عماد أبو صالح: الشعر كلب.. أخاف أن يعقرنى!
حسن عبد الموجود
لم تكن جائزة سركون بولص هى الأولى لعماد أبو صالح - هذا العام - فقد سبقتها أخرى لا تقل عنها أهمية..
وصلته - ذات صباح - رسالة على بريده الإلكترونى من المترجم كاميران حاج محمود، يخبره فيها أنه وزوجته الإسبانية يعتزمان ترجمة ديوانه «كان نائماً حين قامت الثورة» إلى الكتلانية، والإسبانية: «منذ سنة بدأنا - فاليريا وأنا - مشروعنا الصغير وقد تخيّلناه كيس قمح وضعناه على عربة بعجلتين يجرّها بيدين قويّتين حلمٌ قديمٌ: (كاروان) دار نشر مستقلّة، صغيرة، تهتمّ بنشر الأعمال الأدبية المترجمة».
إلى هنا والأمر عادى أو طبيعى، لكن المفاجأة فى الرسالة هى هذه الفقرة: «قبل سنوات، الآن لم أعد أستطيع ترتيبها فى ذهنى، قرأتُ لك قصائد كانت بحوزة صديق. بعدها بمدّة، علمتُ أن ديواناً لك وصل إلى مكتبة بيت جدىّ فى عامودا، تحديداً إلى يد خالتى». يقول عماد: «كيف وصل ديوانى إلى عامودا فى سوريا مع أننى لا أنشر كتبى فى دور نشر ولا أوزعها ولا أبيعها، ومن هى خالته التى وجده فى مكتبتها؟». لم يشأ أن يستفسر من كاميران وقتها عن أية تفاصيل. يحكى: «أردت أن أطلق أجنحةخيالى على آخرها. تخيلت خالته شاعرة مغمورة تكتب فى الظل ولا يعرفها أحد، تخيلتها امرأة عادية لا تكتب أصلاً، خيَّاطة مثلاً، تقرأ ديوانى بين فستان وفستان، وأعطيته موافقتى على الفور، دون أن أهتم بتوقيع عقد، ودون أى شروط». كانت سعادة عماد كبيرة بتلك الرسالة بالغة الرهافة، واعتبرها جائزة كبرى.
بمجرد أن أعلنوا فوزه بجائزة سركون بولص لم يتوقف هاتفه عن الرنين. ارتجت غرفته بكثير من الأصوات، وغمرتْها إضاءة قوية، لدرجة شعر معها بذعر حقيقى. كان قلِقاً، وربما فكَّر بخوف أن الشعر بدأ يهرب من الشبَّاك. لم يعتد هذه الأمور، أو بمعنى أدق، لم ينتظرها طوال حياته. مرت ثلاثون عاماً من كتابة الشعر وحياة العزلة، دون أن يحاول عماد إثبات شىء لأحد، لا لأصدقائه، ولا لزملائه، ولا لمتابعيه، ولا حتى لنفسه، حتى إن البعض حاول الإيحاء - على غير الحقيقة - بأن هذه واحدة من طرق النجومية أو لفت الأنظار. كانت الأصداء تصل إليه خافتة من بعيد. ربما يزلُّ لسان صديق أمامه بحكاية فيها قليل من الشرِّ ضده، ربما يقابله كاتبٌ بالصدفة ويصدمه بغلظة، ربما يكتب أحدهم بكراهية، فتتعذب روحه، ويعود إلى الانكماش أكثر، مغلقاً شيش الشباك، ليمنع كل شىء من المرور، حتى ضوء الشمس. يحبس نفسه، فلا فائدة تُرجى من التبرير، ولا أمل فى إثنائه عن الاختفاء. ستبدو ساذجاً لو قلت له إن المحبين كثيرون، فلا تلتفت إلى شرِّ مجموعة صغيرة. يقول لك ببراءة: «حتى الأطفال قادرون على إيذائى»، ثم يختفى، ولا يكون بمقدورك أبداً دفعه مجدداً للظهور إلا حينما تهدأ روحه، ربما بعد شهر أو اثنين أو ثلاثة أو سنة. يعود هزيلاً كأنه لم يتناول طعاماً طوال مدة غيابه، لا تستطيع ملابسه الزاهية الملونة أن تخفى آثار معركته مع الأشباح. كان يستلذ بالحديث إلى نفسه، مدركاً كما يقول جان جاك روسو أن تلك اللذة ليس فى مقدور الناس انتزاعها منه. لا الأشرار، ولا الطيبون.
فى هذا اليوم، باغتُه. كلمة منى، وكلمة منه، ووافق على إجراء حوار. ظلَّ على الهاتف يستمع إلى أسئلتى بصبر، ويجيب عنها بذهن متقد، كأنه يقرأ من كتاب. كان يصمت أحياناً لفترة، أو يُصدِر صوتاً رتيباً، كأنه يستعد لالتقاط كلمة تطير فى رأسه كنحلة، أو ليطلب منى استبدال حرف، أو كلمة، أو تشبيه، أو عبارة، أو وضع فاصلة بدلاً من نقطة، أو العكس، أو يطلب منى أن أقرأ له فقرة ما أنجزناها، لدرجة أننى لم أصدق أن الأمر يتم بهذه السهولة، لكن التوجس لم يفارقنى، كما هو الحال طوال عامين من محاولتى إنجاز كتاب عن سيرته الذاتية.
على فترات زمنية قريبة أحياناً، بعيدة أحياناً، كان الأمر يتكرر، أسأل ويجيب، وحينما أتخيل أننى تقدمت خطوة يفاجئنى، كما فاجأنى فى هذه الليلة، برسالة يطلب فيها عدم نشر حرف مما قاله، ويعيدنى إلى نقطة الصفر. بعد ثلاث ساعات متواصلة قال إننا تحدثنا كثيراً، فقلت لم يبق لى سوى سؤال أو اثنين، فاقترح أن نحصل على «هدنة شاى»، ونعود للإكمال، لكننى ما إن أغلقت خط الهاتف معه حتى جاءتنى الرسالة المعتادة: «أرجوك انس الأمر، ولا تعذبنى معك»!
لا يطرد عماد الأشباح من رأسه. يجعلها ماثلة طوال الوقت أمام عينيه ليذكِّر نفسه بما ينتظره إن أجرى مقابلة. يكفى أن يتذكر ما حدث له بعد حوار صحفى أو اثنين فقط - لم يجر سواهما على مدار عشرين عاماً - ليرفض الظهور بلهجة قاطعة، تجنباً للأذى، وما يلبث حماسه البالغ أن يتبخَّر، ويغلق على نفسه الشرنقة، ويبالغ فى الأمر، كأنه يعاقب نفسه لمجرد التفكير فى السماح للغرباء أو حتى للأصدقاء باختراق عزلته.
كان لدىَّ سؤال ساذج ربما، لكننى لم أتردد فى طرحه: «فرحان؟!» وأجابنى باندهاش: «أنا؟! أبداً. إطلاقاً. أبناء الفلاحين لا يملكون إلا ورقة وقلماً. أنا شاعر بالإجبار، أو القدر، أو الصدفة، لو كان فى بيتنا ألوا
حسن عبد الموجود
لم تكن جائزة سركون بولص هى الأولى لعماد أبو صالح - هذا العام - فقد سبقتها أخرى لا تقل عنها أهمية..
وصلته - ذات صباح - رسالة على بريده الإلكترونى من المترجم كاميران حاج محمود، يخبره فيها أنه وزوجته الإسبانية يعتزمان ترجمة ديوانه «كان نائماً حين قامت الثورة» إلى الكتلانية، والإسبانية: «منذ سنة بدأنا - فاليريا وأنا - مشروعنا الصغير وقد تخيّلناه كيس قمح وضعناه على عربة بعجلتين يجرّها بيدين قويّتين حلمٌ قديمٌ: (كاروان) دار نشر مستقلّة، صغيرة، تهتمّ بنشر الأعمال الأدبية المترجمة».
إلى هنا والأمر عادى أو طبيعى، لكن المفاجأة فى الرسالة هى هذه الفقرة: «قبل سنوات، الآن لم أعد أستطيع ترتيبها فى ذهنى، قرأتُ لك قصائد كانت بحوزة صديق. بعدها بمدّة، علمتُ أن ديواناً لك وصل إلى مكتبة بيت جدىّ فى عامودا، تحديداً إلى يد خالتى». يقول عماد: «كيف وصل ديوانى إلى عامودا فى سوريا مع أننى لا أنشر كتبى فى دور نشر ولا أوزعها ولا أبيعها، ومن هى خالته التى وجده فى مكتبتها؟». لم يشأ أن يستفسر من كاميران وقتها عن أية تفاصيل. يحكى: «أردت أن أطلق أجنحةخيالى على آخرها. تخيلت خالته شاعرة مغمورة تكتب فى الظل ولا يعرفها أحد، تخيلتها امرأة عادية لا تكتب أصلاً، خيَّاطة مثلاً، تقرأ ديوانى بين فستان وفستان، وأعطيته موافقتى على الفور، دون أن أهتم بتوقيع عقد، ودون أى شروط». كانت سعادة عماد كبيرة بتلك الرسالة بالغة الرهافة، واعتبرها جائزة كبرى.
بمجرد أن أعلنوا فوزه بجائزة سركون بولص لم يتوقف هاتفه عن الرنين. ارتجت غرفته بكثير من الأصوات، وغمرتْها إضاءة قوية، لدرجة شعر معها بذعر حقيقى. كان قلِقاً، وربما فكَّر بخوف أن الشعر بدأ يهرب من الشبَّاك. لم يعتد هذه الأمور، أو بمعنى أدق، لم ينتظرها طوال حياته. مرت ثلاثون عاماً من كتابة الشعر وحياة العزلة، دون أن يحاول عماد إثبات شىء لأحد، لا لأصدقائه، ولا لزملائه، ولا لمتابعيه، ولا حتى لنفسه، حتى إن البعض حاول الإيحاء - على غير الحقيقة - بأن هذه واحدة من طرق النجومية أو لفت الأنظار. كانت الأصداء تصل إليه خافتة من بعيد. ربما يزلُّ لسان صديق أمامه بحكاية فيها قليل من الشرِّ ضده، ربما يقابله كاتبٌ بالصدفة ويصدمه بغلظة، ربما يكتب أحدهم بكراهية، فتتعذب روحه، ويعود إلى الانكماش أكثر، مغلقاً شيش الشباك، ليمنع كل شىء من المرور، حتى ضوء الشمس. يحبس نفسه، فلا فائدة تُرجى من التبرير، ولا أمل فى إثنائه عن الاختفاء. ستبدو ساذجاً لو قلت له إن المحبين كثيرون، فلا تلتفت إلى شرِّ مجموعة صغيرة. يقول لك ببراءة: «حتى الأطفال قادرون على إيذائى»، ثم يختفى، ولا يكون بمقدورك أبداً دفعه مجدداً للظهور إلا حينما تهدأ روحه، ربما بعد شهر أو اثنين أو ثلاثة أو سنة. يعود هزيلاً كأنه لم يتناول طعاماً طوال مدة غيابه، لا تستطيع ملابسه الزاهية الملونة أن تخفى آثار معركته مع الأشباح. كان يستلذ بالحديث إلى نفسه، مدركاً كما يقول جان جاك روسو أن تلك اللذة ليس فى مقدور الناس انتزاعها منه. لا الأشرار، ولا الطيبون.
فى هذا اليوم، باغتُه. كلمة منى، وكلمة منه، ووافق على إجراء حوار. ظلَّ على الهاتف يستمع إلى أسئلتى بصبر، ويجيب عنها بذهن متقد، كأنه يقرأ من كتاب. كان يصمت أحياناً لفترة، أو يُصدِر صوتاً رتيباً، كأنه يستعد لالتقاط كلمة تطير فى رأسه كنحلة، أو ليطلب منى استبدال حرف، أو كلمة، أو تشبيه، أو عبارة، أو وضع فاصلة بدلاً من نقطة، أو العكس، أو يطلب منى أن أقرأ له فقرة ما أنجزناها، لدرجة أننى لم أصدق أن الأمر يتم بهذه السهولة، لكن التوجس لم يفارقنى، كما هو الحال طوال عامين من محاولتى إنجاز كتاب عن سيرته الذاتية.
على فترات زمنية قريبة أحياناً، بعيدة أحياناً، كان الأمر يتكرر، أسأل ويجيب، وحينما أتخيل أننى تقدمت خطوة يفاجئنى، كما فاجأنى فى هذه الليلة، برسالة يطلب فيها عدم نشر حرف مما قاله، ويعيدنى إلى نقطة الصفر. بعد ثلاث ساعات متواصلة قال إننا تحدثنا كثيراً، فقلت لم يبق لى سوى سؤال أو اثنين، فاقترح أن نحصل على «هدنة شاى»، ونعود للإكمال، لكننى ما إن أغلقت خط الهاتف معه حتى جاءتنى الرسالة المعتادة: «أرجوك انس الأمر، ولا تعذبنى معك»!
لا يطرد عماد الأشباح من رأسه. يجعلها ماثلة طوال الوقت أمام عينيه ليذكِّر نفسه بما ينتظره إن أجرى مقابلة. يكفى أن يتذكر ما حدث له بعد حوار صحفى أو اثنين فقط - لم يجر سواهما على مدار عشرين عاماً - ليرفض الظهور بلهجة قاطعة، تجنباً للأذى، وما يلبث حماسه البالغ أن يتبخَّر، ويغلق على نفسه الشرنقة، ويبالغ فى الأمر، كأنه يعاقب نفسه لمجرد التفكير فى السماح للغرباء أو حتى للأصدقاء باختراق عزلته.
كان لدىَّ سؤال ساذج ربما، لكننى لم أتردد فى طرحه: «فرحان؟!» وأجابنى باندهاش: «أنا؟! أبداً. إطلاقاً. أبناء الفلاحين لا يملكون إلا ورقة وقلماً. أنا شاعر بالإجبار، أو القدر، أو الصدفة، لو كان فى بيتنا ألوا
ن كنت خرجت رساماً. لو كان هناك بيانو كنت أصبحت عازفاً. لو عاد بى الزمن، لو كان الأمر بيدى، ما مشيت فى سكة الشعر أبداً. الشعر عندى ألم. لعنة. فضيحة، أو يمكن لك أن تقول: عار، لم أحس معه مطلقاً براحة روحى. الشعر كلب، أخاف طوال الوقت أن يعقرنى».
فوجئ كثيرون من زملاء عماد فى «الوفد» بعد ضجة الجائزة بأنه شاعر. هو محترف اختباء، وهم معذورون. لم ينشر خبراً واحداً عن أى ديوان من دواوينه الثمانية فى صحيفته التى يعمل فيها يومياً.طوال سنوات بدا لهم شخصاً يشبههم، شخصاً عادياً وطيباً و«فى حاله»، لكنه فجأة خلع قناعاً، وظهر بوجه آخر أمامهم، وحينما لمحوا وجهه الجديد، ارتبكوا وسيطرت عليهم دهشة كبرى. كتب أحدهم غير مصدق مخاطباً بقيَّتهم على «الفيسبوك» : «لقد عشنا معه عُمراً دون أن نعرف أنه شاعر. ليس شاعراً عادياً، ولكنه شاعر كبير، لم يخبرنا بشىء، لم يصنع هالة حوله، لكن ها نحن نعرف أن بيننا شاعراً عظيماً».
لم يبد الأمر سهلاً بالنسبة لعماد، حينما وصله إيميل بفوزه من أمانة الجائزة كان متردداً، ولم يرد على الفور. كان حائراً بين الحفاظ على عزلته، وبين كسر الصورة الشائعة التى تؤرشفه فى خانة «المعتزل» أو «المتكبر»، خاصة وأن أمانة الجائزة تختار الفائزين بها دون تقدُّم ولا ترشيحات، بطريقة راقية تليق بمفهومه للشعر، إذ يرى أنه لا يصح أن ينافس فى مسابقة أو يزاحم فى طابور. سيطرت عليه الحيرة، فلجأ إلى صديقه الشاعر أحمد شافعى: «أعزّ الناس على روحى،لم أستشر أحداً سواه. سألته عن رأيه، فقال لى جملة كانت حاسمة: لا يصح أن تظل - طوال الوقت - تحارب اسمك».
جملة شافعى لها ما يبررها، إذ يبدو عماد كما لو أنه يعمل ضد نفسه، يبتعد ليثبت لنفسه فقط، أنه لا يريد شيئاً من شخص، أو من جهة. يعزل نفسه، ليصون نفسه. أتخيله - دوماً - يعيش فى غرفة ضيِّقة، تشبه كرتونة صغيرة مكتوباً عليها «قابل للكسر». يتألم بمفرده، يبكى بمفرده، يصرخ بمفرده، يفرح بمفرده، يحلم بمفرده، ولو اختار بإرادته الحرة السير فى الشارع، يعلم أنه سيعود فى نهاية اليوم منكسراً ومحبطاً وحزيناً، إذ عذَّبته كلمة، أو خدشته عبارة، أو آذته «تكشيرة».
التفتت أمانة الجائزة إلى عزلة عماد - فى بيانها - ونوَّهت إلى إطلالته وأنها «تذكرنا بإطلالة محمد الماغوط فى نهاية الخمسينيات من القرن الماضى، مبتعداً عن طلب الشهرة والانتشار، مكتفياً بالظل الذى يقيه شمس الظهيرة»، وهذه الجملة تلخص رحلة عماد مع الشعر والحياة، إذ حافظ على مسافة كبيرة عن الساحة الأدبية وصخبها ومؤسساتها الرسمية أو حتى الخاصة. أصدر دواوينه فى طبعات محدودة، على نفقته، طبعات ذات أغلفة بيضاء جميلة متشابهة لا تكاد تميزها إلا من العناوين. صارت تلك أسطورته، لكنَّ هناك أجيالاً جديدة لم تتح لها مشاهدته يسير فى شوارع وسط البلد، ويجلس فى مقاهيها، حاملاً نسخاً من أى عمل جديد فى كيس من القماش، يمنحها لمن يشعر بالألفة تجاه أرواحهم. يُخرج قلمه، ويفكر قليلاً قبل أن يكتب إهداء يشبه قصيدة، وربما يرسم وردة، أو شجرة، أو وجهاً طفولياً، أو فراشة، أو بالونة، كأنه يُطلِعنا على عالم خيالى برىء لم يغادره أبداً مهما تقدم فى السن.
بعد أن كتب ديوانه الأول «أمور منتهية أصلاً» فى منتصف التسعينيات كان أمامه طريقان، إما أن يرسله إلى دار خاصة، ويدفع مقابل النشر، وهو مبلغ - بحسب ما يقول ضاحكاً - يفوق قدرته فى ذلك الوقت وكذلك يفوقها فى الوقت الحالى، أو يجد طريقة أخرى. قادته الصدفة إلى «عم حمدى» وهو صاحب مطبعة صغيرة فى «حدائق القبة» تختصُّ بطباعة «الكروت» لا الكتب. يحكى: «أتذكر أننى أخذت قرضاً على راتبى فى العمل قيمته مائتا جنيه، وطبعت 300 نسخة وزَّعت بعضها على أصدقائى. كان عم حمدى عجيباً، ثورياً بلا تنظيمات ولا أيديولوجيات. ثورياً ضد الخطأ، أى خطأ. يمكنه أن يتعارك فى شارع لرفع ظلم وقع على شخص لا يعرفه. تعامل معى بحنان أب، وخفَّف من شعور يلازمنى بالأسى، إذ يعرف أننى شاب وحيد فى مدينة قاسية أضيع يومياً فى شوارعها».
فى تلك المطبعة المتواضعة، كان يجلس أحياناً ليراقب «عم حمدى» وهو يقص ورق القصائد، وينظمها على حجم الكتاب، ثم ينضدها على حروف الزنك. وبعد أسبوع أو أسبوعين على الأكثر يحمل عماد النسخ فى حقيبة ويتوجه بها إلى بيته: «طبع لى ثمانية دواوين على مدارعشرين عاماً، وآلمنى فعل الزمن فيه بعد أن رأيت يديه ترتعشان أثناء صفّ حروف ديوانى الأخير». كان عم حمدى شريك الطبعات المحدودة، ويعلم قبل أى شخص آخر أن عماد يستحى أن يُقدِّم الشعر سلعة فى مكتبة، يستحى أن يبيعه ليتقاضى أجراً منه. ربما هذا مفهوم «رومانسى» أو «ريفى» - بتعبيره - لكنه لم يستطع التخلص منه إلى الآن. يقول: «منذ بدايتى مع الشعر وأنا أتعامل معه على أنه فن لحراسة روحى فى الأساس، رزق يأتينى من حيث لا أطلبه، ويهرب منى حين أطلبه. لا أنتظر هداياه ولا عطاياه، لا أخوض معارك لأجله، وحرصت طوال عمرى أن أكون شاعراً هاوياً لا محترفاً. سنة 1999 فاجأنى الكاتب الكبير
فوجئ كثيرون من زملاء عماد فى «الوفد» بعد ضجة الجائزة بأنه شاعر. هو محترف اختباء، وهم معذورون. لم ينشر خبراً واحداً عن أى ديوان من دواوينه الثمانية فى صحيفته التى يعمل فيها يومياً.طوال سنوات بدا لهم شخصاً يشبههم، شخصاً عادياً وطيباً و«فى حاله»، لكنه فجأة خلع قناعاً، وظهر بوجه آخر أمامهم، وحينما لمحوا وجهه الجديد، ارتبكوا وسيطرت عليهم دهشة كبرى. كتب أحدهم غير مصدق مخاطباً بقيَّتهم على «الفيسبوك» : «لقد عشنا معه عُمراً دون أن نعرف أنه شاعر. ليس شاعراً عادياً، ولكنه شاعر كبير، لم يخبرنا بشىء، لم يصنع هالة حوله، لكن ها نحن نعرف أن بيننا شاعراً عظيماً».
لم يبد الأمر سهلاً بالنسبة لعماد، حينما وصله إيميل بفوزه من أمانة الجائزة كان متردداً، ولم يرد على الفور. كان حائراً بين الحفاظ على عزلته، وبين كسر الصورة الشائعة التى تؤرشفه فى خانة «المعتزل» أو «المتكبر»، خاصة وأن أمانة الجائزة تختار الفائزين بها دون تقدُّم ولا ترشيحات، بطريقة راقية تليق بمفهومه للشعر، إذ يرى أنه لا يصح أن ينافس فى مسابقة أو يزاحم فى طابور. سيطرت عليه الحيرة، فلجأ إلى صديقه الشاعر أحمد شافعى: «أعزّ الناس على روحى،لم أستشر أحداً سواه. سألته عن رأيه، فقال لى جملة كانت حاسمة: لا يصح أن تظل - طوال الوقت - تحارب اسمك».
جملة شافعى لها ما يبررها، إذ يبدو عماد كما لو أنه يعمل ضد نفسه، يبتعد ليثبت لنفسه فقط، أنه لا يريد شيئاً من شخص، أو من جهة. يعزل نفسه، ليصون نفسه. أتخيله - دوماً - يعيش فى غرفة ضيِّقة، تشبه كرتونة صغيرة مكتوباً عليها «قابل للكسر». يتألم بمفرده، يبكى بمفرده، يصرخ بمفرده، يفرح بمفرده، يحلم بمفرده، ولو اختار بإرادته الحرة السير فى الشارع، يعلم أنه سيعود فى نهاية اليوم منكسراً ومحبطاً وحزيناً، إذ عذَّبته كلمة، أو خدشته عبارة، أو آذته «تكشيرة».
التفتت أمانة الجائزة إلى عزلة عماد - فى بيانها - ونوَّهت إلى إطلالته وأنها «تذكرنا بإطلالة محمد الماغوط فى نهاية الخمسينيات من القرن الماضى، مبتعداً عن طلب الشهرة والانتشار، مكتفياً بالظل الذى يقيه شمس الظهيرة»، وهذه الجملة تلخص رحلة عماد مع الشعر والحياة، إذ حافظ على مسافة كبيرة عن الساحة الأدبية وصخبها ومؤسساتها الرسمية أو حتى الخاصة. أصدر دواوينه فى طبعات محدودة، على نفقته، طبعات ذات أغلفة بيضاء جميلة متشابهة لا تكاد تميزها إلا من العناوين. صارت تلك أسطورته، لكنَّ هناك أجيالاً جديدة لم تتح لها مشاهدته يسير فى شوارع وسط البلد، ويجلس فى مقاهيها، حاملاً نسخاً من أى عمل جديد فى كيس من القماش، يمنحها لمن يشعر بالألفة تجاه أرواحهم. يُخرج قلمه، ويفكر قليلاً قبل أن يكتب إهداء يشبه قصيدة، وربما يرسم وردة، أو شجرة، أو وجهاً طفولياً، أو فراشة، أو بالونة، كأنه يُطلِعنا على عالم خيالى برىء لم يغادره أبداً مهما تقدم فى السن.
بعد أن كتب ديوانه الأول «أمور منتهية أصلاً» فى منتصف التسعينيات كان أمامه طريقان، إما أن يرسله إلى دار خاصة، ويدفع مقابل النشر، وهو مبلغ - بحسب ما يقول ضاحكاً - يفوق قدرته فى ذلك الوقت وكذلك يفوقها فى الوقت الحالى، أو يجد طريقة أخرى. قادته الصدفة إلى «عم حمدى» وهو صاحب مطبعة صغيرة فى «حدائق القبة» تختصُّ بطباعة «الكروت» لا الكتب. يحكى: «أتذكر أننى أخذت قرضاً على راتبى فى العمل قيمته مائتا جنيه، وطبعت 300 نسخة وزَّعت بعضها على أصدقائى. كان عم حمدى عجيباً، ثورياً بلا تنظيمات ولا أيديولوجيات. ثورياً ضد الخطأ، أى خطأ. يمكنه أن يتعارك فى شارع لرفع ظلم وقع على شخص لا يعرفه. تعامل معى بحنان أب، وخفَّف من شعور يلازمنى بالأسى، إذ يعرف أننى شاب وحيد فى مدينة قاسية أضيع يومياً فى شوارعها».
فى تلك المطبعة المتواضعة، كان يجلس أحياناً ليراقب «عم حمدى» وهو يقص ورق القصائد، وينظمها على حجم الكتاب، ثم ينضدها على حروف الزنك. وبعد أسبوع أو أسبوعين على الأكثر يحمل عماد النسخ فى حقيبة ويتوجه بها إلى بيته: «طبع لى ثمانية دواوين على مدارعشرين عاماً، وآلمنى فعل الزمن فيه بعد أن رأيت يديه ترتعشان أثناء صفّ حروف ديوانى الأخير». كان عم حمدى شريك الطبعات المحدودة، ويعلم قبل أى شخص آخر أن عماد يستحى أن يُقدِّم الشعر سلعة فى مكتبة، يستحى أن يبيعه ليتقاضى أجراً منه. ربما هذا مفهوم «رومانسى» أو «ريفى» - بتعبيره - لكنه لم يستطع التخلص منه إلى الآن. يقول: «منذ بدايتى مع الشعر وأنا أتعامل معه على أنه فن لحراسة روحى فى الأساس، رزق يأتينى من حيث لا أطلبه، ويهرب منى حين أطلبه. لا أنتظر هداياه ولا عطاياه، لا أخوض معارك لأجله، وحرصت طوال عمرى أن أكون شاعراً هاوياً لا محترفاً. سنة 1999 فاجأنى الكاتب الكبير
مر بتخصيص مكتب على الفور.
رغم تخلف المناهج الدراسية فى كلية الآداب، إلا أن الجامعة كانت فرصة ليلتقى عماد بمجموعة رائعة من الطلاب فى نادى الأدب.يقول: «كانوا موهوبين. هناك من رحل، وهناك من خطفته هموم الحياة، وهناك من أصبح شاعراً أو كاتباً معروفاً، أذكر منهم عبدالمنعم الباز، محمد عبد الوهاب السعيد، أحمد الخضرى، نبيل القط، محمد رياض، مسعود شومان، أشرف يوسف، عزمى عبدالوهاب، محمد عامر فاضل، سعيد الوكيل، حسان دهشان، محمد الشربينى، كريم عبدالسلام، حسنى الزرقاوى، أمل جمال، بهية طلب، طارق مايز، أيمن عبدالرحيم، محمد سالم، صفاء البيلى، أيمن السميرى، محمد عمر غزى، أشرف عبد العزيز، حسين ناجح، أشرف الخريبى، هشام قشطه، إبراهيم فرغلى، خالد أبو بكر، والمعلم الأمهر محمود الزيات، والجميلة إيمان مرسال طبعاً».
عماد قارئ عظيم، لو غاب عنك أسبوعاً واحداً فقط سيعود ليحدثك عن كتب كثيرة قرأها خلال غيابه. يقول: «هذا طبيعى، وإن كنت أراك تبالغ فى تصوير حجم قراءاتى، لا أولاد لى، ولا زوجة، ولا حبيبة الآن على الأقل(يضحك)، ولا مسئوليات قاهرة. أعيش وحدى منذ خمسة وثلاثين عاماً، فمن الضرورى أن يكون معظم وقتى مع كتاب. اتركنى مع كتاب وكوب شاى، وخذ العالم كله. أحب الكتب، والشاى مشروبى الوحيد»!
لا يزال يتذكر كل من ساندوا خطواته الأولى فى بدايات مسيرته الشعرية، ويتكلم عن دعمهم له باحترام كبير. يقول: «لا أنسى مطلقاً كرم ومحبة شعبان يوسف، إبراهيم داود، صافى ناز كاظم، على منصور، عبلة الروينى، عبد الحكيم حيدر، فاطمة المعدول، مى التلمسانى، عاطف أبو سيف (وزير ثقافة فلسطين الآن، كتب مقالة جميلة سنة 1997عن ديوانى الثالث، وأرسل لى نسخة مهرَّبة من داخل غزة)، أحمد الشهاوى، محمد ناجى، غادة نبيل، صبرى حافظ، إدوار الخراط، جمال القصاص، حلمى سالم، فارس خضر، طلعت الشايب، حمدى عبد الرحيم، حازم هاشم (قال لى: اسمع يابنى: ديوانك كلب ينبح ليقتل الوقت، كفيل بأن يحوّل باريس إلى عالم ثالث)، وأخيراً سوزان عليوان، شقيقة روحى وأختى الخامسة».
لا يهتم عماد بمسألة تقدمه فى العمر. تجاوز الخمسين لكنه لا يشعر بقلق من أى نوع: «لست أباً يخاف أن ينام الأولاد دون عشاء. كل ما يعنينى هو أن أعيش - إذا عشت - بكرامة وأن لا يذلُّنى المرض. احتياجاتى قليلة. ليس لى أى طموح، ولا عندى أمل!».
رغم تخلف المناهج الدراسية فى كلية الآداب، إلا أن الجامعة كانت فرصة ليلتقى عماد بمجموعة رائعة من الطلاب فى نادى الأدب.يقول: «كانوا موهوبين. هناك من رحل، وهناك من خطفته هموم الحياة، وهناك من أصبح شاعراً أو كاتباً معروفاً، أذكر منهم عبدالمنعم الباز، محمد عبد الوهاب السعيد، أحمد الخضرى، نبيل القط، محمد رياض، مسعود شومان، أشرف يوسف، عزمى عبدالوهاب، محمد عامر فاضل، سعيد الوكيل، حسان دهشان، محمد الشربينى، كريم عبدالسلام، حسنى الزرقاوى، أمل جمال، بهية طلب، طارق مايز، أيمن عبدالرحيم، محمد سالم، صفاء البيلى، أيمن السميرى، محمد عمر غزى، أشرف عبد العزيز، حسين ناجح، أشرف الخريبى، هشام قشطه، إبراهيم فرغلى، خالد أبو بكر، والمعلم الأمهر محمود الزيات، والجميلة إيمان مرسال طبعاً».
عماد قارئ عظيم، لو غاب عنك أسبوعاً واحداً فقط سيعود ليحدثك عن كتب كثيرة قرأها خلال غيابه. يقول: «هذا طبيعى، وإن كنت أراك تبالغ فى تصوير حجم قراءاتى، لا أولاد لى، ولا زوجة، ولا حبيبة الآن على الأقل(يضحك)، ولا مسئوليات قاهرة. أعيش وحدى منذ خمسة وثلاثين عاماً، فمن الضرورى أن يكون معظم وقتى مع كتاب. اتركنى مع كتاب وكوب شاى، وخذ العالم كله. أحب الكتب، والشاى مشروبى الوحيد»!
لا يزال يتذكر كل من ساندوا خطواته الأولى فى بدايات مسيرته الشعرية، ويتكلم عن دعمهم له باحترام كبير. يقول: «لا أنسى مطلقاً كرم ومحبة شعبان يوسف، إبراهيم داود، صافى ناز كاظم، على منصور، عبلة الروينى، عبد الحكيم حيدر، فاطمة المعدول، مى التلمسانى، عاطف أبو سيف (وزير ثقافة فلسطين الآن، كتب مقالة جميلة سنة 1997عن ديوانى الثالث، وأرسل لى نسخة مهرَّبة من داخل غزة)، أحمد الشهاوى، محمد ناجى، غادة نبيل، صبرى حافظ، إدوار الخراط، جمال القصاص، حلمى سالم، فارس خضر، طلعت الشايب، حمدى عبد الرحيم، حازم هاشم (قال لى: اسمع يابنى: ديوانك كلب ينبح ليقتل الوقت، كفيل بأن يحوّل باريس إلى عالم ثالث)، وأخيراً سوزان عليوان، شقيقة روحى وأختى الخامسة».
لا يهتم عماد بمسألة تقدمه فى العمر. تجاوز الخمسين لكنه لا يشعر بقلق من أى نوع: «لست أباً يخاف أن ينام الأولاد دون عشاء. كل ما يعنينى هو أن أعيش - إذا عشت - بكرامة وأن لا يذلُّنى المرض. احتياجاتى قليلة. ليس لى أى طموح، ولا عندى أمل!».
تفصيل أشعاره على مقاس العولمة، وتقص منها كل ما يستدعى (العرب) أو (الأرض) أو (المقاومة)، وهى مفردات أصبحت - عند البعض- مزعجة ولا تناسب زمن البيع الكبير والتطبيع الكبير. سيقول لى ألف فم: فلسطين ضاعت أو تضيع، وسأرد بفمى الوحيد: حتى لو باعها الناس كلهم، حتى لو لم يعد لها أثر على الخريطة، سأظل أردد إلى آخر أنفاسى: فلسطين من النهر إلى البحر. شغل الشاعر فى الأصل هو البكاء على الأطلال. من العار - على الشاعر تحديداً - أن يكيّف قضية سامية على واقع منحط».
أهدى أبو صالح جائزته إلى أمل دنقل «حصان مصر الجامح فى ساحة الشعر العربى الحديث»، أهداها إليه رغم أن كلاً منهما يكتب نوعاً شعرياً مختلفاً عن الآخر: «أمل واحد من كبار معلمىّ. أحسستُ بفرح عارم حين اصطادت الشاعرة الرائعة فاطمة قنديل ثمانية تناصات مع شعره فى دراستها عن ديوانى الأخير. قلت لنفسى: يا إلهى! من أين طلع لى بعد كل هذه السنين، لقد كان نائماً، دون أن أحس، تحت جلدى. ولا أخفيك أننى شعرت بالفخر حين رأيت جملته (لا تصالح) محفورة على شواهد قبور شهداء فلسطين، ويا له من مجد!».
أمل دنقل واحد من عدة معلمين وآباء لعماد، بعضهم مات مبكراً، وبعضهم عاش طويلاً، فكيف يفكر فى هذا الأمر؟ يقول: «الشاعر يمكن أن يتألق باكراً. خذ لوركا مثالاً، خذ رامبو وماياكوفسكى. لقد فتحوا ثغرات واسعة وطرقاً جديدة فى شعرية العالم واختتموا مشروعاتهم الشعرية فى الثلاثينيات من أعمارهم، وعلى عكسهم يمكن للشاعر أن يتألق فى كبره أو شيخوخته. خذ كفافيس مثالاً وخذ شيمبوريسكا. الاثنان لم تخذلهما ربة الشعر إلى آخر يوم من حياتهما. أسوأ ما يفعله الشاعر، أى شاعر، أن يُكيِّف الآخرين على ذائقته الشخصية. الشاعر الحقيقى هو من يستوعب شعريات متباينة وأرواحاً شعرية مختلفة عن مفهومه الخاص للشعر. أنا آخذُ من الجميع، جميع الشعراء، الصغار قبل الكبار، ومقتنع بأن على الشاعر أن تتسع روحه ليسكن فيها - بالقدر نفسه - كفافيس حارس الماضى، وريتسوس صديق المستقبل».
نشأ أبو صالح فى مكان فقير، شأن كل قرى الدلتا. لا كتب فيه سوى كتب الدراسة بكل قبحها وقسوتها. عاش فى عزلة بين أمه وأربع أخوات، اثنتان قبله، واثنتان بعده، حتى أحسَّ أن العالم كله امرأة. فمن أين جاءه الشعر؟ يقول: «لا أعرف. ربما من غناء جدتى فى أفراح العائلة النادرة، ربما من (عديد) جاراتنا فى المآتم الكثيرة. كنت فى الثالثة من عمرى تقريباً حين مات عبد الناصر، حمل أهالى القرية نعشاً رمزياً وطافوا به الشوارع، لا أزال أرى المشهد إلى الآن كاملاً: أمسكُ طرف ثوب أمى مذعوراً، الدموع تنساب من عينيها، والفلاحون بجلابيب باهتة وأرجل حافية يهتفون: (ابكى ابكى يا عروبة.. ع اللى بناكى طوبة طوبة).. هل جاءنى الشعر من هذا الهتاف الصاخب الحزين، من هذه القافية بجرسها العنيف؟ هل جاءنى من الأشرطة الملونة التى كانت أمى تربطها فى رقاب إوزاتها كى تستدل عليها بين إوزات الجيران، فيبدو كل منها حين (يكاكى) كأنه مايسترو يلبس (ببيونه) ويغنى بكامل أناقته فى أوبرا إيطالية؟ هل جاءنى من حزن (سلمى) فى قصيدة (المساء) لإيليا أبى ماضى، حين كانت أختى الكبرى تقرؤها بصوت عال من كتاب الأناشيد وهى تذاكر دروسها، وقبل أن أتعلم أنا القراءة والكتابة؟ هل جاءنى من صوت الشيخ خليل الحصرى الذى كانت تحبه أمى بشكل خاص؟ لا أعرف، لا يوجد شاعر فى العالم يعرف. جمال عبد الناصرومحمود خليل الحصرى، أنت تضحكنى، أكتشف الآن أن الشعر يمكن أن يجىء من شيخ أو جنرال!».
لم تكن لعماد الطفل أى حماقة كبرى، سوى أنه سرق ذات مرة حصاناً، حصاناً حقيقياً ضخماً لا لعبة أطفال، وحين اكتشف أهله الفضيحة ظلوا يعيرونه طويلاً وينادونه: يا عنترة. أكبر خطيئة له أنه أجبر نفسه على التدخين بعد الثلاثين، ليخبئ زفرات غضبه فى دخان السجائر. التحق بكلية الآداب، جامعة المنصورة، لا حباً فى الشعر أو الأدب، ولكن بسبب طريقة نطق طه حسين. يحكى ضاحكاً: «سمعته يقول فى الراديو بصوته المهيب : توجهت إلى كلية الآداب لدراسة الأدب العربىّ، فسحرنى التشديد على الياء فى كلمة العربىّ، وقلت لنفسى: لا بد أن أدرس أنا أيضاً الأدب العربىّ، وطبعاً بعد أن التحقت بالكلية لم أجد الأدب العربىّ ولا الغربىّ، فامتنعت عن حضور المحاضرات».
الياء المشددة خدعت عماد هذه المرة، لكنها خدمته فى المستقبل. الخبير المالى الوقور صليب بطرس، مسئول خزينة صحيفة «المصرى» فى الأربعينيات، تولَّى نفس المسئولية فى صحيفة «الوفد» فور صدورها فى الثمانينيات. كان دقيقاً، ومخيفاً، ويعطيك إحساساً بأنه لا يعرف فقط عدد الجنيهات فى عهدته، وإنما يعرف أيضاً عدد نجوم السماء. استجمع عماد شجاعته، وقدَّم له شكوى: «يا صليب بك، ليس لدىّ مكتب، منذ خمسة عشر عاماً، وأنا أكتب على ركبتىّ». نجح سحر الياء المشددة، رفع صليب بك نظارته بعدساتها الأربعة عن عينيه، وأزاح صحيفة «اللوموند» التى كان يدمن قراءتها، وبدأ يتغزَّل فى الياء المشددة: «ركبتىّ؟! مممم؟! ركبتىّ؟! آه؟!»، وأ
أهدى أبو صالح جائزته إلى أمل دنقل «حصان مصر الجامح فى ساحة الشعر العربى الحديث»، أهداها إليه رغم أن كلاً منهما يكتب نوعاً شعرياً مختلفاً عن الآخر: «أمل واحد من كبار معلمىّ. أحسستُ بفرح عارم حين اصطادت الشاعرة الرائعة فاطمة قنديل ثمانية تناصات مع شعره فى دراستها عن ديوانى الأخير. قلت لنفسى: يا إلهى! من أين طلع لى بعد كل هذه السنين، لقد كان نائماً، دون أن أحس، تحت جلدى. ولا أخفيك أننى شعرت بالفخر حين رأيت جملته (لا تصالح) محفورة على شواهد قبور شهداء فلسطين، ويا له من مجد!».
أمل دنقل واحد من عدة معلمين وآباء لعماد، بعضهم مات مبكراً، وبعضهم عاش طويلاً، فكيف يفكر فى هذا الأمر؟ يقول: «الشاعر يمكن أن يتألق باكراً. خذ لوركا مثالاً، خذ رامبو وماياكوفسكى. لقد فتحوا ثغرات واسعة وطرقاً جديدة فى شعرية العالم واختتموا مشروعاتهم الشعرية فى الثلاثينيات من أعمارهم، وعلى عكسهم يمكن للشاعر أن يتألق فى كبره أو شيخوخته. خذ كفافيس مثالاً وخذ شيمبوريسكا. الاثنان لم تخذلهما ربة الشعر إلى آخر يوم من حياتهما. أسوأ ما يفعله الشاعر، أى شاعر، أن يُكيِّف الآخرين على ذائقته الشخصية. الشاعر الحقيقى هو من يستوعب شعريات متباينة وأرواحاً شعرية مختلفة عن مفهومه الخاص للشعر. أنا آخذُ من الجميع، جميع الشعراء، الصغار قبل الكبار، ومقتنع بأن على الشاعر أن تتسع روحه ليسكن فيها - بالقدر نفسه - كفافيس حارس الماضى، وريتسوس صديق المستقبل».
نشأ أبو صالح فى مكان فقير، شأن كل قرى الدلتا. لا كتب فيه سوى كتب الدراسة بكل قبحها وقسوتها. عاش فى عزلة بين أمه وأربع أخوات، اثنتان قبله، واثنتان بعده، حتى أحسَّ أن العالم كله امرأة. فمن أين جاءه الشعر؟ يقول: «لا أعرف. ربما من غناء جدتى فى أفراح العائلة النادرة، ربما من (عديد) جاراتنا فى المآتم الكثيرة. كنت فى الثالثة من عمرى تقريباً حين مات عبد الناصر، حمل أهالى القرية نعشاً رمزياً وطافوا به الشوارع، لا أزال أرى المشهد إلى الآن كاملاً: أمسكُ طرف ثوب أمى مذعوراً، الدموع تنساب من عينيها، والفلاحون بجلابيب باهتة وأرجل حافية يهتفون: (ابكى ابكى يا عروبة.. ع اللى بناكى طوبة طوبة).. هل جاءنى الشعر من هذا الهتاف الصاخب الحزين، من هذه القافية بجرسها العنيف؟ هل جاءنى من الأشرطة الملونة التى كانت أمى تربطها فى رقاب إوزاتها كى تستدل عليها بين إوزات الجيران، فيبدو كل منها حين (يكاكى) كأنه مايسترو يلبس (ببيونه) ويغنى بكامل أناقته فى أوبرا إيطالية؟ هل جاءنى من حزن (سلمى) فى قصيدة (المساء) لإيليا أبى ماضى، حين كانت أختى الكبرى تقرؤها بصوت عال من كتاب الأناشيد وهى تذاكر دروسها، وقبل أن أتعلم أنا القراءة والكتابة؟ هل جاءنى من صوت الشيخ خليل الحصرى الذى كانت تحبه أمى بشكل خاص؟ لا أعرف، لا يوجد شاعر فى العالم يعرف. جمال عبد الناصرومحمود خليل الحصرى، أنت تضحكنى، أكتشف الآن أن الشعر يمكن أن يجىء من شيخ أو جنرال!».
لم تكن لعماد الطفل أى حماقة كبرى، سوى أنه سرق ذات مرة حصاناً، حصاناً حقيقياً ضخماً لا لعبة أطفال، وحين اكتشف أهله الفضيحة ظلوا يعيرونه طويلاً وينادونه: يا عنترة. أكبر خطيئة له أنه أجبر نفسه على التدخين بعد الثلاثين، ليخبئ زفرات غضبه فى دخان السجائر. التحق بكلية الآداب، جامعة المنصورة، لا حباً فى الشعر أو الأدب، ولكن بسبب طريقة نطق طه حسين. يحكى ضاحكاً: «سمعته يقول فى الراديو بصوته المهيب : توجهت إلى كلية الآداب لدراسة الأدب العربىّ، فسحرنى التشديد على الياء فى كلمة العربىّ، وقلت لنفسى: لا بد أن أدرس أنا أيضاً الأدب العربىّ، وطبعاً بعد أن التحقت بالكلية لم أجد الأدب العربىّ ولا الغربىّ، فامتنعت عن حضور المحاضرات».
الياء المشددة خدعت عماد هذه المرة، لكنها خدمته فى المستقبل. الخبير المالى الوقور صليب بطرس، مسئول خزينة صحيفة «المصرى» فى الأربعينيات، تولَّى نفس المسئولية فى صحيفة «الوفد» فور صدورها فى الثمانينيات. كان دقيقاً، ومخيفاً، ويعطيك إحساساً بأنه لا يعرف فقط عدد الجنيهات فى عهدته، وإنما يعرف أيضاً عدد نجوم السماء. استجمع عماد شجاعته، وقدَّم له شكوى: «يا صليب بك، ليس لدىّ مكتب، منذ خمسة عشر عاماً، وأنا أكتب على ركبتىّ». نجح سحر الياء المشددة، رفع صليب بك نظارته بعدساتها الأربعة عن عينيه، وأزاح صحيفة «اللوموند» التى كان يدمن قراءتها، وبدأ يتغزَّل فى الياء المشددة: «ركبتىّ؟! مممم؟! ركبتىّ؟! آه؟!»، وأ
صبحى حديدى بدراسة بديعة عن دواوينى الخمسة، كان يرى أنه لا يليق أن تصل كتبى إلى خارج مصر بالصدفة وفى حقائب الأصدقاء، وأنه آن أوان خروجى من الطبعة المحدودة إلى العراء الطبيعى المطلوب، وأنه ينبغى- بتعبيره - أن أكون فى قلب معركة ما، أو ربما فى قلب المعركة بالتعريف: معركة الشعر الذى يصارع ويتصارع ويصطرع. وأذكر أننى داعبته وقتها فى رسالة وقلت له: لماذا تريدنى أن أدخل معركة، لماذا تريد أن أتحول إلى قاتل أو قتيل؟».
لا يهتم عماد أبو صالح كثيراً بتصنيف قصيدته. المهم بالنسبة له هو «روح الشعر» بصرف النظر عن أنواعه. يقول: «أبحث عن جوهر الشعر من امرئ القيس، مروراً بنزار قبانى (بالمناسبة هو شاعر كبير)، وحتى أصغر شاعر يكتب الآن. أنا مع كافة أشكال الشعر. قصيدة النثر طريقة شعرية بديعة، لكنها لا تلغى القصيدة العمودية ولا قصيدة التفعيلة، وليست ذروة الشعر ولا نهاياته. فيها الفاتن والردىء شأن كل نوع. بودلير مثلاً سيظل معروفاً بـ(أزهار الشر) أكثر من (سأم باريس). راسل إدسون، رهن حياته كاملة على قصيدة النثر، ثم مات وهو يكاد أن يتسوَّل اعترافاً بشاعريته. تشارلز سيميك له حوالى ثلاثين ديواناً على الإيقاع الحر وديوان نثر واحد هو (العالم لا ينتهى). لو طالعت كتابات آخر ثمانية شعراء فازوا بجائزة نوبل، لن تجد أياً منهم كتب أساساً قصيدة النثر، بمن فيهم بوب ديلان، وهو يمثل الغناء بمعناه الحرفى كتابة وصوتاً. أنا شاعر عربى، أى أننى - روحياً وجينياً - ابن تراث الشعر العربى العريق الذى يمتد تاريخه المعروف إلى حوالى ألفى سنة، ويمثل الغناء ركيزة جوهرية فيه. كما أننى ابن الثقافة الإسلامية العظيمة التى (تغنِّى) فى الأذان خمس مرات يومياً، و(تتغنَّى) بكتابها المقدس فى جميع الأوقات. صحيح أننى لا أستعمل الأوزان العروضية المعروفة فى قصائدى، لكننى أزن كلماتى فى كل قصيدة أكثر مما كنت أزنها على بحور الخليل التى أجيدها واستخدمتها فى بداياتى الشعرية. ربما أحشو جملة بكلمة، أعرف أنها زائدة، أو أحذف كلمة، اعرف أنها ناقصة، لأضبط إيقاعى. الموسيقى لو تشاء، الإيقاع أو الغنائية لو شئت، عنصر ضرورى فى إحساسى بالشعر. لا يمكننى أن أنتف ريشة، يوماً وراء الآخر، من أجنحة ربّة الشعر وأحيلها إلى كتلة لحم عاجزة عن الطيران بداعى التطور أو تحت ضغط الحداثة. بلا حداثة بلا بطيخ».
آباؤه الشعريون هم أصلاً موتى أو عجائز، وحنينه للماضى، أكثر من شغفه بالمستقبل: يقول بحدة : «سمّنى كلاسيكياً، لن تخوّفنى بتهمة كهذه، لو كنت تعتبرها تهمة. أى شاعر، فى التاريخ السحيق، لديه قلق روحى، هو شاعر حديث. كفافيس هو شاعر اللحظة الراهنة والتالية، رغم أن (عدّة شغله) شديدة القِدم، ورغم أنه يكتب من القبور وعن القبور. الخلاصة هى: لو أردتَ أن تقتل الشعر، فالأمر فى غاية السهولة: احصره فى وصفة واحدة أو نمط وحيد. الشعر أكبر من الشعراء، وأوسع من كل الأنماط، إنه طائر حُر لا يمكنك حبسه فى أقفاص. مشهد الشعر الأمريكى مثلاً يتيح لنا قارة كاملة من الشعراء يكتبون بطرق متباينة: شعراء يستلهمون الميثيولوجيا بكل مهابتها، آخرون يكتبون القصائد اليومية بكامل بساطتها، شعراء التأمل العميق، وشعراء العابر الخفيف، هناك شعراء المدن بكل شراستها، وشعراء الطبيعة بكل وداعتها، يمكن أن تجد شعراء يكتبون قصائد الإيقاع الحر، وآخرين يكتبون قصائد النثر، ويمكن لك أيضاً أن تقرأ لشعراء يلتزمون بالقافية والوزن السكندرى. كل هؤلاء لا ينفى أحد منهم الآخر، ولا ينتقص أحدهم من عمل الآخر، والرابح الوحيد من هذا كله هو الشعر، الذى أتخيله يضحك بخبث فى الأعالى قائلاً: لن تكمشونى أبداً، كرروا محاولاتكم، جرّبوا طرقاً جديدة».
هذا رأى عماد فى التقنيات الفنية للشعر، أما فى الشق الفكرى، فهو ضد «تقييم» الشعراء حسب أفكارهم: هذا رجعى، وذاك تقدمى، ويتم التهليل للثانى، أو هذا يسارى، وذاك يمينى، ويتم تحقير الثانى. يعلق: «هذا إرهاب، كفاية. أرواح الشعراء تتكامل لا تتقاتل. إليوت، كان محافظاً شديد الصرامة، وكاثوليكياً شديد الالتزام، ولا يزال - فى انجلترا- إلى اليوم فخر الثقافة الإنجليزية. رامبو كان على النقيض، منفلتاً وفوضوياً، ولا يزال- فى فرنسا - أحد أبرز الشعراء، وصدرت عنه عشرات الكتب والأفلام والمعارض التشكيلية، ويتوالى الاحتفاء به إلى اليوم فى مختلف بلدان العالم. يسينين وماياكوفسكى كانا مختلفيْن فكرياً فى النظر للثورة، ونقيضين فنياً فى رؤية الشعر، ولم ينكر أحدهما عبقرية الآخر، وتحتفى بهما روسيا كاثنين من أبرع شعرائها».
يرى عماد أنه لا أحد يهين شعراءه مثلنا. يقول: «صلاح عبد الصبور قتلناه، فؤاد حداد اعتقلناه، عفيفى مطر غرّبناه أو طردناه، وحجازى (وهو واحد من أعظم شعرائنا) هاجمنا وشتمناه. أما أمل دنقل، فأصبح أكل لحمه ميتاً أكثر لذة مما كان حياً، حفلات شتمه تتكرر سنوياً رغم أنه شاعر كبير، ولا يليق أن تنفى شاعريته لأنها لا تناسب ذائقتك، أو لأنك تريد تكييفه على مقاييسك الفنية، أو لأنك تريد
لا يهتم عماد أبو صالح كثيراً بتصنيف قصيدته. المهم بالنسبة له هو «روح الشعر» بصرف النظر عن أنواعه. يقول: «أبحث عن جوهر الشعر من امرئ القيس، مروراً بنزار قبانى (بالمناسبة هو شاعر كبير)، وحتى أصغر شاعر يكتب الآن. أنا مع كافة أشكال الشعر. قصيدة النثر طريقة شعرية بديعة، لكنها لا تلغى القصيدة العمودية ولا قصيدة التفعيلة، وليست ذروة الشعر ولا نهاياته. فيها الفاتن والردىء شأن كل نوع. بودلير مثلاً سيظل معروفاً بـ(أزهار الشر) أكثر من (سأم باريس). راسل إدسون، رهن حياته كاملة على قصيدة النثر، ثم مات وهو يكاد أن يتسوَّل اعترافاً بشاعريته. تشارلز سيميك له حوالى ثلاثين ديواناً على الإيقاع الحر وديوان نثر واحد هو (العالم لا ينتهى). لو طالعت كتابات آخر ثمانية شعراء فازوا بجائزة نوبل، لن تجد أياً منهم كتب أساساً قصيدة النثر، بمن فيهم بوب ديلان، وهو يمثل الغناء بمعناه الحرفى كتابة وصوتاً. أنا شاعر عربى، أى أننى - روحياً وجينياً - ابن تراث الشعر العربى العريق الذى يمتد تاريخه المعروف إلى حوالى ألفى سنة، ويمثل الغناء ركيزة جوهرية فيه. كما أننى ابن الثقافة الإسلامية العظيمة التى (تغنِّى) فى الأذان خمس مرات يومياً، و(تتغنَّى) بكتابها المقدس فى جميع الأوقات. صحيح أننى لا أستعمل الأوزان العروضية المعروفة فى قصائدى، لكننى أزن كلماتى فى كل قصيدة أكثر مما كنت أزنها على بحور الخليل التى أجيدها واستخدمتها فى بداياتى الشعرية. ربما أحشو جملة بكلمة، أعرف أنها زائدة، أو أحذف كلمة، اعرف أنها ناقصة، لأضبط إيقاعى. الموسيقى لو تشاء، الإيقاع أو الغنائية لو شئت، عنصر ضرورى فى إحساسى بالشعر. لا يمكننى أن أنتف ريشة، يوماً وراء الآخر، من أجنحة ربّة الشعر وأحيلها إلى كتلة لحم عاجزة عن الطيران بداعى التطور أو تحت ضغط الحداثة. بلا حداثة بلا بطيخ».
آباؤه الشعريون هم أصلاً موتى أو عجائز، وحنينه للماضى، أكثر من شغفه بالمستقبل: يقول بحدة : «سمّنى كلاسيكياً، لن تخوّفنى بتهمة كهذه، لو كنت تعتبرها تهمة. أى شاعر، فى التاريخ السحيق، لديه قلق روحى، هو شاعر حديث. كفافيس هو شاعر اللحظة الراهنة والتالية، رغم أن (عدّة شغله) شديدة القِدم، ورغم أنه يكتب من القبور وعن القبور. الخلاصة هى: لو أردتَ أن تقتل الشعر، فالأمر فى غاية السهولة: احصره فى وصفة واحدة أو نمط وحيد. الشعر أكبر من الشعراء، وأوسع من كل الأنماط، إنه طائر حُر لا يمكنك حبسه فى أقفاص. مشهد الشعر الأمريكى مثلاً يتيح لنا قارة كاملة من الشعراء يكتبون بطرق متباينة: شعراء يستلهمون الميثيولوجيا بكل مهابتها، آخرون يكتبون القصائد اليومية بكامل بساطتها، شعراء التأمل العميق، وشعراء العابر الخفيف، هناك شعراء المدن بكل شراستها، وشعراء الطبيعة بكل وداعتها، يمكن أن تجد شعراء يكتبون قصائد الإيقاع الحر، وآخرين يكتبون قصائد النثر، ويمكن لك أيضاً أن تقرأ لشعراء يلتزمون بالقافية والوزن السكندرى. كل هؤلاء لا ينفى أحد منهم الآخر، ولا ينتقص أحدهم من عمل الآخر، والرابح الوحيد من هذا كله هو الشعر، الذى أتخيله يضحك بخبث فى الأعالى قائلاً: لن تكمشونى أبداً، كرروا محاولاتكم، جرّبوا طرقاً جديدة».
هذا رأى عماد فى التقنيات الفنية للشعر، أما فى الشق الفكرى، فهو ضد «تقييم» الشعراء حسب أفكارهم: هذا رجعى، وذاك تقدمى، ويتم التهليل للثانى، أو هذا يسارى، وذاك يمينى، ويتم تحقير الثانى. يعلق: «هذا إرهاب، كفاية. أرواح الشعراء تتكامل لا تتقاتل. إليوت، كان محافظاً شديد الصرامة، وكاثوليكياً شديد الالتزام، ولا يزال - فى انجلترا- إلى اليوم فخر الثقافة الإنجليزية. رامبو كان على النقيض، منفلتاً وفوضوياً، ولا يزال- فى فرنسا - أحد أبرز الشعراء، وصدرت عنه عشرات الكتب والأفلام والمعارض التشكيلية، ويتوالى الاحتفاء به إلى اليوم فى مختلف بلدان العالم. يسينين وماياكوفسكى كانا مختلفيْن فكرياً فى النظر للثورة، ونقيضين فنياً فى رؤية الشعر، ولم ينكر أحدهما عبقرية الآخر، وتحتفى بهما روسيا كاثنين من أبرع شعرائها».
يرى عماد أنه لا أحد يهين شعراءه مثلنا. يقول: «صلاح عبد الصبور قتلناه، فؤاد حداد اعتقلناه، عفيفى مطر غرّبناه أو طردناه، وحجازى (وهو واحد من أعظم شعرائنا) هاجمنا وشتمناه. أما أمل دنقل، فأصبح أكل لحمه ميتاً أكثر لذة مما كان حياً، حفلات شتمه تتكرر سنوياً رغم أنه شاعر كبير، ولا يليق أن تنفى شاعريته لأنها لا تناسب ذائقتك، أو لأنك تريد تكييفه على مقاييسك الفنية، أو لأنك تريد
الهورلا Le Horla :
غي دو موباسان ـ ترجمة محمد فري
استدعى الدكتور ماراند، أشهر وأنبغ طبيب عقلي، ثلاثة علماء من زملائه المهتمين بالعلوم الطبيعية، لقضاء ساعة معه في المستشفى الذي يرأسه، كي يعرض عليهم أحد مرضاه. حالما اجتمع زملاؤه، قال لهم:" سأعرض عليكم أغرب وأخطر حالة واجهتها. على كل ، ليس لي ما أقوله لكم عن زبوني. سيتحدث هو نفسه." حينئذ دق الدكتور الجرس ليدخل الخادم رجلا. كان شديد النحافة، نحيفا كجثة، كنحافة بعض الحمقى الذين تنخرهم الأفكار ، ذلك أن الفكرة المريضة تفترس لحم الجسد أكثر من الحمى أو السل. سلم وجلس، ثم قال: أيها السادة، أعرف لماذا اجتمعتم هنا، وأنا مستعد أن أحكي لكم قصتي، استجابة لرغبة صديقي الدكتور ماراند. لقد اعتبرني مخبولا مدة طويلة، لكنه اليوم يشك في ذلك، بعد قليل ستدركون، مع أسفي وأسفكم وأسف الإنسانية كلها، أن عقلي سليم ونير و مستبصر كعقولكم، لكن أريد أن أبدأ بالأحداث نفسها، بالأحداث بكل بساطة. وهاهي: أنا في الثانية والأربعين، لست متزوجا، ثروتي كافية كي أعيش نوعا من الرفه. كنت أقطن بمنزل على ضفاف نهر السين، في " بييسار "، قرب " روان ". أحب القنص والصيد. ذلك أن ورائي فوق الصخور الكبرى المحيطة بمنزلي، إحدى أجمل غابات فرنسا، غابة " رومار "، وأمامي أحد أجمل الأنهار في العالم. مسكني واسع رحب، خارجه مصبوغ باللون الأبيض، جميل، عتيق، وسط حديقة كبيرة مغروسة بأشجار رائعة تصل حتى الغابة، صعودا نجد الصخور الكبرى التي حدثتكم عنها قبل لحظات. يتكون طاقم خدمي، أو كان يتكون، من حوذي، وبستاني، وفراش، وطباخ، ومنظفة تقوم في نفس الوقت بدور خادمة.كل هؤلاء كانوا يقطنون معي منذ عشرة إلى ستة عشر عاما، كانوا يعرفونني، ويعرفون مسكني والمنطقة، وكل ما يحيط بحياتي. كانوا خدما طيبين مسالمين. وهذا مهم بالنسبة لما سأقوله. أضيف أن نهر السين الذي يحاذي حديقتي، صالح للملاحة حتى " روان "، كما تعلمون دون شك، وكنت كل يوم أراقب البواخر الكبيرة، سواء ذات الأشرعة أو البخارية، تأتي من كل أنحاء العالم. مر عام إذن منذ الخريف الماضي، حيث أصبت فجأة بوعكة غريبة غامضة، بدأت كنوع من القلق العصابي الذي يبقيني مستيقظا ليالي كاملة، نوع من التهيج يجعلني أرتعش أدنى صوت، تعكر مزاجي، وانتابني غضب مفاجئ مبهم. استرشدت بطبيب نصحني بمحلول " برومور البوتاسيوم " وحمامات الماء البارد. كنت إذن آخذ حمام الرشاس صباحا ومساء، وأتناول شراب البرومور. في الواقع استعدت نومي في وقت قريب، لكنه نوم أفظع من الأرق. ما إن أستلقي حتى أغمض عيناي وأتلاشى، نعم، أغوص في العدم، عدم مطلق، موت كلي للكائن الذي يجذبني منع بعنف وفظاعة، إحساس رهيب بثقل يضغط على صدري، وبفم يلتهم حياتي فوق فمي، آه من هذه الهزات ! لم أعرف شيئا أكثر منها رعبا. تصوروا رجلا نائما يتعرض للقتل، فيستيقظ وفد انغرز سكين في عنقه، ثم يحشرج وهو ملطخ بالدم، ويعجز عن التنفس ويموت، دون أن يفهم شيئا....ذاك هو حالي ! هزل جسدي بصورة مقلقة ومستمرة، ولاحظت فجأة أن حوذي الذي كان بدينا قد بدأ يهزل مثلي. سألته في الأخير: " مابك ياجان؟ إنك مريض " أجابني: " لعلني أصبت بنفس مرض سيدي، إنها ليالي التي تفقد نهاراتها " فكرت أن بالمنزل تأثيرا محموما ناتجا عن محاذاة النهر، وكنت على وشك السفرلشهرين أو ثلاثة، رغم أننا كنا في أوج فصل الصيد، إلى أن لوحظ مصادفة حدث صغير غريب جدا، جلب لي نوعا متتابعا من الاكتشافات اللامعقولة والغرائبية والمفزعة. كان العطش قد أصابني ذات ليلة، شربت نصف كاس ماء، ولاحظت أن القنينة الموضوعة على الأريكة مقابل سريري، كانت مليئة حتى سدادتها الكريسطالية.في الليل، تعرضت لنوع من هذا الاستيقاظ الفظيع الذي حدثتكم عنه. أشعلت الشمعة وأنا فريسة لاكتئاب مروع، وما كدت أشرب من جديد، حتى لاحظت بفزع أن القنينة كانت فارغة، لم أصدق عيناي، إما أن أحدا دخل غرفتي، أو أنني كنت في حالة نوم ويقظة. في الليلة الموالية، عزمت على القيام بنفس التجربة، أغلقت إذن غرفتي بالمفتاح لأتأكد من عدم استطاعة أحد الدخول علي، نمت واستيقظت كالعادة في كل ليلة، كان الماء الذي رأيته قبل ساعتين قد شُرب. من شرب الماء؟ أنا بدون شك. ومع ذلك أعتقد أنني متيقن، جد متيقن من أنني لم أقم بحركة خلال نومي العميق والمؤلم. التجأت إذن إلى حيل لأقنع نفسي انني لا أقوم بهذه الأفعال اللاواعية. وضعت ذات ليلة قنينة نبيذ معتق من نوع بوردو، وكأسا من الحليب الذي لا أستسيغه، وقطعا من حلوى الشكولاطة التي أحبها. بقي النبيذ وقطع الحلوى على حالها، واختفى الحليب والماء، كنت أغير المشروبات والأكل كل ليلة، ولم يحدث أن مست الأشياء الصلبة والسميكة، ولم يكن يُشرب كسوائل سوى الحليب الطري والماء على الخصوص. لكن هذا الشك المؤلم استقر داخل أعماق روحي، ألم أكن أنا الذي أنهض دون وعي، وأشرب حتى الأشياء التي أشمئز منها؟ ذلك أن حواسي المخدرة بسبب النوم المسرنم يمكن أن تتغير، وتفقد اشمئزازها الطبيعي، وتكتسب أذ
غي دو موباسان ـ ترجمة محمد فري
استدعى الدكتور ماراند، أشهر وأنبغ طبيب عقلي، ثلاثة علماء من زملائه المهتمين بالعلوم الطبيعية، لقضاء ساعة معه في المستشفى الذي يرأسه، كي يعرض عليهم أحد مرضاه. حالما اجتمع زملاؤه، قال لهم:" سأعرض عليكم أغرب وأخطر حالة واجهتها. على كل ، ليس لي ما أقوله لكم عن زبوني. سيتحدث هو نفسه." حينئذ دق الدكتور الجرس ليدخل الخادم رجلا. كان شديد النحافة، نحيفا كجثة، كنحافة بعض الحمقى الذين تنخرهم الأفكار ، ذلك أن الفكرة المريضة تفترس لحم الجسد أكثر من الحمى أو السل. سلم وجلس، ثم قال: أيها السادة، أعرف لماذا اجتمعتم هنا، وأنا مستعد أن أحكي لكم قصتي، استجابة لرغبة صديقي الدكتور ماراند. لقد اعتبرني مخبولا مدة طويلة، لكنه اليوم يشك في ذلك، بعد قليل ستدركون، مع أسفي وأسفكم وأسف الإنسانية كلها، أن عقلي سليم ونير و مستبصر كعقولكم، لكن أريد أن أبدأ بالأحداث نفسها، بالأحداث بكل بساطة. وهاهي: أنا في الثانية والأربعين، لست متزوجا، ثروتي كافية كي أعيش نوعا من الرفه. كنت أقطن بمنزل على ضفاف نهر السين، في " بييسار "، قرب " روان ". أحب القنص والصيد. ذلك أن ورائي فوق الصخور الكبرى المحيطة بمنزلي، إحدى أجمل غابات فرنسا، غابة " رومار "، وأمامي أحد أجمل الأنهار في العالم. مسكني واسع رحب، خارجه مصبوغ باللون الأبيض، جميل، عتيق، وسط حديقة كبيرة مغروسة بأشجار رائعة تصل حتى الغابة، صعودا نجد الصخور الكبرى التي حدثتكم عنها قبل لحظات. يتكون طاقم خدمي، أو كان يتكون، من حوذي، وبستاني، وفراش، وطباخ، ومنظفة تقوم في نفس الوقت بدور خادمة.كل هؤلاء كانوا يقطنون معي منذ عشرة إلى ستة عشر عاما، كانوا يعرفونني، ويعرفون مسكني والمنطقة، وكل ما يحيط بحياتي. كانوا خدما طيبين مسالمين. وهذا مهم بالنسبة لما سأقوله. أضيف أن نهر السين الذي يحاذي حديقتي، صالح للملاحة حتى " روان "، كما تعلمون دون شك، وكنت كل يوم أراقب البواخر الكبيرة، سواء ذات الأشرعة أو البخارية، تأتي من كل أنحاء العالم. مر عام إذن منذ الخريف الماضي، حيث أصبت فجأة بوعكة غريبة غامضة، بدأت كنوع من القلق العصابي الذي يبقيني مستيقظا ليالي كاملة، نوع من التهيج يجعلني أرتعش أدنى صوت، تعكر مزاجي، وانتابني غضب مفاجئ مبهم. استرشدت بطبيب نصحني بمحلول " برومور البوتاسيوم " وحمامات الماء البارد. كنت إذن آخذ حمام الرشاس صباحا ومساء، وأتناول شراب البرومور. في الواقع استعدت نومي في وقت قريب، لكنه نوم أفظع من الأرق. ما إن أستلقي حتى أغمض عيناي وأتلاشى، نعم، أغوص في العدم، عدم مطلق، موت كلي للكائن الذي يجذبني منع بعنف وفظاعة، إحساس رهيب بثقل يضغط على صدري، وبفم يلتهم حياتي فوق فمي، آه من هذه الهزات ! لم أعرف شيئا أكثر منها رعبا. تصوروا رجلا نائما يتعرض للقتل، فيستيقظ وفد انغرز سكين في عنقه، ثم يحشرج وهو ملطخ بالدم، ويعجز عن التنفس ويموت، دون أن يفهم شيئا....ذاك هو حالي ! هزل جسدي بصورة مقلقة ومستمرة، ولاحظت فجأة أن حوذي الذي كان بدينا قد بدأ يهزل مثلي. سألته في الأخير: " مابك ياجان؟ إنك مريض " أجابني: " لعلني أصبت بنفس مرض سيدي، إنها ليالي التي تفقد نهاراتها " فكرت أن بالمنزل تأثيرا محموما ناتجا عن محاذاة النهر، وكنت على وشك السفرلشهرين أو ثلاثة، رغم أننا كنا في أوج فصل الصيد، إلى أن لوحظ مصادفة حدث صغير غريب جدا، جلب لي نوعا متتابعا من الاكتشافات اللامعقولة والغرائبية والمفزعة. كان العطش قد أصابني ذات ليلة، شربت نصف كاس ماء، ولاحظت أن القنينة الموضوعة على الأريكة مقابل سريري، كانت مليئة حتى سدادتها الكريسطالية.في الليل، تعرضت لنوع من هذا الاستيقاظ الفظيع الذي حدثتكم عنه. أشعلت الشمعة وأنا فريسة لاكتئاب مروع، وما كدت أشرب من جديد، حتى لاحظت بفزع أن القنينة كانت فارغة، لم أصدق عيناي، إما أن أحدا دخل غرفتي، أو أنني كنت في حالة نوم ويقظة. في الليلة الموالية، عزمت على القيام بنفس التجربة، أغلقت إذن غرفتي بالمفتاح لأتأكد من عدم استطاعة أحد الدخول علي، نمت واستيقظت كالعادة في كل ليلة، كان الماء الذي رأيته قبل ساعتين قد شُرب. من شرب الماء؟ أنا بدون شك. ومع ذلك أعتقد أنني متيقن، جد متيقن من أنني لم أقم بحركة خلال نومي العميق والمؤلم. التجأت إذن إلى حيل لأقنع نفسي انني لا أقوم بهذه الأفعال اللاواعية. وضعت ذات ليلة قنينة نبيذ معتق من نوع بوردو، وكأسا من الحليب الذي لا أستسيغه، وقطعا من حلوى الشكولاطة التي أحبها. بقي النبيذ وقطع الحلوى على حالها، واختفى الحليب والماء، كنت أغير المشروبات والأكل كل ليلة، ولم يحدث أن مست الأشياء الصلبة والسميكة، ولم يكن يُشرب كسوائل سوى الحليب الطري والماء على الخصوص. لكن هذا الشك المؤلم استقر داخل أعماق روحي، ألم أكن أنا الذي أنهض دون وعي، وأشرب حتى الأشياء التي أشمئز منها؟ ذلك أن حواسي المخدرة بسبب النوم المسرنم يمكن أن تتغير، وتفقد اشمئزازها الطبيعي، وتكتسب أذ
la "، مما يوحي بالمتواجد خارجنا والحاضر معنا في نفس الوقت..
واقا مختلفة. ايتعنت إذن بحيلة جديدة ضدي، لففت كل الأشياء المعرضة للملامسة بشرائط من الموسلين الأبيض، وغلفتها من جديد بمنشفة من قماش الباتيست. ثم، وفي لحظة ذهابي للفراش، لطخت يداي وشفتاي وشنبي برصاص الأقلام. عند استيقاظي، ظلت كل الأشياء نقية، رغم تعرضها للملامسة، فالمنشفة لم تكن في الوضع الذي تركتها عليه، كما أن الماء والحليب قد شربا، علما أن بابي المقفل بمفتاح الأمان ومصاريعي المغلقة بالأقفال احتياطا لم تترك مجالا لتسرب أحد. بذلك وضعت على نفسي هذا السؤال الخطير: من كان هنا كل ليلة بجانبي إذن؟ أشعر أيها السادة، أنني أحكي لكم كل هذا على عجل، تبتسمون، وتقررون حكمكم مسبقا:" إنه مجنون "، كان لزاما علي أن أصف لكم مطولا شعور رجل مقفل عليه في بيته، وبعقل صاف يرى عبر كاس قنينة، اختفاء قليل من الماء خلال نومه. كان علي أن أفهمكم هذا العذاب المتجدد كل مساء وكل صباح، وهذا النوم الخفي، وهذه الاستيقاظات الأكثر فظاعة أيضا. ومع ذلك سأتابع، فجأة، انتهت المعجزة، لم يعد أي شيئ يمس بغرفتي، انتهى كل شئ، شعرت بالارتياح. زد على ذلك أنني استعدت انشراحي عندما علمت أن أحد جيراني، السيد لوجيت، قد كان في نفس الحالة التي كنت عليها. اعتقدت من جديد أن الأمر يتعلق بعدوى محمومة أصابت البلاد. وكان الحوذي قد غادرني منذ شهر وهو مريض جدا. مر الخريف، وظهرت بوادر الربيع. وذات صباح، رأيت وأنا أتجول قرب حديقة زهوري، رأيت بجانبي وبوضوح تام، ساقا لإحدى أجمل الورود تنكسر، وكأن يدا خفية تقطفها، وتتبع الوردة انحناءة وكأن ذراعا تتجه بها لقمة نحو فم، فتبقى معلقة في الهواء، شفافة، وحيدة، جامدة، مفزعة، على مقربة من ناظري. تملكني جنون مخيف، وارتميت نحوها أريد الإمساك بها دون أن أجد شيئا، كانت قد اختفت. هنا أصابني غضب عنيف ضد نفسي، إذ ليس مسموحا لرجل عاقل وجاد أن يتعرض لمثل هذه الهلوسة ! لكن، هل كانت حقا هلوسة؟ بحثت عن الساق فوجدتها بسرعة على الشجيرة، طرية الكسر، وسط وردتين ظلتا على الغصن، ذلك أنها كانت ثلاث ورود رأيتها بأم عيني. رجعت إذن إلى بيتي منكسر الروح. اسمعوني أيها السادة، إنني هادئ تماما، لم أومن أبدا بالخوارق، ولن أومن بها اليوم أيضا. لكن، انطلاقا من هذه اللحظة، تأكدت، كتأكدي من وجود النهار والليل، أن كائنا خفيا تواجد بقربي وسكنني، ثم غادرني ليعاودني. بعد فترة حصلت على الدليل. أولا كانت تنشب بين خدمي خصومات شديدة لألف سبب تافه في مظهره، لكنها من الآن فصاعدا أصبحت بالنسب لي أسبابا غنية بالمعاني . ثم ينكسر كأس، كأس بنذقي جميل، ينكسر وحده بخزانة الأطباق في غرفة الطعام، وفي واضحة النهار. كبير الخدم يتهم الطباخة، وهذه تتهم قيمة البياض التي تتهم بدورها لا أعرف من. أبواب تغلق ليلا لتصبح مفتوحة، حليب يسرق كل ليلة من المخزن. – آه ! من يكون؟ ماطبيعته؟ فضول قلق، ممزوج بالغضب والفظاعة ينتابني ليل نهار في حالة قصوى من الهيجان. لكن المنزل استعاد الهدوء مرة أخرى، واعتقدت من جديد أن الأمر أحلام إلى أن حدث الأمر التالي: كان ذلك في 20 يوليوز، على الساعة التاسعة مساء، كان الجو حارا جدا، تركت نافذتي مشرعة، والمصباح المنير فوق الطاولة يضيء مجلدا لــ(مــوسي) مفتوحا على صفحة " ليلة ماي "، وكنت ممددا على الفوتوي العريض حيث أنام. ذلك أنني بعد أن نمت حوالي أربعين دقيقة، فتحت عيناي من جديد دون أن أبدي حراكا. لا أدري أية عاطفة غريبة وغامضة أيقظتني، لم ألاحظ في البداية شيئا، ثم فجأة بدا لي أن صفحة من الكتاب قد طويت وحدها، دون أن تكون هناك هبة ريح متسربة من النافذة، اندهشت، وانتظرت. وبعد أربع دقائق تقريبا، رأيت، نعم رأيت، أيها السادة، بعيني هاتين، صفحة أخرى ترتفع ونتزل على سابقتها وكأن أصبعا طوتها. كان الفوتوي يبدو فارغا، ولكن فهمت أنه هناك، هو ! اجتزت الغرفة في قفزة واحدة كي أمسك به، ألمسه، أقبض عليه، إن أمكن ذلك... لكن الفوتوي انقلب قبل أن أصل إليه، كأن هناك من هرب من أمامي، المصباح أيضا سقط وانطفأ، وانكسر زجاجه، والنافذة رجت بقوة وكأن شقيا تشبث بها وضرب على قفلها وهو يحاول الفرار...آه ! ارتميت على الجرس مناديا، ولما حضر الخادم قلت له:" لقد قلبت وحطمت كل شئ، أشعل النور " لم أنم تلك الليلة، ومع ذلك استطعت أن أكون مرة أخرى لعبة للهلوسة. عندما أفقت ظلت حواسي مضطربة، ألم أكن أنا من أسقط الفوتوي والمصباح مندفعا كالأحمق؟ لا، لم أكن أنا ! كنت أعرف ذلك دون أن أشك ولو ثانية، ومع ذلك أود أن أصدق. انتظروا. الكائن ! كيف أسميه؟ الخفي، لا، هذا غير كاف، لقد سميته " الهورلا ". لماذا؟ لا أعرف. إذن لم يعد الهورلا يفارقني أبدا، كان لدي كل نهار وليلة إحساس ويقين بحضور هذا الجار المتعذر الإمساك، واليقين أيضا بأنه يستنزف حياتي، ساعة ساعة، ودقيقة دقيقة. كانت استحالة رؤيته تغيظني، وكنت أشعل كل مصابيح منزلي وكأنني سأستطيع اكتشافه في كا هذا الضوء الساطع. ورأيته أخيرا، إنكم لا تصدقونني، ومع ذلك رأيته. كنت جالسا أمام
كتاب ما، لا أقرأ، ولكنني أتربص، وكل أعضائي متحفزة، متربصا بهذا الذي أشعر به قريبا مني، طبعا كان هنا، لكن أين؟ ماذا يفعل؟ كيف يمكن الوصول إليه؟ أمامي فراشي ذو الأعمدة والخشب السندياني، وعلى اليمين مدفأتي، وعلى اليسار بابي الذي أقفلته بعناية، بالخلف خزانة تحتوي على مرآة أستعين بها يوميا من أجل الحلاقة، ورؤية كيفية لباسي، حيث اعتدت على أن أرى نفسي من الرأس إلى القدمين كلما مررت أمامها. تظاهرت إذن بالقراءة كي أخادعه، لأنه كان بدوره يتجسس علي، وفجأة، أحسست أنه هنا يكاد يلامس أذني، لقد كنت متأكدا من تواجده خلفي يتابع ما أقرأه. وقفت والتفت بسرعة كادت تفقدني توازني، وإذن ! ... كانت الرؤية واضحة وكأننا وسط النهار ... ولم أر نفسي في المرآة ! كانت فارغة، صافية، مليئة بالضوء، ولم تكن صورتي بها ... وكنت واقفا أمامها ... أنظر إلى الزجاج الكبير، شفافا من أعلى إلى أسفل ! كنت أنظر ذلك بعينين فزعتين، ولا أستطيع أن أتقدم، شاعرا بأنه متواجد بيننا، وأنه ينفلت مني مجددا، لكنني شاعر أن جسده اللامحسوس قد امتص صورتي المنعكسة. كم أصابني الخوف، ثم فجأة بدأت أرى نفسي عبر ضباب في عمق المرآة، ضباب كأنه عبر طبقة مائية، وكان يخيل لي أن هذا الماء ينزلق ببطء من اليسار إلى اليمين، جاعلا صورتي تتضح ثانية بعد ثانية. كان ذلك مثل انتهاء لحظة كسوف. لم يظهر أن الشيء الذي أخفاني كان يملك تقاطيع جسم محددة بدقة، بل نوعا من الشفافية المعتمة المتضحة شيئا فشيئا. استطعت أخيرا أن أميز نفسي كليا كما كنت أفعل كل يوم وأنا أنظر إلى المرآة. لقد رأيته، واحتفظت بفزع ظل يرعشني. وفي الغد، كنت هنا، حيث رجوت أن يحتفظ بي. الآن، أيها السادة، أصل إلى الاستنتاج بعد أن شك الدكتور ماراند طويلا في الأمر، قرر أن يسافر وحده إلى بلدتي. ثلاثة من جيراني، هم مصابون الآن مثلي. أليس كذلك؟ أجاب الطبيب:" هو كذلك ! " لقد نصحتهم بأن يتركوا الماء والحليب في غرفهم للتأكد من اختفاء هذه السوائل. وقد قاموا بذلك. هل اختفت هذه السوائل كما حدث عندي؟ أجاب الطبيب بجدية رسمية:" لقد اختفت " إذن، أيها السادة، إنه كائن، كائن جديد، سيتعدد دون شك مثلما تعددنا، وقد ظهر مؤخرا على الأرض. آه ! إنكم تبتسمون ! لماذا؟ لأن هذا الكائن يظل خفيا عن الأعين، لكن عيننا إيها السادة، ماهي إلا عضو بدائي يستطيع بالكاد أن يميز ماهو ضروري في حياتنا، ينفلت منها ماهو صغير، ينفلت منها ماهو كبير، ينفلت منها ماهو بعيد، إنها تجهل الأشياء التي تعيش داخل قطرة ماء، تجهل سكان ونباتات وأرض النجوم المجاورة، لا ترى حتى ما هو شفاف. صعوا أمامها مرآة دون طبقة القصدير التي يطلى بها ظهرها، ستعجز عن تمييزها، وستدفع بنا نحوها مثلما يحدث للعصفور المحبوس في البيت عندما يصدم رأسه بزجاج النوافذ. إذن هي لا ترى الأجسام الصلبة والشفافة والتي توجد فعلا، لا ترى الهواء الذي نتغذى به، لا ترى الريح التي هي أكبر قوة في الطبيعة، والتي تطيح بالناس، ونسقط الأبنية، وتقتلع الأشجار، وتهيج البحر ليغدو جبالا من الأمواج تهدم الجرف الصخرية. ماالمدهش في كونها تعجز عن رؤية جسم جديد، يفقد دون شك الخاصية الوحيدة لعكس الأشعة المضيئة. هل ترون الكهرباء؟ ومع ذلك هي موجودة ! هذا الكائن الذي سميته " الهورلا " موجود أيضا. من هو أيها السادة؟ إنه الذي تنتظره الأرض بعد الإنسان ! الذي سيزيحنا عن عرشنا، ويستعبدنا، ويروضنا، وربما سيقتات بنا، مثلما نقتات بالأبقار والخنازير البرية. منذ قرون ونحن نستشعره، نخشاه ونتبأ به ! لقد سكن الخوف من اللامرئي آباءنا دائما. هاهو قد وصل. كل حكايا الجنيات والعفاريت، والأجسام التائهة في الفضاء، الشريرة والمتعذرة الإمساك، كانت تتحدث عنه، عنه الذي توقعه الإنسان القلق والخائف منذ أمد. أقول لكم إنه قد وصل، هو نفسه مايزال يتجول قلقا مثل الإنسان البدائي، جاهلا قوته وجبروته التي سيدركها قريبا، قريبا جدا. وللختام أيها السادة، هذه مجموعة من الجرائد التي وقعت بيدي والقادمة من ريو دي جانيرو. أقرأ عليكم: " يظهر أن نوعا من وباء الجنون، يعيث فسادا منذ مدة بمقاطعة سان-باولو. وقد هاجر سكان قرى كثيرة أراضيهم وديارهم زاعمين أنهم متابعون وملتهمون من طرف مصاصي دماء خواف يقتاتون بأنفاسهم خلال نومهم ولا يشربون إلا الماء والحليب أحيانا. أضيف:" قبل إصابتي الأولىببضعة أيام، والتي كنت سأهلك بسببها، أتذكر جيدا أنني رأيت سفينة برازيلية ذات سوار ثلاث برايتها المنبسطة البيضاء ... كنت أخبرتكم بأن منزلي يحاذي النهر ... لقد كان مختبئا في هذه السفينة دون شك ..." ليس لدي ما أضيفه أيها السادة. نهض الدكتور ماراند مغمغما، " أنا بدوري لا أعرف إن كان هذا الرجل مجنونا أو أننا مجنونان معا ..، أو .. أن خليفتنا قد وصل حقا."
غي دو موباسان 26 أكتوبر 1886 ــ ترجمة: محمد فري
ــــــ هو مصطلح ابتكره موباسان في هذا النص ليعبر عن كائن غريب غير واضح المعالم..وبتحليل مصطلح le horla قد نجده مكونا من" hors " و"
غي دو موباسان 26 أكتوبر 1886 ــ ترجمة: محمد فري
ــــــ هو مصطلح ابتكره موباسان في هذا النص ليعبر عن كائن غريب غير واضح المعالم..وبتحليل مصطلح le horla قد نجده مكونا من" hors " و"
❤1
*للذين طلبوا القصة بصورة أوضح:
قصتي( لوحة الملك الفحمية) المنشورة في أخبار الأدب.
قصتي( لوحة الملك الفحمية) المنشورة في أخبار الأدب.
"هكذا تبدو كتاباتي عندما أعيد قراءتها نصوصاً مريضة يتعيّن علاجها، مع يقيني أن العلاج لا نهاية له".
عبد الفتاح كيليطو
عبد الفتاح كيليطو