هواجس غرفة العالم ( ليلى عبدالله )
6.68K subscribers
3.42K photos
399 videos
72 files
1.13K links
ثقافي ، فكري ، أدبي ، إنساني. .
Download Telegram
ن المرات جعلتني أقرأ لها الكتاب. لا بدّ أنها مائة مرَّة على الأقل. لقد بدأت تقرأ منذ أن كانت طفلة، إلا أنها أحبَّت أن أقرأ لها ذلك الكتاب بصوت عال. ومع أنها حفظت القصة، كانت تأخذها الحماسة في كل مرة أقرأها. جزؤها المفضَّل كان عن الكركند كوادريل. إنني أتذكر حتى الآن ذلك الجزء كلمةً كلمة.

قلت: مع أنّه لا يوجد أرنب.

قالت: سألقي نظرة على الداخل

قلت: كوني حذرة.

لقد كانت حفرة ضيقة حقًّا (تشبه كازا-آنا بحسب تعريف خالي)، بيْد أنَّ أختي الصغيرة كانت قادرة على الانزلاق فيها دون عناء. كان معظم جسدها في الداخل وخرج النصف السفلي من ساقيها فقط. بدا وأنها قد أشعلت مصباحها اليدوي داخل الحفرة. ثم خرجت ببطء إلى الوراء.

أخبرتني قائلة: تبدو الحفرة عميقة في الخلف. الأرضية تنخفض بحدَّة. تمامًا مثل حفرة أرنب ألِس. سأعود وأستكشف نهايتها.

قلت: كلا لا تفعلي. إنه خطر جدًّا.

لا بأس. أنا صغيرة الحجم وبوسعي الخروج. لا بأس.

خلعت سترتها الواقية، فبقيت بالتِي شيرت وناولتني السترة والخوذة. وقبل أن أتفوَّه بكلمة اعتراض كانت قد شقَّت طريقها متلويَّةً إلى داخل الكهف ومصباحها في يدها. في لحظة اختفت.

مضى وقت طويل ولم تخرج. لم أتمكَّن من سماع أي صوت.

صحت في داخل الحفرة: كومي، كومي! هل أنت على ما يرام؟

لم تكن هناك إجابة. ومع غياب الصدى، ابتلع الظلام صوتي. بدأ الأمر يقلقني. لعلَّها احتُجزت داخل الحفرة وعجزت عن الحركة إلى الأمام أو إلى الخلف. أو لعلَّها أصيبت بتشنج هناك وغابت عن الوعي. إن حدث ذلك لن أكون قادرًا على مساعدتها. عبرت في رأسي سيناريوهات مريعة شتَّى وأحسست باختناق من الظلام المحيط بي.

إن اختفت أختي الصغيرة حقًّا في الحفرة ولم تعد قط إلى هذا العالم، كيف لي أن أشرح ذلك لوالديّ؟ هل أجري وأخبر خالي الذي ينتظر عند المدخل؟ أو أجلس متوترًا وأنتظر ظهورها؟ انحنيت ونظرت عبر الحفرة. لكنَّ ضوء مصباحي لم يصل بعيدًا. كانت حفرة صغيرة وكان الظلام مخيِّمًا.

صحت ثانية: كومي. ما من إجابة. صحت مرة أخرى بصوت أعلى: كومي. ما من إجابة أيضا. موجة من هواء بارد أصابتني بالقشعريرة في الصميم. قد أفقد أختي إلى الأبد. لعلَّها ابتُلِعت في حفرة ألِس، في عالم السلحفاة الساخرة، والقط تشيشر، وملكة القلوب. عالم لا مكان فيه للمنطق. ما كان ينبغي أن نأتي إلى هنا، فكَّرتُ.

لكنَّ أختي عادت أخيرًا. لم تخرج زاحفة من الخلف كالسابق، وإنما أخرجت رأسها أوَّلا. برز شعرها الأسود أوَّلا من الحفرة، ثم كتفاها وذراعاها، وأخيرًا حذاؤها الرياضي الوردي. وقفت أمامي دون أن تنبس بكلمة، تمطَّت وتنفست تنفسًا عميقًا ونفضت الرمل عن جينزها.

كان قلبي ما يزال يخفق بقوة. مددت يدي ورتَّبت شعرها الأشعث. لم أتمكَّن من ترتيبه جيّدًا في الضوء المعتم داخل الكهف، ولكن بدا أنَّ ثمة رمل وغبار وأوساخ أخرى عالقة بتِي شيرتها الأبيض. ألبستها السترة الواقية وناولتها الخوذة الصفراء.

قلت وأنا أحضنها: اعتقدت أنك لن تعودي.

هل قلقت؟

كثيرًا.

أمسكت بيدي بقوة. وقالت بصوت متحمِّس: لقد تمكَّنت من ضغط جسدي عبر الجزء الضيق، ثمّ عندما مضيت بعيدًا أصبح المكان منخفضًا فجأة، وبدا الأسفل هناك مثل حجرة صغيرة. حجرة دائرية مثل كرة. كان السقف دائريًّا والجدران دائرية والأرضية كذلك. وكان المكان صامتًا جدًّا جدًّا هناك وكأنك حتى لو بحثت في العالم كله لن تجد مكانًا بهذا الصمت. كنت وكأنني في أسفل محيط في حفرة تتعمَّق. أطفأت المصباح وأصبح المكان شديد السواد، ولكنني لم أشعر بالخوف أو الوحدة. تلك الحجرة مكان خاص مسموح لي فقط بدخوله. حجرة خاصة بي وحدي. ما من أحد آخر بوسعه الدخول إلى هناك. ولا أنت تستطيع.

لأنني كبير الحجم.

هزّت أختي الصغيرة رأسها. "صحيح. حجمك كبير لا يسمح لك بالدخول. المدهش حقًّا في ذلك المكان أنه أشد ظلمة من أي مكان يمكن أن يكون مظلمًا. شديد الظلمة إلى حدّ أنك حين تطفئ المصباح تشعر وكأنه بوسعك الامساك بالظلام بيديك. وكأنَّ جسدك يظهر ويختفي شيئًا فشيئًا. ولكنك لا تستطيع رؤية ذلك بسبب الظلام. إنك لا تعلم إن كان ما يزال لك جسد أم لا. ولكن حتى وإن اختفى جسدي تمامًا مثلا سأكون ما زلت هناك. مثل ابتسامة قط تشيشر التي تبقى بعد اختفاء جسده. غريب جدًّا، هاه؟ ولكنني حين كنت هناك لم أفكِّر أنَّ الأمر غريب مطلقًا. أردت أن أبقى هناك إلى الأبد، ولكنني فكرت أنك ستقلق فخرجت."

قلت: "لنخرج من هنا." بدت من شدة الحماسة أنها ستمضي في الكلام إلى الأبد، وكان عليّ أن أضع حدًّا لذلك. "لا أستطيع التنفس جيدًا هنا."

سألتني أختي قلقة: أأنت على ما يرام؟

أنا على ما يرام. أريد فقط أن أخرج.

تشابكت أيدينا وانطلقنا إلى المخرج.

"أتعرف؟" قالت أختي بصوت خفيض ونحن نمشي حتى لا يسمعها أحد آخر (مع أنه لم يكن أحد هناك). "إنّ ألِس توجد حقًّا. لم تكن القصة تأليفًا. كانت حقيقية. الأرنب البري، المجنون هَتَر، قط تشيشر، جنود أوراق اللعب... كلهم موجودون."

قلت: لعلهم ك
أما ما يخص السؤال عن سبب سعادتي؟ أقول: انا لا أملك حساباً على تويتر، ولا على إنستغرام، أنا لست على الإنترنت أصلاً، لذا لا يتهجم أحدٌ علي ويصرخ في وجهي على الإطلاق.
كنت أشاهد ما يحدث على تويتر، من مسافة بعيدة طبعاً، أشاهد كيف يحمل الناس مشاعراً جامحة في التاسعة صباحاً، وأخرى بعد أربع ساعات. يا له من أمرٌ مؤسف حقاً.
لقد ألغى سلمان رشدي Salman Rushdie حسابه معللاً: «لقد امتعضت من نبرة الناس في تويتر، نبرتهم جارحة، ومتسلطة، ومبالغ بعدائيتها. قلت في نفسي: كيف أستطيع تحمّل هذا الوضع؟ كيف يتحدث هؤلاء؟ لم يصدف أن تحدثت شخص هكذا معي في الغرفة ذاتها. كنت أخطط لإلغاء حسابي في وقت أبكر، لولا الانتخابات التي تورطت فيها، إذ كتبت - بعد تصويتي مباشرة- تغريده مثيرة للشفقة، كانت آخر تغريدة لي، كتبت: "أتطلع قدماً للرئيسة هيلاري".. وبعد ذلك صمتُّ تماماً، فكّرت، الآن يجدر بي التوقف، وهذا ما فعلته، ولم أفتقد حسابي ثانية أخرى».
أعرف أن التواصل ضروري للحياة العامة، والحياة الاجتماعية. لكن ماذا عن روحك أنت؟ ألا تفتقدها؟ يجب أن نستعيد الحق في أن نكون مخطئين. أنا اخطئ جميع الأوقات لا شك. لا بأس بالخطأ. إنه أمرٌ جيد. يجب أن نواجه مشاعرنا وأن نتعامل معها، لا أن ننظر للناس أفضل ما لدينا فقط. لو كنت أعرف ما يحدث في الأخبار، فلن أستطيع الإبداع. أحتاج مقداراً معيّناً من (الجهل) لكي يكون لي مشاعر خاصة بي. هذا النوع من الأخطاء ما جعل مني روائية، وجعل من أخطائي روايات.

الروائية البريطانية المبدعة زيدي سميث Zadie Smith في حوار لها مع Jia Tolentino في نيويورك

https://www.theguardian.com/books/2017/sep/21/zadie-smith-says-using-social-media-would-threaten-her-writing
❤1
الأمهات باعتبارهن صانعات للموت
للكاتبة: كلوديا داي – باريس ريفيو
ترجمة: أمينة الحسن
كتبت المسودة الأولى من روايتي (heartbreaker) في عشرة أيام من الجنون، من شهر أغسطس من العام ٢٠١٥م، حينها كان يغطي أذني اليسرى ضمادا بحجم قبضة اليد، يظهر في أسفله أثر قٌطُبِ زرقاء داكنة اللون. عظمي الركابي في الأذن والذي يعتبر أصغر عظم في جسم الكائن الحي، حيث يتم شحنه لتوجيه الصوت في الأذن الوسطى، قد تعطل.  لدي الان خطاف رقيق من التيتانيوم يرفرف في رأسي. وبطريقة خارقة أشبه بالمعجزة عاد سمعي.
اصطحب زوجي ابنينا في رحلة طويلة إلى كوخ صغير على الساحل الشرقي من كندا. ليس باستطاعتي حمل الأشياء الثقيلة ، و عليَ أن أحافظ على نبضات قلبي بمستوى منخفض ـ ولم يكن بإمكاني غسل شعري ثم  تسريحه في عقدة لامعة بالزيت في قمة رأسي. أغلقت هاتفي الخلوي ، و فصلت الهاتف الأرضي و الانترنت كذلك . هذه كانت خطتي بعيدة المنال . ألم يكن جونثان فرانزين يصب الاسمنت في منفذ الذاكرة الخاص به (USB) ، و يعمل في مكتب مستأجر، مفروش بالسجاد… مكتب كأنه فم جهنم! يعمل فيه حتى ينتهي. فأي شخص أمسى اليوم؟ نعم إنها الحرية.
 
لقد كان زوجي مدركا بأن رواية تنمو باضطرام داخلي. و الطريقة الوحيدة لكي أهدأ .. أن أكتبها ، و لكي أكتبها فإن السبيل الوحيد لذلك أن أكون وحيدة ، و لم أكن وحيدة خلال عقد من الزمن ، لأنني أم ، و لا يمكن للأم أن تكون بمفردها قط ، عندما تغسل ، عندما تنام ، عندما تسخط ، هي ليست بمفردها . هذا هو  ما يكون عليه حال الأمهات .  الأطفال يتعلقون في ملابسك ، يعصفونك بالأسئلة .  إنهم مثل النزاع المسلّح ، مثل الحب الجارف ، مثل نهاية العالم ،  يستحوذون على كل المساحة المتاحة فيك .
و أخيرا تم فحص سمعي أثناء حملي بطفلي الثاني ،
و قد لا أتمكن من سماع الكلمات الأولى المبكرة لإبني العزيز ( و سوف أعلم  قريبا أن مرضي هو ذاته الذي أصاب (بتهوفن) و (هوارد هيوز) ، قد تفاقم مع الحمل ). دخلت كابينة الاختبار، غرفة قاتمة من المقابض و الأسلاك ، و أُوصِد الباب الثقيل خلفي .جلست ثم وُضِعت سماعات الرأس الضيقة جدا على رأسي ، جمهوري كان شخص واحد ، أخصائية السمع، وكان لها وجه المبشرات، و قد أثقلته بالمكياج. نظرت ناحيتي من خلال الزجاج السميك. و كما أرشدتني، كنت أضغط على زر جهاز التحكم كلما سمعت نغمة أو كلمة . و يمكنني أن أقول بان هناك ثغرات كبيرة بين ضغطاتي، مقدارا كبيرا من الحياة يجري خارج تجربتي فيها ، الساعة على الحائط بدأت في العد التنازلي ، تخيلت غرف الإعدام للسجناء ، لسنوات عديدة من حياتي ، كما لو أن الصوت كان يعيش على الجانب الآخر من نهر سريع الجريان . و في نقاشاتي مع الآخرين ، أتواصل بشكل جيد جدا بالإشارات ، أعرف تماما ما يعنيه ذلك ، يبدو أن هذه إشارة كافية لما أعانيه.
حين أكون في المنزل يمنحني الصمم تركيزا هائلا  ، و كأن لدي قدرة خارقة على الاستغراق التام . إنه يحيطني بخصوصية عميقة ، و لكن ما أن أصبحت أما ، فإن ذلك ليس أمومي  و أنا أتحمل مسئولية طفل ضعيف و غامض ، لأن صممي يشكل خطرا الآن ،  ( السيارات القادمة ) قالت أخصائية السمع ، و هي تومئ ناحية طفلي الذي تتدلى قدميه من الكرسي في الزاوية المقابلة لمكتبها ، لكنني لست بمفردي  كي أتمكن من  التعبير عن انزعاجي من كلامها . بعدما خرجت من كابينة الاختبار نظرت إليّ الاخصائية بشيء من الحب قائلة ” لا أعرف كيف تعاملتِ مع هذا الأمر كل تلك الفترة الطويلة، لابد وأنك مجْهدة ” كل ذلك فهمته من خلال قراءة الشفتين.
غادرت المبنى الأبيض الكائن في أحد الضواحي وبحوزتي مجموعة تجريبية من المساعِدات السمعية، وحينما أوصدت باب سيارتي، ذهلت من الصوت. أدرت المفتاح لتشغيل السيارة، فإذا بصوت المذياع يهدر، اندفعت ناحية زر التحكم بالصوت، كان الصوت أشبه بالهجوم: طائرة بلا طيّار، ثلاجة، خطوط كهرباء، حركة مرورية، كنت باستمرار أشعر بالدوار هنا، متأهبة للدخيل، وكان الصوت هو الدخيل بذاته، بعد أربعة أشهر انتزعت مساعدِات السمع من أذني وأنجبت طفلي الثاني في أقل من ثلاث ساعات، كنت بحاجة لأن أكون على الجانب الآخر من نهر سريع الجريان. (بالمناسبة، إنه صبي) قالت لي القابلة بعدما عدت إلى الغرفة، إلى العالم! كان جسم الطفل حارا على صدري، لم أفكر أن أسأل عن شيء، كنت أريده، أريده فقط.
بعد خمس سنوات، ها أنا أعيش في جسد ذي سمع، لم أعد أعتمد على الأدوات الصغيرة التي أخفيها تحت المخبأ السميك في شعري، إنني أكتب ـ أكتب بسرعة الحيوان الملاحق من قبل حيوان أكبر منه، وذلك الحيوان الأكبر هو الوقت. ها كم مخططا عموديا لأم فنانة، الخط الأول يمثل الحجم المتزايد من التعبير والحاجة إليه، والخط الثاني يمثل سرعة تبدد الوقت.
أن تكتب فهذا بمثابة أن تكون في حوار مع نفسك، أن تحافظ على كينونتك، لذا تستطيع أن تكتشف سلسلة من الأفكار والمشاعر، إن العدو لهذه العملية هو الاقتحام. الأطفال. بكل ما فيهم من جمال ووطيش وعبقرية غريبة
. يبدون كمقتحمين لمسار نيزك.
حين تصبح المرأة أما، تحدث بداخلها تغييرات عديدة، وكأنها واقعة تحت تأثير سحر، تفقد معها حريتها. في كتابها A Life’s Work تفترض (راشيل كوسك) أن الأم تنقسم في اللحظة التي تشاهد فيها إنسانا آخر يخرج من جسدها، حيث أن تلك اللحظة ذاتها، لا تعد فيها الأم قادرة على أن تصبح وحيدة، ولا تحقق الوحدة بداخلها. كتبت كوسك ” الولادة ليست مجرد ما يفصل النساء عن أنفسهن، بل إن عليهن أن يتفهمن التغيرات المتشكلة بداخلهن، شخص آخر يبقى حيا بعد الولادة في نطاق وعيهن ومستحوذا عليه، فحينما تكون الأم مع ذلك الشخص الآخر تكون ليست هي، وحينما تكون بدونه تكون ليست هي أيضا”.
 
إن العمليات الذهنية للأم، إدراكها، انحرافاتها، تشتتها، حبها لذاتها، يصبح كل ذلك مغمورا في روتين التربية. يندفع أمام دماغ الأم شريط بالأشياء التي يجب أن تتذكرها: الملعقة، ثوب السباحة، الحليب، التطعيمات، وقت الدخول ووقت المغادرة، ٣:١٥. هذه القائمة تعبّر عن الاهتمام. إنها شكل من أشكال الحب، أخبرتني امرأة حكيمة ذات مرة، أن الحب هو الشعور الذي تخلقينه لدى الآخر، الحب هو الشعور الذي تجعلين طفلك يحسه. إنك تنجزين مهام القائمة – القائمة لا تٌقهر، بل تبقى في تزايد مستمر.
 
في روايتها الأخيرة بعنوان (الأمومة) تناقش (شيلا هايتي) ما إذا كان يجب عليها أن تصبح أما، تطرح جميع الأسئلة الممكنة في سؤال واحد. وتتساءل في الثلة الأخير من الكتاب: لكم أتمنى أن أصبح كاتبة جيدة كفاية – أن أعبر فيما أكتبه عما قد يشعر به الإنسان – فإذا لم تكن لدي تجربة الأمومة؟ إذا لم تكن لدي تجربة فيما اعتبرته بشكل متزايد مؤخرا تجربة محورية في الحياة؟ بالنسبة لي فإن الجواب يعتبر منعطفا يشكل حياتي، إذن الجواب لا. يجلب الأطفال معهم الهدايا الغامضة، والمعلومات الجديدة، مع أولادي تمخضت كل مشاعري المستقرة والمضطربة. أخترت الولادة الطبيعية كي أجرب، لأنني أردت أن أعرف ماهي الولادة كي أكتب عنها بعدما نجوت منها.
أنا مثل (هايتي) ولكن على الضفة المقابلة للشاطئ، بالأمومة عملت على خدمة مهنتي الكتابية.
 
أن تكتب رواية فهذا يعني أن تزيح الستار عن ضائقة أو مناقشة أمر ما داخلها. وللقيام بأكثر أمر شخصي وبشكل أدبي – كتبت روايتي (heartbreaker) لأنني قبل عقد من الزمن، حينما كنت حاملا للمرة الأولى، دخل الموت في الحمل، كانت صدمة، وصدمة مريعة، أقحمت نفسها بقسوة داخلي، كان عليّ أن أقلبها بين يديّ مرارا وتكرار، اضطررت للتحديق فيها مليا، لأرى ما ستكشف عنه. ثم أصبحت الصدمة بحجم رواية!
لم ينذرني أحد بأن الموت يقدم مع قدوم أي طفل، سوف ينسل الموت إلى ذهنك، ويحيط بجسدك المتنامي، وبمجرد أن يغادره طفلك، يحيط به الموت أيضا. سيكون من الخطورة أن تحولين انتباهك بعيدا عن طفلك – هكذا يجعلك حضور الموت تشعرين.. لطالما أصبحت المحادثات التي أجريها مع أمهات جدد في حدود ضيقة لا تخرج عن هذه القائمة: البطانية، الحفاظات، والكريمات. كل محادثة أجريها تكون محادثة خاطئة ـ لم تهنئني أي أم لا أردفت: إن أكثر الأفكار سوداوية تستحوذ عليّ، وأنت؟
فكرت بيني وبين نفسي، من أجل ذلك لا تنام الأمهات. لأجل ذلك لا يشحن الأمهات بنظرهن بعيدا عن أطفالهن، حتى حين تكون مكسورة القلب، تعيد الأم نفسها إلى الحياة.
كنت أعرف أنني حاملا حين شممت رائحة احتراق الغراء الذي يربط الشرائط الخشبية ببعضها في غرفة النوم بشقتنا، حينما ذكرت هذه التفاصيل لأحد أصدقائنا لاحقا نظر إلى بطني المستدير قائلا: ذلك أشبه بوضع الفريسة والضحية، جسدك هكذا يجب أن يكون يقظا للأخطار الجديدة أو ما شابه.
كتبت روايتي في كل غرفة فارغة وجدتها ويكون فيها باب يمكنني قفله. كانت هذه الطريقة التي يمكنني بها إسكات تدفق الذكريات وأحاديث النفس. فتح لي الأصدقاء شققهم وأكواخهم، وغادرت أنا بيتي وعملت في كل مكان ستة أيام، ثمانية أيام، أي وقت أختلسه من حياتي. ثم أعود إلى ولديّ الطويلين، وغرف النوم التي بدت خربة! كتبت وكـأنني في سباق سرعة (المسافات القصيرة). إلى حد بعيد ك(جون براين) وهو يدخل غرفة في ( فندق ناشفيل) مع عشرة صناديق من أوراق مرصفة بكلمات الأغاني وثلاث قيثارات، وقيثارة الكلال (البرتغالية) ثم يغادر بعد ذلك بأسبوع وقد انتهى من تأليف ألبوم (شجرة الغفران). إنه يتوجب على المرء أن يحلم كما يحلم نجوم الروك.
وبالرغم من انهماكي، يظل لدي رابط إنساني بالمنزل، كنت أتصل كل ليلة وأستمع إلى صوت ولديّ السعيدين الوالهين، لتأكيد وجودهما، وبالتالي وجودي.
 
في كتابها ” The Perfect Nanny ” تأخذنا ليلى سليماني بالحديث عن الخوف من الموت حتى منتهاه. تبدأ روايتها بهذه الجملة المرعبة ” إن الطفل قد مات ” إن خوف الأم يتركز حول أطفالها. كما يتكشف لنا من تلك الكلمات الأربع الأولى القاسية، أن الأطفال يتعرضون للمخاطر حينما تكون الأم بعيدة عنهم.   ولقد استلهمت سليماني حكايتها من قضية المربية البريطانية( لويز وودوارد) البالغة من العمر تسعة عشر
❤1
عاما، والتي اتهمت بقتل الطفل الذي ترعاه. وطوال فترة محاكمتها لم تكن كراهية عامة الناس موجهة( لوودوارد)، باعتبارها القاتلة، بل إلى أم الطفل العاملة! التي يُنظر إلى غيابها على أنه السلاح الحقيقي لقتله. ونقلت سليماني عن محامي (وودوارد)  ” إذا لم تكن تريد حدوث شيء لأطفالك فعليك أن تتولى رعايتهم بنفسك “. وعلى هذا الاتهام ردت سليماني قائلة: أعتقد أن ذلك أمر قاس للغاية، أن تقنع الناس بفكرة أن تعهد بغيرك لرعاية طفلك أمر سيء، إنها أداة لإقصاء النساء – حيث تنتهي هذه القضايا غالبا بـ ” حسن إذن على المرأة أن تبقى في المنزل “.
وترى الكاتبة (سامانثا هانت) الوجهين المشؤمين ” الأمومة والموت” كوجهين يشكلان العملة المعدنية النسوية.
 
إذا ما تصورنا بأن الموت كجزء من الحمل وتربية الطفل، فقد نتعامل مع النساء بصرامة أكثر، في مقابلتها في مجلة النيويوركر حول قصتها (قصة حب) تقول هانت: إن أكثر ما ينفرني ويغضبني من التمييز الجنسي هو الانتقائية، وتبسيط المرأة في علامات أنثوية محددة. حينما أصبحت أما لم يقل لي أحد ” لقد صنعت الموت، أنت تصنعين موت أطفالك ” في هذه الأثناء لم أستطع التفكير في أي شيء آخر، من المخيف أن نفكر بأن الأمهات صانعات للموت، لكن من المؤكد أن ذلك يمنحهن المزيد من القوة والتعقيد أكثر ما نرى عادة.
” الأمهات باعتبارهن صانعات للموت “صورة روجت لها الثقافة بطريقة  معاكسة بقوة . إن الحمل يشبه الاغتسال تحت ضوء الشمس، وضوء القمر، وتحت ضوء الله، فما هو أكثر جمالا من امرأة حبلى، وهي منجزة الوعد الخالص؟ عقلها مشرق ونقي بينما يتتبع الطفل البريء كتب العلوم الغريبة حول تشكل أظافر قدمه بداخلها.
تحتوي الكتب الأكثر شيوعا عن الحمل ذات الأغلفة المرسومة بالباستيل – مؤكدة على أفكار الأم المرسومة للباستيل، النساء اللواتي رسمن بخطوط باهتة في وضعيات مادونا على كرسي هزاز في ميدان حرب من قصص الخيال العلمي، فيه الوردي والأصفر والأزرق الباهتين. إن جسد المرأة الحامل يجب أن يعود بعد الولادة في أقرب وقت ممكن إلى أبعاده السابقة قبل الحمل، وهذا الوجوب ينطبق على عقلها أيضا. ويجب أن يتوقف أي ذكر للحادثة الصادمة والساحقة التي تملأ روح الأم الجديدة. يجب أن يتوقف أي ذكر للرواية التي تتوق لكتابتها. يجب أن يتوقف أي ذكر للموت.
"ورغم أن نجاح كتاب لي يسعدني جداً، لكنني لست مهووسة بفكرة كوني كاتبة، ولا أعتبر ذلك ميزة عظيمة، ولا أمارسها إلا من باب رغبتي في الفهم، الكتابة وسيلة مقاربة للمعرفة بالنسبة لي."

بشرى خلفان
هكذا تملأ الصور الفنية من «لن أعيش في جلباب أبي» فضاء السوشيال ميديا: صورة عبلة كامل وهي تجلس القرفصاء، مكروبةً متحسرةً حزينة، فتوضع مرة على الجنيه بعد تعويمه، أو تعليقًا ساخرًا على الأنباء السيئة، أو تعبيرًا عن حالة مزاجية عامة. وتنتشر الصور الساخرة والكوميكس واﻟGIF بين الحاج سردينة وعبد الغفور البرعي، كأنها تقدم قطوفًا من الحكمة تتعلق بتفاصيل الحياة اليومية التافهة والجادة.
هناك أمثلة تاريخية تعكس مفاضلات حقيقية بين استقلالية المرأة ومسؤولية الرجال لزوجاتهم. يقترح مان (1985) بأنه إضافة لتبعية الزوجة التي يحققها الزواج المسيحي؛ فإن نساء اليوربا في لاقوس يقبلنه بحماس لأنهن يتوقعنه أن يحميهن. في المقابل: الرجال في زامبيا الآن يقاومون طقوس الزواج المعاصر باعتباره سيحمّلهم مسؤوليات جديدة تجاه أطفالهم ونسائهم (Munachonga 1982).
هناك شكل من أشكال العلاقة الزوجية (أشانتي من غانا) يتيح التفاوض بشكل علني واضح حول “تبادل الخدمات” الجنسي والمادي الذي سيحدث بين الطرفين! وهذا يمكن اعتباره مثال جلي جدًا لأوضح أشكال التفاوض مع النظام الأبوي، وتدور المفاوضات. بالتعليق على هذا النوع من الزيجات (أشانتي)؛ يشير [5](Abu، 1983، p. 156) إلى السمة الأكثر وضوحًا  فيه:  “انفصال الموارد الاقتصادية والأنشطة بين الزوجين” كما يشير لعنصر المساومة العلنية في العلاقة. في هذا النوع من الزيجات؛ التعدد والمسؤوليات والالتزامات بين الأزواج والزوجات لا تعزز مفهوم العائلة أو الأسرة ككيان؛ فالموضوع أشبه بتبادل منافع.
القراءة سبب من أسباب الصمود في هذه الحياة الهشّة، مبعث كل مسراتي الشخصيّة، ومنبع الهبات أيضا.

ليلى عبدالله