Nwf.com: رسائل حب مفترضة بين هنري ميللر وأناييس ن: ليلى البلوشي: كتب
http://www.neelwafurat.com/itempageMobile.aspx?id=lbb229552-207966&search=books
http://www.neelwafurat.com/itempageMobile.aspx?id=lbb229552-207966&search=books
Nwf.com: هواجس غرفة العالم: ليلى البلوشي: كتب
http://www.neelwafurat.com/itempageMobile.aspx?id=lbb228978-207371&search=books
http://www.neelwafurat.com/itempageMobile.aspx?id=lbb228978-207371&search=books
حظّك ما عندك هموم!
ليلى عبدالله
قرأت أن الروائي الياباني كينزا بورو أوي كرس حياته لابنه المعاق ذهنياً، هذا المصاب الجللّ، هذه المعاناة الموجعة حوّلته إلى كاتب وحوّل ابنه إلى بطل في رواياته، إلى شخصية شهيرة نال بفعلها جائزة نوبل في الآداب، تجربة ألمه الحقيقية جعلت إحساساته عالية تجاه محسوسات الكون؛ لدرجة إدراكه العذاب الصامت الذي تعاني منه سمكة في الخطاف، لقد أصبح كاتبا لينقل للآخرين هذا الشعور الدقيق، إنها الكتابة التي تأتي بصدق و وجع حين تصاحبها معاناة حقيقية.
وخلال قراءاتي المتنوعة للتجارب الكتابية لمعظم كتاب الصين الذين تفتقت معاناتهم في عهد الزعيم الذي وقعوا ضحاياه ماو تسي تونغ إبان الثورة الثقافية الصينية التطهيرية التي سعت إلى تخدير شعب و توهيمه و إخضاعه لتجارب حياتية قاسية، لقد خلّد الصينيون الحكّاؤون تلك المرحلة الموجعة من تاريخهم في روايات وقصص وسيّر أليمة وشمت ذاكرتهم!
ولو ألقينا نظرة على تجارب معظم الكتّاب في العالم سنلاحظ أن أولى خطواتهم نحو أقدارهم الإبداعية بدأت حين انبثقت في حياتهم الشخصية معاناة توازي كثافة الإبداع.
من واقع تجربتي الشخصية ترك أبي -رحمه الله- حين موته فراغاً شاسعاً و حزناً لا يشبه أي حزن تشعر به فتاة حين يموت والدها. هناك أحزان تأتي مرة واحدة، أحزان لا تتكرر، أحزان لا تشبه سوى نفسها، ووجعها لا يشبه الأوجاع الأخرى، حين يجف النبع الذي تفرعنا منه، حين تموت روح الشجرة الكبيرة تموت أوراقها أيضا، و لا شيء مطلقا يعود كما كان برحيل أحدهما أو برحيلهما معا!
لأنني لا أميل إلى الشكوى، وليس من طبعي الندّب، و لعلها المرة الأولى التي افتح فيها عطباً من جروحي أمام الملأ، أشرعه اليوم أمامكم و سأخجل أمام نفسي بعد أيام لأنني فعلت ذلك، ربما لحزني كبرياء، ربما لأنني أتعاطى مع أوجاعي بحميمية خاصة، و ربما لأنه طبعٌ طفولي نما معي و صار جزءاً مني و من شخصيتي.
بدأ وعيي بحزني أكثر بل ميلي إلى الكتمان عن أوجاعي مهما بدت كبيرة، صغيرة، ساذجة، تافهة، منطقية، حقيقية، وهمية. حين فاجأتني صديقة مقرّبة في المدرسة ذات يوم بعد أن ظلت لساعات طويلة تشكي لي بؤس حالها وكانت قد اعتادت على ذلك و كنت أنا المُنصِتة -المغلوب على أمرها- كما في كل مرة كنت أحاول مدّها بالصبر مع ابتسامات أطبعها على وجهي كنوع من المشاطرة الإيجابية لرفع معنوياتها لكن عبارتها:"حظّك ما عندك هموم"! كهربتّني لحظة وقعها عليّ!
في ذلك النهار تحديداً، في الصباح اليوم نفسه دون أن تعلم صديقتي أو أيّ كائن كان كنت قد خرجت من البيت حزينة، حملت حقيبتي المدرسية ووضعتها على كتفي، دسست أحزاني في قلبي وغادرت. كان يوماً كئيباً، مررنا وقتها بظرف عائلتي صعب لا داعي لذكره اليوم، لقد مضى كما مضت أوجاع كثيرة وهموم متعددة، لكن ما لفت نظري حقاً في نهار ذلك اليوم وبعد عبارة صديقتي المقربة هي قدرتي الخارقة على إخفاء أوجاعي دون أن أسعى لذلك، دون أن أدّعي ذلك. لقد اندهشت حقاً، لم أكن أعلم أن وجهي أيضا يتقن دوره، لقد اعتادت تقاطيعي على الابتسام حتى في أشد اللحظات بؤساً حتى أنني اذكر جيداً عبارة ابنة أختي الصغيرة منذ أعوام حين قالت لي مرة: "ارتاح حين انظر إلى وجهك، تشعرني ابتسامك أن العالم بخير و آمن".
ذلك اليوم كان درساً كبيراً لي؛ أدركت منذ يومها أنني أتعاطى مع أحزاني بحميمية. أركنها في زاوية غير مرئية من روحي. لا تفسير لدي و لماذا أفعل ذلك لا أعلم حقا؟
ربما لكل ذلك جاءت الكتابة إليّ، كانت الجدار و كنت المسمار، ووحدها من ضمّت هذا المسمار و احتوته، في عام وفاة أبي -رحمه الله- لم أفعل شيئاًّ سوى الكتابة، و بعد أن مضى العام الثقيل وجدتني أمام 360 صفحة و خاطبتني مذهولة: يا إلهي، ماذا سأفعل بكل هذه الصفحات؟
لم يكن ببالي مطلقاً مشروع كتاب، كنت أريد أن أشفى من حزني، كنت أريد أن أنسى، كنت أريد أن أتواصل مع من أحب بطريقة ما و كانت الكتابة هي الطريقة الوحيدة المتاحة أمامي.
كتاب "رسائل حب مفترضة بين هنري ميللر و أناييس نن" كتبته بحزن، كتبته لأبي، كانت روحه تحوم حولي و أنا أكتب كل سطر من سطوره، لقد دعمني حتى وهو غائب.
الكاتب و السارد أو الحكّاء مهما كانت التسمية لا يحتاج إلى الشكوى و الندب و النحيب، و لا أن يهوّل أحزاناً، و لا أن يخترع معاناة وهمية؛ لأن المعاناة الحقيقية تجد طريقها، تبتكر وسيلة بوحها بنفسها، الضغوط النفسية تفعل بنا ما لا ندركه، ما لا نتوقعه!
يقال بأن الكاتب الأمريكي "بول أوستر" تحوّل من الشعر إلى السرد بسبب صدمة موت الأب؛ إنها المعاناة الحقيقية التي وجدت لنفسها سبيلاً.
ليلى عبدالله
قرأت أن الروائي الياباني كينزا بورو أوي كرس حياته لابنه المعاق ذهنياً، هذا المصاب الجللّ، هذه المعاناة الموجعة حوّلته إلى كاتب وحوّل ابنه إلى بطل في رواياته، إلى شخصية شهيرة نال بفعلها جائزة نوبل في الآداب، تجربة ألمه الحقيقية جعلت إحساساته عالية تجاه محسوسات الكون؛ لدرجة إدراكه العذاب الصامت الذي تعاني منه سمكة في الخطاف، لقد أصبح كاتبا لينقل للآخرين هذا الشعور الدقيق، إنها الكتابة التي تأتي بصدق و وجع حين تصاحبها معاناة حقيقية.
وخلال قراءاتي المتنوعة للتجارب الكتابية لمعظم كتاب الصين الذين تفتقت معاناتهم في عهد الزعيم الذي وقعوا ضحاياه ماو تسي تونغ إبان الثورة الثقافية الصينية التطهيرية التي سعت إلى تخدير شعب و توهيمه و إخضاعه لتجارب حياتية قاسية، لقد خلّد الصينيون الحكّاؤون تلك المرحلة الموجعة من تاريخهم في روايات وقصص وسيّر أليمة وشمت ذاكرتهم!
ولو ألقينا نظرة على تجارب معظم الكتّاب في العالم سنلاحظ أن أولى خطواتهم نحو أقدارهم الإبداعية بدأت حين انبثقت في حياتهم الشخصية معاناة توازي كثافة الإبداع.
من واقع تجربتي الشخصية ترك أبي -رحمه الله- حين موته فراغاً شاسعاً و حزناً لا يشبه أي حزن تشعر به فتاة حين يموت والدها. هناك أحزان تأتي مرة واحدة، أحزان لا تتكرر، أحزان لا تشبه سوى نفسها، ووجعها لا يشبه الأوجاع الأخرى، حين يجف النبع الذي تفرعنا منه، حين تموت روح الشجرة الكبيرة تموت أوراقها أيضا، و لا شيء مطلقا يعود كما كان برحيل أحدهما أو برحيلهما معا!
لأنني لا أميل إلى الشكوى، وليس من طبعي الندّب، و لعلها المرة الأولى التي افتح فيها عطباً من جروحي أمام الملأ، أشرعه اليوم أمامكم و سأخجل أمام نفسي بعد أيام لأنني فعلت ذلك، ربما لحزني كبرياء، ربما لأنني أتعاطى مع أوجاعي بحميمية خاصة، و ربما لأنه طبعٌ طفولي نما معي و صار جزءاً مني و من شخصيتي.
بدأ وعيي بحزني أكثر بل ميلي إلى الكتمان عن أوجاعي مهما بدت كبيرة، صغيرة، ساذجة، تافهة، منطقية، حقيقية، وهمية. حين فاجأتني صديقة مقرّبة في المدرسة ذات يوم بعد أن ظلت لساعات طويلة تشكي لي بؤس حالها وكانت قد اعتادت على ذلك و كنت أنا المُنصِتة -المغلوب على أمرها- كما في كل مرة كنت أحاول مدّها بالصبر مع ابتسامات أطبعها على وجهي كنوع من المشاطرة الإيجابية لرفع معنوياتها لكن عبارتها:"حظّك ما عندك هموم"! كهربتّني لحظة وقعها عليّ!
في ذلك النهار تحديداً، في الصباح اليوم نفسه دون أن تعلم صديقتي أو أيّ كائن كان كنت قد خرجت من البيت حزينة، حملت حقيبتي المدرسية ووضعتها على كتفي، دسست أحزاني في قلبي وغادرت. كان يوماً كئيباً، مررنا وقتها بظرف عائلتي صعب لا داعي لذكره اليوم، لقد مضى كما مضت أوجاع كثيرة وهموم متعددة، لكن ما لفت نظري حقاً في نهار ذلك اليوم وبعد عبارة صديقتي المقربة هي قدرتي الخارقة على إخفاء أوجاعي دون أن أسعى لذلك، دون أن أدّعي ذلك. لقد اندهشت حقاً، لم أكن أعلم أن وجهي أيضا يتقن دوره، لقد اعتادت تقاطيعي على الابتسام حتى في أشد اللحظات بؤساً حتى أنني اذكر جيداً عبارة ابنة أختي الصغيرة منذ أعوام حين قالت لي مرة: "ارتاح حين انظر إلى وجهك، تشعرني ابتسامك أن العالم بخير و آمن".
ذلك اليوم كان درساً كبيراً لي؛ أدركت منذ يومها أنني أتعاطى مع أحزاني بحميمية. أركنها في زاوية غير مرئية من روحي. لا تفسير لدي و لماذا أفعل ذلك لا أعلم حقا؟
ربما لكل ذلك جاءت الكتابة إليّ، كانت الجدار و كنت المسمار، ووحدها من ضمّت هذا المسمار و احتوته، في عام وفاة أبي -رحمه الله- لم أفعل شيئاًّ سوى الكتابة، و بعد أن مضى العام الثقيل وجدتني أمام 360 صفحة و خاطبتني مذهولة: يا إلهي، ماذا سأفعل بكل هذه الصفحات؟
لم يكن ببالي مطلقاً مشروع كتاب، كنت أريد أن أشفى من حزني، كنت أريد أن أنسى، كنت أريد أن أتواصل مع من أحب بطريقة ما و كانت الكتابة هي الطريقة الوحيدة المتاحة أمامي.
كتاب "رسائل حب مفترضة بين هنري ميللر و أناييس نن" كتبته بحزن، كتبته لأبي، كانت روحه تحوم حولي و أنا أكتب كل سطر من سطوره، لقد دعمني حتى وهو غائب.
الكاتب و السارد أو الحكّاء مهما كانت التسمية لا يحتاج إلى الشكوى و الندب و النحيب، و لا أن يهوّل أحزاناً، و لا أن يخترع معاناة وهمية؛ لأن المعاناة الحقيقية تجد طريقها، تبتكر وسيلة بوحها بنفسها، الضغوط النفسية تفعل بنا ما لا ندركه، ما لا نتوقعه!
يقال بأن الكاتب الأمريكي "بول أوستر" تحوّل من الشعر إلى السرد بسبب صدمة موت الأب؛ إنها المعاناة الحقيقية التي وجدت لنفسها سبيلاً.
مقالة قديمة ذكرني بها أحد القراء.
حظّك ما عندك هموم!
قرأت أن الروائي الياباني كينزا بورو أوي كرس حياته لابنه المعاق ذهنياً، هذا المصاب الجللّ، هذه المعاناة الموجعة حوّلته إلى كاتب وحوّل ابنه إلى بطل في رواياته، إلى شخصية شهيرة نال بفعلها جائزة نوبل في الآداب، تجربة ألمه الحقيقية جعلت إحساساته عالية تجاه محسوسات الكون؛ لدرجة إدراكه العذاب الصامت الذي تعاني منه سمكة في الخطاف، لقد أصبح كاتبا لينقل للآخرين هذا الشعور الدقيق، إنها الكتابة التي تأتي بصدق و وجع حين تصاحبها معاناة حقيقية.
وخلال قراءاتي المتنوعة للتجارب الكتابية لمعظم كتاب الصين الذين تفتقت معاناتهم في عهد الزعيم الذي وقعوا ضحاياه ماو تسي تونغ إبان الثورة الثقافية الصينية التطهيرية التي سعت إلى تخدير شعب و توهيمه و إخضاعه لتجارب حياتية قاسية، لقد خلّد الصينيون الحكّاؤون تلك المرحلة الموجعة من تاريخهم في روايات وقصص وسيّر أليمة وشمت ذاكرتهم!
ولو ألقينا نظرة على تجارب معظم الكتّاب في العالم سنلاحظ أن أولى خطواتهم نحو أقدارهم الإبداعية بدأت حين انبثقت في حياتهم الشخصية معاناة توازي كثافة الإبداع.
من واقع تجربتي الشخصية ترك أبي -رحمه الله- حين موته فراغاً شاسعاً و حزناً لا يشبه أي حزن تشعر به فتاة حين يموت والدها. هناك أحزان تأتي مرة واحدة، أحزان لا تتكرر، أحزان لا تشبه سوى نفسها، ووجعها لا يشبه الأوجاع الأخرى، حين يجف النبع الذي تفرعنا منه، حين تموت روح الشجرة الكبيرة تموت أوراقها أيضا، و لا شيء مطلقا يعود كما كان برحيل أحدهما أو برحيلهما معا!
لأنني لا أميل إلى الشكوى، وليس من طبعي الندّب، و لعلها المرة الأولى التي افتح فيها عطباً من جروحي أمام الملأ، أشرعه اليوم أمامكم و سأخجل أمام نفسي بعد أيام لأنني فعلت ذلك، ربما لحزني كبرياء، ربما لأنني أتعاطى مع أوجاعي بحميمية خاصة، و ربما لأنه طبعٌ طفولي نما معي و صار جزءاً مني و من شخصيتي.
بدأ وعيي بحزني أكثر بل ميلي إلى الكتمان عن أوجاعي مهما بدت كبيرة، صغيرة، ساذجة، تافهة، منطقية، حقيقية، وهمية. حين فاجأتني صديقة مقرّبة في المدرسة ذات يوم بعد أن ظلت لساعات طويلة تشكي لي بؤس حالها وكانت قد اعتادت على ذلك و كنت أنا المُنصِتة -المغلوب على أمرها- كما في كل مرة كنت أحاول مدّها بالصبر مع ابتسامات أطبعها على وجهي كنوع من المشاطرة الإيجابية لرفع معنوياتها لكن عبارتها:"حظّك ما عندك هموم"! كهربتّني لحظة وقعها عليّ!
في ذلك النهار تحديداً، في الصباح اليوم نفسه دون أن تعلم صديقتي أو أيّ كائن كان كنت قد خرجت من البيت حزينة، حملت حقيبتي المدرسية ووضعتها على كتفي، دسست أحزاني في قلبي وغادرت. كان يوماً كئيباً، مررنا وقتها بظرف عائلتي صعب لا داعي لذكره اليوم، لقد مضى كما مضت أوجاع كثيرة وهموم متعددة، لكن ما لفت نظري حقاً في نهار ذلك اليوم وبعد عبارة صديقتي المقربة هي قدرتي الخارقة على إخفاء أوجاعي دون أن أسعى لذلك، دون أن أدّعي ذلك. لقد اندهشت حقاً، لم أكن أعلم أن وجهي أيضا يتقن دوره، لقد اعتادت تقاطيعي على الابتسام حتى في أشد اللحظات بؤساً حتى أنني اذكر جيداً عبارة ابنة أختي الصغيرة منذ أعوام حين قالت لي مرة: "ارتاح حين انظر إلى وجهك، تشعرني ابتسامك أن العالم بخير و آمن".
ذلك اليوم كان درساً كبيراً لي؛ أدركت منذ يومها أنني أتعاطى مع أحزاني بحميمية. أركنها في زاوية غير مرئية من روحي. لا تفسير لدي و لماذا أفعل ذلك لا أعلم حقا؟
ربما لكل ذلك جاءت الكتابة إليّ، كانت الجدار و كنت المسمار، ووحدها من ضمّت هذا المسمار و احتوته، في عام وفاة أبي -رحمه الله- لم أفعل شيئاًّ سوى الكتابة، و بعد أن مضى العام الثقيل وجدتني أمام 360 صفحة و خاطبتني مذهولة: يا إلهي، ماذا سأفعل بكل هذه الصفحات؟
لم يكن ببالي مطلقاً مشروع كتاب، كنت أريد أن أشفى من حزني، كنت أريد أن أنسى، كنت أريد أن أتواصل مع من أحب بطريقة ما و كانت الكتابة هي الطريقة الوحيدة المتاحة أمامي.
كتاب "رسائل حب مفترضة بين هنري ميللر و أناييس نن" كتبته بحزن، كتبته لأبي، كانت روحه تحوم حولي و أنا أكتب كل سطر من سطوره، لقد دعمني حتى وهو غائب.
الكاتب و السارد أو الحكّاء مهما كانت التسمية لا يحتاج إلى الشكوى و الندب و النحيب، و لا أن يهوّل أحزاناً، و لا أن يخترع معاناة وهمية؛ لأن المعاناة الحقيقية تجد طريقها، تبتكر وسيلة بوحها بنفسها، الضغوط النفسية تفعل بنا ما لا ندركه، ما لا نتوقعه!
يقال بأن الكاتب الأمريكي "بول أوستر" تحوّل من الشعر إلى السرد بسبب صدمة موت الأب؛ إنها المعاناة الحقيقية التي وجدت لنفسها سبيلاً.
ليلى عبدالله
حظّك ما عندك هموم!
قرأت أن الروائي الياباني كينزا بورو أوي كرس حياته لابنه المعاق ذهنياً، هذا المصاب الجللّ، هذه المعاناة الموجعة حوّلته إلى كاتب وحوّل ابنه إلى بطل في رواياته، إلى شخصية شهيرة نال بفعلها جائزة نوبل في الآداب، تجربة ألمه الحقيقية جعلت إحساساته عالية تجاه محسوسات الكون؛ لدرجة إدراكه العذاب الصامت الذي تعاني منه سمكة في الخطاف، لقد أصبح كاتبا لينقل للآخرين هذا الشعور الدقيق، إنها الكتابة التي تأتي بصدق و وجع حين تصاحبها معاناة حقيقية.
وخلال قراءاتي المتنوعة للتجارب الكتابية لمعظم كتاب الصين الذين تفتقت معاناتهم في عهد الزعيم الذي وقعوا ضحاياه ماو تسي تونغ إبان الثورة الثقافية الصينية التطهيرية التي سعت إلى تخدير شعب و توهيمه و إخضاعه لتجارب حياتية قاسية، لقد خلّد الصينيون الحكّاؤون تلك المرحلة الموجعة من تاريخهم في روايات وقصص وسيّر أليمة وشمت ذاكرتهم!
ولو ألقينا نظرة على تجارب معظم الكتّاب في العالم سنلاحظ أن أولى خطواتهم نحو أقدارهم الإبداعية بدأت حين انبثقت في حياتهم الشخصية معاناة توازي كثافة الإبداع.
من واقع تجربتي الشخصية ترك أبي -رحمه الله- حين موته فراغاً شاسعاً و حزناً لا يشبه أي حزن تشعر به فتاة حين يموت والدها. هناك أحزان تأتي مرة واحدة، أحزان لا تتكرر، أحزان لا تشبه سوى نفسها، ووجعها لا يشبه الأوجاع الأخرى، حين يجف النبع الذي تفرعنا منه، حين تموت روح الشجرة الكبيرة تموت أوراقها أيضا، و لا شيء مطلقا يعود كما كان برحيل أحدهما أو برحيلهما معا!
لأنني لا أميل إلى الشكوى، وليس من طبعي الندّب، و لعلها المرة الأولى التي افتح فيها عطباً من جروحي أمام الملأ، أشرعه اليوم أمامكم و سأخجل أمام نفسي بعد أيام لأنني فعلت ذلك، ربما لحزني كبرياء، ربما لأنني أتعاطى مع أوجاعي بحميمية خاصة، و ربما لأنه طبعٌ طفولي نما معي و صار جزءاً مني و من شخصيتي.
بدأ وعيي بحزني أكثر بل ميلي إلى الكتمان عن أوجاعي مهما بدت كبيرة، صغيرة، ساذجة، تافهة، منطقية، حقيقية، وهمية. حين فاجأتني صديقة مقرّبة في المدرسة ذات يوم بعد أن ظلت لساعات طويلة تشكي لي بؤس حالها وكانت قد اعتادت على ذلك و كنت أنا المُنصِتة -المغلوب على أمرها- كما في كل مرة كنت أحاول مدّها بالصبر مع ابتسامات أطبعها على وجهي كنوع من المشاطرة الإيجابية لرفع معنوياتها لكن عبارتها:"حظّك ما عندك هموم"! كهربتّني لحظة وقعها عليّ!
في ذلك النهار تحديداً، في الصباح اليوم نفسه دون أن تعلم صديقتي أو أيّ كائن كان كنت قد خرجت من البيت حزينة، حملت حقيبتي المدرسية ووضعتها على كتفي، دسست أحزاني في قلبي وغادرت. كان يوماً كئيباً، مررنا وقتها بظرف عائلتي صعب لا داعي لذكره اليوم، لقد مضى كما مضت أوجاع كثيرة وهموم متعددة، لكن ما لفت نظري حقاً في نهار ذلك اليوم وبعد عبارة صديقتي المقربة هي قدرتي الخارقة على إخفاء أوجاعي دون أن أسعى لذلك، دون أن أدّعي ذلك. لقد اندهشت حقاً، لم أكن أعلم أن وجهي أيضا يتقن دوره، لقد اعتادت تقاطيعي على الابتسام حتى في أشد اللحظات بؤساً حتى أنني اذكر جيداً عبارة ابنة أختي الصغيرة منذ أعوام حين قالت لي مرة: "ارتاح حين انظر إلى وجهك، تشعرني ابتسامك أن العالم بخير و آمن".
ذلك اليوم كان درساً كبيراً لي؛ أدركت منذ يومها أنني أتعاطى مع أحزاني بحميمية. أركنها في زاوية غير مرئية من روحي. لا تفسير لدي و لماذا أفعل ذلك لا أعلم حقا؟
ربما لكل ذلك جاءت الكتابة إليّ، كانت الجدار و كنت المسمار، ووحدها من ضمّت هذا المسمار و احتوته، في عام وفاة أبي -رحمه الله- لم أفعل شيئاًّ سوى الكتابة، و بعد أن مضى العام الثقيل وجدتني أمام 360 صفحة و خاطبتني مذهولة: يا إلهي، ماذا سأفعل بكل هذه الصفحات؟
لم يكن ببالي مطلقاً مشروع كتاب، كنت أريد أن أشفى من حزني، كنت أريد أن أنسى، كنت أريد أن أتواصل مع من أحب بطريقة ما و كانت الكتابة هي الطريقة الوحيدة المتاحة أمامي.
كتاب "رسائل حب مفترضة بين هنري ميللر و أناييس نن" كتبته بحزن، كتبته لأبي، كانت روحه تحوم حولي و أنا أكتب كل سطر من سطوره، لقد دعمني حتى وهو غائب.
الكاتب و السارد أو الحكّاء مهما كانت التسمية لا يحتاج إلى الشكوى و الندب و النحيب، و لا أن يهوّل أحزاناً، و لا أن يخترع معاناة وهمية؛ لأن المعاناة الحقيقية تجد طريقها، تبتكر وسيلة بوحها بنفسها، الضغوط النفسية تفعل بنا ما لا ندركه، ما لا نتوقعه!
يقال بأن الكاتب الأمريكي "بول أوستر" تحوّل من الشعر إلى السرد بسبب صدمة موت الأب؛ إنها المعاناة الحقيقية التي وجدت لنفسها سبيلاً.
ليلى عبدالله
بول أوستر متحدثا عن روايته الأخيرة: انتظرتُ طوال حياتي لأكتب "1234"
السبت 2018/10/27
سيد الأساطير الأميركية الحديثة
ميلانو (إيطاليا) - في رواية الكاتب الأميركي بول أوستر بعنوان “1234” تواجهنا أسئلة كثيرة، نجح الكاتب في توليدها، نتساءل مثلا كيف كانت ستكون حياتنا لو أننا اخترنا خياراً آخرَ بدل الذي اخترناه؟ أي نوع من الناس كنّا سنكون اليوم، لو لم يفتنا ذلك القطار، لو أننا قبلنا دعوة أحدهم للغداء، لو أننا خرجنا من باب آخر لمركز التسوق؟ وغيرها من أسئلة تظل عالقة بالذهن الذي لا يملك فكاكا منها.
تحكي الرواية سيرة فيرغسون وهو شخص له أكثر من ذات في داخله. في 2 مارس 1947، في نيوارك بولاية نيوجيرسي، ولد آرتشي بالد إسحاق فيرغسون، الولد الوحيد لكل من روز وستانلي فيرغسون. منذ الولادة، يسلك آرتشي أربعة مسارات مختلفة تؤدي إلى أربع حيوات مختلفة ومتشابهة كلّ على حدة، بطل رياضي، صحافي مضطرب، ناشط، كاتب صعلوك، كما لو أنَّها أربعة كتب في مجلد واحد.
كلّ فرد يحتفظ بداخله، مثل المسافرين خلسة على متن باخرة ليلية، بظلال جميع الأشخاص الآخرين الذي كان يمكن أن يصبحهم. وهنا يؤكد لنا الكاتب بول أوستر فكرة أن الأدب هو الأقدر على استكشاف “الحياة الافتراضية”، ليس حياة الحواسيب، بل المصائر البديلة، التي قرّرتها الصدفة أو التاريخ.
يأخذ أوستر على عاتقه حرفياً هذه المهمة التي منحها الأدب لنفسه فيكتب تحفته هذه، “1234” هي رواية كلّ حيوات آرتشي فيرغسون، التي عاشها، والتي كان يمكن له أن يعيشها. فتتحول الشخصيات إلى فسيفساء من نحت القدر والصدفة. بأسلوب يجمع بورخيس وديكنز معاً، ما يجعلنا نعتبر الرواية مغامرة جنونية، فريدة ومتعدِّدة مثل حياة كل فرد.
في هذه الرواية نكتشف جوانب كثيرة، نرى الجنس والشعر، كما لم نراهما من قبل، ونطلع على أحداث حقيقية مثل الاحتجاجات لنيل الحقوق المدنية في أميركا واغتيال كينيدي، وهناك الرياضة ومظاهرات 1968، هناك باريس ونيويورك، وهناك أيضا كل أعمال أوستر، كنضج متوازن، وهناك كل الكتّاب الكبار الذين ألهموه، هناك الموت والرغبة.
وصلت الرواية إلى القائمة القصيرة لجائزة مان بوكر 2017، وقد تزامن نشرها مع عيد ميلاد أوستر السبعين. وقد قال عنها أوستر «أكبر عمل أدبي كتبته في حياتي». ليس فقط لأنها كبيرة الحجم، وطولها يبلغ ثلاثة أضعاف طول رواياته الأخرى «أنا أعترف بأنها ‘فيل‘، ولكنني أتمنى أن تكون فيلاً سريعاً»، ولكن أيضاً من حيث تأثير هذا العمل على شهرته، فأشار أوستر إلى أنه متأكد من أن الرواية ستسيطر على كل شيء قائلا “أنا أشعر أنني انتظرتُ طوال حياتي لأكتب هذا العمل. لقد كنت أعمل على بنائه طوال هذه السنين”.
يتجاوز عدد صفحات الرواية الـ800 صفحة، وكأنها من روايات القرن السابع عشر الضخمة. ووفقاً للكثيرين فإنها أعظم روايات أوستر على الإطلاق، خاصة أنها تقدم نظرة بانورامية واسعة وطموحة على الحياة الأميركية بين 1947 و1971، من خلال تتبع حياة آرتشي فيرغسون، الطفل الذكي من نيوجيرسي، من خلال أربعة أقدار ومصائر بديلة.
وقالت صحيفة فايننشال تايمز تعليقا على العمل “هذه رواية بول أوستر الأولى منذ سبعة أعوام. تعد هذه الرواية العمل الأعظم والأكثر ألماً واستفزازاً وجمالاً. قصة تخطف الأنفاس حول الحق الطبيعي المكتسب بالحياة وإمكانية الحب والامتلاء بالحياة نفسها”.
وقد وصفت صحيفة سان فرانسيسكو كروتيكل بول أوستر بعد إصداره لهذا الرواية بأنه “سيد الأساطير الأميركية الحديثة”.
ونذكر أن بول أوستر ولد عام 1947، وجمع الكثير من المهام بين كونه روائيا، وناقدا، وشاعرا، ومترجما، وسيناريست ومخرجا وممثلا ومنتجا سينمائيا. وهو يعيش حالياً في بروكلين في نيويورك. ويعتبر من أبرز الشخصيات في الأدب الأميركي والعالمي المعاصر.
وقد صدرت النسخة العربية من رواية “1234” لبول أوستر، بترجمة أحمد م. أحمد، وشارك في الترجمة كل من سوسن سلامة وحسام موصللي.
السبت 2018/10/27
سيد الأساطير الأميركية الحديثة
ميلانو (إيطاليا) - في رواية الكاتب الأميركي بول أوستر بعنوان “1234” تواجهنا أسئلة كثيرة، نجح الكاتب في توليدها، نتساءل مثلا كيف كانت ستكون حياتنا لو أننا اخترنا خياراً آخرَ بدل الذي اخترناه؟ أي نوع من الناس كنّا سنكون اليوم، لو لم يفتنا ذلك القطار، لو أننا قبلنا دعوة أحدهم للغداء، لو أننا خرجنا من باب آخر لمركز التسوق؟ وغيرها من أسئلة تظل عالقة بالذهن الذي لا يملك فكاكا منها.
تحكي الرواية سيرة فيرغسون وهو شخص له أكثر من ذات في داخله. في 2 مارس 1947، في نيوارك بولاية نيوجيرسي، ولد آرتشي بالد إسحاق فيرغسون، الولد الوحيد لكل من روز وستانلي فيرغسون. منذ الولادة، يسلك آرتشي أربعة مسارات مختلفة تؤدي إلى أربع حيوات مختلفة ومتشابهة كلّ على حدة، بطل رياضي، صحافي مضطرب، ناشط، كاتب صعلوك، كما لو أنَّها أربعة كتب في مجلد واحد.
كلّ فرد يحتفظ بداخله، مثل المسافرين خلسة على متن باخرة ليلية، بظلال جميع الأشخاص الآخرين الذي كان يمكن أن يصبحهم. وهنا يؤكد لنا الكاتب بول أوستر فكرة أن الأدب هو الأقدر على استكشاف “الحياة الافتراضية”، ليس حياة الحواسيب، بل المصائر البديلة، التي قرّرتها الصدفة أو التاريخ.
يأخذ أوستر على عاتقه حرفياً هذه المهمة التي منحها الأدب لنفسه فيكتب تحفته هذه، “1234” هي رواية كلّ حيوات آرتشي فيرغسون، التي عاشها، والتي كان يمكن له أن يعيشها. فتتحول الشخصيات إلى فسيفساء من نحت القدر والصدفة. بأسلوب يجمع بورخيس وديكنز معاً، ما يجعلنا نعتبر الرواية مغامرة جنونية، فريدة ومتعدِّدة مثل حياة كل فرد.
في هذه الرواية نكتشف جوانب كثيرة، نرى الجنس والشعر، كما لم نراهما من قبل، ونطلع على أحداث حقيقية مثل الاحتجاجات لنيل الحقوق المدنية في أميركا واغتيال كينيدي، وهناك الرياضة ومظاهرات 1968، هناك باريس ونيويورك، وهناك أيضا كل أعمال أوستر، كنضج متوازن، وهناك كل الكتّاب الكبار الذين ألهموه، هناك الموت والرغبة.
وصلت الرواية إلى القائمة القصيرة لجائزة مان بوكر 2017، وقد تزامن نشرها مع عيد ميلاد أوستر السبعين. وقد قال عنها أوستر «أكبر عمل أدبي كتبته في حياتي». ليس فقط لأنها كبيرة الحجم، وطولها يبلغ ثلاثة أضعاف طول رواياته الأخرى «أنا أعترف بأنها ‘فيل‘، ولكنني أتمنى أن تكون فيلاً سريعاً»، ولكن أيضاً من حيث تأثير هذا العمل على شهرته، فأشار أوستر إلى أنه متأكد من أن الرواية ستسيطر على كل شيء قائلا “أنا أشعر أنني انتظرتُ طوال حياتي لأكتب هذا العمل. لقد كنت أعمل على بنائه طوال هذه السنين”.
يتجاوز عدد صفحات الرواية الـ800 صفحة، وكأنها من روايات القرن السابع عشر الضخمة. ووفقاً للكثيرين فإنها أعظم روايات أوستر على الإطلاق، خاصة أنها تقدم نظرة بانورامية واسعة وطموحة على الحياة الأميركية بين 1947 و1971، من خلال تتبع حياة آرتشي فيرغسون، الطفل الذكي من نيوجيرسي، من خلال أربعة أقدار ومصائر بديلة.
وقالت صحيفة فايننشال تايمز تعليقا على العمل “هذه رواية بول أوستر الأولى منذ سبعة أعوام. تعد هذه الرواية العمل الأعظم والأكثر ألماً واستفزازاً وجمالاً. قصة تخطف الأنفاس حول الحق الطبيعي المكتسب بالحياة وإمكانية الحب والامتلاء بالحياة نفسها”.
وقد وصفت صحيفة سان فرانسيسكو كروتيكل بول أوستر بعد إصداره لهذا الرواية بأنه “سيد الأساطير الأميركية الحديثة”.
ونذكر أن بول أوستر ولد عام 1947، وجمع الكثير من المهام بين كونه روائيا، وناقدا، وشاعرا، ومترجما، وسيناريست ومخرجا وممثلا ومنتجا سينمائيا. وهو يعيش حالياً في بروكلين في نيويورك. ويعتبر من أبرز الشخصيات في الأدب الأميركي والعالمي المعاصر.
وقد صدرت النسخة العربية من رواية “1234” لبول أوستر، بترجمة أحمد م. أحمد، وشارك في الترجمة كل من سوسن سلامة وحسام موصللي.
"ومن قال إن إسرائيل جٓنحت للسلم ؟ على مدى سبعين عاماً وهي تعتدي وتتوسع وتحتل وتجلب ملايين من يهود الروس وأوروبا الشرقيه وحتى يهود أثيوبيا لتوطينهم في فلسطين وتطرد الفلسطيني من ( عشّته) في الخان الأحمر".
#لا_للتطبيع_مع_الإحتلال_الصهيوني
#لا_للتطبيع_مع_الإحتلال_الصهيوني
الناس.. الناس
قصة: إبراهيم صموئيل
من مجموعته: النحنحات
قبل أن يدير السائق المقود بحركة مفاجئة, ويحيد الباص الى يمين الشارع, في المسافة القصيرة بين موقفي القزازيين والمعرض, ويتوقف.. كان كل راكب من الواقفين يمسك بمسند مقعد مجاور, أو أنشوطة جلدية, أو حافة نافذة أو كتف راكب أخر.. هم يتماوجون ويتلاطمون من عزم السرعة وحدّة الانعطافات لدى تجاوز السيارات الأخرى وفيما كانت عيونهم تشخص الى الواجهة الأمامية نحو الطريق-كأنهم يشاركون في القيادة- يشهق بعضهم مع فرملة خاطفة, وبعضهم يبسمل ويحوقل لحظة إقلاع جديد, يتلهله بعضهم لو مال الباص, ويلعن بعضهم إن فشل في تجاوز أو عبور.. تراهم قلقين مضطربين فزعين, كما لو أنيطت قلوبهم الى عجلات الباص ووضعت أرواحهم على اكفهم حتى تأتي ساعة الفرج ويصلون الموقف الأخير..
وفوق هذا كله, فان غزارة الأمطار صبيحة ذلك اليوم قد أسهمت, كما يبدو, في دب الرعب والتوجس في نفوس الركاب من انزلاق مفاجيء أو تصادم مباغت يودي بحياتهم جميعا أو حياة غالبيتهم على اقل تقدير.
ولذا ما أن حاد الباص وتوقف حذاء الرصيف.. حتى كانت وجوه الواقفين قبل الجالسين, قد بشت كأنهم استعادوا أنفاسهم بعد احتباس طويل!
غير أن البشاشة لم تدم سوى لحظات, إذ سرعان ما شدّ الفضول الركاب لمعرفة سبب التوقف هذا, خصوصا وانه تمّ على عجل, وبين موقفين, وفي ساعة الصباح, وقت توجه الناس الى وظائفهم وأعمالهم.
ولم يحتج الأمر الى انتظار! فحال توقف الباص, التفت السائق, واضعا سبابته على صدغه, وقال لراكب مربوع يقف خلفه, بنبرة عصبية وصوت ممطوط:
أخي .. أنا بمشي على كيفي, مو على كيفك وكيف التاني والتالت.. فهمت؟!
ردّ الراكب المربوع بتحدّ:
لأ سيدي ما فهمت! بدك تمشي على كيفي وكيف غيري وعلى مهلك كمان.. اي خير إن شاء الله طاير طيران؟!
- بطير ما بطير انت ما دخلك!
-دخلني ونص.. انت مو وحدك بالباص.. معك أرواح.. العمى صحيح!
هاج السائق:
- العمى يعميك ولاه.. أنا ما بمشي غير على كيفي.. ما عجبك شرف انزيل!
- لك شو انزيل ما انزيل.. هادا باص أبوك هاد؟!
- اي سيدي.. باص أبي ونص..
- لأ سيدي .. مو باص أبوك, وبدك تمشي على مهلك مو بكيفك..
- لأ باص ابي وبدك تنزل ورجلك فوق رقبتك
وهب السائق واقفا, فيما اندفع بعض الركاب يفصلون بينهما. صاح راكب من الخلف:
وكلّوا الله يا جماعة.. الشغله مو محرزة..
التفت الراكب المربوع الى الخلف:
- يا اخي شلون مو محرزة.. مانك شايفه طاير متل الطيارة؟!
صاح السائق:
- وبدي طير متل الصاروخ كمان.. انا سائق الباص مو انت.. شرّف علمنا السواقه.. حلو والله!!
تدخّل راكب موجها كلامه للرجل المربوع:
- ولك يا خيو.. ليش من كل هالناس ما حدا حكى غيرك؟ أي اترك الزلمة يسوق على كيفه.. بدنا نروح لشغلنا!
عقّب السائق ساخرا:
- لأنه حضرته لعوجي وكثير غلبه.
ردّ الراكب المربوع:
- ولك لانك انت اهوج وطايش.. بس مو الحق عليك.. الحق ع الساكتين لك.. لانه والله لو في مين يردك ما كنت عملت فينا هيك..
هبّ السائق ثانية:
بتطلع ستين أهوج وحمار ولاه..
وكادا يتشابكان لولا ازدحام الركاب وتدخلهم، صاح رجل عجوز مغتنما برهة صمت:
- يا ابني والله عيب.. امشي وتوكل ع الرحمن..
رد السائق:
- لا وحياة عينك.. ماني متحرك إلا ما ينزل وامشي على كيفي.. وهه..
وأوقف المحرك فكتم هديره وعلا هدير الركاب. علّق فتى جالس في الخلف:
- أي شو عليه.. يللي ببيت أهله على مهله..
أضاف رجل نحيل جالس قربه:
- يا جماعة.. المستعجل يأخذ تكسي..
عقّبت امرأة واقفة تحمل طفلا:
يا أخي منشان الرسول امشي.. يوه الولد رح يموت من البرد!ّ
ردّ السائق مشددا على كل كلمة كمن يعلن عن بضاعة:
- ماني ماشي.. لحتى الأفندي.. يشرف و ينزل
ثم رفع ساقيه فوق غطاء المحرك واستند الى النافذة.
راكب طويل بدين يبلغ الأربعين تقريبا, كان يقف جوار الراكب المربوع. التفت إليه يلكزه نابرا:
- وحضرتك ليش كتير غلبه.. ما تترك السائق يمشي على كيفه وما تدّخل؟!
اندهش المربوع:
- شلون على كيفه! يهورنا أحسن؟ نحن عبيد مراقة؟!
ردّ الرجل الأربعيني بحزم وتحدّ:
- اي سيدي.. نحن عبيد مراقه.. احترم حالك.. هو موظف وبيعرف مصلحة الناس اكتر منك- فهمت؟
ورغم انه لفظ "فهمت؟" هذه بلهجة التهديد والوعيد..غير أن الرجل المربوع علّق متعجبا:
- وإذا كان سائق الباص..؟! يعني نحنا طرش غنم! يعني بتصير أرواح كل هالناس على حسابه!
ولم يكد يلتفت نحو الركاب, كما لو كان يسألهم, يأمل مؤازرتهم.. حتى امسكه الأربعيني من كتفه ودفعه نحو الباب دفعا. عندها, بدوا الركاب وكأنهم, بفارغ الصبر، كانوا ينتظرون هذه اللحظة.. فتزاحمت الأيادي تدفعه، وتداخلت التعليقات:
- أي نزلو خيو.. حاجتو فلسفه..
- لك نزلو.. نزلو .. مو ناقصنا محامين..
- نزلو.. يعني منشان زلمه نتعطل عن شغلنا..
- نزلو.. يقطع عمره شو كتير غلبه.. كنا وصلنا هلق..
- اي نزلو.. متنا من البرد.. يوه..
من داخل الباص, وعبر نوافذه المغلقة وبدا الرجل المربوع والذي قذف للخارج, حزينا ومغردا تحت ا
قصة: إبراهيم صموئيل
من مجموعته: النحنحات
قبل أن يدير السائق المقود بحركة مفاجئة, ويحيد الباص الى يمين الشارع, في المسافة القصيرة بين موقفي القزازيين والمعرض, ويتوقف.. كان كل راكب من الواقفين يمسك بمسند مقعد مجاور, أو أنشوطة جلدية, أو حافة نافذة أو كتف راكب أخر.. هم يتماوجون ويتلاطمون من عزم السرعة وحدّة الانعطافات لدى تجاوز السيارات الأخرى وفيما كانت عيونهم تشخص الى الواجهة الأمامية نحو الطريق-كأنهم يشاركون في القيادة- يشهق بعضهم مع فرملة خاطفة, وبعضهم يبسمل ويحوقل لحظة إقلاع جديد, يتلهله بعضهم لو مال الباص, ويلعن بعضهم إن فشل في تجاوز أو عبور.. تراهم قلقين مضطربين فزعين, كما لو أنيطت قلوبهم الى عجلات الباص ووضعت أرواحهم على اكفهم حتى تأتي ساعة الفرج ويصلون الموقف الأخير..
وفوق هذا كله, فان غزارة الأمطار صبيحة ذلك اليوم قد أسهمت, كما يبدو, في دب الرعب والتوجس في نفوس الركاب من انزلاق مفاجيء أو تصادم مباغت يودي بحياتهم جميعا أو حياة غالبيتهم على اقل تقدير.
ولذا ما أن حاد الباص وتوقف حذاء الرصيف.. حتى كانت وجوه الواقفين قبل الجالسين, قد بشت كأنهم استعادوا أنفاسهم بعد احتباس طويل!
غير أن البشاشة لم تدم سوى لحظات, إذ سرعان ما شدّ الفضول الركاب لمعرفة سبب التوقف هذا, خصوصا وانه تمّ على عجل, وبين موقفين, وفي ساعة الصباح, وقت توجه الناس الى وظائفهم وأعمالهم.
ولم يحتج الأمر الى انتظار! فحال توقف الباص, التفت السائق, واضعا سبابته على صدغه, وقال لراكب مربوع يقف خلفه, بنبرة عصبية وصوت ممطوط:
أخي .. أنا بمشي على كيفي, مو على كيفك وكيف التاني والتالت.. فهمت؟!
ردّ الراكب المربوع بتحدّ:
لأ سيدي ما فهمت! بدك تمشي على كيفي وكيف غيري وعلى مهلك كمان.. اي خير إن شاء الله طاير طيران؟!
- بطير ما بطير انت ما دخلك!
-دخلني ونص.. انت مو وحدك بالباص.. معك أرواح.. العمى صحيح!
هاج السائق:
- العمى يعميك ولاه.. أنا ما بمشي غير على كيفي.. ما عجبك شرف انزيل!
- لك شو انزيل ما انزيل.. هادا باص أبوك هاد؟!
- اي سيدي.. باص أبي ونص..
- لأ سيدي .. مو باص أبوك, وبدك تمشي على مهلك مو بكيفك..
- لأ باص ابي وبدك تنزل ورجلك فوق رقبتك
وهب السائق واقفا, فيما اندفع بعض الركاب يفصلون بينهما. صاح راكب من الخلف:
وكلّوا الله يا جماعة.. الشغله مو محرزة..
التفت الراكب المربوع الى الخلف:
- يا اخي شلون مو محرزة.. مانك شايفه طاير متل الطيارة؟!
صاح السائق:
- وبدي طير متل الصاروخ كمان.. انا سائق الباص مو انت.. شرّف علمنا السواقه.. حلو والله!!
تدخّل راكب موجها كلامه للرجل المربوع:
- ولك يا خيو.. ليش من كل هالناس ما حدا حكى غيرك؟ أي اترك الزلمة يسوق على كيفه.. بدنا نروح لشغلنا!
عقّب السائق ساخرا:
- لأنه حضرته لعوجي وكثير غلبه.
ردّ الراكب المربوع:
- ولك لانك انت اهوج وطايش.. بس مو الحق عليك.. الحق ع الساكتين لك.. لانه والله لو في مين يردك ما كنت عملت فينا هيك..
هبّ السائق ثانية:
بتطلع ستين أهوج وحمار ولاه..
وكادا يتشابكان لولا ازدحام الركاب وتدخلهم، صاح رجل عجوز مغتنما برهة صمت:
- يا ابني والله عيب.. امشي وتوكل ع الرحمن..
رد السائق:
- لا وحياة عينك.. ماني متحرك إلا ما ينزل وامشي على كيفي.. وهه..
وأوقف المحرك فكتم هديره وعلا هدير الركاب. علّق فتى جالس في الخلف:
- أي شو عليه.. يللي ببيت أهله على مهله..
أضاف رجل نحيل جالس قربه:
- يا جماعة.. المستعجل يأخذ تكسي..
عقّبت امرأة واقفة تحمل طفلا:
يا أخي منشان الرسول امشي.. يوه الولد رح يموت من البرد!ّ
ردّ السائق مشددا على كل كلمة كمن يعلن عن بضاعة:
- ماني ماشي.. لحتى الأفندي.. يشرف و ينزل
ثم رفع ساقيه فوق غطاء المحرك واستند الى النافذة.
راكب طويل بدين يبلغ الأربعين تقريبا, كان يقف جوار الراكب المربوع. التفت إليه يلكزه نابرا:
- وحضرتك ليش كتير غلبه.. ما تترك السائق يمشي على كيفه وما تدّخل؟!
اندهش المربوع:
- شلون على كيفه! يهورنا أحسن؟ نحن عبيد مراقة؟!
ردّ الرجل الأربعيني بحزم وتحدّ:
- اي سيدي.. نحن عبيد مراقه.. احترم حالك.. هو موظف وبيعرف مصلحة الناس اكتر منك- فهمت؟
ورغم انه لفظ "فهمت؟" هذه بلهجة التهديد والوعيد..غير أن الرجل المربوع علّق متعجبا:
- وإذا كان سائق الباص..؟! يعني نحنا طرش غنم! يعني بتصير أرواح كل هالناس على حسابه!
ولم يكد يلتفت نحو الركاب, كما لو كان يسألهم, يأمل مؤازرتهم.. حتى امسكه الأربعيني من كتفه ودفعه نحو الباب دفعا. عندها, بدوا الركاب وكأنهم, بفارغ الصبر، كانوا ينتظرون هذه اللحظة.. فتزاحمت الأيادي تدفعه، وتداخلت التعليقات:
- أي نزلو خيو.. حاجتو فلسفه..
- لك نزلو.. نزلو .. مو ناقصنا محامين..
- نزلو.. يعني منشان زلمه نتعطل عن شغلنا..
- نزلو.. يقطع عمره شو كتير غلبه.. كنا وصلنا هلق..
- اي نزلو.. متنا من البرد.. يوه..
من داخل الباص, وعبر نوافذه المغلقة وبدا الرجل المربوع والذي قذف للخارج, حزينا ومغردا تحت ا