هواجس غرفة العالم ( ليلى عبدالله )
6.67K subscribers
3.42K photos
399 videos
75 files
1.13K links
ثقافي ، فكري ، أدبي ، إنساني. .
Download Telegram
دفاتر فارهو

كاتب المقال الروائي ناصر الظفيري 

في كثير من الأحيان يعمل الروائي بصمت، دون أن يتدخل كاتب زميل له بتفاصيل عمله. ذلك بسبب غياب ما يسمى بالمحرر الأدبي، الذي يتدخل في التفاصيل الدقيقة للعمل، يشطب ويلغي صفحات وفقرات، ويطلب إعادة فقرات وصفحات بديلة، والكاتب يقبل هذا التدخل لإيمانه بدور المحرر الأدبي. ما يحدث لبعضنا أحيانا، ولا أعرف إذا كان كل كتابنا العرب يفعلون الشيء ذاته، أن ندفع بالعمل لزميل نثق به لمراجعة العمل تدقيقا ومتابعة لأي هفوة أو خلل في تسلسل الأحداث. ما فعلته الزميلة ليلى عبدالله هو جرأة نادرة أن تعترف بعرض عملها على مجموعة من الأصدقاء، كنت أنا أحدهم، للاطلاع على عملها الروائي "دفاتر فارهو"، والصادر مؤخرا عن دار المتوسط - إيطاليا، للتدخل في تفاصيل العمل. في لقاء مع الكاتبة ذكرت أنها أفادت كثيرا من آراء الزملاء، وأعادت تشكيل العمل بناء على تلك التوصيات التي تلقتها. تلك كانت الجرأة الأولى أما الجرأة الأهم فهي في العمل نفسه الذي كشف عن جانب مجهول للكثير من الناس.
"دفاتر فارهو" هي الرواية الأولى للكاتبة ليلى عبدالله، وليست عملها الأول، وهو ما يجعلها تمتلك ناصية الفعل الأدبي ومعرفة دهاليز العمل الأدبي ومساراته الشيقة قبل إنتاجه وخلال سير عملية الكتابة الإبداعية. يتضح من خبرة الكاتبة في هذا الفعل أنها أجادت على المستويين السردي والتقني، محافظة على خط درامي يبدو صعبا وسط هذه الأصوات المتعددة التي تناوبت على تفاصيل الأحداث الروائية. كان عملا صعبا أن تقدم مجموعة من الشخصيات بلغات مختلفة وبيئات متباينة لتشكل منهم محيطا روائيا متماسكا. معتمدة على تحول السرد الذي ينتقل بين الشخصيات عبر تباين الخطوط الكتابية في جسد النص للانتقال من حالة إلى أخرى، والانتقال من معاناة شخصية إلى مثيلتها.
الأكثر أهمية في هذه الرواية هو الفكرة التي تم بناء العمل عليها. هي فكرة يبدو أنها ستسيطر لفترة طويلة على الرواية في الخليج، دون استثناء بلد بعينه، وقد يبدو للآخر مفاجأة ولولا الرواية لم يتم الكشف عن تفاصيلها. سوف أزعم أن الحالة بدأت في الكويت وفي الروايات التي تناولنا فيها سيرة المهمشين، الوافدين والبدون تحديدا، الذين وجدوا أنفسهم بين نار البقاء وجحيم الهجرة، الذين أسقط حقهم بأوراق تثبت أنهم هم. وهي الحالة ذاتها التي تناولتها الكاتبة ليلى عبدالله في تفاصيل هؤلاء المهاجرين الذين ألقت بهم الحياة إلى أوطان جديدة لم يحصلوا منها إلا على الاضطهاد والمعاملة القاسية بعيدا عن حقهم في المواطنة.
كان عليهم أن يتأقلموا مع البلد الجديد تحت شروطه وبناء على ما يقبلهم فيه، عليهم أن يبحثوا عن أسماء جديدة لهوياتهم الجديدة وإخفاء ديانتهم في صدورهم والتظاهر بدين المجتمع. الشخصيات الرئيسة الثلاث هي ضحية مجتمعات هجرتهم ومجتمعات رفضتهم. بعضهم من البدون الذين تم منحهم أوراق بلاد لا يعرفونها ولا ينتمون إليها ووجدوا أنفسهم في صراع بقاء لن ينتهي.
لقد عوّلنا على جنس الرواية لقدرتها على الدخول في تفاصيل سوسيولوجية وسياسية مسكوت عنها، وتتوارى تحت ظلال المدن والمدنية، وكنا على حق. الرواية لها السلطة التي فشل الإعلام والتاريخ في الإمساك بها. كل ما نحتاج إليه هو روائي جريء في طرحه كما فعلت ليلى عبدالله. وربما ستخرج رواية أخرى في مكان قريب، لكننا لا نعرف عنه الكثير.
يقول الروائي الأمريكي جون شتاينبك عن روايته عناقيد الغضب:" لقد فعلت كل ما في وسعي لأحطم أعصاب القارئ إلى أقصى حد، ذلك أنني لا أريده أن يكون راضيًّا".

هذه الرواية من الكلاسيكيات العظيمة تحكي عن الجشع والقحط والجوع والهجرة وتوحش الإنسان، تشابه إلى حد كبير ما يحدث لكثير من المهاجرين العرب حاليًّا.

رواية تحكي عن كل الأزمنة!
" حكمة الرواية تكمن بالضبط في جهلها"

ميلان كونديرا
ليلى،
قبل عامين قلت لنفسي سأكتب نصاً. أعني: رواية. كنت أكتب كل فجر. أصحو كل فجر لأكتب شيئاً لا أعرفه، وعلى طريقة إيتالو كالڨينو في الفسكونت المشطور أعمل على شطر الإنسان نصفين. كنت قد أكملت ثلاثيته للتو: الفسكونت المشطور، البارون طالع الشجرة، وفارس بلا وجود. كنت أرى، بتقنية ما، الإنسان مقسوماً: نصفه جرذ، ونصفه الآخر إنسان، أو، ويا لغباء تلك اللحظة: جرذ بطريقة أخرى. وكنت أعتقد أن الجمال والحكمة والعدل موجودة، بطريقة ما، فيما هو مشطور وحسب. قبل عام تناسيت تلك الكتابة وكل شيء وهمست في نفسي: ما يزال هناك الإنسان الكامل يعلمنا قبح الإنسان المشطور. في النهاية: لا بد أن يكون الإنسان، كل الإنسان، واحداً.

أوقفت امتحان مادة الجوار العربي في نهائي ترم ماستر قبل عشرين يوماً. كان صديق، نسكن في عزبة واحدة، قد مات بدهسة قطار من الجانب. كيف؟ لا أدري. عشت في بؤس العالم وتداخلت طيور المدن. عشت مع ستيفن كينغ في الشيء، لكنه لم يخرج بؤسي ولم يبدده. أريد أن أقول أيضاً إن الصومال وإثيوبيا وإرتريا تعتبر دول جوار عربي في منهاج تلك المادة. أي: جزء لمعنى أي مقال أو نص يدخل تلك الأمكنة في عينيه. فالقارئ، ثقافة القارئ، هي جزء من المعنى، كما تعلمنا كريسطيفا. ذهبت إلى معرض الكتاب لأجلب نصاً يخرجني من الإنسان المقوّض. يحتاج الكثير منا، في كثير من الأحايين، إلى لحظة لا يكون فيها راضياً، أو أن يذهب إلى مقربة من قطار سريع وهو يمر ويصرخ بأعلى صوته. أمثلة لاكانية لعملية تسمى: قتل اللعنة. وفي المثال الأخير يحدث أن يخرج الإنسان بصرخته القطار من قضيبيه.

.. دخلت قاعة ٣ في معرض القاهرة الدولي للكتاب، أربعاء الأسبوع الماضي. لم أكن أعرف أين منشورات المتوسط، لكني أعرفك، ولم أسأل أحداً. إذا سألتَ أحداً في معرض الكتاب، أي معرض كتاب، تفقد بحث المتعة، ثم: بحث الدهشة. كهذا أعتقد، وأتحدث إلى القراء الأصدقاء. لا أدري كيف تتم هذه العملية، فقط يمكنني تقديم إجابة مبسطة: أتلصص على الكتب والدور وأصدر الأحكام الدقيقة أو الجزافية متكئاً على مخيلتي، وكقارئ على جبل: أمدح ما أريده وأجلد ما لا أريده، بنفس القدر والدرجة. وصلت إلى دار كبيرة، سبق لها أن أخذت البوكر مرتين، وقلت: هذه الدار تركت روايتين من إصدارها في المنتصف، العام الماضي، إذن: لا شيء، مجرد لا شيء. أحس بمتعة كبيرة بكوني قارئاً على جبل، وبكوني قارئاً، هذه المرة بشكل حقيقي: يتقمص شخصية كونان. وما إن اقتربت من المتوسط حتى رأيت فارهو يبتسم صباح بارد، وبادلته الهرب في صورة: إنك تدل على الطريق. في تلك اللحظة تذكرت ما قلته عن "كائناتي السردية"، والإنسان المشدود كقوس،
ورحت أقول لفارهو:
تعالَ،
نايي، أخذه الجنّي
أعد إليّ نايي.

ما إن قلت كحديقة خرِبَة حتى انطلق فارهو كرمية سهم وسكن يدي. دعيني أجلب باولو كويلو: كان قلبي مشدوداً كوتر رماية.

في الزمانات، في لحظات بهجة كنا، صديقان قارئان وأنا، نتحدى بعض في كيف يمكن إسقاط غلاف كتاب على نص؟ إذا قرأنا نصاً وكان غلافه لا يقول شيئاً، أو لا نستطيع تأويله ليقول شيئاً قبل الدخول إلى النص، نكيل للدار الناشر شتائم أدبية كبيرة: الغلاف مناص يا أولاد الدرجة الثالثة. كان الصديقان يدرسان الهندسة، وكنت في القانون. في القانون لدينا أشياء خيالية، أيضاً: عمليات التكييف في إحالة قانون دولي خاص، وعمليات إسقاط تكييف النصوص القانونية وقانون الإثبات. يمر بعض القانونيين فيها بلا جهد، والبعض الآخر يمر بجهد وقليل من الخيال، وبصفتي محامياً عرّج على الأدب أجعل كل شيء مشدوداً. إنه الخيال، أو أزعم ذلك. لكن ذلك لم يكن مفتوحاً، وفي مرة قال لي محامي تدربت على يديه المهنة في مكتبه، وكان مثقفاً: إنك تتدخّل في نصوص القانون كتدخّل بول ريكور في النصوص الأدبية، وصدقني أيضاً: الأحكام والعرائض والدفوع ليست نصوصاً أدبية. وفي مرة سخر مني: هل هذه عريضة؟ إنه نص!
نهرته: نص أو كرة سلة، إن مهمتي هنا هي أن أجعل القاضي يخرج دموعه. لكن المحامي، في مرات عديدة، كان يشطب نصف الكلمات من دفوعي التي أقدمها له في القضايا المسئول عنها. وعندها، عندها وفقط، كان القانون شيئاً فشيئاً يغادر الخيال، لكن خيالي لم يغادره.

.. في غلاف روايتك: تدخل الأشواك فارهو ولا تترك أثراً، وكان وجهه مناصاً يدخله النص ويخرجه ويترك كل الأثر.

.. عندما عدت في المساء إلى عزبتي لأقرأ نصك كان فارهو قد تحول إلى قهقة ليل. نام فارهو مبتسماً وسمعته يغمغم: كل الإنسان واحداً. وكعادتي: شربت حليباً وهرتلت، ثم، بعد خيالات وإحالات، نمت.

.. قرأت النص في صباح اليوم التالي. دخلت النص كقارئ يريد أن ينتقم: أن ينتقم من البؤس، أن ينتقم من العالم. قرأته مرتين وكان نصاً على جبل. في اليوم الرابع من القراءة الأولى رحت أقلب النص في المرة الثالثة، خذفت النهاية، أو عندما سقط صوت، وقرأته مقلوباً: إنها، في نهاية المطاف، عملية لاكتشاف أجواء النص، أو: رياضيات الحل السردي من الأسفل.

عشت أر
بعة أيام مجنونة في حديقة تحت الرمل. لا أفضل من رواية نعرف تفاصيلها لكنهم، لكننا، لكن، لم نحولها إلى نص أثير يعلو به صوتنا. أعني: بناء حديقة تحت الرمل، أو: حفر الآبار بإبرة، إن استعرنا من باموق.

كان ألبير كامو يفشي لنا سراً: الرواية هي الفلسفة مقلوبة. يقوم نص دفاتر فارهو كلياً على الإنسان المشطور، وعلى عالم الصمت، وعلى الهويات في <الوعي الفقير> المتكئ أبداً على <ثقافة الفقر>
ولن يكون هذا الشيء، ذلك الشيء، إلا اختراعاً تراجيدياً. يخترع الذات في النص بطريقة ما وما يواجهها منتهياً إلى تنابذ: يجعل الواقع ضيقاً ومحاصراً، والعقل أكثر ضيقاً وحصاراً. كثبان رمال، وأرض عارية. لا أحد يسمعك، لا أحد سوى الجنّي الذي يرافقك. إنها الأجواء والاختراعات.

ليلى: فارهو أعاد لي نايي. لا أعرف كيف فعل ذلك.

إذا كان لي أن أقول شيئاً عن النص، بكوني قارئاً في الفلسفة هذه المرة، فهو كالتالي:
هدية روحية لا يمكن قياسها بالزمان والمكان.
سيتحدد الزمان فيما بعد إذا أدخلنا في المخيلة زمن تدشين لفظة اللاجئ عند حنة آرندت.

إنها رواية عربية، تخصنا نحن
تخص ما يخصنا. إنها إضافة للرواية العربية، على وجه الخصوص الرواية الخليجية.

وعن فارهو يمكن القول إنه كان، على الرغم من أسئلة الهوية والإنسان المقوّض والجحيم التي تحاصره، إنساناً واحداً.

وعنك، يا ليلى عبد الله:
روائية مجتهدة وعظيمة، ومعلمة.

قبل أيام كنت أتحدث إلى شاعر يمني فاز ببرنامج أمير الشعراء في نسخته الأولى، قال لي أشياء وقلت له كل الأشياء. وما إن انتهينا من كل شيء حتى اتفقنا على أن الرواية هي مشروع ثقافي كبير يحتاج إلى عمليات وتقليم، يحتاج إلى كل شيء يستخدم في كل شيء

ذكرنا المسطرة، المساحة، الرنج، الأثاث.. أشياء تتعلق بالرواية ولا تتعلق بها نسقطها بلا هوادة.

اعتبر لوكاش الرواية جنساً منحدراً من الملحمة. والرواية اللوكاشية، كتعريف، هي ملحمة برجوازية. يفصل لوكاش بين الملحمة والرواية بعنصري الثبات والجدلية، وبالنسبة إليه تمثل بنية الشكل الروائي القطيعة بين الذات والموضوع. كل هذا يأخذ شكلاً أكثر دقة عند غولدمان: الرواية بحث منحط. غولدمان سيروح فيما بعد يفصل أكثر مفهومه عن الرواية: البحث عن القيم الأصيلة في عالم منحط. هذه التصورات الفلسفية ستجعل باختين، المعلم الكبير، يقلب كل شيء رأساً على عقب: من البرجوازية إلى القاع الشعبي. وهنا تأخذ دفاتر فارهو حزاماً أسود بوصفها رواية اجتماعية / واقعية.

الروائي المبدع والعظيم، أي روائي مبدع وعظيم، هو صاحب الأجواء. دفاتر فارهو حكاية وسردية مكتظة بالأجواء والحياة: اليومي والإخباري، السحري الواقعي والمشاهداتي والصراخ، النمذجة الجدلية، النطق الشعبي للغة المتواجد في الرواية وما يشكل فانتازيتها، اللاشعري واللارمزي والذي ابتعدت عنهما دفاتر فارهو وهو ما أكسبها الواقعية اللغوية كما عند فيليب دوفور، إلخ

كل ما يجعل الإنسان يشاهد أوجاعه في مرآة مقلوبة. وأحياناً: يجثو على ركبتيه.

العباس ناصر
تهانينا لفارهو، للنص ولك.