هواجس غرفة العالم ( ليلى عبدالله )
6.67K subscribers
3.42K photos
399 videos
75 files
1.13K links
ثقافي ، فكري ، أدبي ، إنساني. .
Download Telegram
القصة اواخر القرن العشرين :
في وسط طوفانٍ من النصوص السردية، يكون الحديث عن تجربة خاصة معتّقة بالجهد والاخلاص فرصة نادرة وجزيرة ترسو على ساحلها رؤى قصصية بعد تطوافٍ وضياع.
لقد وجدت الأجيال الماضية مثل هذه الاستراحات الاضطرارية، ولعل اقدمها استراحة الفترة الستينية؛ اما جماعة البصرة، فقد ألقتها انكساراتُ الحرب الثمانينية وانتفاضة ١٩٩١ على ساحل نهاية القرن العشرين، لتكتشف عند هذه المحطة قضيتها الاشكالية المتمثلة بكتابة نوع ادبي هو القصة القصيرة، والتجريب فيه، وسط أمواجٍ من الشك بأهميته النوعية وطبيعته الشخصانية التي تنعكس عليها صور الذات المغتربة عن فترتها وقضاياها الايديولوجية.
أصدرت "جماعة البصرة" إحدى عشرة حلقة بين الأعوام (١٩٩١- ٢٠٠٠) تميزت بثيماتها الإشكالية وبنائها التجريبي ومظهرها اللغوي الجارح والخارق؛ شارك في إصدارها أكثر من ثلاثين قاصاً متغيِّراً، جلّهم من البصرة؛ وقد اختاروا طباعة قصصهم بطريقة الاستنساخ الضوئي (الفوتو كوبي). أعادت دار شهريار طباعة هذه الحلقات، غير أن تجديد الثوب لم يستر الرائحةَ المعتّقة من النشور، والخفاءَ من الظهور. وإذ غاب عددٌ من مؤسسي الجماعة عن هذه المناسبة، فقد فرشَ عددٌ آخر منهم بساطَ التذكّر والحضور.
أقصِر ملاحظاتي هنا على نصوص خمسة قصاصين ضمنّوها -الحلقة الاولى- الصادرة في ٣١ تموز ١٩٩١، لكون النصوص قد شقّت سبيلاً مشتركاً لذاكرة المجموعة، ولأنها رسمَت اتجاه الرؤى الاستبطانية المستقبلية لكتّابها، لا يحيدون عنه ولا يتهاونون في توكيده إزاء واقع جهم غير متصالِح:
١. مستوطنة الكلاب- لقصي الخفاجي: أهدى الكاتب قصته هذه الى (ك.) بطل قصة "مستعمرة العقاب" لكافكا، متأثراً بالأجواء القاتمة والمعتزلات الاضطرارية على حافة مدينة ملعونة. لغة القصة شخصانيةٌ فجّة، غير مسوّاة، تتناسب وحدثها الاستثنائي، وفحواه الدائر حول أشخاص يجزرون قطيعَ كلابٍ محجوز في مستوطنة نائية. كانت مراقبة هؤلاء الأشخاص يقومون بعملهم الإجرامي باعثاً لشعور القرف والغثيان، ومنظراً يوصف بلغة مجزوءة من أعمق ظلمات النفس الباحثة عن ملجأ لها هادئ وأمين. حين تقرأ قصي الخفاجي تسلّح بشيء غير الحياء والألفة والمحاباة.
٢. الجثة- للؤي حمزة عباس: رؤية أولية لما ستكون عليه خيالات "الجسد" المنتهك في الحرب، التي خاضها البطل جندياً، والقاص مراقباً لحوافّ الجثث الملقاة في العراء، او المحمولة في أحواض السيارات العسكرية. سنتعرف في قصة لؤي المبكرة على لغته السردية المسنّنة الحافات، المتماسكة كمنشار، لا يتوقف عن التعرج والالتفاف، في جملة متصلة واحدة. عليك أن تقشّر طبقات لغوية عديدة، وتزيح نفايات التقشير، لكي تصل الى اللب الأبيض للنص. ولا أعني هنا النهاية، فليست لقصة لؤي حمزة نهايةٌ ما.
٣. المقعد الثامن - لجابر خليفة جابر: قصة "سائلة" يستقدمها القاص من محطة قطار، خالطاً في لغتها صوراً متشابكة، غير مرتّبة، تنتهي باعتقال الجنود لراكب المقعد الثامن. تتكرر في سياق القصة لفظة "السيولة" ومشتقاتها لتوكيد الزمن المتذبذب في التقدم والرجوع، الصعود والهبوط، التقدم والانكفاء، السموّ والانحطاط: أي ما سيميز قصص جابر خليفة التالية من انسراح وتمييع لحدود الزمان والمكان في رؤية سامية على حدود الواقع الحقيقي، بانبعاثات لغوية عرفانية متشخّصة بأكثر من قناع.
٤. الدخان - لكامل فرعون عيادة: قصة فتاتين ترتبطان بصداقة يلفّها مونولوج من الخواطر والمشاعر المتبادلة، ويحوطها الواقع بدسائسه وخشيته من "العار". تنتهي القصة بحريق مدبّر يودي بحياة إحدى الفتاتين، وتصاعدِ دخانِ الفضيحة التي تسترها القصة بلغة الكتمان والخشية والترقب. تسيل ذاكرةُ السرد في تكتم واحتراس إزاء علاقةٍ محكومة بالترصد والانتهاء المأساوي. ما يفصل موضوعَ قصة كامل فرعون عن موضوعات القصة الواقعية الاجتماعية النقدية، التقليدية، خيطٌ من دخان يتصاعد من ذاكرة لا تكترث بالحبكة المحكمة قدر اهتمامها بالأثر اللغوي والتداعي الحرّ للانفعالات النفسية شديدةِ الصدق.
٥. الحاضنة ١٩١٤- لوحيد غانم: يبحث القاص في ذاكرة امرأة أرمنية من رعايا الحرب العالمية الأولى عن آثار غريبة، وذكريات متناثرة، وأمكنة متبدلة، وشخصيات ثانوية تحيط بالكامب الأرمني وتشارك عزلتَه وأفعالَه اليومية. وما على القاص المفرِّغ لذاكرة الحاضنة الكبرى هذه (سليلة الجدّات الماركيزيات- نسبة الى ماركيز) سوى متابعة جملته القصصية المتواصلة بخفةٍ ومرح وإيحاءٍ جنسيّ وتفاصيل صغيرة غير بائنة للعيان، ليحقق درجة عالية من المتعة والتغريب. كانت هذه القصة محاولة وحيد غانم الاستباقية في اختطاط عالمٍ هامشيّ "افتراضي" يلتقي فيه بشخصياته غير العربية من الكرد والبلوش والأرمن والانجليز، ومواصلة البحث عن أهواء ونفسيات غير متماثلة مع زمنها وأسلوب العيش فيه.

* طرحت هذه الملاحظات في جلسة بقصر الثقافة والفنون في البصرة بتاريخ الثامن من شباط ٢٠١٨

القاص والكاتب العراقي مح
" قال لي :
إذا أحب الله رجلا
وضعه في تجربة .

قلت له :
إذا أحب الله رجلا
وضع في طريقه امرأة تحبه " .
" ما من مجتمع سينعم بالسعادة، إذا كان فيه أي طفل حزين. ولا مجتمع واحد!"

آليس ووكر
نحن نصوّر فقط، نحن لا نعيش الصورة!
كل صورة ملتقطة هي عملية نفض لذكريات المكان، هي تخلّص من الأشياء والموجودات المزدحمة حولنا!
انتهت الحرب بعد انسحاب القوات العراقية من الكويت وبدأ فصل الحصار الأقتصادي الذي أتى على ماسَلمَ من الحرب.
لم يعد أخي الذي سيق إلى الجبهة، كان حينها في البصرة. كنتُ وأختي التي تصغرني بأربعة أعوام نفقد الأمل بعودته مع مرور الأيام. أيام وليالي الإنتظار بدَت موحشة، وبغداد الحبيبة غارقةً في الظّلام فيما كانت المحافظات الجنوبيّة ملتهبة.
كنت مسؤولة عن البيت والعائلة، يبدأ يومي في الصّباح الباكر برحلةٍ إلى السوق سيراً على الأقدام لشراء مايكفي لإعداد وجبة واحدة، ففي غيابِ الكهرباء والغاز تحولت الثلّاجة إلى خزانة وتحول الطبّاخ إلى منضدة. تعلمنا شراء المواد الضرورية بالعدد وليس بالكيلو غرام، بيضة وحبّة طماطم، حبّتان من الباذنجان، وملعقتان من معجون الطماطم يضعها البقّال لي في كيس نايلون.
نمت صداقة جديدة بيني وبين مدفأة نفطية قديمة ماركة (علاء الدين) كانت لدينا في المنزل، تلك المدفأة وقَفَتْ وقفة مشرّفة مع كلِّ العراقييّن في زمن الحصار اللّعين. كنت أقضي أمامها ساعات طويلة خلال النهار لإعداد وجبة طعام يتيمة على نارها الهادئة غالباً ماتنضج قبل وقت المغرب. تعَلَّمتُ أيضاً طريقة الخَبز بالتنّور، كنت أشتري سَعف النخيل اليابس وأستخدمه حطباً لأُوقد النار. لم أكن أُتقن ذلك في البداية، والخبز الذي كنت أعدُّه كان يأخذ أشكالاً غريبة أبعد ماتكون عن شكل الدائرة.. أنا المعمارية التي أتقن رسم الأشكال الهندسية، فشلت في تجهيز رغيف خُبز دائري! أعدّ الخبز من الطحين الأسمر الذي يتمُّ توزيعه ضمنَ البطاقة التموينية والتي تعرّفْنا عليها أيّام الحصار، طحين مخلوط بالشوائب ويكاد لايخلو من حصاة او ذرّات رمل، لكنّنا كنّا نأكله رغم كل ذلك. ترَكَتْ تلك التجربة حروقاً مازالت واضحة في ذراعي لتُذكّرني، إِنْ نسيت، لكنّ الوجع الذي خلّفته هذه التجربة المُرّة كان أعمقَ وأشدّ إيلاماً.
بعد مرور شهر، زارني أحد زملاء العمل في بيتي ليخبرني أنّ شركتنا (منشأة الفاو العامة) أصبح لها مقراً مؤقتاً في إحدى المدارس بعد أن تم قصف مواقع عملنا. كنت وزملائي نذهب إلى تلك المدرسة مشياً على الأقدام لنضمن تقاضي رواتبنا، وما أحوجَنا اليها في تلك الأيّام الصعبة. يأخذ الراتب مكانه في أحد رفوف خزانتي، وبعد أن أدفع نصفه للإيجار يتم صَرف المبلغ المتبقّي بتَمَهُّل على الوجبة اليومية، لم يكن يتبقّى منه دينار واحد للطوارئ كالمرض أو غير ذلك. من حسن حظّي، أنا وعائلتي، أنّنا لم نمرض خلال تلك الشهور رغم ماكُنّا نأكله، وهذه معجزة حمدنا الله عليها كثيراً في تلك الأيّام.

من كتاب #شجرة_البمبر
#فاتن_الصراف
الكاتب الموسوعي " إدواردو غاليانو " حكى في كتابه " أبناء الأيام " في فقرة حكائية تحمل عنوان " أفريقياي " أنه في أواخر القرن 19 اجتمعت القوى الاستعمارية الأوروبية الكبرى في برلين لتتقاسم أفريقيا ، كما يصف غاليانو بأن الصراع بين تلك الدول الكبرى كان حافلا للاستيلاء على الغنيمة الاستعمارية التي هم في صدد بلعها ، فهناك الأدغال و الأنهار ، الجبال ، الأراضي و باطن الأرض ، إلى أن رسمت الحدود الجديدة ، و في عام 1885 م تم التوقيع باسم الرب كلي القدرة على المحضر العام .
الأسياد الأوربيون كانوا سليمي الذوق ، و لم يذكروا الذهب و الماس ، العاج و البترول ، المطاط و القصدير ، الكاكاو و البن و زيت النخيل ، و في الوقت نفسه سعوا إلى إطلاق تسمية " جمعيات خيرية " على الشركات التي تزود السوق العالمي بلحم بشري ، مع الإعلان بأنهم يعملون بدافع الرغبة في مصلحة تطور التجارة و الحضارة ، و كي لا يكون هناك أي شك أوضحوا بأنهم يعملون من أجل زيادة الرخاء الأخلاقي و المادي للشعوب المحلية ، و بهذه الطريقة و بهذا الأسلوب اخترعت أوروبا " خريطة أفريقيا الجديدة " مع العلم أن لم يكن هناك أي أفريقي ولو على سبيل الزينة في اجتماع القمة ذلك!

ليلى عبدالله
الروائي عبدالرحمن منيف 👆
" المعطف " قصة جديدة لي منشورة في موقع الكتابة الثقافي.

المعطف
ضياء جبيلي
لم يرتدِ فؤاد في حياته معطفاً، لقناعته أن شتاء البصرة القصير والمعتدل، لا يستأهل منه أن يفعل ذلك. فما هي إلا أقل من أربعة أشهر، ويأتي الصيف الطويل، جالباً معه أعلى درجات الحرارة التي تُسجل في العالم. لكنه، وقد بلغ الثالثة والستين من عمره، أحيل على التقاعد، ووهن عظمه، وترهل جلده، وأصبح بليداً على نحو لم يعد يحتمل فيه البرودة، رغم اعتدال الطقس في أغلب الأوقات، بدأ يأخذ مسألة ارتداء المعطف على محمل الجد.
كان معطفاً مستعملاً من الصوف، لونه أسود، بأزرار وحزام وأكمام طويلة. اشترته له زوجته من أحد محلات الألبسة المستعملة، في سوق العشّار. قال لها البائع أنه معطف أصيل، وواحد من مجموعة من المعاطف المستوردة من روسيا منذ فترة قصيرة. وفعلاً، كانت العلامة التجارية تقرأ : صُنع في روسيا. وعلى الرغم من أنه يبدو نظيفاً، إلا أن الزوجة قررت غسله وكيّه من جديد. شمّته بداية، وكأنها تريد التأكد ما إذا كان ثمة رائحة فودكا، أو شيء من هذا القبيل، قبل إلقائه في الغسّالة. ثم أن أحداً لا يعرف ماذا يفعل الروس، وهم يرتدون المعاطف. أو ربما كان مستخدمه مصاب بمرض جلديّ، مما يسهل للعدوى الانتقال إلى زوجها. عندئذ، لا يمكن إلقاء اللوم على أحد سواها.
خلال يومين، صار المعطف جاهزاً.
لكنّ فؤاد ارتأى ألا يرتديه، إلا في يوم شديد البرودة. كان يستيقظ باكراً، ويخرج إلى الحديقة. يقف هناك قرابة عشر دقائق، وهو ينظر فوقه، وكأن البرد يأتي من السماء، ليقرر بعدها ما إذا كان الطقس بارداً فعلاً. وما زال يكرر ممارسته هذه، حتى قرر أخيراً ارتداء المعطف، في أحد أيام كانون الأول، حين سجلت درجات الحرارة أدنى انخفاض لها في المدينة. غيّر ثيابه وتأنّق كعادته، قبل ارتدائه المعطف بمساعدة زوجته. وفي غضون أقل من ساعة، كان جالساً في المقهى بانتظار رفاقه.
وبينما هو يقرأ في صحيفة اشتراها من بائع متجول، أحسّ فؤاد بحركة غريبة في الجيب الداخلي للمعطف، من جهة اليسار. ارتاب للحظات، متسائلاً إن كان قد أحسّ حقاً بشيء يتحرك، أو أنه يتوهم ذلك. حاول ألا يعبأ كثيراً، وعاد إلى ارتشاف شايه وقراءة الصحيفة. وما هي إلا بضع دقائق، حتى عادت الحركة في الجيب نفسه. ماذا يحصل يا تُرى ؟! تساءل وهو ينظر حوله، كأن هناك كاميرا خفية، وشخص ما يحرك فأراً في جيبه عن بعد. لكن، من أين يأتي الفأر ؟ لا يوجد في منزله فئران ولا جرذان ولا صراصير أو حتى وزغ. إذ ما زال يكافح القوارض والحشرات والزواحف، حتى قضى عليها جميعاً. ربما ليس فأرا، ربما هو تيس. أو هذا تماماً ما شطح به خياله للحظة، مأخوذاً بفكرة مثلٍ شعبي يُضرب كناية عن فضح المرء لنفسه دون وعيٍ منه. فالذي في عُبّه تيس فلا بد أن يمعمع. أفزعته الفكرة وطردها من رأسه وهو يضحك. افترض أن شيئاً لم يحدث وعاد إلى قراءة الصحيفة. وأثناء ذلك، عادت الحركة لتدب في جيبه مجدداً.
لم يصبر فؤاد أكثر حتى يعرف السر وراء هذه الجلبة، التي نغصّت عليه، وعكرت مزاجه الصباحي. أمسك بطرف المعطف الذي يحتوي على الأزرار، بدا متردداً وخائفاً وهو يجذبه إلى الأمام بحركة بطيئة، ليدس يده بعدها. لكنه لم يكد يفعل هذا، حتى فاجأه الصوت، مدوّياً، عالياً، صمّ أذنيه، وجعله يجفل كأنه رأى سحلية :
" كلنا خرجنا من معطف غوغول ! "
اختل توازن الرجل واضطرب اضطراباً شديداً. وبحركة فورية، أطبق بطرف المعطف على صدره، وكأن هناك تيساً فعلاً، ويريد منعه من الخروج. لكنها لم تكن معمعة على أي حال، بل صوت صادر من آدميّ.
تعرّق فؤاد وأصابه الإعياء مما حدث للتو. حاول تمالك نفسه، والسيطرة على نبضه الآخذ بالتزايد. من حسن الحظ أنه جاء إلى المقهى في وقت مبكر، إذ لا يوجد هناك سوى زبونين أو ثلاثة، ولا يبدو أن أحداً منهم سمع الصوت الصادر من جيب معطفه الداخلي. فكر بمغادرة المقهى قبل مجيء أصدقائه. لا يرد الظهور كالأبله بينهم وعلى غير العادة. زرّر معطفه، دفع ثمن الشاي، وغادر. وفي الطريق إلى منزله، في الباص، حدث ما لم يكن يتوقعه. حركة مفاجئة في الجهة اليمنى للمعطف. لا بد أنه الشيء نفسه وقد انتقل إلى الجانب الآخر. الظن الذي لم يدم سوى لحظات، حينما عادت الحركة إلى الجيب الأيسر. ثم صارت تدبّ بالتزامن في كِلا الجيبين، الأيمن والأيسر، محدثة إرباكاً مزعجاً في نفس الموظف المتقاعد.
يبدو أن شيئاً غريباً يحدث لهذا العالم، وها هو يلقي بظلال منه على فؤاد. وإلا ما الذي يحصل منذ ساعات الصباح الباكر ؟ بدا منهكاً وهو يتساءل من دون جدوى. فكر بخلع المعطف وتركه في الباص. لكن، ماذا ستكون ردة فعل زوجته ؟ كان هذا هديتها له، ولن يفرط به لمجرد أن هناك من يعمد إلى إجفاله من حين لآخر. ومن جهة أخرى، لن تصدق ما سيقوله بشأن غرابة أطوار المعطف. إذن، سيتحقق مرة أخرى برفع الطرف الأيمن هذه المرة، ليرى إن كان سيزعق أحدهم بوجهه أيضاً. فعل ذلك أخيراً، وبنفس البطء السابق، بعد أن غيّر مكانه وجلس على المق