هواجس غرفة العالم ( ليلى عبدالله )
6.67K subscribers
3.42K photos
399 videos
75 files
1.13K links
ثقافي ، فكري ، أدبي ، إنساني. .
Download Telegram
‏يرى الناقد والمنظّر " إميل زولا "أن الرواية الطبيعية لا تخترع الوقائع اختراعًا ضمن نشاط رومانسي أو خيالي محض، بل تأخذ بما يقول به الواقع نفسه كما لدى تحرير محضر أو حتى مضبطة بالمعنى القضائي للكلمة، بمعنى أن عمل الروائي والكاتب شبيه بكتابة محضر!
"من المزعج ألا نكون قادرين بعد على تغيير مفردة( رواية)، التي لم تعد تعني أي شيء، عندما تُطلق على اعمالنا الطبيعية. فهذه الكلمة تجرّ إلى التفكير بحكاية، بخرافة، أو بتخييل محض، وهذا كله يتناقض تماما مع المحاضر المحض التي نحرّرها نحن الكتّاب. منذ خمسة عشرة سنة أو أكثر، صرنا نشعر أكثر فأكثر بعدم دقة هذه المفردة، وفي لحظة ما راودتنا الرغبة في وضع مفردة( دراسة) بدلاً منها على الأغلفة. بيد الأمر يبدو غامضًا، وواصلت كلمة( رواية) فرض نفسها بالرغم من ذلك!".

إميل زولا| في الرواية ومسائل أخرى
‏يسألني الناس، دائمًا، عن الكتب: "ماذا تقصد بهذا؟ماذا تقصد بذلك؟" لكنني لا أستطيع شرح أيّ شيء، على الإطلاق. أنا أتحدّث عن نفسي، وأتحدّث عن العالم، مجازًا. ولا يمكنك تفسير الاستعارات أو تحليلها، بل يجب عليك، فقط قبول الأنموذج. الكتاب هو استعارة.

هاروكي موراكامي.
" الطفل الطائر " قصة من مجموعة ماذا نفعل بدون كالفينو 2017م

ضياء الجبيلي

الطفل الطائر

لم يكف عن الزقزقة إلا بعد أن ألقمته أمه، التي كانت حاملاً بطفلها الثاني، حلمة ثديها العامر باللبن. لكنه لم يمص منه قطرة واحدة. وعلى الرغم من ذلك، كان الطفل المدعو نادر هادئاً كملاك. ينظر إليها بعينين عسليتين صافيتين. وبين لحظة وأخرى يحرر ذلك النتوء المخروطي، بلونه البني الغامق من بين شفتيه، ليزقزق بوجهها لثانية، يبتسم، ثم يعود إلى ما كان عليه، حتى يغفو، أو يتظاهر بذلك.
تضعه أمه في مهده الخشبي. تخرج من الغرفة. تمشي على أطراف أصابعها، لكي لا توقظه. لكنه لم يكن نائماً على أي حال، فما أن تناهى صوت المفتاح وهو يدور في قفل الباب إلى أذنيه، حتى فتح عينيه ونهض من مكانه في المهد. تثاءب، أفرغ ما في جوفه من ذروق، خفق بجناحيه الصغيرين، وطار إلى النافذة.
كانت النافذة مغلقة. شعر نادر بالحزن، بينما هو ينظر، من وراء الزجاج القاسي، إلى الأولاد في الشارع. كانوا يلعبون بمرح. ود لو يلهو معهم، ويقضي بعض الأوقات السعيدة. لكن أمه لن تسمح له بذلك. تقول أنها تخشى عليه، إذ لا يجب الوثوق برفقة أولاد الشوارع. لهذا السبب تغلق عليه جميع المنافذ لكي لا يخرج ويجلب لنفسه ولذويه المتاعب.
فكر نادر: ما الذي يفعله لينفذ إلى الخارج ؟ فهو لا يستطيع حمل الأشياء بجناحيه، وإلا لم يكن ليمضِ المزيد من الوقت في التفكير قبل أن يعمد إلى كسر زجاج النافذة بمزهرية أو أي شيء آخر ليتمكن أخيراً من الخروج.
شعر بالعجز، بالإحباط والملل من قضاء الوقت كله بين جدران الغرفة الكئيبة التي تقع في الطابق الثاني، بصحبة دمية وحيدة لا تجيد سوى الصراخ من سرتها كلما داس عليها بقدمه أو رفسها وارتطمت بالجدار. راح يجول بعينيه الملونتين الحزينتين في أرجاء الغرفة، فلم يرَ شيئاً خارج المألوف. الفوضى الساكنة نفسها. الجدران المتشققة الجرداء. الأرض المكسوة بالذروق. الفراش الذي تنبعث منه رائحة الريش والنوم الممل. والصورة الفارغة المؤطرة والمعلقة على الجدار منذ فترة طويلة، والتي راح ينظر إليها بخوف وكآبة. ليس هناك من شيء يمكن أن يحدث في عالم هذه الغرفة، هذا القفص الكبير، المكان البليد البارد والمعتم، ويكون في النهاية مدعاة للبهجة. كل شيء يبدو روتينياً، مؤرقاً، وباعثاً على الضجر. في الوقت الذي تستمر الحياة في الخارج، بحركة دائمة دائبة، خصوصاً بالنسبة للأولاد الصغار الذين يملؤون العالم بلعبهم وصخبهم دون كلل، قبل أن ينصرفوا إلى بيوتهم في آخر النهار، يسابق أحدهم الآخر، وصدى ضحكاتهم يتردد في آخر الزقاق.
وبينما هو يفكر بطريقة يستطع التسلل من خلالها إلى خارج الغرفة، وعلى نحو مفاجئ، حدث أمر لم يكن في الحسبان. فقد سمع نادر صوت تهشّم زجاج النافذة بحجارة يبدو أن أحد الأولاد في الشارع قذفها من مقلاعه وكادت تصيبه.
كان حدثاً سعيداً، قدراً مبهجاً أتاح له الفرصة في أن ينفذ إلى العالم الخارجي لأول مرة في حياته. فخفق بجناحيه فرحاً وأطلق زقزقة طويلة عبّرت عن امتنانه للولد الذي أرسل حجارته الطائشة لتهشّم زجاج النافذة وتفتح أمامه ثغرة يغادر من خلالها عتمة الغرفة الكئيبة إلى نور العالم الذي طار إليه أخيراً وراح يملأ فضاءه برفيفه وتغريده.
وما زال نادر يجوب سماء المدينة، ويحط على البنايات والأبراج والأشجار العالية وهوائيات التلفاز كلما أحس بالتعب من الطيران، ويكتشف العالم الأرضي من علوّ، ويتعرف على أنواع الطيور التي يصادفها في طريقه، عصافير، حمائم، غربان، قبّرات، نوارس، حتى لمح من بعيد، هناك في الأسفل، أولاداً يلعبون في الشارع، فراح يحوم فوق رؤوسهم كطائرة تبحث عن مدرج لتهبط إليه، ويزقزق بصوت عالٍ كما لو أنه يحتفي بهم قائلاً : انظروا يا أصدقاء هذا أنا نادر، الطفل الطائر، طرت أخيراً وجئت لألعب معكم.
لكن، ما أن رأى أولئك الأولاد نادر يطير فوقهم ويرفرف بسعادة، وكان على وشك الهبوط في تلك الأثناء، حتى جنّ جنونهم.
راحوا يزعقون ويتقافزون ويصرخون ويشيرون بأيديهم ويُلوّحون وأعينهم تلصف بالدهشة، فقد أذهلهم مشهد الطائر العجيب الذي يحلق في سمائهم، وبدا من الواضح أنه يريد الهبوط.
هذا يقول أنه لقلق، وذاك يقول أنه بجعة، وآخر يقول أنه تنين.
لكنه، ما أن اقترب وكاد أن يلامس الأرض بقدميه، حتى استقبله أولئك الأولاد أسوأ استقبال. استلوا مقاليعهم من تحت بيجاماتهم البازة المقلمة، وأمطروه بالحجارة التي كانت تنطلق نحوه بشكل كثيف حتى كادت أن تصيبه وتسقطه أرضاً. لكنه راح يناور، بينما الريش يتطاير من جناحيه وذيله، حتى أفلت من قبضتهم بصعوبة وطار بعيداً عنهم. حط على حافة إحدى البنايات العالية وشرع بالبكاء بينما هو ينظر إلى الأسفل بعينين دامعتين، حيث بدأ الأولاد بالانسحاب إلى بيوتهم. كان مليئاً بالغضب، ويتساءل بحرقة عما إذا كان يفضل العيش حقاً في هذا العالم الذي استقبله بالحجارة، وكان على وشك القضاء عليه ظناً منه أنه لقلق أو بجعة أو تنين.
كان يشعر بالإرها
ق الشديد، وبألم في جناحيه. لقد أثخنوه بالجراح، وربما لن يكون قادراً على الطيران قبل حلول الغروب. فهبط على سطح البناية ليأخذ قسطاً من الراحة قبل العودة إلى البيت. غفا وحلم بالمشهد نفسه، حين استقبله أولاد الشارع بمقاليعهم. إلا أنهم أمسكوا به هذه المرة. انتزعوا ريشه، وملّحوا جسده، وحشوا جوفه بالرز والخضار والتوابل، وكانوا على وشك إدخاله الفرن لشيّه لولا أنه استيقظ على وقع قطرات المطر الذي بدأ بالهطول في ذلك الحين. وعلى الرغم من ذلك عاد نادر إلى أدراجه.
حطّ على حافة النافذة، متعباً، لاهثاً، نادماً على خوضه تلك المغامرة، ليُفاجأ هناك، بعد وصوله مباشرة، بمن يمسكه أخيراً.
" أين كنت يا ولد ؟ " صاحت الأم بوجهه. نهرته بينما هي تهزه بعنف :
" ألم أحذرك من الخروج إلى الشارع ؟ "
لم يرد الطفل الطائر بكلمة واحدة. كان ما يزال يلهث. بالكاد يلتقط أنفاسه. في حين كانت الأم، الحامل في شهرها التاسع، تمضي في توبيخه :
" حسناً.. أنا أعرف شغلي معك، أيها الطائر المتمرد. إن لم أنتف لك ريشاتك، لن أكون أبنة والدي. تعال إلى هنا ! "
وفعلاً، شرعت تنتف ريشه واحدة تلو أخرى إلى أن عرّته تماماً، وراحت تسأله عن آثار الجروح والندوب التي تملأ جسده وسط توبيخ وتعنيف شديد. ثم قادته من جناحه الأيمن إلى أحد الجدران في الغرفة. رفعته إلى صورة مؤطرة لطفل في عامه الأول ما زالت معلقة هناك منذ فترة طويلة، وقد أُلصق شريط من الساتان الأسود في زاويتها اليمنى.
" طيور جنّة آخر زمن ! "
قالت الأم وهي تحشره خلف زجاج تلك الصورة.
الصورة الكئيبة التي سيبقى يراقب من خلالها في القابل من الأيام تلك المرأة وهي تعمل من ريشه المنتوف وسادة لطفلها القادم.
" تحادثت يوما مع رئيس تحرير إحدى الصحف الجديدة. لقد كلمني بمرارة عن أسرة تحريره، التي كانت بعيدة عن إرضائه، وسألني عما إذا كنت أعرف بعض الشبان من ذوي المواهب. ذكرت له عدة أسماء، لكنه هز كتفيه وشرع يدمدم:
" أوه، أديب آخر! ... أنا أبحث عن شاب يتمتع بموهبة كبيرة يتفرغ بصورة كاملة للسياسة.
_ آه، قلت له في النهاية، وقد عيل صبري، هل تظن أن شابًا يمتلك موهبة كبيرة سيرضى لنفسه الخوض في مطبخكم السياسي القذر؟".

إميل زولا| في الرواية ومسائل أخرى
‏" تختار السياسة اليوم مجنّديها بين بوهيميّي الأدب".

إميل زولا
" أتكلم هنا عن الجيل الذي سيعقبنا، أكثر مما أتكلم عن جيلي. فنحن قد قمنا. بهذه الطريقة أو تلك، بإحداث ثغرة، وسط ظروف غاية في السوء. لكن كم أرثي لحال المبتدئين اليوم! أليس بالشيء المرعب تكاثر الصحف الذي تحدثت عنه. وهذه اللامبالاة، وإزدراء الأدب ذاك؟
ليس هناك ولا صحيفة واحدة تخصص زاوية للجانب الجاد من الأدب. والجميع يجرش الأنغام الأكثر تنافرًا، على أُرغن السياسة"!

إميل زولا| في الرواية ومسائل أخرى
♦ لأول مرة، في تاريخ الجائزة الطويل، تضيف "جوائز الكتاب القومي The National Book Awards"، الأميركية العريقة، في هذا العام، جائزة مخصصة للأدب المترجم، نالتها الروائيّة اليابانيّة (Yoko Tawada)، الذائعة الصّيت، المولودة في طوكيو سنة 1960، والتي تعيش في برلين الألمانيّة منذ سنة 2006، بعد أن كانت تعيش في هامبورغ مذ كانت في الثانية والعشرين من عمرها. درست "تاوادا"، في طوكيو، الأدب الروسيّ، الذي تعدّه الأدب الأعظم في العالم، وتكتب باليابانية والألمانيّة، على حدّ سواء، وهي شاعرة وروائيّة وكاتبة مسرحيات وقصص قصيرة ومقالات. أمّا عملها الذي حصل على الجائزة، فهو ""The Emissary، يتحدث عن قيام اليابان بعزل نفسها عن العالم، بعد أن حلّت بها كارثة عظيمة.
وقد سبق لنوال العلي أن حاورت تاوادا، في العام 2006، في هذا الحوار، التي تجدونه على الرابط التالي، والمنشور في صحيفة الغد الأردنية:
https://bit.ly/2QNChCh