نصائح جيمس بالدوين عن الكتابة
ترجمة: زينب موسى
“إن الموهبة ليست ذات أهمية كبيرة. أعرف كثيرًا من ذوي الموهبة
المنكوبين. هناك العديد من الخصائص التي تتجاوز الموهبة؛ الانضباط، الحب، الحظ، و أهم منها جميعها: الجَلَد.”
كتبت: ماريا بوبوفا
في عام ١٩٨٩، حرر مؤسس و محرر “باريس ريفيو” و رائد المقابلات جورج بليمبتون مجموعة رائعة من النصوص عن الكتابة بعنوان “كُتيّب الكاتب: مقتطفات من معلومات، و آراء، و ملاحظات طريفة، و نصائح عن أبرز كتّاب القرن العشرين”. من ضمن هؤلاء كان الروائي، و الشاعر، و كاتب المقال، و المسرحي جيمس بالدوين (١٩٢٤- ١٩٨٧)، الذي كان قد قابله بليمبتون في مناسبتين منفصلتين أوائل سنة ١٩٨٤، بعد نصف قرن من ترك بالدوين حارة هارلم (حي كان معروفًا تاريخيًا كأشهر أحياء السود في نيويورك الأمريكية، و كانت تتفشى فيه البطالة و الجريمة – المترجمة) ليشق طريقه من خلال القراءة نحو العظمة الأدبية.
في إضافة رائعة للحِكم المجموعة لأشهر الكتاب، يتأمل بالدوين مسيرته الهائلة ويشاركنا ما تعلمه عن العملية الإبداعية، الدوافع النفسية للكتابة، والعادات العقلية التي على المرء أن يصقلها حتى يبدع في الصنعة.

جيمس بالدوين يكتب
عند مناقشة ما الذي يدفع الكتاب العظماء للكتابة، يوافق بالدوين بوكوسكي ويعتبر أن القوة الدافعة الأبرز للكاتب لكي يكتب هي استحالة عدم الكتابة:
“إنه أمر يضايقك ولا يتركك وشأنك. هنا العذاب في الموضوع. اكتب هذا الكتاب، أو مت. يجب أن تخوض ذلك. الموهبة ليست ذات أهمية كبيرة. أعرف كثيراً من ذوي الموهبة المنكوبين. هناك العديد من الخصائص التي تتجاوز الموهبة؛ الانضباط، الحب، الحظ، و أهم منها جميعها: الجَلَد.”
يكاد يكون الجَلَد، بالتأكيد، الرابطَ المشترك الوحيد بين الكتاب الناجحين. أي كاتب طموح، بحسب بالدوين، عليه أن يعي جيدًا مدى الجَلَد الذي يتطلبه الأمر، وعليه أن يرغب بالكتابة رغم هذا. بعد جيل كامل من مناقشة جاك كيرواك للفرق الأساسي بين الموهبة والعبقرية، يضيف بالدوين:
“إن كنت ستكون كاتباً، فإني لا أملك ما أقوله لأوقفك.. وإن لم تكن لتكون كاتبًا، فإن أيًّا مما أقوله لن يساعدك. إن الذي تحتاجه فعلاً في البداية هو شخصٌ يجعلك على علمٍ بأن المجهود المطلوب كبير”.
في رأي يذكرنا بملاحظة جوان ديديون بأنها تكتب حتى تتصل بعقلها بشكل أفضل، يتحدث بالدوين عن وظيفة الحافز الابداعي في كشف الوعي:
“عندما تمارس الكتابة، فأنت تحاول أنت تكتشف شيئاً لا تعرفه. لغة الكتابة بأكملها في رأيي هي أن تعثر على ما لا تعرفه، وما لا تريد أن تكتشفه، لكن شيئاً ما يدفعك باتجاهه في كل الأحوال”.
يشير بالدوين الى أن كثيرًا من هذا الكشف الذاتي لا يحدث في الدفقة الكتابية الأولى، إنما خلال عملية إعادة الكتابة المضنية. تكراراً لحكمة همنغواي عن فن المراجعة الهام، يضيف بالدوين:
“إعادة الكتابة أمر مؤلم جدًا. أنت تعلم أن الكتابة انتهت عندما لا تستطيع التصرف أكثر بما كتبت، لكن في نفس الوقت لا يكون المكتوب كما أردته تماماً قَط.. إن أصعب شيءٍ في العالم هو البساطة. و الأكثر إخافةً أيضاً. عليكَ أن تسلخ عن نفسك جميع أقنعتك.. وبعض تلك الأقنعة لم تكن تعرف بوجودها أصلاً. أنت تريد أن تكتب جملة نظيفةً كعظْمة. هذا هو الهدف.”

لكن مهما كان هذا الشعور بعدم الكمال ضروريًا في توجيه عملية المراجعة، يجب أن يكون هذا الشعور مرفقًا بوعي تام بأن الكمال ما هو الا سراب متوالي. (بعد عقود، كتبت زادي سميث ضمن قوانينها العشر للكتابة: “تقبل الحزن الأبدي الذي يأتي جرّاء استحالة الرضى التام”. يقول بالدوين:
“عندما تنهي رواية، فهذا يعني أن القطار قد توقف هنا، و أن عليك النزول منه. أنت لا تنالُ الكتاب الذي أردتَهُ قَط، لذا عليك أن ترضى بالكتاب الذي بين يديك. لطالما شعرت بأنه عندما ينتهي كتابٌ أنه لا بد أن هنالك شيئاً لم ألتفت إليه، و عادة عندما أكتشف شيئاً ما بالفعل يكون الأوان قد فات.”
ان العادات اليومية و الحالات الذهنية التي تتطلبها الكتابة متنوعة جدًا عند الكتاب الكبار. يشاركنا بالدوين عاداته الكتابية قائلاً:
“أبدأ بالعمل عندما يخلد الجميع الى النوم. لقد كان علي أن أفعل ذلك مذ كنت شابًا، كان علي الانتظار الى ينام أطفالي. وكنت أيضًا أعمل في عدة وظائف خلال النهار. لذا كان علي دائمًا أن أكتب في الليل. لكن الآن و بما أنني الآن كاتب متفرغ، فإنني اكتب ليلاً لأنني أكون وحيدًا وقتها.”
إنه من المؤسف أن نرى سِفرًا نفيسًا ومترعاً بالحكمة كـ”كُتيّب الكاتب” قد أوقف عن الطباعة. كتب بالدوين أيضًا في هذا المجال مقالاً ممتازًا عن دور الكاتب في المجتمع١، و أجرى مقابلة قيمة مع العالِمة الأنثولولوجية مارغريت ميد عن العِرق و الهوية٢.
و من المفيد أيضًا الاطلاع على مقال “عن الفن، و ما يصنع كاتبًا عظيمًا، لجيمس كونراد”٣، و نصائح ويلا كاثر التي غيرت حياتها و جعلتها كاتبة ٤، و ملاحظات الشاعرة جين كينيون عن المبادئ التي يجب
ترجمة: زينب موسى
“إن الموهبة ليست ذات أهمية كبيرة. أعرف كثيرًا من ذوي الموهبة
المنكوبين. هناك العديد من الخصائص التي تتجاوز الموهبة؛ الانضباط، الحب، الحظ، و أهم منها جميعها: الجَلَد.”
كتبت: ماريا بوبوفا
في عام ١٩٨٩، حرر مؤسس و محرر “باريس ريفيو” و رائد المقابلات جورج بليمبتون مجموعة رائعة من النصوص عن الكتابة بعنوان “كُتيّب الكاتب: مقتطفات من معلومات، و آراء، و ملاحظات طريفة، و نصائح عن أبرز كتّاب القرن العشرين”. من ضمن هؤلاء كان الروائي، و الشاعر، و كاتب المقال، و المسرحي جيمس بالدوين (١٩٢٤- ١٩٨٧)، الذي كان قد قابله بليمبتون في مناسبتين منفصلتين أوائل سنة ١٩٨٤، بعد نصف قرن من ترك بالدوين حارة هارلم (حي كان معروفًا تاريخيًا كأشهر أحياء السود في نيويورك الأمريكية، و كانت تتفشى فيه البطالة و الجريمة – المترجمة) ليشق طريقه من خلال القراءة نحو العظمة الأدبية.
في إضافة رائعة للحِكم المجموعة لأشهر الكتاب، يتأمل بالدوين مسيرته الهائلة ويشاركنا ما تعلمه عن العملية الإبداعية، الدوافع النفسية للكتابة، والعادات العقلية التي على المرء أن يصقلها حتى يبدع في الصنعة.

جيمس بالدوين يكتب
عند مناقشة ما الذي يدفع الكتاب العظماء للكتابة، يوافق بالدوين بوكوسكي ويعتبر أن القوة الدافعة الأبرز للكاتب لكي يكتب هي استحالة عدم الكتابة:
“إنه أمر يضايقك ولا يتركك وشأنك. هنا العذاب في الموضوع. اكتب هذا الكتاب، أو مت. يجب أن تخوض ذلك. الموهبة ليست ذات أهمية كبيرة. أعرف كثيراً من ذوي الموهبة المنكوبين. هناك العديد من الخصائص التي تتجاوز الموهبة؛ الانضباط، الحب، الحظ، و أهم منها جميعها: الجَلَد.”
يكاد يكون الجَلَد، بالتأكيد، الرابطَ المشترك الوحيد بين الكتاب الناجحين. أي كاتب طموح، بحسب بالدوين، عليه أن يعي جيدًا مدى الجَلَد الذي يتطلبه الأمر، وعليه أن يرغب بالكتابة رغم هذا. بعد جيل كامل من مناقشة جاك كيرواك للفرق الأساسي بين الموهبة والعبقرية، يضيف بالدوين:
“إن كنت ستكون كاتباً، فإني لا أملك ما أقوله لأوقفك.. وإن لم تكن لتكون كاتبًا، فإن أيًّا مما أقوله لن يساعدك. إن الذي تحتاجه فعلاً في البداية هو شخصٌ يجعلك على علمٍ بأن المجهود المطلوب كبير”.
في رأي يذكرنا بملاحظة جوان ديديون بأنها تكتب حتى تتصل بعقلها بشكل أفضل، يتحدث بالدوين عن وظيفة الحافز الابداعي في كشف الوعي:
“عندما تمارس الكتابة، فأنت تحاول أنت تكتشف شيئاً لا تعرفه. لغة الكتابة بأكملها في رأيي هي أن تعثر على ما لا تعرفه، وما لا تريد أن تكتشفه، لكن شيئاً ما يدفعك باتجاهه في كل الأحوال”.
يشير بالدوين الى أن كثيرًا من هذا الكشف الذاتي لا يحدث في الدفقة الكتابية الأولى، إنما خلال عملية إعادة الكتابة المضنية. تكراراً لحكمة همنغواي عن فن المراجعة الهام، يضيف بالدوين:
“إعادة الكتابة أمر مؤلم جدًا. أنت تعلم أن الكتابة انتهت عندما لا تستطيع التصرف أكثر بما كتبت، لكن في نفس الوقت لا يكون المكتوب كما أردته تماماً قَط.. إن أصعب شيءٍ في العالم هو البساطة. و الأكثر إخافةً أيضاً. عليكَ أن تسلخ عن نفسك جميع أقنعتك.. وبعض تلك الأقنعة لم تكن تعرف بوجودها أصلاً. أنت تريد أن تكتب جملة نظيفةً كعظْمة. هذا هو الهدف.”

لكن مهما كان هذا الشعور بعدم الكمال ضروريًا في توجيه عملية المراجعة، يجب أن يكون هذا الشعور مرفقًا بوعي تام بأن الكمال ما هو الا سراب متوالي. (بعد عقود، كتبت زادي سميث ضمن قوانينها العشر للكتابة: “تقبل الحزن الأبدي الذي يأتي جرّاء استحالة الرضى التام”. يقول بالدوين:
“عندما تنهي رواية، فهذا يعني أن القطار قد توقف هنا، و أن عليك النزول منه. أنت لا تنالُ الكتاب الذي أردتَهُ قَط، لذا عليك أن ترضى بالكتاب الذي بين يديك. لطالما شعرت بأنه عندما ينتهي كتابٌ أنه لا بد أن هنالك شيئاً لم ألتفت إليه، و عادة عندما أكتشف شيئاً ما بالفعل يكون الأوان قد فات.”
ان العادات اليومية و الحالات الذهنية التي تتطلبها الكتابة متنوعة جدًا عند الكتاب الكبار. يشاركنا بالدوين عاداته الكتابية قائلاً:
“أبدأ بالعمل عندما يخلد الجميع الى النوم. لقد كان علي أن أفعل ذلك مذ كنت شابًا، كان علي الانتظار الى ينام أطفالي. وكنت أيضًا أعمل في عدة وظائف خلال النهار. لذا كان علي دائمًا أن أكتب في الليل. لكن الآن و بما أنني الآن كاتب متفرغ، فإنني اكتب ليلاً لأنني أكون وحيدًا وقتها.”
إنه من المؤسف أن نرى سِفرًا نفيسًا ومترعاً بالحكمة كـ”كُتيّب الكاتب” قد أوقف عن الطباعة. كتب بالدوين أيضًا في هذا المجال مقالاً ممتازًا عن دور الكاتب في المجتمع١، و أجرى مقابلة قيمة مع العالِمة الأنثولولوجية مارغريت ميد عن العِرق و الهوية٢.
و من المفيد أيضًا الاطلاع على مقال “عن الفن، و ما يصنع كاتبًا عظيمًا، لجيمس كونراد”٣، و نصائح ويلا كاثر التي غيرت حياتها و جعلتها كاتبة ٤، و ملاحظات الشاعرة جين كينيون عن المبادئ التي يجب
أن يلتزم بها الكاتب و يكتب على أساسها ٥.
الفقرة الأخيرة تُرجمت بتصرف – المترجمة.
نشر في موقع تكوين
الفقرة الأخيرة تُرجمت بتصرف – المترجمة.
نشر في موقع تكوين
" أجدني جذابة جدًا عندما أفرغ أفكاري على الورق".
جولييت في رواية جمعية جيرنزي الأدبية وفطيرة قشرة البطاطا
جولييت في رواية جمعية جيرنزي الأدبية وفطيرة قشرة البطاطا
طرح صحافي سؤالاً على أحد سكان غيرنزي:" ما أصعب تجربة مررت بها أثناء الإحتلال الألماني؟"
فأجاب الرجل: " كان يجب علينا أن نتصنّع الجهل!".*
رواية جمعية جيرنزي الأدبية وفطيرة قشرة البطاطا
*بتصرف
فأجاب الرجل: " كان يجب علينا أن نتصنّع الجهل!".*
رواية جمعية جيرنزي الأدبية وفطيرة قشرة البطاطا
*بتصرف
" يتحتم على الكتّاب العيش بعيدًا عن البحر أو بالقرب من مقلب نفايات المدن ليتمكنوا من الإنتاج، أو أن يتمتعوا بإرادة أقوى من إرادتي".
جولييت في رواية جمعية جيرنزي الأدبية وفطيرة قشرة البطاطا
جولييت في رواية جمعية جيرنزي الأدبية وفطيرة قشرة البطاطا
ات وسلسبيل من الكلمات. ثم تستنتج من رحلاتها أن للطبخ كما كان ولا يزال ميزة على الكتابة لأن الكاتبة عندما تتقدم في السن، تعيش تحت «الرعب من أن تكرر الكتاب نفسه» وهو الهاجس المعيق للابتكار والإبداع لدى كتاب كثيرين بينما الطبخ فهو على العكس لأن «التكرار في الطبخ دليل على التميز والإبداع». فكلما كرر الطباخ الوصفة أجادها وازداد مهارة في تنفيذها.
حاولت ماريز كوندي التي كان كتابها «أطعمة وعجائب» أن تعبر عن عالمها الثاني المرتبط بعالم الطبخ والذي توازي أهميته عالمها الأدبي. كما حاولت أن تميط اللثام عن نوع آخر من السعادة. تلك السعادة الفريدة، التي نعيشها مع أطباق الطعام الأصيل، الطعام الذي يدون بمواده ونكهاته تاريخ الشعوب الحقيقي الخالي من مقص الرقيب وزيف التاريخ.
2
تدفق الروائية ماريز كوندي أنهارا من الثراء اللغوي والتخييلي في اللغة الفرنسية بكتاباتها المتميزة. منذ أكثر من أربعين عاما وهي تواصل تلقيح لغة موليير باللغة المتجددة والمتخيل السحري. ولدت في 11 فبراير 1937 في بوانت -بيتري (الغوادلوب)، في عائلة مكونة من ثمانية أطفال. في سن السادسة عشرة غادرت الغوادلوب لمواصلة دراستها بباريس، فحصلت على شهادة الإجازة في الأدب من جامعة السوربون.
في عام 1960، تزوجت مامادو كوندي، الممثل الغيني المعروف الذي لعب دور أرشيبالد في مسرحية جان جينيه «الزنوج». بعد ذلك تركت باريس متوجهة إلى أفريقيا، حيث درست لمدة اثني عشر عاما في المدارس الثانوية بغينيا، وغانا، ونيجيريا، والسنغال.
تعود مرة أخرى إلى فرنسا، لتبدأ نشر كتاباتها في عام 1972 بحيث كتبت عددا من المسرحيات والدراسات عن الأدب الكاريبي. وموازاة ذلك أعدت أطروحة دكتوراه في الأدب المقارن بجامعة السوربون: «الصورة النمطية عن السود في الأدب الكاريبي» ثم اشتغلت مدرسة بجامعة باريس.
في عام 1976 بدأت كتابة الرواية، ونشرت روايتين مستوحاة من تجاربها في أفريقيا «حريماخونون» (1976) و«موسم في ريهاتا». (1981) روايتها الثالثة، كانت هي «سيغو»، وهي عمل من جزءين «أسوار الأرض، عام 1984، والأرض المشتتة، 1985» التي حققت بها نجاجا وانتشارا كبيرا كما ترجمت إلى اثنتي عشرة لغة، وكانت «سيغو» خاتمة أعمالها عن أفريقيا.
دعيت ماريز كوندي للتدريس في الولايات المتحدة في عام 1985، وأسست مركز الدراسات الفرنسية والفرنكوفونية في جامعة كولومبيا. وفي عام 1986 عادت إلى جزيرتها «غوادلوب» التي ألهمتها روايات بديعة مثل «حياة خسيس» (1987) و«عبور القرم» (1989) ومن عام 2004 إلى عام 2008، ترأست لجنة «ذاكرة الرق»، التي أنشئت في يناير2004 لتنفيذ قانون توبيرا الذي يعتبر الرق وتجارة الرقيق جرائم ضد الإنسانية. كما كان كتابها «أطعمة وعجائب» ضمن اللائحة القصيرة للمان بوكر 2015.
حصلت ماريز كوندي على جوائز أدبية كبرى كرمت أدبها الإنساني وعمقها الأدبي والجمالي.
حاولت ماريز كوندي التي كان كتابها «أطعمة وعجائب» أن تعبر عن عالمها الثاني المرتبط بعالم الطبخ والذي توازي أهميته عالمها الأدبي. كما حاولت أن تميط اللثام عن نوع آخر من السعادة. تلك السعادة الفريدة، التي نعيشها مع أطباق الطعام الأصيل، الطعام الذي يدون بمواده ونكهاته تاريخ الشعوب الحقيقي الخالي من مقص الرقيب وزيف التاريخ.
2
تدفق الروائية ماريز كوندي أنهارا من الثراء اللغوي والتخييلي في اللغة الفرنسية بكتاباتها المتميزة. منذ أكثر من أربعين عاما وهي تواصل تلقيح لغة موليير باللغة المتجددة والمتخيل السحري. ولدت في 11 فبراير 1937 في بوانت -بيتري (الغوادلوب)، في عائلة مكونة من ثمانية أطفال. في سن السادسة عشرة غادرت الغوادلوب لمواصلة دراستها بباريس، فحصلت على شهادة الإجازة في الأدب من جامعة السوربون.
في عام 1960، تزوجت مامادو كوندي، الممثل الغيني المعروف الذي لعب دور أرشيبالد في مسرحية جان جينيه «الزنوج». بعد ذلك تركت باريس متوجهة إلى أفريقيا، حيث درست لمدة اثني عشر عاما في المدارس الثانوية بغينيا، وغانا، ونيجيريا، والسنغال.
تعود مرة أخرى إلى فرنسا، لتبدأ نشر كتاباتها في عام 1972 بحيث كتبت عددا من المسرحيات والدراسات عن الأدب الكاريبي. وموازاة ذلك أعدت أطروحة دكتوراه في الأدب المقارن بجامعة السوربون: «الصورة النمطية عن السود في الأدب الكاريبي» ثم اشتغلت مدرسة بجامعة باريس.
في عام 1976 بدأت كتابة الرواية، ونشرت روايتين مستوحاة من تجاربها في أفريقيا «حريماخونون» (1976) و«موسم في ريهاتا». (1981) روايتها الثالثة، كانت هي «سيغو»، وهي عمل من جزءين «أسوار الأرض، عام 1984، والأرض المشتتة، 1985» التي حققت بها نجاجا وانتشارا كبيرا كما ترجمت إلى اثنتي عشرة لغة، وكانت «سيغو» خاتمة أعمالها عن أفريقيا.
دعيت ماريز كوندي للتدريس في الولايات المتحدة في عام 1985، وأسست مركز الدراسات الفرنسية والفرنكوفونية في جامعة كولومبيا. وفي عام 1986 عادت إلى جزيرتها «غوادلوب» التي ألهمتها روايات بديعة مثل «حياة خسيس» (1987) و«عبور القرم» (1989) ومن عام 2004 إلى عام 2008، ترأست لجنة «ذاكرة الرق»، التي أنشئت في يناير2004 لتنفيذ قانون توبيرا الذي يعتبر الرق وتجارة الرقيق جرائم ضد الإنسانية. كما كان كتابها «أطعمة وعجائب» ضمن اللائحة القصيرة للمان بوكر 2015.
حصلت ماريز كوندي على جوائز أدبية كبرى كرمت أدبها الإنساني وعمقها الأدبي والجمالي.
الأمريكي "ريتشارد باورز" يفوز بالبوكر لهذه السنة عن روايته "the overstory" رواية تتحدث عن الشجر !
الإيرلندية آنا بيرنز تفوز بجائزة مان بوكر عن روايتها " ميلكمان " - البيان
https://www.albayan.ae/five-senses/east-and-west/2018-10-17-1.3385050
https://www.albayan.ae/five-senses/east-and-west/2018-10-17-1.3385050
البيان
الإيرلندية آنا بيرنز تفوز بجائزة مان بوكر عن روايتها " ميلكمان "
فازت الكاتبة الايرلندية الشمالية آنا بيرنز بجائزة "مان بوكر" لعام 2018 عن روايتها "ميلكمان" "بائع الحليب" والتي تتناول امرأة شابة معزولة تعيش حياتها في ظل العنف شبه العسكري.وبيرنز 56 عاما هي أول كاتبة من إيرلندا الشمالية تفوز بالجائزة المرموقة لأعمال اللغ
" نشأتُ في عائلة من الروائيين الذين لا يعترفون بالإجابات المقتضبة أو الحقائق المطلقة. بل إنك تجد نفسك تستمع إلى قصة طويلة لمجرد طلبك بأن يمرر لك طبق زبدة".
آني باروز الكاتبة الأخرى لرواية جمعية جيرنزي الأدبية وفطيرة قشرة البطاطا
آني باروز الكاتبة الأخرى لرواية جمعية جيرنزي الأدبية وفطيرة قشرة البطاطا
الروائية الغوادالوبية ماريز كوندي
السعادة في الطبق
سعيد بوكرامي
1
يمكن قراءة الكتاب الجديد للروائية الغوادلوبية ماريز كوندي على أنه استمرارية لكتابها السابق «الحياة دون مساحيق،» الذي يعتبره النقاد سيرة ذاتية لها، نشرت عام 2012. وفي سيرتها الجديدة «أطعمة وعجائب» الصادرة عن دار ج. س. لاتيس بفرنسا 2015، لا نجد الطبخ، بوصفاته ونكهاته، موضوعا للكتاب، فحسب. ولكن هناك أيضا كتابة عن الأسفار وخبرات الحياة المهنية الغنية. عن التنوع الثقافي والاثنى والواقع الاجتماعي للشعوب، التي زارتها الكاتبة وكتبت عنها. عن أفريقيا، وفرنسا، وجوادلوب، والهند، والولايات المتحدة، واليابان، وكوبا، وجامايكا.. تستدعي من خلالها آمالها وخيباتها، كما في كتابها السابق تتحدث الكاتبة عن القضايا الاجتماعية والأدب والسياسة والتاريخ، بأسلوب أنيق وسهل المنال.
لا نخلط في سرد ماريز بين عالم الطبخ والكتابة، فإن كان هناك تزاوج بين الأواني والأقلام، فإن ماريز كوندي تتدخل ببراعة للفصل بين الأدب والطبخ، لأن مقصدية الروائية كانت أن تجمع بانسجام بين ملذات الطعام ولذة اللغة. هذه التجربة اقترفتها الكاتبة في كتابها «فيكتوار، النكهات والكلمات» الصادر عن (ميركيور دو فرانس، عام 2006)، حيث رسمت بورتريها لجدتها من أمها، التي على الرغم من كونها أمية فقد كانت مبدعة حقيقية في الطبخ، تشبه أعظم الشعراء. حسب تعبيرها فوصفات الجدة تضاهي السوناتات التي كتبها بودلير، تنسجم فيها «العطور والألوان والأصوات» تعترف ماريز كوندي بحبها للطبخ، مستدعية ذكرياتها الحلوة والمرة.
كانت جدة ماريز تمتهن الطبخ لدى أسرة من البيض الكولونياليين، لهذا جعلت الطفلة، في وقت مبكر جدا المطبخ ملجأ لها من ضراوة العالم الخارجي حيث نظام الاسترقاق على أشده. كانت تجد في المطبخ فضاء للعب فكلما سنحت لها الفرصة للاستمتاع بتعديل الوصفات التقليدية التي يعدها الخدم، فهي تفعل ذلك باستمتاع، لكن شغفها بالطبخ، كانت يقابله للأسف، تثبيط من طرف الجدة التي تصدر حكمها النهائي: «الأشخاص الأغبياء فقط من يتحمسون للطهي». هذا الموقف، ما تحاول الساردة فيما بعد أن تستعيد وقعه وتفاصيله كي تعبر عنه بشعور يمزج بين التثبيط، والخجل. وربما هذا ما دفع الصبية إلى نوع من الرغبة في الاختراق، وتحدي الحظر. إذ حولت حبها للطبخ إلى «حلم بالحرية»، الحرية التي تعتبر جزءا لا يتجزأ من شخصية ماريز كوندي وما زالت اليوم تهاجم بشراسة أشكال الظلم في كل مكان من العالم.
هذا الاهتمام بإعداد أصناف الطعام وسبر أصولها ومرجعياتها الثقافية، رافقها طوال حياتها كروائية اشتهرت في أنحاء العالم كله كروائية فريدة بمتنها وشخصيتها القوية ومن خلال رحلاتها أيضا. بحيث كان الطبخ موضوع بحث متواصل كفن وعنصر ثقافي مهم بل وكان يأخذ أولوية حاسمة للتعرف على الشعوب وتاريخها: «إن الطبخ يعكس في أي بلد شخصية وخاصيات سكانه، كما أنه يثري الخيال»،
في مضان الكتاب جميعها نصادف دعوة صريحة من الكاتبة للقارئ كي يرافقها إلى إنجلترا في جامايكا والهند واليابان وجنوب أفريقيا.. حكايات سفر آسرة الواحدة تلو الأخرى تسردها ماريز كوندي بدون مساحيق. في كوبا، مثلا تعبر عن أسفها لأنها لم تر ما يكفي من معالم المدينة القديمة، «مجموعة معمارية نادرة وثمينة جدا في بلدنا الكاريبي حيث كل شيء يبدو دائما نتيجة السلب والنهب والمقايضة»، لكن ما يهمها في الحقيقة هو ما يقدم إليها من أطباق ساحرة تختزن تاريخ أمريكا اللاتينية خلال سعادتها وأحزانها. أما في الهند، فيثير انتباهها القلق الطافح من وجوه الهنود من العنصرية وخيبة الأمل من الحاضر، تدقق النظر فيما يقدم لها من أطباق الطعام التي تغلب عليها البهارات والألوان وكأنها أطعمة ترتدي أقنعة عن الألم والأمل، كما تتحدث عن خيبة الأمل نفسها التي اصطدمت بها في بلدها الغوادلوب التي عادت إليها بعد سنوات طويلة من المنفى، فكانت الصدمة أن لا أحد يعرفها أو يعرف كتبها. كما تثير الانتباه إلا قضايا أخرى تنطلق من الأطعمة لكنها تظهر أزمات سوسيوثقافية تعاني منها هذه البلدان. فقد انتبهت إلى أنه في كل مكان كانت البيتزا تحل محل الأطعمة التقليدية الأصيلة، التي تحتفظ بنكهات التاريخ والأصول والهوية. كما تعبر عن تخوفها من الانتحال والتهجين الذي يحدث للوجبات التقليدية الأصلية، التي تعرف بها دول دون سواها. فهي في الوقت الراهن تنقل وتعدل فتفقد نكهاتها الأصلية وهويتها الثقافية وفي وقت لاحق ربما ستنقرض بصفة نهائية ومعها عمل متقن ومعرفة فريدة.
كانت هذه الرحلات معينا خصبا للروائية لنسج موضوعات كتبها. مثلا استلهمت من إقامتها في كيب تاون قصتها الشهيرة «المرأة المتوحشة»، المستوحاة من جريمة قتل ارتكبتها امرأة سوداء. وبعد هذه الرحلات، تعيد ماريز كوندي اكتشاف مدينة نيويورك، حيث درست في جامعة كولومبيا لمدة عشر سنوات، ثم باريس، حيث تعيش الآن. هذه الأماكن التي تتباهى بمنابعها غير المحدودة وتحتفي بها من خلال الأطعمة والنكه
السعادة في الطبق
سعيد بوكرامي
1
يمكن قراءة الكتاب الجديد للروائية الغوادلوبية ماريز كوندي على أنه استمرارية لكتابها السابق «الحياة دون مساحيق،» الذي يعتبره النقاد سيرة ذاتية لها، نشرت عام 2012. وفي سيرتها الجديدة «أطعمة وعجائب» الصادرة عن دار ج. س. لاتيس بفرنسا 2015، لا نجد الطبخ، بوصفاته ونكهاته، موضوعا للكتاب، فحسب. ولكن هناك أيضا كتابة عن الأسفار وخبرات الحياة المهنية الغنية. عن التنوع الثقافي والاثنى والواقع الاجتماعي للشعوب، التي زارتها الكاتبة وكتبت عنها. عن أفريقيا، وفرنسا، وجوادلوب، والهند، والولايات المتحدة، واليابان، وكوبا، وجامايكا.. تستدعي من خلالها آمالها وخيباتها، كما في كتابها السابق تتحدث الكاتبة عن القضايا الاجتماعية والأدب والسياسة والتاريخ، بأسلوب أنيق وسهل المنال.
لا نخلط في سرد ماريز بين عالم الطبخ والكتابة، فإن كان هناك تزاوج بين الأواني والأقلام، فإن ماريز كوندي تتدخل ببراعة للفصل بين الأدب والطبخ، لأن مقصدية الروائية كانت أن تجمع بانسجام بين ملذات الطعام ولذة اللغة. هذه التجربة اقترفتها الكاتبة في كتابها «فيكتوار، النكهات والكلمات» الصادر عن (ميركيور دو فرانس، عام 2006)، حيث رسمت بورتريها لجدتها من أمها، التي على الرغم من كونها أمية فقد كانت مبدعة حقيقية في الطبخ، تشبه أعظم الشعراء. حسب تعبيرها فوصفات الجدة تضاهي السوناتات التي كتبها بودلير، تنسجم فيها «العطور والألوان والأصوات» تعترف ماريز كوندي بحبها للطبخ، مستدعية ذكرياتها الحلوة والمرة.
كانت جدة ماريز تمتهن الطبخ لدى أسرة من البيض الكولونياليين، لهذا جعلت الطفلة، في وقت مبكر جدا المطبخ ملجأ لها من ضراوة العالم الخارجي حيث نظام الاسترقاق على أشده. كانت تجد في المطبخ فضاء للعب فكلما سنحت لها الفرصة للاستمتاع بتعديل الوصفات التقليدية التي يعدها الخدم، فهي تفعل ذلك باستمتاع، لكن شغفها بالطبخ، كانت يقابله للأسف، تثبيط من طرف الجدة التي تصدر حكمها النهائي: «الأشخاص الأغبياء فقط من يتحمسون للطهي». هذا الموقف، ما تحاول الساردة فيما بعد أن تستعيد وقعه وتفاصيله كي تعبر عنه بشعور يمزج بين التثبيط، والخجل. وربما هذا ما دفع الصبية إلى نوع من الرغبة في الاختراق، وتحدي الحظر. إذ حولت حبها للطبخ إلى «حلم بالحرية»، الحرية التي تعتبر جزءا لا يتجزأ من شخصية ماريز كوندي وما زالت اليوم تهاجم بشراسة أشكال الظلم في كل مكان من العالم.
هذا الاهتمام بإعداد أصناف الطعام وسبر أصولها ومرجعياتها الثقافية، رافقها طوال حياتها كروائية اشتهرت في أنحاء العالم كله كروائية فريدة بمتنها وشخصيتها القوية ومن خلال رحلاتها أيضا. بحيث كان الطبخ موضوع بحث متواصل كفن وعنصر ثقافي مهم بل وكان يأخذ أولوية حاسمة للتعرف على الشعوب وتاريخها: «إن الطبخ يعكس في أي بلد شخصية وخاصيات سكانه، كما أنه يثري الخيال»،
في مضان الكتاب جميعها نصادف دعوة صريحة من الكاتبة للقارئ كي يرافقها إلى إنجلترا في جامايكا والهند واليابان وجنوب أفريقيا.. حكايات سفر آسرة الواحدة تلو الأخرى تسردها ماريز كوندي بدون مساحيق. في كوبا، مثلا تعبر عن أسفها لأنها لم تر ما يكفي من معالم المدينة القديمة، «مجموعة معمارية نادرة وثمينة جدا في بلدنا الكاريبي حيث كل شيء يبدو دائما نتيجة السلب والنهب والمقايضة»، لكن ما يهمها في الحقيقة هو ما يقدم إليها من أطباق ساحرة تختزن تاريخ أمريكا اللاتينية خلال سعادتها وأحزانها. أما في الهند، فيثير انتباهها القلق الطافح من وجوه الهنود من العنصرية وخيبة الأمل من الحاضر، تدقق النظر فيما يقدم لها من أطباق الطعام التي تغلب عليها البهارات والألوان وكأنها أطعمة ترتدي أقنعة عن الألم والأمل، كما تتحدث عن خيبة الأمل نفسها التي اصطدمت بها في بلدها الغوادلوب التي عادت إليها بعد سنوات طويلة من المنفى، فكانت الصدمة أن لا أحد يعرفها أو يعرف كتبها. كما تثير الانتباه إلا قضايا أخرى تنطلق من الأطعمة لكنها تظهر أزمات سوسيوثقافية تعاني منها هذه البلدان. فقد انتبهت إلى أنه في كل مكان كانت البيتزا تحل محل الأطعمة التقليدية الأصيلة، التي تحتفظ بنكهات التاريخ والأصول والهوية. كما تعبر عن تخوفها من الانتحال والتهجين الذي يحدث للوجبات التقليدية الأصلية، التي تعرف بها دول دون سواها. فهي في الوقت الراهن تنقل وتعدل فتفقد نكهاتها الأصلية وهويتها الثقافية وفي وقت لاحق ربما ستنقرض بصفة نهائية ومعها عمل متقن ومعرفة فريدة.
كانت هذه الرحلات معينا خصبا للروائية لنسج موضوعات كتبها. مثلا استلهمت من إقامتها في كيب تاون قصتها الشهيرة «المرأة المتوحشة»، المستوحاة من جريمة قتل ارتكبتها امرأة سوداء. وبعد هذه الرحلات، تعيد ماريز كوندي اكتشاف مدينة نيويورك، حيث درست في جامعة كولومبيا لمدة عشر سنوات، ثم باريس، حيث تعيش الآن. هذه الأماكن التي تتباهى بمنابعها غير المحدودة وتحتفي بها من خلال الأطعمة والنكه
تبدو رسائل التي يتبادلها القراء أعذب أحيانًا من الرسائل التي يتبادلها الكتّاب فيما بينهم. رسائل القراء تفيض حيوية وخفّة، أقل فلسفة وهم محمّلين بأعبائهم اليومية الشّاقة، فهم مزارعون، نساء عاملات، بائعات المشروبات الروحية والعطرية صانعات الكعك والجبن، الصابون ومشابك الشعر، قاطعي أخشاب، حاملي أسرار عن الحرب والجلاء، عن الخونة والوطنيين، وأطفال يرحّلون بعيدًا وهم يتمزقون فزعًا وأيديهم التي تلوّح تتوق لأمل يعيدهم لطفولتهم المسلوبة وأحضان أمهاتهم، لآباء يقيسون أطوالهم كما نمت شقاوتهم..... هؤلاء جميعًا كأنهم تكدّسوا في علبة سكاكر منزلية الصنع هي أكثر غزارة من واقع بقبضة الغزاة، هؤلاء الذين يحتويهم حب القراءة والكتب وسرد الحكايات.
هذا الكتاب كعكة مخبوزة بعناية من فرن الأمهات، شتلة محفوفة بالأشجار والزهور من معاول المزارعين!
هذا الكتاب كعكة مخبوزة بعناية من فرن الأمهات، شتلة محفوفة بالأشجار والزهور من معاول المزارعين!
"الرواية هي صرخة الكتاب في هذا العالم الخراب".
إبراهيم عبدالمجيد|روائي مصري
إبراهيم عبدالمجيد|روائي مصري
قصتنا : محمد عبدالنبي
كتب بلال رمضان
ينشر "اليوم السابع" قصة الكاتب والمترجم محمد عبد النبى، الفائزة بجائزة ArabLit آراب ليت، فى دورتها الأولى، والخاصة بالقصة القصيرة العربية المترجمة إلى لغة الإنجليزية، وهى قصة بعنوان "قصتنا" نقلها إلى اللغة الإنجليزية المترجم روبن موجر. وتقدر قيمة الجائزة بـ250 دولارًا يتقاسمها كل من مؤلف القصة ومترجمها.
ونشرت القصة الفائزة لأول مرة فى مجموعة قصصية للكاتب بعنوان "كما يذهب السيل بقرية نائمة" عام 2014 فى القاهرة عن دار ميريت للنشر، وقد فازت المجموعة بجائزة أفضل مجموعة قصصية فى معرض القاهرة الدولى للكتاب عام 2015.
تشكلت لجنة تحكيم هذا العام من ثلاثة أشخاص هم: المترجمة ثريا الريس والروائية رقية عز الدين، والروائى معن أبو طالب – وقد أشاروا على وجه الخصوص إلى نبرة الصوت فى النص الأصلى للقصة وكيف ترددت وأعيد تشييدها فى النسخة المترجمة.
قصتنا.. للكاتب محمد عبد النبى
إذا أردتم أن تتخيلوا حال بلدتنا بعد جريمة القتل الأولى، فيمكنكم أن تتخيلوا سيدةً مُسنة تستعيدُ فجأةً مذاق رعشة اللذة، وكأنها رجعت مراهقة بجدائل فاحمة غليظة، يمكن للعشاق أن يتعلقوا فيها ويتأرجحوا. هكذا استقبلتْ بلدتنا المنسية أول أنباء القتل، برعشة خوفٍ لذيذ راح ينتقل من فمٍ إلى فم ومن دارٍ إلى دار. وإذا كان تشبيهنا السابق يروق لأحدكم يستطيع أن يعاينه بنفسه، ونحن ندعوه ألا يتردد فى رسم باب على هذا الجدار الآن، ثم يفتحه ويدخل، وسيجد بالداخل المرأة إياها مع مرآة فى يدها؛ مرآة صغيرة مكسّرة الحواف، يمكنها أن تجرح، وأن تقتل ربما، فى ظروفٍ بعينها، مرآة فقيرة تماماً مثل بلدتنا هذه، رغم مزارعها وبساتينها، باسمها الغريب، الفقير أيضاً، اسم عُملة قديمة تم الاستغناء عنها من قرون، فلعلّكم ابتسمتم بينما تقرؤون أخبارنا الأولى فى صُحفكم، أو على شاشات الكمبيوتر طبعاً، وقلتم: "بلد اسمه عجيب جداً".
لا تخافوا على صاحبكم الذى دخل إلى المرأة قبل قليل، وأغلق من ورائه الباب، سيكون قادراً على الرجوع فى أى وقتٍ يشاء، المشكلة أنه قد تفوته القصة.
نعم، فى بلدتنا قاتل طليق، وهو واحد من أهلها بالتأكيد، ليس غريباً أو عابراً، فنادراً ما يزورنا غرباء، وإذا زارونا لا يبيتون ليلتهم بيننا، رغم أن فنادقنا نظيفة وأسعارها معقولة كما اكتشفتم بأنفسكم، وحتى إذا حدث أن باتَ بعضُهم هنا ليلة أو أكثر يبقى تحت أعيننا لحظةً بلحظة، ويُحصى بعضُ أهل البلدة حركاته خطوةً خطوة، ليس من باب التجسس على الآخرين، فلسنا همجيين، بل لمجرد اختزان تلك المشاهد عند الحاجة إليها أيامَ الفراغ، حين يُذكّر بعضنا البعض بطريقة مشى هذا الغريب أو بثياب تلك الزائرة، وهكذا تمر الليالى، لكن لماذا قد يزورنا زائر؟ فليس لدينا شواطئ صالحة للسباحة واللعب، ولا صحراء فاتنة مُرصعة بالسراب والواحات وعيون الماء، ولا جبالنا بها معابد أو كنائس تاريخية، بل إننا لا نملك مزاراً لولى صالح واحد. تعرفون هذا من الآن، فلا تقولوا وأنتم تنفخون: "لا شيء يستحق الرؤية فى بلد الشيطان هذا"، نعرف أنكم لا تقصدون الإساءة، فلن نغضب، وإن كان غضبنا مثل فرحنا سريع الزوال، وربما تقصدون بالشيطان قاتلنا الطليق، ولتسمعوا قصته من بدايتها بألسنتنا نحن.
أول الأمر عثرنا على سائق عربة أجرة مخنوق بحبل، رأسه مستريح على عجلة القيادة، ولسانه متدلٍ من فمه وكأنه يغيظ رجال الشرطة، الذين تجمّعوا حولَ مسرح الجريمة فى الساعات الأولى من الصباح، بأزيائهم البنفسجية اللامعة التى تميز شرطة بلدتنا. كانوا مرتبكين، فرغم أنهم تلقوا تأهيلاً لا يختلف كثيراً عما يتلقاه رجال الشرطة لديكم، فإن الخبرة لا غنى عنها فى مثل تلك الظروف، وهم من هذه الناحية صحيفة سوابقهم بيضاء تماماً، مثل ضفائر هذه المرأة التى اختلى بها الآن ضيفنا الجريء، ليكتشف بنفسه كيف يمكن لتشبيه أن يتحول إلى جسدٍ حي.
رد فعلنا الأول كان الذهول والصمت التام. لم ندر ماذا علينا أن نفعل، فهل نخاف؟ هل نتحمس؟ هل نحبس أولادنا فى البيوت؟ هل نتوب إلى الله؟ وبعد أيام، والشرطة مازالت مرتبكة، تجرأ أحدنا على الكلام حول الواقعة، وشجّع هذا آخر إلى جواره على مناقشة الموضوع معه، وهكذا رُحنا جميعاً نتخبط بين علامات الاستفهام وعلامات التعجب؛ علامات بأحجام مختلفة، تتحرك وتقفز بألوان فسفورية حادة شأن كل شيء فى بلدتنا، ونرجو ألا يؤذى أعينكم المرهفة هذا الإفراط فى التلوين. وبينما نتخبط رحنا نتحدث ونتحدث: أليس من حقنا أن يكون لدينا نحن أيضاً مجرمون مخيفون؟ هل من حق المدن الكبرى وحدها أن تحتكر السفّاحين كما تحتكر صناعة السينما والمشروبات الغازية والفضائح السياسية، إلى آخره، وأنتم أدرى منا بكل هذا؟ وربما تكون هذه الحادثة هى نقطة انطلاقنا، مجرد بداية نحو المجد والتاريخ والخلود، إلى آخره، وكلها أشياء طالما سمعنا عنها من خلالكم، وطبعاً أنتم أدرى منا بها. المهم، عادتْ العجوز صبية وحلّتْ ضفائرها، وراح الناس يدربون ألسنتهم على إخفاء لكنت
كتب بلال رمضان
ينشر "اليوم السابع" قصة الكاتب والمترجم محمد عبد النبى، الفائزة بجائزة ArabLit آراب ليت، فى دورتها الأولى، والخاصة بالقصة القصيرة العربية المترجمة إلى لغة الإنجليزية، وهى قصة بعنوان "قصتنا" نقلها إلى اللغة الإنجليزية المترجم روبن موجر. وتقدر قيمة الجائزة بـ250 دولارًا يتقاسمها كل من مؤلف القصة ومترجمها.
ونشرت القصة الفائزة لأول مرة فى مجموعة قصصية للكاتب بعنوان "كما يذهب السيل بقرية نائمة" عام 2014 فى القاهرة عن دار ميريت للنشر، وقد فازت المجموعة بجائزة أفضل مجموعة قصصية فى معرض القاهرة الدولى للكتاب عام 2015.
تشكلت لجنة تحكيم هذا العام من ثلاثة أشخاص هم: المترجمة ثريا الريس والروائية رقية عز الدين، والروائى معن أبو طالب – وقد أشاروا على وجه الخصوص إلى نبرة الصوت فى النص الأصلى للقصة وكيف ترددت وأعيد تشييدها فى النسخة المترجمة.
قصتنا.. للكاتب محمد عبد النبى
إذا أردتم أن تتخيلوا حال بلدتنا بعد جريمة القتل الأولى، فيمكنكم أن تتخيلوا سيدةً مُسنة تستعيدُ فجأةً مذاق رعشة اللذة، وكأنها رجعت مراهقة بجدائل فاحمة غليظة، يمكن للعشاق أن يتعلقوا فيها ويتأرجحوا. هكذا استقبلتْ بلدتنا المنسية أول أنباء القتل، برعشة خوفٍ لذيذ راح ينتقل من فمٍ إلى فم ومن دارٍ إلى دار. وإذا كان تشبيهنا السابق يروق لأحدكم يستطيع أن يعاينه بنفسه، ونحن ندعوه ألا يتردد فى رسم باب على هذا الجدار الآن، ثم يفتحه ويدخل، وسيجد بالداخل المرأة إياها مع مرآة فى يدها؛ مرآة صغيرة مكسّرة الحواف، يمكنها أن تجرح، وأن تقتل ربما، فى ظروفٍ بعينها، مرآة فقيرة تماماً مثل بلدتنا هذه، رغم مزارعها وبساتينها، باسمها الغريب، الفقير أيضاً، اسم عُملة قديمة تم الاستغناء عنها من قرون، فلعلّكم ابتسمتم بينما تقرؤون أخبارنا الأولى فى صُحفكم، أو على شاشات الكمبيوتر طبعاً، وقلتم: "بلد اسمه عجيب جداً".
لا تخافوا على صاحبكم الذى دخل إلى المرأة قبل قليل، وأغلق من ورائه الباب، سيكون قادراً على الرجوع فى أى وقتٍ يشاء، المشكلة أنه قد تفوته القصة.
نعم، فى بلدتنا قاتل طليق، وهو واحد من أهلها بالتأكيد، ليس غريباً أو عابراً، فنادراً ما يزورنا غرباء، وإذا زارونا لا يبيتون ليلتهم بيننا، رغم أن فنادقنا نظيفة وأسعارها معقولة كما اكتشفتم بأنفسكم، وحتى إذا حدث أن باتَ بعضُهم هنا ليلة أو أكثر يبقى تحت أعيننا لحظةً بلحظة، ويُحصى بعضُ أهل البلدة حركاته خطوةً خطوة، ليس من باب التجسس على الآخرين، فلسنا همجيين، بل لمجرد اختزان تلك المشاهد عند الحاجة إليها أيامَ الفراغ، حين يُذكّر بعضنا البعض بطريقة مشى هذا الغريب أو بثياب تلك الزائرة، وهكذا تمر الليالى، لكن لماذا قد يزورنا زائر؟ فليس لدينا شواطئ صالحة للسباحة واللعب، ولا صحراء فاتنة مُرصعة بالسراب والواحات وعيون الماء، ولا جبالنا بها معابد أو كنائس تاريخية، بل إننا لا نملك مزاراً لولى صالح واحد. تعرفون هذا من الآن، فلا تقولوا وأنتم تنفخون: "لا شيء يستحق الرؤية فى بلد الشيطان هذا"، نعرف أنكم لا تقصدون الإساءة، فلن نغضب، وإن كان غضبنا مثل فرحنا سريع الزوال، وربما تقصدون بالشيطان قاتلنا الطليق، ولتسمعوا قصته من بدايتها بألسنتنا نحن.
أول الأمر عثرنا على سائق عربة أجرة مخنوق بحبل، رأسه مستريح على عجلة القيادة، ولسانه متدلٍ من فمه وكأنه يغيظ رجال الشرطة، الذين تجمّعوا حولَ مسرح الجريمة فى الساعات الأولى من الصباح، بأزيائهم البنفسجية اللامعة التى تميز شرطة بلدتنا. كانوا مرتبكين، فرغم أنهم تلقوا تأهيلاً لا يختلف كثيراً عما يتلقاه رجال الشرطة لديكم، فإن الخبرة لا غنى عنها فى مثل تلك الظروف، وهم من هذه الناحية صحيفة سوابقهم بيضاء تماماً، مثل ضفائر هذه المرأة التى اختلى بها الآن ضيفنا الجريء، ليكتشف بنفسه كيف يمكن لتشبيه أن يتحول إلى جسدٍ حي.
رد فعلنا الأول كان الذهول والصمت التام. لم ندر ماذا علينا أن نفعل، فهل نخاف؟ هل نتحمس؟ هل نحبس أولادنا فى البيوت؟ هل نتوب إلى الله؟ وبعد أيام، والشرطة مازالت مرتبكة، تجرأ أحدنا على الكلام حول الواقعة، وشجّع هذا آخر إلى جواره على مناقشة الموضوع معه، وهكذا رُحنا جميعاً نتخبط بين علامات الاستفهام وعلامات التعجب؛ علامات بأحجام مختلفة، تتحرك وتقفز بألوان فسفورية حادة شأن كل شيء فى بلدتنا، ونرجو ألا يؤذى أعينكم المرهفة هذا الإفراط فى التلوين. وبينما نتخبط رحنا نتحدث ونتحدث: أليس من حقنا أن يكون لدينا نحن أيضاً مجرمون مخيفون؟ هل من حق المدن الكبرى وحدها أن تحتكر السفّاحين كما تحتكر صناعة السينما والمشروبات الغازية والفضائح السياسية، إلى آخره، وأنتم أدرى منا بكل هذا؟ وربما تكون هذه الحادثة هى نقطة انطلاقنا، مجرد بداية نحو المجد والتاريخ والخلود، إلى آخره، وكلها أشياء طالما سمعنا عنها من خلالكم، وطبعاً أنتم أدرى منا بها. المهم، عادتْ العجوز صبية وحلّتْ ضفائرها، وراح الناس يدربون ألسنتهم على إخفاء لكنت
هم المحلية، استعداداً للتحدث إلى وسائل الإعلام، لعلكم لاحظتم هذا أيضاً، وانتظرنا وصول كاميرات وميكروفونات المحطات الفضائية، والمراسلين والمذيعات، وطال انتظارنا، ولم يشغل خبر مقتل سائق الأجرة إلا سطوراً قليلة لديكم، ونسيه الجميع الأمر كأن لم يكن، وأوشكنا على اليأس، وجاهر البعض بكراهيته لهذا القاتل الذى أغرانا بالأمانى ثم انتهى أمره قبل أن يبدأ، لكننا قبل أن نُسرّب آخر قطرات الأمل من نفوسنا وقعتْ الواقعة الثانية.
أبلغت عائلة كبيرة من مالكى مزارع العنب عن اختفاء صغرى الحفيدات، دُمية جميلة لم تصل بعد إلى سن المدرسة، وكما علمتم من الصحف فقد نشط الأهالى فى البحث، نحن، فها أنتم ترون بأعينكم من قرأتم أنهم نشطوا فى البحث، نعم، نشطنا، نعم، بحثنا، وليتكم كنتم معنا وجميعنا غرقى فى بحرٍ من الحماس والعرق والخوف واللهاث، ونداء أمها الشابة الجميلة باسم ابنتها يتردد فى كل ركنٍ من البلدة. هذا مشهد جيد جداً، نُشير إلى هذا الآن، إذا فكّر أحدكم فى تحويل الحكاية إلى عملٍ دراميّ. كنا واثقين من موت الصغيرة، فقاتلنا لن يخذلنا، وكلٌ منا يتمنى فى نفسه أن يكون هو من يعثر على جثتها قبل الآخرين، حتى يندس اسمه على الأقل بين سطور الخبر، لكن لم يجدها سوى أعمامها أنفسهم، غير بعيدٍ عن سياج مزارعهم، نائمة على إطار شاحنة، وتسبح على سطح إحدى قنوات الرى، مغمضة العينين وبين يديها كيس الفشار مازال ممتلئاً.
لا تفاجئنى نظرات الدهشة على وجوهكم كلما قلتُ شيئا مثل إطار شاحنة أو قنوات رى أو حتى كيس فشار، لو أقمتم بيننا لبعض الوقت لاكتشفتم المزيد بأنفسكم من أمارات التقدم والحضارة.
كلا، لم يُهتَك عرضها، قاتلُنا عفيف مع هذا، ليس وحشاً، ولا جدوى من البحث عمّا يربط سائق الأجرة بالحفيدة الصغيرة، فهذه أمور نراها فقط فى أفلامكم، أو ربما هى عادات السفاحين لديكم أنتم، الاختيار وفق صفات محددة، أو حسب ترتيب يُمليه مرضٌ نفسى أو هوسٌ مسيّطر. إنه إنسان طبيعى تماماً، مثلنا جميعاً، ربما يعانى الضجر، ربما يبحث عن شيء لا يعرف اسمه، شيء يعيد له إحساسه بوجوده. إن بدا لكم هذا تعاطفاً مع القاتل فلا بأس، هذا أيضاً تعلمناه من أفلامكم.
ثم نأتى للواقعة الثالثة، والتى جرت فى قيظ الظهيرة الذى هو لدينا كالمهل يشوى الوجوه، وداخل دار السينما الوحيدة بميدان البلدة، التى تدور مراوح سقفها مثل دوامات عنيدة لها أزيز يغطى على حوار الممثلين والموسيقى التصويرية. قيل إنه كان يضع قبعة عريضة الحواف، قبعة تقليدية يستعملها أغلب المزارعين والعمّال هنا، ويخفى عينيه تحت نظارة سوداء. هل هذا يعنى أن الفاعل المجهول ذكر؟ ألمح آخرون إلى احتمال العكس، وأنها أنثى رفعت شعرها تحت القبعة، لكن من يدري؟ موظفة شباك التذاكر ذكرت أنه أسمر، لكن البوّاب الذى تناول منه التذكرة قال إنه أشقر، أمّا الوحيد الذى لم يُدلِ بدلوه فى هذا الجدل فقد كان العامل الذى أرشده إلى كرسيه وقاده بمصباح يدوى فى القاعة الواسعة المظلمة، ذلك لأنه تلقى طعنة خنجر عميقة، بين ضلوعه، فانحطّ فى مكانه بين الصفين الأخيرين، نازفاً حياته بهدوء، بينما تنسج المشاهد الافتتاحية بوادر قصة الحب. واختفى الشبح بالطبع قبل افتراق البطل والبطلة، ولم نكتشف جثة الضحية إلا بعد قُبلة النهاية السعيدة. عندئذٍ فقط استطعنا أن نجذب انتباهكم، جئتم بربطة المعلم كما يُقال، وبدأ أخيراً الهرج والمرج، الآن وقد أتيتم وانتشرتم فى الأماكن الحقيقية للأحداث، بدأت اللعبة الحقيقية، الآن لن يستطيع صاحبنا أن يتراجع بالمرة، بعد أن كسب كل هذا القدر من الجمهور.
سوف نذهبُ معاً إلى مشوارٍ صغير، حتى مجلس المدينة، حيث يُقال إن مفاجأة جديدة وقعت قبل دقائق، حين تلوى ثعبانٌ من الدم خارج دورة مياه السيدات هناك، فانتبه الفراشون للضحية الجديدة، موظفة قديمة عُرفت بجديتها وإخلاصها للعمل.
وصلنا، كما ترون فإن زيارة مجلس المدينة شيء يستحق الجهد، المبنى تحفة هندسية عتيقة، ومع ذلك فاقتربوا هنا، ها هى، مازالتْ الضحية تسبح فى دمائها الطازجة، وتبتسم ابتسامةً مضيئة لم يرها أحدٌ على وجهها فى السابق وهى حية تُرزق. تستطيعون طبعاً التقاط الصور، نحن بلدةٌ كريمة. لاحظوا هذه الابتسامة النورانية على وجه القتيلة مثل مَن تجلى له الله دون إشعارٍ مسبق، لا بدّ أنها ماتت سعيدة، بعد أن عرفت أخيراً هوية القاتل الذى يحيّر الشرق والغرب، الأمر الأروع أنها سوف تحتفظ لنفسها بهذا السر إلى الأبد. لم تنتهِ قصتنا بعد، فابقوا معنا.
أبلغت عائلة كبيرة من مالكى مزارع العنب عن اختفاء صغرى الحفيدات، دُمية جميلة لم تصل بعد إلى سن المدرسة، وكما علمتم من الصحف فقد نشط الأهالى فى البحث، نحن، فها أنتم ترون بأعينكم من قرأتم أنهم نشطوا فى البحث، نعم، نشطنا، نعم، بحثنا، وليتكم كنتم معنا وجميعنا غرقى فى بحرٍ من الحماس والعرق والخوف واللهاث، ونداء أمها الشابة الجميلة باسم ابنتها يتردد فى كل ركنٍ من البلدة. هذا مشهد جيد جداً، نُشير إلى هذا الآن، إذا فكّر أحدكم فى تحويل الحكاية إلى عملٍ دراميّ. كنا واثقين من موت الصغيرة، فقاتلنا لن يخذلنا، وكلٌ منا يتمنى فى نفسه أن يكون هو من يعثر على جثتها قبل الآخرين، حتى يندس اسمه على الأقل بين سطور الخبر، لكن لم يجدها سوى أعمامها أنفسهم، غير بعيدٍ عن سياج مزارعهم، نائمة على إطار شاحنة، وتسبح على سطح إحدى قنوات الرى، مغمضة العينين وبين يديها كيس الفشار مازال ممتلئاً.
لا تفاجئنى نظرات الدهشة على وجوهكم كلما قلتُ شيئا مثل إطار شاحنة أو قنوات رى أو حتى كيس فشار، لو أقمتم بيننا لبعض الوقت لاكتشفتم المزيد بأنفسكم من أمارات التقدم والحضارة.
كلا، لم يُهتَك عرضها، قاتلُنا عفيف مع هذا، ليس وحشاً، ولا جدوى من البحث عمّا يربط سائق الأجرة بالحفيدة الصغيرة، فهذه أمور نراها فقط فى أفلامكم، أو ربما هى عادات السفاحين لديكم أنتم، الاختيار وفق صفات محددة، أو حسب ترتيب يُمليه مرضٌ نفسى أو هوسٌ مسيّطر. إنه إنسان طبيعى تماماً، مثلنا جميعاً، ربما يعانى الضجر، ربما يبحث عن شيء لا يعرف اسمه، شيء يعيد له إحساسه بوجوده. إن بدا لكم هذا تعاطفاً مع القاتل فلا بأس، هذا أيضاً تعلمناه من أفلامكم.
ثم نأتى للواقعة الثالثة، والتى جرت فى قيظ الظهيرة الذى هو لدينا كالمهل يشوى الوجوه، وداخل دار السينما الوحيدة بميدان البلدة، التى تدور مراوح سقفها مثل دوامات عنيدة لها أزيز يغطى على حوار الممثلين والموسيقى التصويرية. قيل إنه كان يضع قبعة عريضة الحواف، قبعة تقليدية يستعملها أغلب المزارعين والعمّال هنا، ويخفى عينيه تحت نظارة سوداء. هل هذا يعنى أن الفاعل المجهول ذكر؟ ألمح آخرون إلى احتمال العكس، وأنها أنثى رفعت شعرها تحت القبعة، لكن من يدري؟ موظفة شباك التذاكر ذكرت أنه أسمر، لكن البوّاب الذى تناول منه التذكرة قال إنه أشقر، أمّا الوحيد الذى لم يُدلِ بدلوه فى هذا الجدل فقد كان العامل الذى أرشده إلى كرسيه وقاده بمصباح يدوى فى القاعة الواسعة المظلمة، ذلك لأنه تلقى طعنة خنجر عميقة، بين ضلوعه، فانحطّ فى مكانه بين الصفين الأخيرين، نازفاً حياته بهدوء، بينما تنسج المشاهد الافتتاحية بوادر قصة الحب. واختفى الشبح بالطبع قبل افتراق البطل والبطلة، ولم نكتشف جثة الضحية إلا بعد قُبلة النهاية السعيدة. عندئذٍ فقط استطعنا أن نجذب انتباهكم، جئتم بربطة المعلم كما يُقال، وبدأ أخيراً الهرج والمرج، الآن وقد أتيتم وانتشرتم فى الأماكن الحقيقية للأحداث، بدأت اللعبة الحقيقية، الآن لن يستطيع صاحبنا أن يتراجع بالمرة، بعد أن كسب كل هذا القدر من الجمهور.
سوف نذهبُ معاً إلى مشوارٍ صغير، حتى مجلس المدينة، حيث يُقال إن مفاجأة جديدة وقعت قبل دقائق، حين تلوى ثعبانٌ من الدم خارج دورة مياه السيدات هناك، فانتبه الفراشون للضحية الجديدة، موظفة قديمة عُرفت بجديتها وإخلاصها للعمل.
وصلنا، كما ترون فإن زيارة مجلس المدينة شيء يستحق الجهد، المبنى تحفة هندسية عتيقة، ومع ذلك فاقتربوا هنا، ها هى، مازالتْ الضحية تسبح فى دمائها الطازجة، وتبتسم ابتسامةً مضيئة لم يرها أحدٌ على وجهها فى السابق وهى حية تُرزق. تستطيعون طبعاً التقاط الصور، نحن بلدةٌ كريمة. لاحظوا هذه الابتسامة النورانية على وجه القتيلة مثل مَن تجلى له الله دون إشعارٍ مسبق، لا بدّ أنها ماتت سعيدة، بعد أن عرفت أخيراً هوية القاتل الذى يحيّر الشرق والغرب، الأمر الأروع أنها سوف تحتفظ لنفسها بهذا السر إلى الأبد. لم تنتهِ قصتنا بعد، فابقوا معنا.
"يبدو مانغويل سعيداً بمنصبه الجديد، وهو الكاره الأكبر للمكتبات العامة التي تعني انتهاك الخصوصيّة بالضرورة، حيث لا يكتمل معنى الكتاب والمكتبة إلا بكونها حيّزاً شخصياً للمرء لا يقاسمه فيه أحد. أو ربما يبدو قبوله بمركز مدير المكتبة الوطنيّة بمثابة انغلاقة الصندوق الأخيرة على الكتب بعد توضيبها، حيث انتهت حياته الشخصيّة بنهاية مكتبته الشخصيّة وبدأت مرحلة الشيخوخة العامة. أو ربما كان تداعي ذكرياته عن مكتبته الضخمة بمثابة تداعٍ (تحطّم) حرفيّ لها، حيث لم تُفده شيئاً لو قارنّاها بمكتبة بورخيس الضئيلة. نمّى مانغويل مكتبته وعاش حياته متنقّلاً في الأمكنة والأمكنة، ثم استقرّ أخيراً كأيّ بيروقراطيّ عجوز آخر بعدما انهارت مكتبته، بينما كان بورخيس بمكتبته الشخصيّة الضئيلة هو المكتبة العامة بذاتها، حيث تتعايش الأزمنة والأمكنة بين الدفّتين".
مقتطع من مراجعة المترجم "يزن الحاج" لكتاب :ذاكرة القراءة" لمانغويل.
مقتطع من مراجعة المترجم "يزن الحاج" لكتاب :ذاكرة القراءة" لمانغويل.
Nwf.com: قلبها التاسع - قصص قصيرة جداً: ليلى البلوشي: كتب
http://www.neelwafurat.com/itempageMobile.aspx?id=lbb242458-223286&search=books
http://www.neelwafurat.com/itempageMobile.aspx?id=lbb242458-223286&search=books
Nwf.com: رسائل حب مفترضة بين هنري ميللر وأناييس ن: ليلى البلوشي: كتب
http://www.neelwafurat.com/itempageMobile.aspx?id=lbb229552-207966&search=books
http://www.neelwafurat.com/itempageMobile.aspx?id=lbb229552-207966&search=books
Nwf.com: هواجس غرفة العالم: ليلى البلوشي: كتب
http://www.neelwafurat.com/itempageMobile.aspx?id=lbb228978-207371&search=books
http://www.neelwafurat.com/itempageMobile.aspx?id=lbb228978-207371&search=books