمصباح المنير فوق الطاولة يضيء مجلدا لــ(مــوسي) مفتوحا على صفحة " ليلة ماي "، وكنت ممددا على الفوتوي العريض حيث أنام. ذلك أنني بعد أن نمت حوالي أربعين دقيقة، فتحت عيناي من جديد دون أن أبدي حراكا. لا أدري أية عاطفة غريبة وغامضة أيقظتني، لم ألاحظ في البداية شيئا، ثم فجأة بدا لي أن صفحة من الكتاب قد طويت وحدها، دون أن تكون هناك هبة ريح متسربة من النافذة، اندهشت، وانتظرت. وبعد أربع دقائق تقريبا، رأيت، نعم رأيت، أيها السادة، بعيني هاتين، صفحة أخرى ترتفع ونتزل على سابقتها وكأن أصبعا طوتها. كان الفوتوي يبدو فارغا، ولكن فهمت أنه هناك، هو ! اجتزت الغرفة في قفزة واحدة كي أمسك به، ألمسه، أقبض عليه، إن أمكن ذلك... لكن الفوتوي انقلب قبل أن أصل إليه، كأن هناك من هرب من أمامي، المصباح أيضا سقط وانطفأ، وانكسر زجاجه، والنافذة رجت بقوة وكأن شقيا تشبث بها وضرب على قفلها وهو يحاول الفرار...آه ! ارتميت على الجرس مناديا، ولما حضر الخادم قلت له:" لقد قلبت وحطمت كل شئ، أشعل النور " لم أنم تلك الليلة، ومع ذلك استطعت أن أكون مرة أخرى لعبة للهلوسة. عندما أفقت ظلت حواسي مضطربة، ألم أكن أنا من أسقط الفوتوي والمصباح مندفعا كالأحمق؟ لا، لم أكن أنا ! كنت أعرف ذلك دون أن أشك ولو ثانية، ومع ذلك أود أن أصدق. انتظروا. الكائن ! كيف أسميه؟ الخفي، لا، هذا غير كاف، لقد سميته " الهورلا ". لماذا؟ لا أعرف. إذن لم يعد الهورلا يفارقني أبدا، كان لدي كل نهار وليلة إحساس ويقين بحضور هذا الجار المتعذر الإمساك، واليقين أيضا بأنه يستنزف حياتي، ساعة ساعة، ودقيقة دقيقة. كانت استحالة رؤيته تغيظني، وكنت أشعل كل مصابيح منزلي وكأنني سأستطيع اكتشافه في كا هذا الضوء الساطع. ورأيته أخيرا، إنكم لا تصدقونني، ومع ذلك رأيته. كنت جالسا أمام
كتاب ما، لا أقرأ، ولكنني أتربص، وكل أعضائي متحفزة، متربصا بهذا الذي أشعر به قريبا مني، طبعا كان هنا، لكن أين؟ ماذا يفعل؟ كيف يمكن الوصول إليه؟ أمامي فراشي ذو الأعمدة والخشب السندياني، وعلى اليمين مدفأتي، وعلى اليسار بابي الذي أقفلته بعناية، بالخلف خزانة تحتوي على مرآة أستعين بها يوميا من أجل الحلاقة، ورؤية كيفية لباسي، حيث اعتدت على أن أرى نفسي من الرأس إلى القدمين كلما مررت أمامها. تظاهرت إذن بالقراءة كي أخادعه، لأنه كان بدوره يتجسس علي، وفجأة، أحسست أنه هنا يكاد يلامس أذني، لقد كنت متأكدا من تواجده خلفي يتابع ما أقرأه. وقفت والتفت بسرعة كادت تفقدني توازني، وإذن ! ... كانت الرؤية واضحة وكأننا وسط النهار ... ولم أر نفسي في المرآة ! كانت فارغة، صافية، مليئة بالضوء، ولم تكن صورتي بها ... وكنت واقفا أمامها ... أنظر إلى الزجاج الكبير، شفافا من أعلى إلى أسفل ! كنت أنظر ذلك بعينين فزعتين، ولا أستطيع أن أتقدم، شاعرا بأنه متواجد بيننا، وأنه ينفلت مني مجددا، لكنني شاعر أن جسده اللامحسوس قد امتص صورتي المنعكسة. كم أصابني الخوف، ثم فجأة بدأت أرى نفسي عبر ضباب في عمق المرآة، ضباب كأنه عبر طبقة مائية، وكان يخيل لي أن هذا الماء ينزلق ببطء من اليسار إلى اليمين، جاعلا صورتي تتضح ثانية بعد ثانية. كان ذلك مثل انتهاء لحظة كسوف. لم يظهر أن الشيء الذي أخفاني كان يملك تقاطيع جسم محددة بدقة، بل نوعا من الشفافية المعتمة المتضحة شيئا فشيئا. استطعت أخيرا أن أميز نفسي كليا كما كنت أفعل كل يوم وأنا أنظر إلى المرآة. لقد رأيته، واحتفظت بفزع ظل يرعشني. وفي الغد، كنت هنا، حيث رجوت أن يحتفظ بي. الآن، أيها السادة، أصل إلى الاستنتاج بعد أن شك الدكتور ماراند طويلا في الأمر، قرر أن يسافر وحده إلى بلدتي. ثلاثة من جيراني، هم مصابون الآن مثلي. أليس كذلك؟ أجاب الطبيب:" هو كذلك ! " لقد نصحتهم بأن يتركوا الماء والحليب في غرفهم للتأكد من اختفاء هذه السوائل. وقد قاموا بذلك. هل اختفت هذه السوائل كما حدث عندي؟ أجاب الطبيب بجدية رسمية:" لقد اختفت " إذن، أيها السادة، إنه كائن، كائن جديد، سيتعدد دون شك مثلما تعددنا، وقد ظهر مؤخرا على الأرض. آه ! إنكم تبتسمون ! لماذا؟ لأن هذا الكائن يظل خفيا عن الأعين، لكن عيننا إيها السادة، ماهي إلا عضو بدائي يستطيع بالكاد أن يميز ماهو ضروري في حياتنا، ينفلت منها ماهو صغير، ينفلت منها ماهو كبير، ينفلت منها ماهو بعيد، إنها تجهل الأشياء التي تعيش داخل قطرة ماء، تجهل سكان ونباتات وأرض النجوم المجاورة، لا ترى حتى ما هو شفاف. صعوا أمامها مرآة دون طبقة القصدير التي يطلى بها ظهرها، ستعجز عن تمييزها، وستدفع بنا نحوها مثلما يحدث للعصفور المحبوس في البيت عندما يصدم رأسه بزجاج النوافذ. إذن هي لا ترى الأجسام الصلبة والشفافة والتي توجد فعلا، لا ترى الهواء الذي نتغذى به، لا ترى الريح التي هي أكبر قوة في الطبيعة، والتي تطيح بالناس، ونسقط الأبنية، وتقتلع الأشجار، وتهيج البحر ليغدو جبالا من الأمواج تهدم الجرف الصخرية. ماالمدهش في كونها تعجز عن رؤية جسم جديد، يفقد دون شك الخاصية الوحيدة لعكس الأشعة المضيئة. هل ترون الكهرباء؟ ومع ذلك هي موجودة ! هذا الكائن الذي سميته " الهورلا " موجود أيضا. من هو أيها السادة؟ إنه الذي تنتظره الأرض بعد الإنسان ! الذي سيزيحنا عن عرشنا، ويستعبدنا، ويروضنا، وربما سيقتات بنا، مثلما نقتات بالأبقار والخنازير البرية. منذ قرون ونحن نستشعره، نخشاه ونتبأ به ! لقد سكن الخوف من اللامرئي آباءنا دائما. هاهو قد وصل. كل حكايا الجنيات والعفاريت، والأجسام التائهة في الفضاء، الشريرة والمتعذرة الإمساك، كانت تتحدث عنه، عنه الذي توقعه الإنسان القلق والخائف منذ أمد. أقول لكم إنه قد وصل، هو نفسه مايزال يتجول قلقا مثل الإنسان البدائي، جاهلا قوته وجبروته التي سيدركها قريبا، قريبا جدا. وللختام أيها السادة، هذه مجموعة من الجرائد التي وقعت بيدي والقادمة من ريو دي جانيرو. أقرأ عليكم: " يظهر أن نوعا من وباء الجنون، يعيث فسادا منذ مدة بمقاطعة سان-باولو. وقد هاجر سكان قرى كثيرة أراضيهم وديارهم زاعمين أنهم متابعون وملتهمون من طرف مصاصي دماء خواف يقتاتون بأنفاسهم خلال نومهم ولا يشربون إلا الماء والحليب أحيانا. أضيف:" قبل إصابتي الأولىببضعة أيام، والتي كنت سأهلك بسببها، أتذكر جيدا أنني رأيت سفينة برازيلية ذات سوار ثلاث برايتها المنبسطة البيضاء ... كنت أخبرتكم بأن منزلي يحاذي النهر ... لقد كان مختبئا في هذه السفينة دون شك ..." ليس لدي ما أضيفه أيها السادة. نهض الدكتور ماراند مغمغما، " أنا بدوري لا أعرف إن كان هذا الرجل مجنونا أو أننا مجنونان معا ..، أو .. أن خليفتنا قد وصل حقا."​

غي دو موباسان 26 أكتوبر 1886 ــ ترجمة: محمد فري​

ــــــ هو مصطلح ابتكره موباسان في هذا النص ليعبر عن كائن غريب غير واضح المعالم..وبتحليل مصطلح le horla قد نجده مكونا من" hors " و"
1
*للذين طلبوا القصة بصورة أوضح:

قصتي( لوحة الملك الفحمية) المنشورة في أخبار الأدب.
"هكذا تبدو كتاباتي عندما أعيد قراءتها نصوصاً مريضة يتعيّن علاجها، مع يقيني أن العلاج لا نهاية له".

عبد الفتاح كيليطو
‏"الشعراء، يخافون أن تُصبح الأرضُ غير رومانسية، من جراء التقدُّم".

إِيرش كستنر
في مقالة نشرت في صحيفة الغارديان، تتحدث الروائية الكندية مارغريت آتوود عن الشعر والزمن والفقد:

أستطيع القول بقدر من اليقين -بعد مراجعة عذري الهزيل لصحيفة يومية –أني كتبت قصيدتي "إلى حد بعيد" في الأسبوع الثالث من شهر آب العام 2017، في شارع خلفي في ستراتفورد، أونتاريو، كندا، إما بقلم رصاص أو بقلم حبر جاف (ينبغي عليّ التحقق من ذلك) على قصاصة ورقية قد تكون مقتطعة من أي شيء سواء مغلف قديم أو قائمة تسوق أو صفحة من مفكرة؛ سأضطر إلى التحقق من ذلك على حد سواء، لكنني أخمن أنها من مفكرة. اللغة إنكليزية كندية بدايات القرن الحادي والعشرين تفسر عبارة "أقل من خُرء"[1]، والتي لم تكن لتستخدم على سبيل المثال في قصيدة تينيسُن المعنونة "في ذكرى أ.ه.ه"؛ على الرغم من أن شيئاً من هذا القبيل لربما ظهر في إحدى حكايات تشوسر الأكثر رواجاً -ربما العبارة نفسها منطوقة بلهجة ممطوطة بعض الشيء. بعد ذلك أخرجت هذه القصيدة من أحد الأدراج، وفككت بنفسي طلاسم خط يدي إلى حد ما، ونُضدت كمستند رقمي في شهر كانون الأول العام 2017. أعرف هذا الجزء من التاريخ والوقت المثبتين على المستند.
ألفت القصيدة بقدر ما هو موصوف في بدايتها. كنت بالفعل أشق طريقي على طول الرصيف ببطء إلى حد ما. كانت ركبتاي في حالة سيئة إذ كنت قد أمضيت مؤخراً خمس ساعات في وضع ملتوي جالسة في المقعد الخلفي لسيارة مع طفل يبلغ من العمر عاماً ونصف، ومجموعة من الأمتعة مكدسة فوقي. (تحسن الآن، شكراً. أو تحسن حال الركبتين). في الواقع كنت أحمل نصف فنجان قهوة في كوب من الكرتون مع غطاء بلاستيكي يسترعي الأسف. (متاح الآن خيارات أفضل، بفضل الضَّجة المبررة حول التلوث البلاستيكي.) يؤدي المشي البطيء إلى اجترار الأفكار الذي يؤدي بدوره إلى الشِّعر. مقاعد الحديقة أصدقائي، ولم يكن الجو ماطراً. تلا ذلك الخربشة.
لماذا كنت أسير بمفردي، وليس مع غريم غيبسن -الذي مشيت برفقته مئات الأميال منذ العام 1971، في أماكن متنوعة مثل اسكتلندا، وأوركني، وكوبا، ونورفولك، والغابات المختلطة في شمال كندا الأوسط، وجنوب فرنسا، والقطب الشَّمالي الكندي، والمقاطعات الشَّمالية الغربية؟ كان المشي أحد أفراحنا الرئيسية –بالإضافة إلى ركوب الزوارق –إلى أن بدأ حال ركبتيه يسوء، قبل أن يحدث هذا لركبتي. لذلك كان في النُّزل في ستراتفورد الذي كنا نرتاده منذ عدة سنوات، وكنت أعرِّج لشراء المؤن وأزود نفسي بالكافيين على طول الطريق.
كنا في ستراتفورد في زيارتنا السَّنوية لمشاهدة مزيج من مسرحيات شكسبير، والعروض الموسيقية، والمفاجآت. هل كنت أيضاً أجري لقاء؟ ربما، بما أني كنت قد نشرت للتو نسل العرافة، روايتي الحديثة التي أعدت فيها كتابة مسرحية العاصفة لشكسبير، في المكان الذي كانت مسرحية شكسبير قد عرضت فيه العام السابق -وليس من قبيل الصدفة، في مهرجان يحمل أكثر من مجرد تشابه عابر مع مهرجان ستراتفورد، أونتاريو. مشاهدة شكسبير، والبحث في أعمال شكسبير، والكتابة عن شكسبير -إنها قفزة قصيرة إلى التأمل في الكلمات المهجورة، والكلمات التي تضمحل، وطواعية اللغة، كل لغة – كانت كلمة "Gay" تعني "سعيد"، وقد أشارت ذات مرة إلى النساء المشبوهات -ومن ذلك إلى مجرى الزمن نفسه. نحن عالقون في تيار الزمن. إنه يتحرك. يترك الأشياء وراءه.
تلك هي المقدمة. بعد فترة قصيرة، علمنا أن غريم مصاب بمرض الخرف في عام 2012، لذا فقد كان قد مضى على هذه المعرفة خمس سنوات. كان قد سأل في ذلك الوقت: "ما هي احتمالية الشفاء؟". قال الطبيب: "إما أن يذهب ببطء، أو سيذهب بسرعة، أو سيبقى على حاله، أو لا نعلم". كان في آب من العام 2017 لا يزال يتحرك ببطء كافٍ، لكن الساعة كانت تتكتك. عرفنا ماذا، لكننا لم نكن نعرف متى. كما اتضح، كان من المفترض أن يفارق غريم الحياة في غضون عامين تقريباً -في شهر أيلول من العام 2019، بعد يومين من إطلاق روايتي الوصايا في لندن، أصيب بسكتة دماغية نزفية شديدة، تحدث عادة للمصابين بالخرف الوعائي – وانسحب في هذا الوقت تقريباً. وبالطريقة التي أرادها. سريعاً ودون ألم نسبياً، وبينما كان لا يزال هو نفسه.
لقد تحدثنا عن هذا كثيراً. حاولنا ألا نقضي وقتاً طويلاً في ظل الكآبة. تمكنا من القيام بالكثير من الأشياء التي أردنا القيام بها، وحققنا من ساعة إلى ساعة مقداراً من السعادة. أسفت على غريم قبل أن يرحل فعلاً: كل القصائد عنه في كتاب "إلى حد بعيد" كتبت قبل وفاته بالفعل.
كنا في الوقت نفسه نتعامل مع شركتي ام.ج.ام وهولو لخدمات البث التلفزيوني، حول المسلسل التلفزيوني حكاية الجارية الذي أطلق في شهر نيسان العام 2017 -وكان هذا بحد ذاته ظاهرة نجاح تجاري رائعة. كان فوزه بالجوائز العديدة من جوائز الإيمي لا يزال في علم الغيب، كما كان إطلاق السلسلة المصغرة الممتازة المقتبسة عن رواية "الملقبة بغريس" -لكن كلاهما كانا لا يزالان في ذهني. سلط عليهما الضوء أيضاً التوهج المنبعث من الانتخابات الرئاسية لعام 2016 والتي عايشتها مثل تلك
الأفلام الكابوسية حيث تتوقع أن تقفز فتاة من كعكة وبدلاً منها يكون الجوكر. لو فازت كلينتون بالانتخابات، لكان من الممكن تصنيف مسلسل حكاية الجارية التلفزيوني على أنه كارثي. الذي حدث أن نسبة المشاهدة لم تكن عالية جداً فحسب، بل كانت مرعبة للغاية. ومع ذلك، توقع القليل في هذه المرحلة أن الجهود المبذولة لتقويض أسس الديمقراطية الأمريكية -وسائل إعلام مستقلة وعاملة، وسلطة قضائية منفصلة عن السلطة التنفيذية، واحترام للدستور، وجيش يدين بالولاء للبلد كما يتجسد في الدستور، وليس لملك أو لمجلس عسكري أو ديكتاتور -ستذهب إلى مداها الأقصى بحلول شهر تشرين الثاني من العام 2020.
كانت رواية "الملقبة بغريس" المستندة إلى جريمة قتل مزدوجة حقيقية حدثت في منتصف القرن التاسع عشر، أيضاً على وشك أن تتناغم بشكل مخيف، ليس فقط مع الحملة التي اتهمت دونالد ترامب بالتحرش الجنسي، بل أيضاً مع انتفاضة #أنا_أيضاً. أطلق المسلسل القصير في أيلول، وظهرت مزاعم هارفي واينستين في تشرين الأول. لكن لم يكن قد حدث شيء من ذلك بعد بينما كنت أعرج في الشارع، أتأمل في الكلمة المضمحلة: "إلى حد بعيد".
ماذا كنت أفعل أيضاً في شهر آب العام 2017؟ لقد بدأت روايتي الوصايا، قبل حوالي عام -قبل الانتخابات، ولكن في الفترة التي تسبقها. بعد أن رددت لأكثر من 30 عاماً أنني لن أكتب تتمة لـحكاية الجارية، وبعد أن اعتقدت أن العالم كان في التسعينيات بعد نهاية الحرب الباردة، يبتعد عن الديكتاتوريات، فقد شاهدت الأمور تدور مرة أخرى بعد 11 أيلول. تنفذ الانقلابات الناجحة في أوقات الفوضى، والخوف، والاستياء الاجتماعي، وبحلول شهر آب العام 2016، كنا نشهد بالفعل الكثير من ذلك، ليس فقط في الولايات المتحدة، ولكن في جميع أنحاء العالم. كنا نعلم بالفعل، في العام 1985، أن عالم جلعاد قد انتهى -وإلا لما كان موضوعاً لندوة أكاديمية بعد حوالي 200 عام أو أكثر -لكننا لم نعرف كيف. في شهر آب، كنت في المرحلة الأولية أو "فطيرة الطين" لاستكشاف الاحتمالات، لكنني لم أكن لأرسل صفحة واحدة إلى الناشرين قبل شباط 2017.
لا يمكنك العمل بسهولة على رواية أثناء مشاهدة مسرحيتين في اليوم. ومع ذلك يمكنك خربشة الشِّعر. وهذا ما فعلته.
هنا إذن تكون قصيدة "إلى حدٍّ بعيد": قصيدة جزء من روح عصرها الخاص، في حين تدعي أنها ليست جزءاً منه. إنها ليست تذكُّر للموت تماماً، بل أشبه بتذكار لسيرة حياة.
على حدٍّ تعبير أورسولا لو جين (التي كنت سأكتب لها تأبيناً قريباً، على الرغم من أن ذلك أيضاً لم يحدث بعد): "فقط في الظلام الضّوء. فقط في الاحتضار الحياة ".
تؤلَّف القصائد في وقت معين مثل أي شيء آخر. (ألفان قبل الميلاد، 800 ميلادي، القرن الرابع عشر، 1858، الحرب العالمية الأولى، وما إلى ذلك). وهي مكتوبة أيضاً في مكان (بلاد ما بين النهرين، بريطانيا، فرنسا، اليابان، روسيا)؛ وأكثر من ذلك، في مكان صادف وجود الكاتب فيه (في مكتب، في حديقة، في السَّرير، في خندق، في مقهى، على متن طائرة). غالباً ما يتم تأليفها شفهياً، ثم تدوينها على سطح (الطَّين، ورق البردي، الرق، ورق، شاشة رقمية)، مع أداة كتابة من نوع ما (قُليم، فرشاة، قلم ريشة، سن فولاذية، قلم رصاص، قلم حبر جاف، كمبيوتر)، وبلغة معينة (المصرية القديمة، الإنكليزية القديمة، الكاتالونية، الصينية، الإسبانية، لغة الهيدا).
المعتقدات حول ما يفترض أن تتحدث عنه القصيدة (تمجيد الآلهة، مديح مفاتن الحبيب، الاحتفاء بالبطولة الباسلة، الثناء على الدوق والدوقة، تعرية نخب السلطة، التأمل في الطبيعة ومخلوقاتها والنباتات، دعوة عامة الناس للتمرد، التهليل للقفزة العظيمة للأمام، قول أشياء فظة عن حبيبك السَّابق و / أو عن النظام الأبوي) تختلف على نطاق واسع. كيف يُفترض بالقصيدة أن تنجز مهمتها (بلغة مفخمة، بتناسق موسيقي، في مقاطع شعرية مزدوجة مقفاة، في شعر حر، في سونيتات، باستعارات مأخوذة من ذخيرة الكلمات، مع عدد حصيف من الكلمات العامية والكلمات البذيئة، ارتجال في مناظرة شعرية) عديدة بنفس القدر وخاضعة للموضة.
قد يتراوح الجمهور المستهدف ابتداء من زميلاتك كاهنات الآلهة، إلى الملك والقصر في اللحظة الراهنة، إلى مجموعة النقد الذاتي للعاملين المثقفين، إلى زملائك من الشُّعراء الغنائيين، إلى المجتمع العصري، إلى زملائك من جماعة البيتينك، إلى صفّ الكتابة الإبداعية رقم 101، إلى معجبيك عبر شبكة الإنترنت، إلى -كما قالت إميلي ديكنسن -زملائك من عديمي الشَّأن. من يمكن أن يُنفى، أو يُطلق عليه الرصاص، أو يخضع للرقابة لقوله ما قد انحرف بشدة أيضاً من وقت لآخر ومن مكان إلى آخر. في الدكتاتورية، لا ينام الشَّاعر الذي يعاني من التجهم قرير العين قط: يمكن للكلمات الخاطئة في المكان الخطأ أن تورطك في الكثير من المشاكل.
هذا هو الحال مع كل قصيدة: القصائد منغرسة في زمانها ومكانها. لا يمكنها التخلي عن جذورها. لكن بشيء من الحظ، قد تتجاوز جذورها أيضاً. كل هذا مع ذلك يعني أن القراء
الذين يأتون لاحقاً قد يقدرونها، على الرغم من أنه لا شك ليس بنفس الطريقة التي قصدت في البداية. الترانيم لآلهة بلاد ما بين النهرين العظيمة والرهيبة إنانا آسرة -بالنسبة لي على الأقل -لكنها لا تذيب النخاع في عظامي كما قد تكون قد فعلت مع مستمع قديم: لا أعتقد أن إنانا قد تظهر في أية لحظة وتمهد بعض الجبال، على الرغم من أنني قد أكون مخطئة دائماً في ذلك.
على الرغم من الطريقة التي تحدَّث بها الرومانسيون باستمرار حول الشُّهرة الخالدة والكتابة على مر العصور، لا يوجد "إلى الأبد" في مثل هذه الأمور. ترتفع الشهرة والأساليب وتسقط، تتعرض الكتب للازدراء وللحرق، ثم تكتشف ويعاد إحياؤها، ومن المرجح أن ينتهي المطاف بمغني اليوم الأبدي بأن يصبح مفتعل حريق يوم الغد، تماماً كما قد ينتزع هو نفسه من اللهب في اليوم بعد الغد، ليمجد وتصنع له التماثيل المزخرفة. إن سبب وجود دولاب الحظ في حزمة التاروت هو في الواقع كونه دولاب. الذي يدور راحلاً يدور آتياً، على الأقل في بعض الأحيان. لا يسمى ممر الطريق المستقيم الحتمي إلى الثروة. لا يوجد ممر بهذا الاسم.
أما وقد صدر هذا التَّحذير المسبق فأني سأقتبس من فيلم "ساعي البريد" ما قاله ساعي البريد الذي سرق قصائد نيرودا ونسبها إلى نفسه لكي يتغزَّل بمحبوبته. يقول: "الشِّعر ليس لمن يكتبه. إنه يخصُّ أولئك الذين يحتاجونه". بالفعل، بعد أن تخرج القصيدة من بين يدي الشَّخص الذي كتبها، وبعد أن يكون ذلك الشَّخص قد رحل من الزمان والمكان مندفعاً في الهواء على هيئة ذرَّات، لمن غيره يمكن أن تنتمي القصيدة؟
لمن تقرع الأجراس؟ لك عزيزي القارئ. لمن هذه القصيدة؟ لك أيضاً.
إلى حدٍّ بعيد
إنها كلمة قديمة، تضمحل الآن.
تمنيت إلى حد بعيد.
أتوق إلى حد بعيد.
أحببته إلى حد بعيد.
أشقُّ طريقي على طول الرصيف
بحذر فركبتي مهدومتين
وأنا لا أعيرهما أي قدر من الاهتمام
أكثر مما يمكنك أن تتخيل
طالما أن هناك أمور أخرى أكثر أهمية-
انتظرها، وسوف ترى-
أحمل نصف فنجان قهوة
في كوب ورقي مع
غطاء بلاستيكي
أندم عليه إلى حدٍّ بعيد
وأنا أحاول تذكر ما قد عنته الكلمات في السَّابق.
إلى حدٍّ بعيد.
كيف استعملت؟
أيها المحبوب إلى حدٍّ بعيد
أيها المحبوب إلى حدٍّ بعيد لقد اجتمعنا
أيها المحبوب إلى حدٍّ بعيد لقد اجتمعنا هنا
في ألبوم الصًّور المنسي هذا
الذي وقعت عليه مؤخراً.
تضمحل الآن
اللون البني المحمر، الأسود والأبيض،
الجميع أصغر سناً بكثير
البولارويد
ما هو البولارويد، يسأل الوليد
وليد كان منذ عقد من الزمن.
كيف لي أن أشرح؟
تلتقط صورة ثم تخرج القمة.
قمَّة ماذا؟
إنها تلك النظرة المرتبكة التي أراها كثيراً.
من الصعوبة بمكان أن تشرح أدق التفاصيل عن الكيفية-
كل هؤلاء المجتمعون معاً إلى حدٍّ بعيد
عن كيف اعتدنا أن نحيا.
جمعنا القمامة
في جريدة مربوطة بسلك
ماهي الجريدة؟
هل تفهم قصدي؟
سلك مع ذلك. لا يزال لدينا أسلاك.
إنه يربط الأشياء معاً
خيط من لآلئ
هذا ما قد يقولونه.
كيف تتبع الأيام؟
كل يوم يشع.
كل يوم بمفرده.
كل يوم يرحل بعدئذ.
لقد احتفظت ببعض منهم في درج على الورق
تلك الأيام، تضمحل الآن
يمكن استخدام الخرزات للعد
كما في السُّبحات.
لكني لا أحب الأحجار حول عنقي.
على طول هذا الشارع يوجد كثير من الأزهار.
تضمحل الآن فنحن في شهر آب
والجو مغبر ونتجه صوب الخريف.
قريباً سوف تتفتح زهور الأقحوان
يسمونها زهور الموتى في فرنسا.
لا تظنن أن هذا كئيب
حسبه أنه الواقع.
من الصعوبة بمكان أن تشرح أدق تفاصيل الأزهار.
هذه سداة، لا علاقة لها بالرجال.
هذه مدقَّة، لا علاقة لها بالبنادق.
إن أدق التفاصيل هي التي تحبط المترجمين.
وتحبطني في محاولتي للشرح
انظر ما أعنيه
يمكن أن تهيم مبتعداً، يمكنك الضياع
تستطيع الكلمات فعل ذلك.
الذين أحببناهم إلى حدٍّ بعيد تجمعوا هنا
في هذا الدرج المغلق
يضمحلون الآن، أفتقدكم.
أفتقد الغائبين، هؤلاء الذين رحلوا باكراً.
أفتقد أيضاً هؤلاء الذين لا يزالون هنا.
أفتقدكم جميعاً إلى حد بعيد.
أشعر بأسى شديد عليكم.
أسى: تلك كلمة أخرى
لم نعد نسمعها كثيراً.
أشعر بأسى عميق.
https://www.theguardian.com/books/ng-interactive/2020/nov/07/caught-in-times-current-margaret-atwood-on-grief-poetry-and-the-past-four-years
[1] بمعنى لا أعير ولو أدنى اهتمام.

ترجمة: أماني لازار.